Você está na página 1de 66

‫‪1‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬


‫مقدمة‬
‫الحمد لله رب العالمين ‪ ،‬وفيق مين شياء لهيدايته‪ ،‬وأبيان للسيالكين طرييق‬
‫جنته ‪ ،‬وحييذر السييائرين أسييباب نقمتييه ‪ ،‬والصييلة والسييلم علييى ميين جيياء‬
‫بالدوية الشافية ‪ ،‬والجوبة الكافية ‪ ،‬فما مات صلى الله عليه وسلم لحييتى‬
‫ترك المة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ل يزيغ عنها إل هالك أما بعد ‪:‬‬
‫فل تزال ي بحمد الله تعالى ي قوافل العائدين إلى اللييه يي تعييالى يي ميين‬
‫هذه الصحوة الميمونة تعيود إلييى المعييين الصييافي ‪ ،‬والمنبييع الييوافي ‪ ،‬إلييى‬
‫كتاب ربها وسنة نبيها؛ صلى الله عليه وسلم لتنهييل ميين معينهمييا ‪ ،‬وتغييرف‬
‫من بركاتهما ‪ ،‬كل ذلك بعزم وتصييميم ‪ ،‬وهميية وصييلت إلييى الصيميم ‪،‬وإنييك‬
‫لتشعر من عزم شبابها ‪ ،‬ووعيهم لضرورة الجد في استدراك مييا فييات ‪ ،‬مييا‬
‫يجعلك تتفاءل بعييودة تباشييير الصييباح ‪ ،‬وتجييزم بييإذن اللييه يي تعييالى يي بييأن‬
‫المستقبل لهذا الدين ولو كره المشركون ‪.‬‬
‫وصحوة هذا شأنها وتلييك عزمتهييا ميين حقهييا علينييا أن تبييادر بالرعاييية ‪ ،‬وأن‬
‫تحاط بالتربية الجادة ‪ ،‬حتى تصل إلى المرتقى المنشييود ‪ ،‬وتبلييغ المسييتوى‬
‫المحمود ‪.‬‬
‫ولقد كان لعلماء السلم قديما ً وحديثا قدم صييدق فييي ميييدان التربييية‬
‫ورعاية المة من سائر الشرور ‪ ،‬ولعل المام ابن القيم ي رحمه الله ييي يييأتي‬
‫في طليعة أولئك ‪ ،‬حيث دبجت براعتييه تشييخيص الييداء ‪ ،‬وتوصيييف الييدواء ‪،‬‬
‫ومن تلك الكتب العظيمة التي كتبها في هييذا المضييمار) الجواب الكككافي‬
‫لمن سأل عن الدواء الشافي (‪ ،‬وهذا الكتاب بحق يحتيياجه كييل مسييلم‬
‫فهو يعالج قضايا خطيرة من أهمها قضية الشهوة ‪ ،‬وموقف المسييلم منهييا ؟‬
‫و علجها ‪..‬ونحوها من الموضوعات التي أجاد فيها المام ابن القيم ي رحمييه‬
‫الله ي وكتبها بعبارات بليغة ‪ ،‬مع غزارة المنفعة‪.‬‬

‫ولقد كان من اجتهادي القيام بالنتقاء من هييذا الكتيياب مييا يحتيياجه الشييباب‬
‫فإن كان صوابا فمن الله ‪ ،‬وإن كان خطييأ فمنييي والشيييطان واسييتغفر اللييه‬
‫العظيم ‪.‬‬
‫منهج هذا النتقاء‬
‫حرصت في هذا النتقاء على تخليص الكتاب من الستطرادات التي‬
‫استرسل فيها المؤلف ‪ ،‬والتي تقطع على القارئ استرساله واندماجه‬
‫القلبي مع المعاني الوعظية ‪ ،‬فحذفت الستطرادات الفقهية‪،‬وبعض القضايا‬
‫العقدية ‪،‬والثار السرائيلية‪،‬والحاديث الضعيفة )‪ ،(1‬والمعاني المكررة‬
‫‪،‬وكنت أحذف أحيانا لمجرد الختصار في مواضع التطويل ‪.‬‬
‫وقد حرصت على أن يكون الكتاب بأسلوب مؤلفه وأل أدخل عليه‬
‫شيئا وإن اضطررت إلى ذلك وضعته بين قوسين ‪ ،‬وقد وضعت عنوانات‬
‫‪1‬‬
‫)( واعتمدت في هذا على كلم العلماء في التصحيح والتضعيف ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪2‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫جانبية جعلتها بين قوسين ] [ توضح للقارئ المعاني الساسية ‪ ،‬وقد زاد هذا‬
‫الوضوح بعض تقديم وتأخير لجأت إليه ومناقلت من موضع إلى‬
‫موضع‪،‬جمعت المعاني المتماثلة في مكان واحد )‪.(1‬‬
‫وقمت بتخريج أحاديث الكتاب وبعض الثار الواردة عن السلف‬
‫الصالح‪ ،‬وبيان درجة كل حديث ‪ ،‬وقد استفدت كثيرا ً من تحقيق الستاذ‬
‫عامر بن علي بن ياسين لكتاب الجواب الكافي ‪ ،‬وكذا استفدت منه‬
‫العنوانات الجانبية التي وضعها للتوضيح وهذا في الغالب ي فجزاه الله عني‬
‫خيرا ي ‪.‬‬
‫وهكذا فإني أظن أن كتاب ) الجواب الكافي ( الذي تعثر الكثير من‬
‫شبابنا في قراءته والستفادة منه ؛ قد أصبح بهذا النتقاء ‪ ،‬كتابا ً لطيفا ً‬
‫سلسا ً قريبا ً من الجميع ‪ ،‬وصار أهل ً أن أقدمه ليقرأ على مجموعات الشباب‬
‫في المكتبات الخيرية ‪ ،‬والمراكز الصيفية ‪ ،‬والرحلت الخلوية ‪،‬كما أنه يعتبر‬
‫موردا رئيسا ً ‪ ،‬ورافدا ً ثريا يعين الواعظ ‪ ،‬وخطيب الجمعة ‪ ،‬وإمام المسجد ‪.‬‬
‫هذا وإن العناية بهذا الكتاب ‪ ،‬وحفظ ما تيسر مما ورد من الشواهد‬
‫والحكم والقوال الجميلة لمن أعظم ما يعين المربي على معرفة الدواء‬
‫وعلجها ‪ ،‬والجابة عن كثير من أسئلة الحائرين ‪.‬‬
‫وأخيرا ً‪..‬فقد بذلت جهدي ‪ ،‬وأفرغت وسعي وأرجو أن أكون قد وفقت‬
‫لقدم للمكتبة السلمية شيئا جديدا ينفع الله به المة ‪ ،‬كما إني ل أنسى‬
‫في نهاية المطاف أن أشكر الخوة الفضلء والدعاة النبلء الذين أتحفوني‬
‫بتنبيهاتهم التي هي محل التقدير والهتمام)‪. (2‬‬
‫وإني آمل من الجميع إبداء النصيحة لخيهم فالخطأ والتقصير وارد‬
‫ي‬‫ي عيوبي وستر عل ّ‬ ‫والمعصوم من عصمه الله ‪ ،‬ورحم الله من أهدى إل ّ‬
‫عواري اسأل المولى القدير أن ينفع بهذا النتقاء كاتبه وقارئه وأن يجعله‬
‫حجة لنا ل علينا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله‬
‫وصحبه وسلم ‪.‬‬
‫وككتكبكه‬
‫محمد بن عبدالله بن صالح الهبدان‬
‫ص‪.‬ب ‪ 68298:‬الرمز ‪11527 :‬‬
‫‪alhabdan@email.com‬‬
‫جوال ‪055203538 :‬‬
‫هاتف وفاكس ‪2321410 :‬‬

‫‪ () 1‬وفي موطن واحد أضفت كلما لبن القيم ـ رحمه ال ـ استقيته من كتابه زاد المعاد ‪.‬‬
‫‪ ( ) 2‬خاصة فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد وفقه ال تعالى فقد قرأ الكتاب وأفادني بتنبيهات حسان فله مني الشكر‬
‫والمتنان واسأل المنان أن يجعله من أهل الجنان ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪3‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم ‪ ،‬وبه نستعين ‪.‬‬


‫] بيان سبب تأليف الكتاب [‬
‫سئل الشيخ العلمة ابن القيم رحمه الله تعالى ‪:‬‬
‫ما تقول ‪ :‬في رجل ابتلككى ببليككة )‪(1‬وعلككم أنهككا إن اسككتمرت بككه‬
‫أفسدت دنياه وآخرته ‪ ،‬وقد اجتهد فككي دفعهككا عككن نفسككه بكككل‬
‫طريق فما يزداد إل توقدا ً وشدة فمككا الحيلككة فكي دفعهككا ؟ ومككا‬
‫الطريق إلى كشفها ؟ فرحم الله مككن أعككان مبتلككى ‪،‬واللككه فككي‬
‫عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أفتونا مأجورين ‍‪.‬‬
‫فكتب الشيخ رحمه الله الجواب ‪:‬‬
‫] بيان أن الله لم ينيزل داًء إل وأنيزل له دواء [‬
‫الحمد لله ؛ أما بعد ‪ :‬فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة‬
‫عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬ما أنزل الله داء إل أنزل له‬
‫شفاء ")‪، (2‬وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬لكل داء دواء ؛ فإذا أصيب دواء الداء ؛ برأ‬
‫بإذن الله " )‪.. (3‬وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها ‪.‬‬
‫جعَل َْناهُ‬‫وقد أخبر ي سبحانه ي عن القرآن أنه شفاء فقال الله تعالى ‪ )):‬وَل َوْ َ‬
‫قاُلوا ل َوَل فُصل َت آيات َ َ‬ ‫َ‬
‫مُنوا‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬‫ل هُوَ ل ِل ّ ِ‬
‫ي قُ ْ‬
‫ي وَع ََرب ِ ّ‬
‫م ّ‬
‫ج ِ‬
‫ه أأع ْ َ‬‫ّ ْ َ ُ ُ‬ ‫ْ‬ ‫مي ّا ً ل ّ َ‬
‫ج ِ‬ ‫قُْرآنا ً أع ْ َ‬
‫فاء (( ]فصلت ‪[44:‬وقال‪ )) :‬وننيزل من القرآن ما هو شفاء‬ ‫ش َ‬‫دى وَ ِ‬ ‫هُ ً‬
‫ورحمة للمؤمنين ((]السراء ‪.[82:‬‬
‫و‪ ‬من ‪ ‬هاهنا لبيان الجنس ل للتبعيض ؛فإن القرآن كله شفاء ؛ فلم‬
‫ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ول أنفع ول أعظم ول أْنجع في‬
‫إزالة الداء من القرآن ‪.‬‬
‫فصيل‬
‫] هل لمرض الشهوة علج ؟ [‬
‫فإن قيل مع هذا كله ؛ فهل من دواء لهذا الداء العضال ‪،‬ورقية لهذا السحر‬
‫القتال ؟‬
‫وما الحتيال لدفع هذا الخبال ؟ وهل من طريق قاصد إلى التوفيق ؟ وهل‬
‫يمكن السكران بخمرة الهوى أن ُيفيق ؟ وهل يملك العاشق قلبه والعشق‬
‫قد وصل إلى سويدائه ؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من‬
‫سويدائه ؟ وهو إن لمه لئم ؛ التذ بملمه لذكره لمحبوبه ‪،‬وإن عذله عاذل ؛‬
‫أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه‪.‬‬

‫‪ () 1‬لم يبين السائل ول المؤلف ما هذه البلية التي وقع فيها هل هي داء العشق ؟ أم داء اللواط ؟ والذي يظهر من صنيع المام ابن‬
‫القيم ـ رحمه ال ـ أنه لم يخصص هذا أو ذاك بل جعل كلمه على داء الشهوة والتي يدخل فيها مرض العشق واللواط وغيرها من‬
‫المراض ـ عافنا ال وإياكم من ذلك ‪ .‬فتكلم على الجميع وال أعلم ‪.‬‬
‫‪ () 2‬أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (5678‬‬
‫‪ () 3‬أخرجه ‪ :‬مسلم ) ‪. (2204‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪4‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫] علج مرض الشهوة [‬


‫قيل ‪ :‬نعم ‪ .‬الجواب من أصل ‪ ":‬ما أنزل الله من داء ؛ إل جعل له دواء ؛‬
‫علمه من علمه وجهله من جهله " )‪ (1‬والكلم في دواء هذا الداء من‬
‫طريقين ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬حسم مادته قبل حصولها ‪.‬‬
‫والثاني ‪ :‬قلعها بعد نزولها ‪.‬‬
‫وكلهما يسير على من يسره الله عليه ‪ ،‬ومتعذر على من لم يعنه الله ؛‬
‫فإن أزمة المور بيديه ‪.‬‬
‫] التدابير العملية الواقية من مرض الشهوة [‬
‫وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء ] فهي أربعة أمور[ ‪:‬‬
‫‪ ‬أحدهما غض البصر ‪ :‬فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ‪،‬‬
‫ومن أطلق لحظاته ؛ دامت حسراته ‪.‬‬
‫فاللحظات ‪ :‬هي رائد الشهوة ورسولها ‪ ،‬وحفظها أصل حفظ الفرج ؛‬
‫فمن أطلق نظره أورده موارد الهلك ‪.‬‬
‫وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬يا على ل تتبع النظرة‬
‫النظرة ؛ فإنما لك الولى ‪ ،‬وليست لك الخرى ")‪. (2‬‬
‫وقال ‪ " :‬إياكم والجلوس على الطريق "‪ .‬قالوا ‪ :‬يا رسول الله !‬
‫مجالسنا ‪ ،‬مالنا بد منها !! قال ‪" :‬فإن كنتم ل بد فاعلين ؛‬
‫فأعطوا الطريق حقه "قالوا ‪ :‬وما حقه ؟ قال ‪ " :‬غض البصر ‪،‬‬
‫وكف الذى ‪ ،‬ورد السلم " )‪.(3‬‬
‫والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب النسان ؛ فإن النظرة تولد‬
‫خطرة ‪ ،‬ثم تولد الخطرة فكرة ‪ ،‬ثم تولد الفكرة شهوة ‪ ،‬ثم تولد الشهوة‬
‫إرادة ‪ ،‬ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة ‪ ،‬فيقع الفعل ‪ ،‬ول بد ‪ ،‬ما لم يمنع‬
‫منه مانع ‪.‬‬
‫ض البصر أيسُر من الصبر على ألم ما بعده ‪.‬‬ ‫وفى هذا قيل ‪:‬الصبر على غ ّ‬
‫قال الشاعر ‪:‬‬
‫شيرِر‬ ‫مستصَغر ال ّ‬ ‫ن ُ‬ ‫م ْ‬ ‫م النارِ ِ‬ ‫معظ َ ُ‬‫و ُ‬ ‫ث مبداها من النظييرِ‬ ‫ل الحواد ِ‬ ‫ك ّ‬
‫س والوتير‬ ‫ن القو ِ‬ ‫كمبلِغ السْهم بي َ‬ ‫ب صاحِبها‬ ‫ن قل ْ ِ‬ ‫م نظرةٍ بل ََغت م ْ‬ ‫ك ْ‬
‫رَ‬
‫خط ِ‬ ‫ف على ال َ‬ ‫موقو ٌ‬ ‫عين الغي ْد ِ َ‬ ‫في أ ُ‬ ‫ّ‬
‫قلييُبه‬ ‫ف يُ َ‬ ‫َ‬
‫والعبد ُ ما دام ذا طْر ٍ‬
‫ضييرِر‬ ‫سرورٍ عاد َ بال ّ‬ ‫مْرحبا ً ب ِ ُ‬ ‫ل َ‬ ‫جيييَته‬‫مهْ َ‬ ‫ضّر ُ‬ ‫ه ما َ‬‫قل َت َ ُ‬
‫م ْ‬
‫سّر ُ‬ ‫يَ ُ‬
‫ومن آفات النظر ‪ :‬أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات ‪ ،‬فيرى‬
‫العبد ما ليس قادرا ً عليه ول صابرا عنه ‪ ،‬وهذا من أعظم العذاب ‪ :‬أن ترى‬
‫ما ل صبر لك عنه‪ ،‬ول عن بعضه ‪،‬ول قدرة لك عليه ول عن بعضه ‪ .‬قال‬
‫الشاعر ‪:‬‬
‫ك المناظ ُِر‬ ‫ً‬
‫ك يوما أتعبت ْ َ‬ ‫ْ‬
‫لقلب َ‬ ‫ً‬ ‫ك راِئدا‬ ‫َ‬
‫ت طْرفَ َ‬ ‫ْ‬
‫ت متى أرسل َ‬ ‫وك ُن ْ َ‬
‫‪ ()1‬أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (4/278‬من حديث أسامة بن شريك رضي ال عنه ‪ ،‬وصححه اللباني في السلسلة )‪. (451‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أبو داود )‪ (2148‬والترمذي )‪ (2776‬وأحمد )‪ (5/353‬وقد حسنه اللباني في جلباب المرأة المسلمة ص ‪. 77‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (2465‬ومسلم )‪ (2121‬عن أبي سعيد الخدري رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪5‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ت صابُر‬‫ن بعضهِ أن َ‬‫عليهِ ول ع ْ‬ ‫ت قادٌر‬ ‫ت الذي ل ك ُل ّ ُ‬


‫ه أن َ‬ ‫رأي َ‬
‫وقد قيل ‪ :‬إن حبس اللحظات أيسُر من دوام الحسرات ‪.‬‬
‫‪ ‬وفي غض البصر عدة منافع ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أنه امتثال لمر الله ‪ ،‬الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه‬
‫ومعاده ؛ وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك‬
‫وتعالى ‪،‬وما سعد من سعد في الدنيا و الخرة إل بامتثال أوامره ‪ ،‬وما‬
‫شقي من شقي في الدنيا والخرة إل بتضييع أوامره ‪.‬‬
‫الثانية ‪ :‬أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلكه إلى‬
‫قلبه ‪.‬‬
‫الثالثة ‪ :‬أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعّية على الله ؛ فإن إطلق البصر‬
‫يفرق القلب ‪ ،‬ويشتته ‪،‬ويبعده عن الله ‪ ،‬وليس على القلب شيء أضر من‬
‫إطلق البصر ؛ فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه ‪.‬‬
‫الرابعة ‪ :‬أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلق البصر يضعفه ويحزنه ‪.‬‬
‫الخامسة ‪ :‬أنه يكسب القلب نورا ً كما أن إطلقه يكسبه ظلمة ‪ ،‬وإذا‬
‫استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية كما أنه إذا أظلم‬
‫أقبلت سحائب البلء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدع ‪،‬‬
‫وضللة ‪ ،‬واتباع هوى ‪ ،‬واجتناب هدى‪ ،‬وإعراض عن أسباب السعادة ‪،‬‬
‫واشتغال بأسباب الشقاوة ؛ فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب‬
‫قد ذلك النور بقى صاحبه كالعمى الذي يجوس)‪ (1‬في حنادس‬ ‫فإذا فُ ِ‬
‫)‪(2‬‬
‫الظلمات ‪.‬‬
‫السادسة ‪ :‬أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل والصادق‬
‫والكاذب ‪.‬‬
‫وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول ‪ ) :‬من عمر ظاهره باتباع السنة ‪،‬‬
‫وباطنه بدوام المراقبة ‪،‬وغض بصره عن المحارم‪ ،‬وكف نفسه عن‬
‫الشهوات ‪ ،‬واغتذى بالحلل لم تخطئ له فراسة ()‪. (3‬‬
‫)‪(4‬‬
‫وكان ]ابن [ شجاع هذا ؛ ل تخطيء له فراسة ‪.‬‬
‫والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ‪،‬ومن ترك لله‬
‫شيئا عوضه الله خيرا ً منه ‪.‬‬
‫وضه الله بأن يطلق نور بصيرته‬ ‫فإذا غض بصره عن محارم الله ؛ ع ّ‬
‫عوضا ً عن حبس بصره لله ‪ ،‬ويفتح عليه باب العلم واليمان والمعرفة‬
‫والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب ‪.‬‬
‫وضد ّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة ‪ ،‬فقال‬
‫تعالى ‪ )) :‬لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (( ]الحجر ‪[72:‬فوصفهم‬
‫مه الذي هو فساد البصيرة ‪.‬‬ ‫بالسكرة التي هي فساد العقل ‪،‬والعَ َ‬
‫جْوس ‪ :‬طلب الشيء باستقصاء ‪ ،‬والتردد والطواف خلل البيوت والدور في الغارة ‪.‬‬ ‫‪ ()1‬ال َ‬
‫‪2‬‬
‫حْندس ‪ :‬الظلمة ‪ ،‬والليل المظلم ‪.‬‬
‫)( ال ِ‬
‫‪3‬‬
‫)( انظر ‪ :‬حلية الولياء )‪. (10/237‬‬
‫‪4‬‬
‫)( انظر ‪ :‬حلية الولياء )‪. (10/237‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪6‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫مه البصيرة وسكر القلب ؛كما قال‬ ‫فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وع َ َ‬
‫القائل ‪:‬‬
‫كران‬ ‫س ْ‬ ‫ن به ِ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ة َ‬ ‫ومتى إفاق ُ‬ ‫مة ٍ‬ ‫مدا َ‬ ‫سك َْر ُ‬ ‫سك ُْر هوىً و ُ‬ ‫ن ُ‬ ‫كرا ِ‬ ‫س ْ‬‫َ‬
‫وقال الخر ‪:‬‬
‫مجانين‬ ‫ما بال َ‬ ‫م ّ‬ ‫م ِ‬ ‫العشقُ أعظ ُ‬ ‫ت ل َهُ ْ‬
‫م‬ ‫ن تهوى فقل ُ‬ ‫م ْ‬ ‫جنْنت ب ِ َ‬ ‫قالوا ُ‬
‫ن في الحين‬ ‫مجنو ُ‬ ‫صرع ُ ال َ‬ ‫ه وإّنما ي ُ ْ‬ ‫حب ُ ُ‬‫هيَر صا ِ‬ ‫العشقُ ل يستفيقُ الد ّ ْ‬
‫ً‬
‫السابعة ‪ :‬إنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ‪.‬‬
‫فجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة ‪.‬‬
‫ل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها‬ ‫نذ ّ‬ ‫م ْ‬ ‫وضد هذا تجده في المتبع هواه ِ‬
‫وحقارتها وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه ‪ ،‬كما قال الحسن‪):‬إنهم وإن‬
‫ل المعصية ل يفارق‬ ‫طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ؛إن ذ ّ‬
‫قلوَبهم ‪،‬أبى الله إل أن يذل من عصاه ()‪. (1‬‬
‫وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته ‪ :‬فقال تعالى‪:‬‬
‫)) ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (( ]المنافقون ‪[8:‬وقال تعالى )) ول‬
‫تهنوا ول تحزنوا وأنتم العلون إن كنتم مؤمنين (( ]آل عمران ‪.[139:‬‬
‫ْ‬
‫ريد ُ العِّزةَ‬ ‫ن يُ ِ‬ ‫من َ‬
‫كا َ‬ ‫واليمان ‪:‬قول وعمل‪ ،‬ظاهر وباطن ‪ ،‬وقال تعالى‪َ )) :‬‬
‫ن‬ ‫ذي َ‬‫ه َوال ّ ِ‬ ‫ح ي َْرفَعُ ُ‬ ‫صال ِ ُ‬‫ل ال ّ‬‫م ُ‬ ‫ب َوال ْعَ َ‬ ‫م الط ّي ّ ُ‬ ‫صعَد ُ ال ْك َل ِ ُ‬ ‫ميعا ً إ ِل َي ْهِ ي َ ْ‬ ‫ج ِ‬‫فَل ِل ّهِ ال ْعِّزة ُ َ‬
‫ك هُوَ ي َُبوُر (( ]فاطر ‪[10:‬‬ ‫مك ُْر أ ُوْل َئ ِ َ‬ ‫ديد ٌ وَ َ‬ ‫ش ِ‬ ‫ب َ‬ ‫ذا ٌ‬ ‫م عَ َ‬ ‫ت ل َهُ ْ‬ ‫سي َّئا ِ‬‫ن ال ّ‬ ‫مك ُُرو َ‬ ‫يَ ْ‬
‫أي ‪ :‬من كان يريد العزة ؛ فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب‬
‫والعمل الصالح ‪.‬‬
‫)‪(2‬‬
‫وفي دعاء القنوت ‪ " :‬إنه ل يذل من واليت ول يعز من عاديت "‬
‫ومن أطاع الله ؛ فقد واله فيما أطاعه فيه‪،‬وله من العز بحسب‬
‫طاعته‪،‬ومن عصاه ؛ فقد عاداه فيما عصاه فيه ‪ ،‬وله من الذل بحسب‬
‫معصيته ‪.‬‬
‫الثامنة ‪ :‬أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب ؛فإنه يدخل مع‬
‫النظرة ‪ ،‬وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي ؛‬
‫فيمثل له صورة المنظور إليه ‪ ،‬ويزينها ‪ ،‬ويجعلها صنما ً يعكف عليه القلب‬
‫ده ‪ ،‬ويمّنيه ‪ ،‬ويوقد على القلب نار الشهوة ‪ ،‬ويلقى عليه حطب‬ ‫‪،‬ثم ي َعِ ُ‬
‫المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة‪ ،‬فيصير القلب في‬
‫اللهيب ؛ فمن ذلك اللهيب تلك النفاس التي يجد فيها وهج النار ‪ ،‬وتلك‬
‫الزفرات والحرقات ؛ فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب؛ فهو‬
‫في وسطها كالشاة في وسط التنور‪.‬‬
‫جِعل‬ ‫ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة ‪ :‬أن ُ‬
‫لهم في البرزخ تنور من نار ‪ ،‬وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر‬

‫‪1‬‬
‫)( انظر ‪ :‬الحلية )‪ . (2/149‬والطقطقة ‪ :‬صوت حوافر البغال ‪ .‬والهملجة ‪ :‬النقياد والذل ‪ .‬والبراذين ‪ :‬الدواب ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أبو داود )‪ (1425‬والترمذي )‪ (464‬والنسائي )‪ (1744‬وابن ماجه )‪ (1178‬من حديث الحسن بن علي رضي‬
‫ال عنهما ‪.‬قال الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن ‪ .‬وصححه أحمد شاكر واللباني ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪7‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫أجسادهم ؛ كما أراها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في المنام في‬
‫الحديث المتفق على صحته )‪.(3‬‬
‫التاسعة ‪:‬أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والشتغال بها ‪ ،‬وإطلق‬
‫البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه ؛ فينفرط عليه أمره ‪ ،‬ويقع في اتباع‬
‫عن‬‫ه َ‬ ‫ن أ َغ ْ َ‬
‫فل َْنا قَل ْب َ ُ‬ ‫هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه ‪ .‬قال تعالى )) وََل ت ُط ِعْ َ‬
‫م ْ‬
‫مُره ُ فُُرطا ً (( ]الكهف ‪ .[28:‬وإطلق النظر يوجب‬ ‫كا َ‬
‫نأ ْ‬‫واه ُ وَ َ َ‬
‫ذ ِك ْرَِنا َوات ّب َعَ هَ َ‬
‫هذه المور الثلثة بحبسه ‪.‬‬
‫العاشرة ‪:‬أن بين العين والقلب منفذا ً و طريقا ً يوجب اشتغال أحدهما عن‬
‫الخر ‪ ،‬وأن يصلح بصلحه ‪،‬ويفسد بفساده ؛ فإذا فسد القلب ؛فسد‬
‫النظر ‪،‬وإذا فسد النظر؛ فسد القلب ‪ ،‬وكذلك في جانب الصلح ‪.‬‬
‫فإذا خربت العين وفسدت خرب القلييب وفسييد وصييار كالمزبليية الييتي‬
‫هي محل النجاسات والقاذورات والوسيياخ ؛فل يصيلح لسييكنى معرفيية اللييه‬
‫ومحبته و النابة إليه والنس به والسرور بقربييه ‪ ،‬وإنمييا يسييكن فيييه أضييداد‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها ‪.‬‬
‫‪ ‬الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب ‪ :‬اشتغال القلب‬
‫بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه ‪ ،‬وهو إما خوف مقلق أو‬
‫حب مزعج ‪،‬فمتى خل القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا‬
‫المحبوب ‪ ،‬أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب ‪ ،‬أو محبة‬
‫ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب ‪ ،‬و فواته أضر عليه من فوات هذا‬
‫المحبوب‪ ،‬لم يجد ب ُد ّا ً من عشق الصور ‪.‬‬
‫وشرح هذا ‪ :‬أن النفس ل تترك محبوبا ً إل لمحبوب أعلى منه ‪،‬أو خشية‬
‫مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب ‪.‬‬
‫وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين ‪ ،‬إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع‬
‫بنفسه ‪:‬‬
‫أحدهما ‪ :‬بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه ‪،‬‬
‫فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ‪ ،‬ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من‬
‫أعلهما ‪.‬‬
‫ة العقل ‪ ،‬ول ُيعد عاقل ً من كان بضد ذلك ‪،‬بل قد تكون البهائم‬ ‫وهذا خاص ُ‬
‫أحسن حال ً منه ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك ‪.‬‬
‫فكثيرا ً ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه‪ ،‬وهمته‬
‫‪،‬وعزيمته على إيثار النفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ‪.‬‬
‫ومثل هذا ل ينتفع بنفسه ول ينتفع به غيره ‪.‬‬

‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (7047‬ومسلم )‪ (2275‬من حديث سمرة بن جندب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪8‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إل من أهل الصبر واليقين ‪ ،‬فقال تعالى ي‬
‫َ‬ ‫وبقوله يهتدي المهتدون ي ‪ )) :‬وجعل ْنا منه َ‬
‫صب َُروا‬
‫ما َ‬ ‫مرَِنا ل َ ّ‬ ‫ن ب ِأ ْ‬‫دو َ‬ ‫ة ي َهْ ُ‬‫م ً‬‫م أئ ِ ّ‬ ‫َ َ َ َ ِ ُْ ْ‬
‫ن (( ] السجدة ‪[24:‬‬ ‫كاُنوا ِبآَيات َِنا ُيوقُِنو َ‬ ‫وَ َ‬
‫وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به الناس ‪ ،‬وضد ذلك ل ينتفع بعلمه ‪،‬ول‬
‫ينتفع به غيره ‪.‬‬
‫ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ول ينتفع به غيره ‪.‬‬
‫فالول ‪ :‬يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره ‪.‬‬
‫ئ نوره فهو ؛ يمشي في الظلمات ومن تبعه في‬ ‫ف َ‬ ‫والثاني ‪ :‬قد ط ُ ِ‬
‫ظلمته ‪.‬‬
‫والثالث ‪ :‬يمشي في نوره وحده ‪.‬‬
‫] والطريق الثالث المانع من حصول تعلق القلب ‪:‬حفظ‬
‫الخطرات [ وشأنها أصعب ؛ فإنها مبدأ الخير والشر ‪ ،‬ومنها تتولد الرادات‬
‫والهمم والعزائم ‪.‬‬
‫فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ‪،‬ومن غلبته خطراته فهواه‬
‫ونفسه له أغلب ‪،‬ومن استهان بالخطرات ؛ قادته قهرا ً إلى الهلكات ‪.‬‬
‫ى باطلة قال تعالى‪:‬‬ ‫من ً‬ ‫ول تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير ُ‬
‫َ‬
‫جاءهُ‬‫ذا َ‬ ‫حّتى إ ِ َ‬ ‫ماء َ‬ ‫ن َ‬‫مآ ُ‬ ‫ه الظ ّ ْ‬ ‫سب ُ ُ‬‫ح َ‬ ‫قيعَةٍ ي َ ْ‬‫ب بِ ِ‬‫سَرا ٍ‬ ‫م كَ َ‬ ‫مال ُهُ ْ‬ ‫فُروا أع ْ َ‬ ‫ن كَ َ‬‫ذي َ‬ ‫))َوال ّ ِ‬
‫ب ((‬ ‫سا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ريعُ ال ْ ِ‬ ‫س ِ‬‫ه َ‬ ‫ه َوالل ّ ُ‬ ‫ساب َ ُ‬‫ح َ‬ ‫عند َه ُ فَوَّفاه ُ ِ‬ ‫جد َ الل ّ َ‬
‫ه ِ‬ ‫شْيئا ً وَوَ َ‬ ‫جد ْه ُ َ‬‫م يَ ِ‬ ‫لَ ْ‬
‫]النور ‪.[39:‬‬
‫وأخس الناس همة ‪،‬و أوضعهم نفسا ً من رضي من الحقائق بالماني الكاذبة‬
‫‪ ،‬واستجلبها لنفسه ‪ ،‬وتحلى بها ‪.‬‬
‫وهي ي لعمر الله ي رؤوس أموال المفلسين ومتاجر الباطلين ‪ ،‬وهي أضر‬
‫ط والحسرة‬ ‫شيء على النسان ‪،‬وتتولد من العجز والكسل‪،‬وُتوّلد التفري َ‬
‫والندامة ‪.‬‬
‫ول صورتها في قلبه ‪،‬‬ ‫والمتمّني لما فاته مباشرة الحقيقة بجسمه ‪ ،‬ح ّ‬
‫ورها فكره‪،‬وذلك‬ ‫ص ّ‬‫وعانقها‪ ،‬وضمها إليه ‪ ،‬فقنع بوصال صورةٍ وهمية خالية َ‬
‫ل يجدي عليه شيئا ً ‪ ،‬وإنما مثله مثل الجائع والظمآن ؛يصور في وهمه‬
‫صورة الطعام والشراب‪،‬وهو ل يأكل ول يشرب ‪.‬‬
‫والسكون منه إلى ذلك واستجلبه يدل على خساسة النفس ووضاعتها ‪.‬‬
‫خطرة ل‬ ‫وإنما شرف النفس وزكاؤها وطهارتها وعلوها بأن ينفى عنها كل َ‬
‫خطرها بباله ‪،‬ويأنف لنفسه منها ‪.‬‬ ‫حقيقة لها ‪ ،‬ول يرضى أن ي ُ ْ‬
‫ثم الخطرت ك بعد ك أقسام تدور على أربعة أصول ‪:‬‬
‫ي خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه ‪.‬‬
‫ي وخطرات يستدفع بها مضار دنياه ‪.‬‬
‫ي وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته ‪.‬‬
‫ي وخطرات يستدفع بها مضار آخرته ‪.‬‬
‫فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه القسام الربعة‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪9‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فإذا انحصرت له فيها ؛ فما أمكن اجتماعه منها ؛لم يتركه لغيره ‪ ،‬وإذا‬
‫تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الهم فالهم الذي يخشى‬
‫فوته ‪.‬‬
‫والتحكيم في هذا الباب ‪ :‬للقاعدة الكبرى التي يكون عليها مدار الشرع‬
‫والقدر وإليها يرجح الخلق والمر ‪،‬وهي ‪ :‬إيثار أكبر المصلحتين‬
‫وأعلهما وإن فاتت المصلحة التي هي دونها ‪ ،‬والدخول في‬
‫صل‬ ‫ة ل ُِيح ّ‬
‫ت مصلح ٌ‬ ‫و ُ‬
‫أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها‪ .‬فتف ّ‬
‫ما هو أكبر منها ‪ ،‬ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها ‪.‬‬
‫فخطرات العاقل وفكره ل يتجاوز ذلك ‪ ،‬وبذلك جاءت الشرائع ‪ ،‬ومصالح‬
‫الدنيا والخرة ل تقوم إل على ذلك ‪.‬‬
‫كر وأجّلها وأنفعها ما كان لله والدار الخرة ‪.‬‬ ‫ف َ‬‫وأعلى ال ِ‬
‫فما كان لله ؛ فهو أنواع ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الفكرة في آياته المنيزلة ‪ ،‬وتعقلها‪ ،‬وفهم مراده منها‪ ،‬ولذلك‬
‫أنزلها الله تعالى ‪ ،‬ل لمجرد تلوتها بل التلوة وسيلة ‪ ،‬قال بعض السلف ‪:‬‬
‫أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلوته عمل ً ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬الفكرة في آياته المشهودة ‪،‬والعتبار بها ‪ ،‬والستدلل بها على‬
‫أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه وبره وجوده ‪.‬‬
‫وقد حث الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها‪،‬وذم‬
‫الغافل عن ذلك ‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬الفكرة في آلئه ‪،‬وإحسانه ‪،‬وإنعامه على خلقه بأصناف النعم‪،‬‬
‫وسعة مغفرته ورحمته وحلمه ‪.‬‬
‫وهذه النواع الثلثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه‪.‬‬
‫ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر َيصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة‬
‫تامة ‪.‬‬
‫الرابع ‪ :‬الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل ‪.‬‬
‫وهذه الفكرة عظيمة النفع ‪ ،‬وهي باب لكل خير ‪،‬وتأثيرها في كسر النفس‬
‫سرت ؛ عاشت النفس المطمئنة ‪،‬وانتعشت ‪،‬وصار‬ ‫المارة بالسوء ‪،‬ومتى ك ُ ِ‬
‫الحكم لها ‪،‬فحيي القلب ‪ ،‬ودارت كلمته في مملكته ‪ ،‬وبث أمراءه وجنده‬
‫في مصالحه ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬الفكرة في واجب الوقت ‪،‬ووظيفته ‪،‬وجمع الهم كله عليه ‪.‬‬
‫فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ؛ضاعت عليه مصالحه كلها ‪.‬‬
‫فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت ‪ ،‬فمتى أضاع الوقت لم يستدركه‬
‫أبدا ‪ ،‬قال الشافعي رضى الله عنه ‪ :‬صحبت الصوفية فلم أستفد منهم‬
‫سوى حرفين ‪ :‬أحدهما قولهم ‪:‬الوقت سيف ؛ فإن لم تقطعه قطعك ‪،‬‬
‫وذكر الكلمة الخرى ‪:‬ونفسك إن أشغلتها بالحق وإل؛ شغلتك بالباطل ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪10‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فوقت النسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته البدية في النعيم‬


‫المقيم ‪،‬ومادة المعيشة الضنك في العذاب الليم ‪ ،‬وهو يمر أسرع من مر‬
‫السحاب ‪.‬‬
‫فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره ‪،‬وغير ذلك ليس محسوبا ً‬
‫من حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم ‪.‬‬
‫فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والماني الباطلة ‪،‬وكان خير ما قطعه‬
‫بالنوم والبطالة فموت هذا خير له من حياته ‪.‬‬
‫وإذا كان العبد ي وهو في الصلة ي ليس له من صلته إل ما عقل منها ؛‬
‫فليس له من عمره إل ما كان فيه بالله وله ‪.‬‬
‫وما عدا هذه القسام من الخطرات والفكر؛ فإما وساوس‬
‫شيطانية ‪،‬و إما أماني باطلة وخدع كاذبة ‪ ،‬بمنيزلة خواطر المصابين‬
‫في عقولهم من السكارى والموسوسين ‪ ،‬ولسان حال هؤلء يقول عند‬
‫انكشاف الحقائق ‪:‬‬
‫ت أّيامي‬ ‫ضّيع ُ‬
‫ت فقد ْ َ‬ ‫ما قد ْ لقي ُ‬ ‫م‬ ‫من ْزَِلتي في الحشرِ ِ‬
‫عْندك ُ ُ‬ ‫ن َ‬ ‫ن كا َ‬ ‫إ ْ‬
‫حلم‬‫ثأ ْ‬‫ضغا َ‬ ‫م أحسُبها أ ْ‬ ‫فسي بها َزمينا ً واليو َ‬ ‫تن ْ‬
‫ظـفر ْ‬‫ة َ‬ ‫من ِي ّ ٌ‬
‫أ ْ‬
‫واعلم أن ورود الخاطر ل يضر‪ ،‬وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته ‪.‬‬
‫فالخاطر كالمار على الطريق ؛فإن لم تستدعه وتركته مر وانصرف عنك ‪،‬‬
‫وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره ‪.‬وهو أخف شيء على النفس‬
‫الفارغة بالباطلة ‪،‬وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية‬
‫المطمئنة ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] الطريق الرابع المانع من حصول تعلق القلب الدعاء [‬
‫والدعاء من أنفع الدوية ‪ ،‬وهو عدو البلء ؛ ويعالجه ويمنع نزوله ‪،‬‬
‫ويرفعه أو يخففه إذا نزل ‪ ،‬وهو سلح المؤمن ‪ .‬وقد روى الحاكم في‬
‫صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت ‪ :‬قال لي رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ " :‬ل ُيغني حذر من قدر ‪ ،‬والدعاء ينفع مما نزل ‪ ،‬ومما لم‬
‫يْنزل ‪ ،‬وإن البلء ليْنزل ‪ ،‬فيلقاه الدعاء ‪ ،‬فيتعلجان إلى يوم القيامة " )‪. (1‬‬
‫فصل‬
‫] استعجال الستجابة يفوت أثر الدعاء [‬
‫ومن الفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه ‪ :‬أن يستعجل العبييد ‪،‬‬
‫ويستبطئ الجابة ‪،‬فيستحسر ‪ ،‬ويدع الدعاء ‪..‬وفى البخاري من حييديث أبييي‬
‫هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ ":‬يستجاب لحدكم ما لييم‬
‫)‪(2‬‬
‫يعجل يقول ‪ :‬دعوت فلم يستجب لي"‬

‫‪ ()1‬أخرجه ‪ :‬الحاكم )‪ (1/492‬وصححه ‪ .‬وقد حسنه اللباني في صحيح الجامع )‪. (7739‬وقوله ‪ " :‬يعتلجان ‪ :‬أي يصطرعان ‪.‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (6340‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪11‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فصل‬
‫] متى يستجاب الدعاء ؟ [‬
‫إذا جمع مع الدعاء ‪ :‬حضور القلب وجمعيتييه بكليتييه علييى المطلييوب ‪،‬‬
‫وصادف وقتا ً من أوقات الجابككة السككتة وهككي ‪ :‬الثلييث الخييير ميين‬
‫الليل ‪ ،‬وعند الذان ‪ ،‬وبييين الذان والقاميية ‪ ،‬وأدبييار الصييلوات المكتوبييات ‪،‬‬
‫وعند صعود المام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلة ‪ ،‬وآخر ساعة‬
‫بعد العصر من ذلك اليوم ‪.‬‬
‫وصادف ‪:‬خشوعا ً في القلب وانكسارا ً بين يدي الرب وذل ً له وتضرعا ورقة‬
‫‪ ،‬واستقبل الداعي القبلة ‪ ،‬وكان على طهييارة ‪ ،‬ورفع يييديه إلييى اللييه‬
‫تعالى ‪ ،‬وبدأ بحمد الله والثناء عليه‪ ،‬ثم ثنى بالصلة على محمد عبده ‪،‬‬
‫ثم قدم بين يدي حاجته التوبككة والسييتغفار ‪ ،‬ثككم دخككل علككى اللككه‬
‫وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبيية ورهبيية وتوسييل إليييه بأسييمائه‬
‫وصفاته وتوحيده ‪ ،‬وقدم بين يدي دعائه صدقة ‪.‬‬
‫فإن هذا الدعاء ل يكاد يرد أبدا ً ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] بين سلطان الشهوة وسلطان العقل واليمان [‬
‫إن العبد ل يترك ما يحب ويهواه إل لما يحبه ويهواه ‪ ،‬ولكن يترك أضييعفهما‬
‫محبة لقواهما محبة ‪ ،‬كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنييده‬
‫من كراهة ما يفعله ‪،‬أو لخلص من مكروه كراهته عنده أقوى من كراهة مييا‬
‫يفعله ‪.‬‬
‫وخاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين علييى أدناهمييا ‪ ،‬وأيسيير المكروهييين‬
‫على أقواهما ‪ .‬وهذا من كمال قوة الحب والبغض ‪.‬‬
‫ول يتم له هذا إل بأمرين ‪ :‬قوة الدراك ‪ ،‬وشجاعة القلب ‪.‬‬
‫فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلفه يكون ‪ :‬إما لضعف الدراك ؛بحيث إنه‬
‫لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي عليه ‪،‬و إما لضعف في‬
‫النفس وعجز في القلب ؛ بحيث ل يطاوعه إيثار الصلح له مع علمه بأنه‬
‫الصلح ‪.‬‬
‫فإذا صح إدراكه ‪ ،‬وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب العلى‬
‫والمكروه الدنى فقد وُّفق لسباب السعادة ‪.‬‬
‫فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله‬
‫وإيمانه ‪،‬فيقهر الغالب الضعيف ‪.‬‬
‫ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته ‪.‬‬
‫وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره ‪،‬فتأبى عليه نفسه‬
‫وشهوته إل تناوله ‪،‬ويقدم شهوته على عقله ‪،‬وتسميه الطباء ‪ :‬عديم‬
‫المروءة ؛ فهكذا أكثر مرضى القلوب ؛ يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة‬
‫شهوتهم له ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪12‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فأصل الشر من ضعف الدراك ‪ ،‬وضعف النفس ودناءتها ‪ ،‬وأصل الخير‬


‫الدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها ‪.‬‬ ‫من كمال‬
‫فالحب والرادة أصل كل فعل ومبدؤه ‪،‬والبغض والكراهة أصل كل ترك‬
‫ومبدؤه‪ .‬وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] الطريق النفع للوصول إلى السعادة [‬
‫وكل واحد مين الفعيل واليترك الختيياريين إنمييا ييؤثره الحييي لميا فييه مين‬
‫حصول المنفعة التي يلتذ بحصيولها أو زوال الليم اليذي يحصييل ليه الشييفاء‬
‫بزواله ‪،‬ولهذا يقال‪:‬شفاء صدره وشفاء قلبه‪ ،‬وقال ‪:‬‬
‫وليس منها شفاُء الداِء مبذو ُ‬
‫ل‬ ‫ت بها‬
‫هي الشفاُء لدائي لو ظفر ُ‬
‫وهذا مطلوب يؤثره العاقل ‪ ،‬حتى الحيوان البهيم ‪،‬ولكن يغلط فيه أكثر‬
‫الناس غلطا ً قبيحا ً ‪ ،‬فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم اللم ‪،‬فيؤلم‬
‫نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ‪ ،‬ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية‬
‫المرض ‪.‬‬
‫وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلحظ العواقب ‪.‬‬
‫ة العقل النظر في العواقب ‪ :‬فأعقل الناس من آثر لذته وراحته‬ ‫ص ُ‬
‫وخا ّ‬
‫ه الخلق من باع نعيم‬ ‫س َ‬ ‫َ‬
‫ف ُ‬ ‫الجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة ‪ ،‬وأ ْ‬
‫البد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي ل تنغيص فيها ‪ ،‬ول نقص‬
‫بوجه ما بلذة منقضية مشوبة باللم والمخاوف ‪ ،‬وهي سريعة الزوال‬
‫وشيكة النقضاء ‪.‬‬
‫قال بعض العلماء ‪ :‬فكرت في سعي العقلء ‪ ،‬فرأيت سعيهم كله في‬
‫مطلوب واحد ‪،‬وإن اختلفت طرقهم في تحصيله ‪،‬رأيتهم جميعا ً إنما يسعون‬
‫في دفع الهم والغم عن نفوسهم ؛ فهذا في الكل والشرب ‪،‬وهذا بالتجارة‬
‫والكسب ‪،‬وهذا بالنكاح‪ ،‬وهذا بسماع الغناء والصوات المطربة ‪،‬وهذا باللهو‬
‫واللعب ‪ ،‬فقلت ‪ :‬هذا المطلوب مطلوب العقلء ‪ ،‬ولكن الطرق كلها غير‬
‫موصلة إليه ‪ ،‬بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده ‪ ،‬ولم أر في جميع هذه‬
‫ة إليه إل القبال على الله ‪،‬ومعاملته وحده وإيثار‬ ‫الطرق كلها طريقا موصل ً‬
‫مرضاته على كل شيء ‪،‬فإن سالك هذا الطريق ‪:‬‬
‫إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي ل فوت معه ‪.‬‬
‫وإن حصل للعبد حصل له كل شيء ‪،‬وإن فاته فاته كل شيء ‪ ،‬وإن ظفر‬
‫بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه ‪ ،‬فليس للعبد أنفع من هذا‬
‫الطريق ‪،‬ول أوصل منها إلى لذاته وبهجته وسعادته ‪ ،‬وبالله التوفيق ‪.‬‬
‫فيصل‬
‫] عشق الصور وأضراره [‬
‫]هذا[ الفصل متعلق بعشق الصور ‪ ،‬وما فيه من المفاسد العاجلة والجلة ‪،‬‬
‫وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات ‪ ،‬وإذا فسد‬
‫فسدت الرادات والقوال والعمال ‪ ،‬وفسد ثغر التوحيد ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪13‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من‬


‫الناس ‪،‬وهم ‪ :‬اللوطية ‪،‬والنساء ‪.‬‬
‫‪ ] ‬الطائفة الولى ‪ :‬النساء [‬
‫فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به ‪،‬وأخبر‬
‫عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه ‪ ،‬مع أن الذي ابتلي‬
‫به أمر ل يصبر عليه إل من صّبره الله عليه ؛ فإن موافقة الفعل بحسب‬
‫قوة الداعي وزوال المانع ‪.‬‬
‫] الدواعي التي تهيأت ليوسف عليه السلم لفعل الزنى [‬
‫وكان الداعي ها هنا في غاية القوة ‪،‬وذلك لوجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة ؛كما‬
‫يميل العطشان إلى الماء والجائع إلى الطعام ‪ ،‬حتى إن كثيرا ً من الناس‬
‫يصبر عن الطعام والشراب ول يصبر عن النساء ‪.‬‬
‫وهذا ل يذم إذا صادف حلل ً ‪،‬بل يحمد ‪.‬‬
‫ن يوسف عليه السلم كان شابا ً ‪،‬وشهوة الشباب وحد ُّته أقوى ‪.‬‬ ‫الثاني ‪ :‬أ ّ‬
‫سيّريّية تكسر شدة الشهوة ‪.‬‬ ‫الثالث ‪ :‬أنه كان عزبا ل زوجة له ول ُ‬
‫الرابع ‪ :‬أنه كان في بلد غربة يتأ َّتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما ل‬
‫يتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه ‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬أن المرأة كانت ذات منصب وجمال ؛ بحيث إن كل واحد من‬
‫هذين المرين يدعو إلى موافقتها ‪.‬‬
‫السادس ‪ :‬أنها غير ممتنعة ول أبّية ؛ فإن كثيرا ً من الناس يزيل رغبته في‬
‫المرأة إباؤها وامتناعها ؛لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها ‪.‬‬
‫مؤنة الطلب‪،‬وذل الرغبة‬ ‫جهْد َ ؛ فكفته ُ‬ ‫ت ال ُ‬ ‫ت وبذل ِ‬ ‫ت وأراد ْ‬ ‫السابع ‪:‬أنها طلب ْ‬
‫إليها ‪ ،‬بل كانت هي الراغبة الذليلة ‪،‬وهو العزيز المرغوب إليه ‪.‬‬
‫الثامن ‪ :‬أنه في دارها ‪،‬وتحت سلطانها وقهرها ؛بحيث يخشى إن لم‬
‫يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعي الرغبة والرهبة ‪.‬‬
‫م عليه هي ول أحد ٌ من جهتها ؛فإنها هي الطالبة‬ ‫التاسع ‪:‬أنه ل يخشى أن ت َن ِ ّ‬
‫والراغبة ‪،‬وقد غلقت البواب وغ َي َّبت الرقباء ‪.‬‬
‫العاشر ‪ :‬أنه كان مملوكا ً لها في الدار ؛ بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها‬
‫كر عليه‪ ،‬وكان النس سابقا ً على الطلب ‪،‬وهو من أقوى الدواعي ؛‬ ‫ول ي ُن ْ َ‬
‫كما قيل لمرأة شريفة من أشراف العرب ما حملك على الزنى ؟ قالت ‪:‬‬
‫سواد ؛ تعني ‪ :‬قرب وساد الرجل من وسادتي وطول‬ ‫قرب الوساد وطول ال ّ‬
‫السواد بيننا ‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫الحادي عشر ‪ :‬أنها استعانت عليه بأئمة المكر والحتيال ‪،‬فأرته إياهن‬
‫وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه ‪ ،‬فاستعان هو بالله عليهن فقال‪)) :‬‬
‫َ‬
‫عّني‬‫ف َ‬ ‫ر ْ‬ ‫وإ ِل ّ ت َ ْ‬
‫ص ِ‬ ‫ه َ‬ ‫عون َِني إ ِل َي ْ ِ‬ ‫ما ي َدْ ُ‬ ‫م ّ‬‫ي ِ‬‫ب َ إ ِل َ ّ‬‫ح ّ‬‫نأ َ‬ ‫ج ُ‬ ‫س ْ‬
‫ب ال ّ‬ ‫ل َر ّ‬ ‫قا َ‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫ن (( ]يوسف ‪. [33:‬‬ ‫هِلي َ‬ ‫جا ِ‬ ‫ن ال ْ َ‬‫م َ‬‫كن ّ‬ ‫وأ ُ‬‫ن َ‬ ‫ه ّ‬ ‫ص ُ َ‬
‫ب إ ِلي ْ ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫ه ّ‬ ‫ك َي ْدَ ُ‬
‫‪1‬‬
‫) ( وهن النساء اللتي قطعن أيديهن ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪14‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫عدته بالسجن والصغار ‪،‬وهذا نوع إكراه ؛ إذ هو تهديد‬ ‫الثاني عشر ‪ :‬أنها تو ّ‬
‫ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به ؛ فيجتمع داعي الشهوة وداعي‬
‫السلمة من ضيق السجن والصغار‪.‬‬
‫الثالث عشر ‪ :‬أن الزوج لم ي ُظ ْهِْر من الغيرةِ والنخوة ما يفرق به بينهما‬
‫ويبعد ْ ك ُل ً منهما عن صاحبه ‪ ،‬بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف‪:‬‬
‫ن((‬ ‫خاط ِِئي َ‬‫ن ال ْ َ‬‫م َ‬
‫ت ِ‬ ‫كن ِ‬‫ك ُ‬ ‫ك إ ِن ّ ِ‬‫ذنب ِ ِ‬ ‫ري ل ِ َ‬ ‫ف ِ‬‫ست َغْ ِ‬‫)) أعرض عن هذا (( وللمرأة ))َوا ْ‬
‫] يوسف ‪[29:‬وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع ‪ ،‬وهنا لم يظهر منه‬
‫غيرة ‪.‬‬
‫ومع هذه الدواعي كلها ؛ فقد آثر مرضاة الله وخوفه ‪،‬وحمله‬
‫حبه لله على أن اختار السجن على الزنى فقال ‪ )) :‬قال رب‬
‫السجن أحب إلي مما يدعونني إليه (( ]يوسف ‪[33:‬وعلم أنه ل‬
‫يطيق صرف ذلك عن نفسه ‪،‬وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه‬
‫كيدهن ؛صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين ‪،‬هذا من كمال معرفته بربه‬
‫وبنفسه ‪.‬‬
‫كم ما يزيد على ألف‬ ‫ح َ‬ ‫وفي هذه القصة من العبر والفوائد وال ِ‬
‫فائدة لعلنا إن وفقنا الله أن نفردها في مصنف مستقل ‪.‬‬
‫فيصل‬
‫والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم ‪ :‬اللوطية ‪.‬‬
‫ن‬
‫ل إِ ّ‬‫قا َ‬ ‫ن}‪َ {67‬‬ ‫شُرو َ‬ ‫ست َب ْ ِ‬ ‫ة يَ ْ‬ ‫دين َ ِ‬ ‫م ِ‬ ‫ل ال ْ َ‬ ‫ه ُ‬ ‫جاء أ َ ْ‬ ‫و َ‬ ‫كما قال تعالى ‪َ )) :‬‬
‫ن}‪{69‬‬ ‫خُزو ِ‬ ‫ول َ ت ُ ْ‬‫ه َ‬ ‫قوا الل ّ َ‬ ‫وات ّ ُ‬
‫ن}‪َ {68‬‬ ‫حو ِ‬ ‫ض ُ‬ ‫ف َ‬ ‫فل َ ت َ ْ‬ ‫في َ‬ ‫ضي ْ ِ‬‫ؤلء َ‬ ‫ه ُ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫م‬ ‫ؤلء ب ََناِتي ِإن ُ‬
‫كنت ُ ْ‬ ‫ه ُ‬ ‫ل َ‬ ‫قا َ‬ ‫ن}‪َ {70‬‬ ‫مي َ‬ ‫عال َ ِ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ع ِ‬ ‫ك َ‬ ‫ه َ‬ ‫م ن َن ْ َ‬‫ول َ ْ‬‫قاُلوا أ َ‬ ‫َ‬
‫ن (( ]الحجر ‪-67:‬‬ ‫هو َ‬ ‫م ُ‬ ‫ع َ‬ ‫م يَ ْ‬ ‫ه ْ‬‫سك َْرت ِ ِ‬ ‫في َ‬ ‫م لَ ِ‬ ‫ه ْ‬ ‫ك إ ِن ّ ُ‬‫مُر َ‬ ‫ع ْ‬‫ن}‪ {71‬ل َ َ‬ ‫عِلي َ‬
‫فا ِ‬ ‫َ‬
‫‪[72‬فهذا من العشق ‪.‬‬
‫حّرم عليه من الصور ‪،‬‬ ‫شقَ كل منهما ما ُ‬ ‫فحكاه سبحانه عن طائفتين ؛ ع َ ِ‬
‫ولم يبال بما في عشقه من الضرر ‪.‬‬
‫] عظم داء العشق وأقسام أصحابه [‬
‫وهذا داء أعي الطباء دواؤه ‪،‬وعز عليهم شفاؤه ‪،‬وهو لعمر الله‬
‫الداء العضال والسم القتال ‪ ،‬الذي ما علق بقلب ؛ إل وعّز على‬
‫ره ‪ ،‬ول اشتعلت ناره في مهجة ؛ إل‬ ‫الورى استنقاذه من إسا ِ‬
‫وصعب على الخلق تخليصها من ناره ‪.‬‬
‫وهو أقسام ‪:‬‬
‫تارة يكون كفرا ً ‪ ،‬كمن اتخذ معشوقه ِندا ً ‪ ،‬يحبه كما يحييب اللييه ؛فكيييف‬
‫؟ فهذا عشق ل يغفر لصاحبه‬ ‫إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه ‍‬
‫؛ فإنه من أعظم الشرك ‪،‬والله ل يغفيير أن يشييرك بييه ‪،‬وإنمييا يغفيير بالتوبيية‬
‫الماحية ما دون ذلك ‪.‬‬
‫وعلمة هذا العشق الشركي الكفري ‪ :‬أن يقدم العاشق رضى‬
‫ظه وحق ربه‬ ‫معشوقه على رضى ربه‪ ،‬وإذا تعارض عنده حقّ معشوقه و ح ّ‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪15‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وطاعته؛ قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه ‪ ،‬وبذل‬
‫لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه‪ ،‬وبذل لربه ي إن بذل ي أردأ ما عنده‬
‫‪،‬واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه ‪ ،‬وجعل لربه ي‬
‫إن أطاعه ي الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته ‪.‬‬
‫فتأمل حال أكثر عشاق الصور ؛هل تجدها إل مطابقككة لككذلك ؟!‬
‫ثم ضع حالهم في كفة‪ ،‬وتوحيدهم وإيمانهم في كفة‪،‬ثم زن وزنا يرضى اللييه‬
‫به ورسوله ويطابق العدل! وربما صرح العاشق منهييم بييأن وصييل معشييوقه‬
‫أحب إليه من توحيد ربه كما قال الفاسق الخبيث )‪:(1‬‬
‫ن الّتوحيدِ‬ ‫م َ‬‫حلى فيه ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫هُ ّ‬ ‫ت‬‫شفا ٍ‬ ‫ن َفمي َر َ‬ ‫م ْ‬‫ن ِ‬ ‫ف َ‬‫ي ََترش ْ‬
‫وكما صرح الخبيث الخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه‬
‫فعياذا ً بك اللهم من هذا الخذلن ومن هذا الحال قال الشاعر ‪:‬‬
‫ل‬
‫ق الجلي ِ‬ ‫ن رحمةِ الخال ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ك أشهى إلى فؤادي‬ ‫وصل ُ َ‬
‫ول ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك ‪.‬‬
‫وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة‬
‫‪،‬بل قد ملك معشوُقه عليه قلبه كّله ‪ ،‬فصار عبدا ً مخلصا ً من كل وجه‬
‫لمعشوقه !‬
‫فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلله بعبودية المخلوق مثله ؛ فإن‬
‫العبودية هي كمال الحب والخضوع ‪،‬وهذا قد استغرق قوة حبه‬
‫وخضوعه وذله لمعشوقه؛ فقد أعطاه حقيقة العبودية ‪.‬‬
‫ول نسبة بين مفسدة هذا المر العظيم ومفسدة الفاحشة ؛ فإن تلك ذنب‬
‫كبير لفاعله حكمه حكم أمثاله ‪ ،‬ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك !‬
‫ي‬ ‫ُ‬
‫وكان بعض الشيوخ يقول ‪ :‬لئن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إل ّ‬
‫من أن ُأبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] علج العشق [‬
‫ودواء هذا الداء القتال ‪:‬‬
‫أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما هو من جهله‬
‫وغفلة قلبه عن الله ‪ ،‬فعليه ‪:‬‬
‫أن يعرف توحيد ربه و سننه وآياته أول ً ‪.‬‬
‫ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بم يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه ‪.‬‬
‫ويكثر الّلجأ والتضرع إلى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يرجع بقلبه‬
‫إليه‪.‬‬
‫وليس له دواء أنفع من الخلص لله ‪.‬‬
‫ه‬
‫ف ع َن ْ ُ‬‫صرِ َ‬‫ك ل ِن َ ْ‬‫وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال ‪)) :‬ك َذ َل ِ َ‬
‫ن (( ] يوسف ‪ [24:‬؛فأخبر سبحانه‬ ‫صي َ‬‫خل َ ِ‬
‫م ْ‬‫عَباد َِنا ال ْ ُ‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ِ‬‫شاء إ ِن ّ ُ‬ ‫ح َ‬ ‫سوَء َوال ْ َ‬
‫ف ْ‬ ‫ال ّ‬
‫أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلصه ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( هو أبو الطيب المتنبي !! والبيت في ديوانه )‪. (2/40‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪16‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫خِلص عمله لله ؛لم يتمكن منه عشق الصور ؛فإنه‬ ‫خُلص وأ ُ ْ‬‫فإن القلب إذا َ‬
‫إنما يتمكن من قلب فارغ ؛كما قال ‪:‬‬
‫ف قلبا ً خاليا ً فتم ّ‬
‫كنا‬ ‫فصاد َ‬ ‫ف الهوى‬ ‫ن أعرِ َ‬ ‫لأ ْ‬ ‫أتاني هواها قب َ‬
‫وليعلم العاقل أن العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها‬
‫وإعدام المفاسد وتقليلها ؛فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه مصلحة‬
‫ومفسدة ؛وجب عليه أمران ‪ :‬أمر علمي ‪ ،‬وأمر عملي ‪.‬‬
‫فالعلمي ‪ :‬طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة ؛فإذا تبين‬
‫له الرجحان وجب عليه إتيان الصلح له ‪.‬‬
‫ومن المعلوم ‪ :‬أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ول دنيوية ‪،‬بل‬
‫مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة ‪،‬وذلك‬
‫من وجوه ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬الشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى وذكره ؛فل‬
‫يجتمع في القلب هذا وهذا إل ويقهر أحدهما صاحبه ويكون السلطان‬
‫والغلبة له ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬عذاب قلبه بمعشوقه؛فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ول بد‬
‫كما قيل ‪:‬‬
‫ق‬
‫مذا ِ‬ ‫حل ْوَ ال َ‬ ‫جد الهوى ُ‬ ‫ن وَ َ‬ ‫وإ ْ‬ ‫ب‬‫ح ّ‬ ‫م ِ‬ ‫ن ُ‬ ‫ض أشقى م ْ‬ ‫فما في الر ِ‬
‫ة فُْرقةٍ أو لشتييييا ِ‬
‫ق‬ ‫مخاف َ‬‫َ‬ ‫ن‬
‫ل حيييي ٍ‬ ‫َتراه ُ باكيا ً في ك ُ ّ‬
‫والعشق ؛ وإن استلذ به صاحبه فهو من أعظم عذاب القلب ‪.‬‬
‫الثالث ‪:‬أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان ‪ ،‬ولكن‬
‫لسكرة العشق ل يشعر بمصابه ‪،‬فقلبه ‪:‬‬
‫ب‬ ‫ل ي َلهو ويلع ُ‬‫ْ‬ ‫ض الّردى والطف ُ‬ ‫حيا َ‬ ‫مها ِ‬ ‫ل َيسو ُ‬ ‫ف طف ٍ‬ ‫كعصفورةٍ في ك ّ‬
‫ش المسيب‬ ‫ي عي ُ‬ ‫ش الخل ّ‬ ‫ش السير الموثق ‪ ،‬وعي ُ‬ ‫فيعيش العاشق عي َ‬
‫المطلق ‪.‬‬
‫والعاشق كما قيل‪:‬‬
‫ك َيدوُر‬‫ب الهل ِ‬ ‫ل على ُقط ِ‬ ‫علي ٌ‬ ‫َ‬ ‫ي العِين وهو أسيييُر‬ ‫طليقٌ برأ ِ‬ ‫َ‬
‫ه حتى الّنشورِ ُنشيوُر‬ ‫وليس ل َ ُ‬ ‫ي غاديا ً‬ ‫ت ُيرى في صورةِ الح ّ‬ ‫مي ْ ٌ‬
‫و َ‬
‫ت حيضوُر‬ ‫ه حتى المما ِ‬ ‫َ‬
‫سل ُ‬ ‫َفلي َ‬ ‫ه‬
‫ن قليب ُ ُ‬‫ت ضاع َ فيه ّ‬ ‫أخو غمرا ٍ‬
‫الرابع ‪ :‬أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه ؛فليس شيء أضيع لمصالح‬
‫الدين والدنيا من عشق الصور ‪:‬‬
‫م شعث القلب وإقباله على الله‬ ‫أما مصالح الدين ؛ فإنها منوطة بل ّ‬
‫‪،‬وعشق الصور أعظم شيٍء تشعيثا ً وتشتيتا له ‪.‬‬
‫وأما مصالح الدنيا ؛ فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين ؛ فمن‬
‫انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه ؛ فمصالح دنياه أضيع وأضيع ‪.‬‬
‫الخامس ‪ :‬أن آفات الدنيا والخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في‬
‫يابس الحطب ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪17‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وسبب ذلك ‪ :‬أن القلب كلما قرب من العشق قوى اتصاله به ؛ ب َُعد من‬
‫ب عشاق الصور ‪،‬وإذا بعد القلب من الله‬ ‫الله ؛ فأبعد ُ القلوب من الله قلو ُ‬
‫طرقته الفات ‪ ،‬وتوله الشيطان من كل ناحية ‪ ،‬ومن توله عدوه واستولى‬
‫عليه ؛لم يدع أذى يمكنه من إيصاله إليه إل أوصله ‪.‬‬
‫فما الظن من قلب تمكن منه عدوه ‪،‬وأحرص الخلق على غّيه‬
‫وفساده ‪،‬وبعده من وليه ومن ل سعادة له ول فلح ول سرور إل بقربه ول‬
‫وليته ؟!‬
‫السادس ‪ :‬أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوى سلطانه ؛أفسد الذهن‬
‫‪ ،‬وأحدث الوساوس ‪،‬وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم‬
‫فل ينتفعون بها ‪.‬‬
‫وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها ‪،‬بل بعضها يشاهد بالعيان ‪.‬‬
‫وأشرف ما في النسان عقله ‪،‬وبه يتميز عن سائر الحيوانات ‪،‬فإذا عدم‬
‫عقله ؛التحق بالبهائم ‪ ،‬بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله ‪.‬‬
‫وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إل العشق ؟!‬
‫وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل ‪:‬‬
‫ن‬‫م مما بالمجاني ِ‬ ‫العشقُ أعظ ُ‬ ‫ت لهم‬ ‫ت بمن َتهوى فقل ُ‬ ‫جِنن َ‬
‫قالوا ُ‬
‫ن في الحين‬ ‫وإنما ُيصرع ُ المجنو ُ‬ ‫ستفيقُ الدهَر صاحُبه‬‫العشقُ ل ي َ ْ‬
‫السابع ‪ :‬أنه ربما أفسد الحواس أو أنقصها ‪ ،‬إما فسادا ً معنويا ً أو صوريا ً ‪.‬‬
‫أما الفساد المعنوي ‪ :‬فهو تابع لفساد القلب ‪،‬فإن القلب إذا فسد‬
‫فسدت العين والذن واللسان فيرى القبيح حسنا ً منه ومن معشوقه ‪.‬‬
‫فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه ؛فل ترى العين‬
‫ذلك‪ ،‬ويصم أذنه عن الصغاء إلى العذل فيه ؛فل تسمع الذن ذلك ‪.‬‬
‫والرغبات تستر العيوب ؛فإن الراغب في الشيء ل يرى عيوبه ‪ ،‬حتى إذ‬
‫زالت رغبته فيه ؛أبصر عيوبه ‪،‬فشدت الرغبة غشاوة على العين تمنع من‬
‫رؤية الشيء على ما هو عليه كما قيل ‪:‬‬
‫مها‬ ‫فسي ألو ُ‬ ‫ت نَ ْ‬‫ت قَط ّعْ ُ‬
‫ما انجل ْ‬
‫فل ّ‬ ‫هويت ُ َ‬
‫ك إذ ْ ع َْينى عليها غشاوة ٌ‬
‫والداخل في الشيء ل يرى عيوبه ‪،‬والخارج منه الذي لم يدخل فيه ل يرى‬
‫عيوبه ول يرى عيوبه ‪ ،‬إل من دخل فيه ثم خرج منه ‪.‬‬
‫ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في السلم بعد الكفر خير من الذين ولدوا‬
‫في السلم ‪ ،‬قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‪ :‬إنما تنقض عرى‬
‫السلم عروة عروة إذا ولد في السلم من ل يعرف الجاهلية ‪.‬‬
‫وأما فساده للحواس ظاهرا ً ‪:‬فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى إلى‬
‫تلفه ؛كما هو المعروف في أخبار من قتله العشق ‪.‬‬
‫ً‬
‫وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدا على‬
‫عظم ‪ ،‬فقال ‪ :‬ما شأن هذا ؟ قالوا ‪ :‬به العشق ‪ ،‬فجعل ابن عباس يتعوذ‬
‫بالله من العشق عامة يومه ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪18‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫الثامن ‪ :‬أن العشق و هو الفراط في المحبة ؛ بحيث يستولي المعشوق‬


‫على قلب العاشق ‪،‬حتى ل يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه‪ ،‬بحيث ل‬
‫يغيب عن خاطره وذهنه ‪ ،‬فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية‬
‫‪،‬فتتعطل تلك القوى ‪،‬فيحدث بتعطيلها من الفات على البدن والروح ما يعّز‬
‫دواؤه ويتعذر‪ ،‬فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده ‪،‬ويختل جميع ذلك ‪،‬فتعجز‬
‫البشر عن صلحه كما قيل ‪:‬‬
‫يأتي بها وتسوُقه القداُر‬ ‫ة‬
‫ج ٌ‬‫ن لجا َ‬ ‫ل ما يكو ُ‬ ‫ب أو َ‬ ‫الح ُ‬
‫كباُر‬
‫ج الهوى جاءت أموٌر ل ُتطاقُ ِ‬ ‫ض الفتى لج َ‬ ‫حتى إذا خا َ‬
‫والعشق مبادئه سهلة حلوة ‪ ،‬وأوسطه هم وشغل قلب وسقم ‪،‬‬
‫وآخره عطب وقتل ‪،‬إن لم تتداركه عناية من الله كما قيل ‪:‬‬
‫ل‬‫م وآخره ُ قت ُ‬ ‫ق ٌ‬
‫س ْ‬‫ه ُ‬ ‫ه عنى وأوسط ُ ُ‬ ‫ب أول ُ ُ‬ ‫ش خاليا ً فالح ُ‬ ‫وع ْ‬
‫وقال آخر ‪:‬‬
‫طق‬ ‫م يُ ِ‬
‫ل به ل ْ‬ ‫ما استق ّ‬ ‫فل ّ‬ ‫ق حتى عشقْ‬ ‫َتولعَ بالعش ِ‬
‫ق‬
‫ن منها غير ْ‬ ‫فلما تمك َ‬ ‫ة‬
‫وجي ً‬ ‫م ْ‬‫ة ظّنها َ‬‫رأى ُلج ً‬
‫ب له ‪ ،‬وهو الجاني على نفسه ‪ ،‬وقد قعد تحييت المثييل السييائر ‪ :‬يييداك‬ ‫والذ ّن ْ ُ‬
‫)‪(1‬‬
‫أوكتا وفوك نفخ ‪.‬‬
‫فييصل‬
‫] مقامات العاشق ‪ ،‬ومراحل العشق [‬
‫والعاشق له ثلث مقامات ‪ :‬مقام ابتداء‪ ،‬ومقام توسط ‪ ،‬ومقام انتهاء ‪.‬‬
‫فأما مقام ابتدائه ‪ :‬فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان‬
‫الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا ً وشرعا ‪.‬‬
‫فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إل السفر إلى محبوبه وهذا مقام التوسط‬
‫والنتهاء ‪:‬‬
‫فعليه كتمانه ذلك ‪ ،‬وأن ل يفشيه إلى الخلق ‪،‬ول ُيشّبب بمحبوبه ويهتكه بين‬
‫الناس‪ ،‬فيجمع بين الشرك والظلم ‪.‬‬
‫] ألوان الظلم التي يسببها العيشق [‬
‫فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم ‪،‬وربما كان أعظم ضررا ً‬
‫على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله ؛ فإنه يعرض المعشوق ي بهتكه‬
‫في عشقه ي إلى وقوع الناس فيه وانقسامهم إلى مصدق ومكذب ‪،‬وأكثر‬
‫الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة ‪،‬وإذا قيل ‪ :‬فلن فعل بفلن أو‬
‫ذبه واحد وصدقه تسع مائة وتسعة وتسعون ‪.‬‬ ‫بفلنه ؛ك ّ‬
‫وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني ‪،‬بل إذا‬
‫أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا ً وافتراًء على غيره ؛ جزموا بصدقة‬
‫جزما ل يحتمل النقيض ‪ ،‬بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا ؛لجزموا أن ذلك‬
‫عن وعد واتفاق بينهما ‪،‬وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخّيل‬
‫والشبهة والوهام والخبار الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة ‪.‬‬

‫‪ () 1‬الوكاء ‪ :‬رباط القربة ونحوها ‪ .‬وهذا مثل يضرب لمن يجنى على نفسه بفعله ‪ .‬انظر مجمع المثال )‪ (2/414‬للميداني ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪19‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وبذلك وقع أهل الفك في الطيبة المطيبة ‪ ،‬حبيبة رسول الله صلى الله‬
‫عليه وسلم ‪،‬المبرأة من فوق سبع سموات ؛ بشبهة مجيء صفوان بن‬
‫المعطل بها وحده خلف العسكر ‪ ،‬حتى هلك من هلك ‪،‬ولول أن تولى الله‬
‫)‪(1‬‬
‫سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرا ً آخر ‪.‬‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫ن ل يحل له التصال به ِ‬ ‫م ْ‬‫والمقصود ‪:‬أن في إظهار المبتلى عشقَ َ‬
‫ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله ‪،‬وتعريض لتصديق كثير من‬
‫الناس ظنونهم فيه‪.‬‬
‫فإن استعان عليه بمن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة ؛تعدى الظلم‬
‫وانتشر ‪ ،‬وصار ذلك الواسطة ديوثا ً ظالما ً ‪.‬‬
‫وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش )‪(2‬ي وهو الواسطة بين‬
‫الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة ي فما ظنك بالديوث؛الواسطة‬
‫بين العاشق والمعشوق في الوصل ؟! فيتساعد العاشق والديوث على‬
‫ظلم المعشوق وغيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو‬
‫مال أو عرض ؛فإن كثيرا ً ما يتوقف حصول المطلوب فيه على قتل نفس‬
‫ل )‪ (3‬دمه بهذا السبب من زوج‬ ‫تكون حياتها مانعة من غرضه ‪،‬وكم قتيل ط َ ّ‬
‫ة وعبد ٌ على سيدهما ‪،‬‬ ‫خب ِّبت )‪ (4‬امرأة على بعلها‪،‬وجاري ٌ‬ ‫وسيد وقريب ‪،‬وكم ُ‬
‫)‪(5‬‬
‫وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك وتبرأ منه وهو‬
‫من أكبر الكبائر ‪.‬‬
‫وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة‬
‫أخيه وأن يستام )‪(6‬على سومه )‪ (7‬؛فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين‬
‫امرأته وأمته حتى يتصل بهما ؟!‬
‫ً‬
‫دياثّية ل يرون ذلك ذنبا !!‬ ‫وعشاق الصور ومساعدوهم من ال ّ‬
‫ن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففي ذلك من‬ ‫فإ ْ‬
‫ب عليها ‪.‬‬ ‫إثم ظلم الغير ما لعله ل يقصر عن إثم الفاحشة إن لم ير ُ‬
‫ول يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة ؛ فإن التوبة وإن أسقطت حق‬
‫الله؛ فحق العبد باق ‪،‬له المطالبة به يوم القيامة ؛ فإن من ظلم الوالد‬
‫بإفساد ولده وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه ‪ ،‬وظلم الزوج‬
‫بإفساد حبيبه والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله ‪،‬ولهذا‬
‫يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله ‪،‬ول يعدل ذلك عنده إل سفك دمه ‪.‬‬
‫فيا له من ظلم أعظم إثما ً من فعل الفاحشة !‬
‫‪1‬‬
‫)( انظر ‪ :‬قصة الفك في صحيح البخاري )‪ (2661‬ومسلم )‪. (2770‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬الترمذي )‪ (1336‬وأحمد )‪ (2/387‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه وقد صحح اللباني هذا الحديث دون‬
‫زيادة " الرائش " انظر ‪ :‬السلسلة الضعيفة )‪ (3/381‬وإرواء الغليل )‪. (8/243‬‬
‫‪3‬‬
‫ل دمه يطل ‪ُ :‬أهدر ؛ فل ُيثأر له ‪.‬‬
‫)( ط ّ‬
‫‪4‬‬
‫خّببت ‪ :‬خدعت وأفسدت ‪.‬‬ ‫)( ُ‬
‫‪5‬‬
‫)( أخرجه ‪:‬أبو داود )‪ (5170‬وأحمد )‪ (2/397‬وابن حبان ) ‪ (568‬عن أبي هريرة رضي ال عنه‪.‬‬
‫‪6‬‬
‫)( يستام على سوم أخيه ‪ :‬هو أن يتجادل المتبايعان في ثمن سلعة ‪ ،‬حتى إذا قاربا التفاق ؛ جاء رجل ثالث يريد أن يشتري‬
‫السلعة ويخرجها من يد المشتري الول بزيادة على ما استقر عليه المر بين المتساومين ورضيا به قبل النعقاد ‪.‬‬
‫‪7‬‬
‫)( أخرجه مسلم )‪ (1408‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪20‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فإن كان ذلك حقا ً لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم‬
‫القيامة ‪،‬وقيل له ‪ " :‬خذ من حسناته ما شئت " كما أخبر بذلك النبي صلى‬
‫الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬فما ظنكم؟! ")‪ (1‬أي ‪:‬‬
‫فما تظنون يبقى له من حسناته ؟ !‬
‫فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا ً أو ذا رحم محرم ؛ تعدد‬
‫الظلم وصار ظلما ً مؤكدا ً لقطيعة الرحم وأذي الجار ‪ "،‬ول يدخل الجنة‬
‫قاطع رحم " )‪ (2‬ول " من ل يأمن جاره بوائقه " )‪.(3‬‬
‫فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن ي إما‬
‫بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ي ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر ‪.‬‬
‫فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا ً بالكفر غير كاره لحصول مقصوده به‬
‫‪ ،‬وهذا ليس ببعيد من الكفر ‪.‬‬
‫والمقصود ‪ :‬أن التعاون في هذا الباب تعاون على الثم والعدوان ‪.‬‬
‫وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر‬
‫المتعدي ضرره ؛ فأمر ل يخفى ‪ :‬فإنه إذا حصل له مقصوده من‬
‫المعشوق ؛فللمعشوق أمور أخر يريد من العاشق إعانته عليها ‪ ،‬فل يجد من‬
‫إعانته بد ّا ً ‪ ،‬فيبقى كل منهما يعين الخر على الظلم والعدوان ‪،‬فالمعشوق‬
‫يعين العاشق على ظلم من اتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه ‪،‬‬
‫والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا‬
‫على ظلمه ؛فكل منهما يعين الخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم‬
‫الناس‪ ،‬فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح‬
‫لتعاونهما بذلك على الظلم ؛ وكما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين‬
‫من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي حتى ربما‬
‫ل من غير‬ ‫يسعى له في منصب ل يليق به ول يصلح لمثله ‪ ،‬وفي تحصيل ما ٍ‬
‫حله ‪،‬وفي استطالته على غيره ‪،‬فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم‬
‫يكن إل في جانب المعشوق ظالما ً كان أو مظلوما ً ‪.‬‬
‫هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ‬
‫أموالهم والتوصل بهما إلى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين‬
‫كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم‬
‫الله ليأخذ ماله ليتوصل به إلى معشوقه ‪.‬‬
‫فكل هذه الفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق‬
‫الصور‪ ،‬و تحمل على الكفر الصريح ‪.‬‬
‫وقد تنصر جماعة ممن نشؤوا في السلم بسبب العشق ؛كما جرى لبعض‬
‫المؤذنين حين أبصر وهو على سطح مسجد امرأة جميلة ‪ ،‬ففتن بها ‪ ،‬فنزل‬
‫ودخل عليها وسألها نفسها ‪ ،‬فقالت‪ :‬هي نصرانية ؛إن دخلت في ديني‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬مسلم )‪ (1897‬من حديث بريدة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (5984‬ومسلم )‪ (2556‬من حديث جبير بن مطعم رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (6016‬ومسلم )‪ (46‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪21‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫تزوجت بك ‪،‬ففعل؛ فرقي في ذلك اليوم على درجة عندهم فسقط منها ‪،‬‬
‫فمات ‪ .‬ذكر هذا عبدالحق في كتاب " العاقبة " له‪.‬‬
‫وإذا أراد النصارى أن ينصروا السير ؛ أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه‬
‫في نفسها ‪ ،‬حتى إذا تمكن حبها من قلبه ؛ بذلت له نفسها إن دخل في‬
‫ت ِفي‬ ‫ل الّثاب ِ ِ‬‫قو ْ ِ‬ ‫مُنوا ْ ِبال ْ َ‬‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬‫ه ال ّ ِ‬
‫ت الل ّ ُ‬ ‫دينها؛ فهنالك قال تعالى ‪ )) :‬ي ُث َب ّ ُ‬
‫شاُء ((‬‫ما ي َ َ‬‫ه َ‬ ‫ل الل ّ ُ‬ ‫فعَ ُ‬ ‫ن وَي َ ْ‬
‫مي َ‬‫ظال ِ ِ‬‫ه ال ّ‬ ‫ل الل ّ ُ‬ ‫ض ّ‬ ‫خَرةِ وَي ُ ِ‬ ‫ال ْ َ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا وَِفي ال ِ‬
‫]إبراهيم ‪.[27:‬‬
‫وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه‬
‫لمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه ما فيه ‪ ،‬وكل منهما ظالم لنفسه‬
‫وصاحبه ‪ ،‬وظلمهما متعد إلى الغير ‪.‬‬
‫وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك ‪.‬‬
‫فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها ‪.‬‬
‫والمعشوق إذا لم يتق الله ؛فإنه يعرض العاشق للتلف‪ ،‬وذلك ظلم منه ؛‬
‫أن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه‬
‫ماله ونفعه ول يمكنه من نفسه ‪ ،‬لئل يزول غرضه بقضاء وطره منه ؛ فهذا‬
‫يسومه سوء العذاب ‪ ،‬والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه ‪،‬ول‬
‫سيما إذا جاد بالوصال لغيره ‪.‬‬
‫وكم للعشق من قتيل من الجانبين !! وكم قد زال من نعمة !!وأفقر‬
‫ى !! وأسقط من مرتبة !! وشتت من شمل !! وكم أفسد من أهل‬ ‫من غن ً‬
‫الرجل وولده ‪،‬فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا ً‬
‫قيادة )‪ ،(1‬فمن‬ ‫لنفسها فيصير الرجل مترددا ً بين خراب بيته بالطلق وبين ال ِ‬
‫الناس من يؤثر هذا ‪ ،‬ومنهم من يؤثر هذا ‪.‬‬
‫] التدابير العملية التي تقي من الصابة بداء العشق [‬
‫فعلى العاقل أن يحكم على نفسه سد عشق الصور لئل يؤذيه ويؤديه ذلك‬
‫إلى الهلك وإلى هذه المفاسد وأكثرها أو بعضها ؛ فمن فعل ذلك فهو‬
‫المفرط بنفسه والمغرر بها ‪،‬فإذا هلكت فهو الذي أهلكها ؛ فلول تكراره‬
‫النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من‬
‫قلبه ‪:‬‬
‫فإن أول أسباب العشق الستحسان سواء تولد عن نظر أو سماع ‪.‬‬
‫فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الياس من ذلك ؛لم يحدث له‬
‫العشق ‪.‬‬
‫فإن اقترن به الطمع ‪:‬‬
‫فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك ‪.‬‬
‫فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق ‪،‬وقارنه خوف‬
‫ما هو أكبر عنده من لذة وصاله ‪ :‬إما خوف ديني ؛كدخول النار وغضب‬

‫‪1‬‬
‫)( أي ‪ :‬يكون ديوثا يقر الخبث في أهله ول حول ول قوة إل بال ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪22‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫الجبار واحتقاب الوزار‪، 2‬وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر ؛لم‬
‫يحدث له ذلك العشق ‪.‬‬
‫فإن فاته هذا الخوف وقارنه خوف دنيوي ؛كخوف إتلف‬
‫نفسه ‪،‬أو ماله‪ ،‬وذهاب جاهه‪،‬وسقوط مرتبته عند الناس ‪،‬وسقوطه من عين‬
‫من يعز عليه‪ ،‬وغلب هذا الخوف لداعي العشق ؛دفعه ‪.‬‬
‫وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك‬
‫المعشوق وقدم محبته على محبة المعشوق ؛ اندفع عنه العشق ‪.‬‬
‫فإذا انتفى ذلك كله ‪ ،‬و غلبت محبة المعشوق لذلك ؛ انجذب إليه‬
‫القلب بكليته ‪،‬ومالت إليه النفس كل الميل ‪.‬‬
‫] العشق بين المنافع والمضار [‬
‫فإن قيل ‪ :‬قد ذكرتككم آفككات العشككق ومضككاره ومفاسككده ‪ ،‬فهل‬
‫ذكرتم منافعه وفوائده ؟‬
‫فالجواب وبالله التوفيق ‪:‬‬
‫إن الكلم في هذا الباب ل بد فيه من التمييز بييين الحييرام والجييائز والنييافع‬
‫والضار‪ ،‬ول يسييتعجل عليييه بالييذم والنكييار ول بالمييدح والقبييول ميين حيييث‬
‫الجملة ‪،‬وإنما يتبين حكمه وينكشف أمييره بييذكر متعلقييه ‪،‬وإل فالعشييق ميين‬
‫حيث هو ل يحمد ول يذم‪.‬‬
‫ونحن نذكر النافع من الحب ‪ ،‬والضار ‪ ،‬والجائز ‪ ،‬والحرام ‪:‬‬
‫] أنواع المحبة [‬
‫ل مكن‬ ‫ع من المحبة يجب التفريق بينها‪،‬وإنما ضك ّ‬ ‫هاهنا أربعة أنوا ٍ‬
‫ل بعدم التمييز بينها ‪:‬‬ ‫ض ّ‬
‫أحدهما ‪ :‬محبة الله ؛ ول تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه‬
‫والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعّباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬محبة ما يحب الله ؛ وهذه هي التي تدخله في السلم وتخرجه‬
‫مهم بهذه المحبة وأشدهم فيها ‪.‬‬ ‫من الكفر‪ ،‬وأحب الناس إلى الله أقو ُ‬
‫الثالث ‪ :‬الحب لله وفيه ؛ وهي من لوازم محبة ما يحب الله ‪ ،‬ول‬
‫يستقيم محّبة ما يحب الله إل بالحب فيه وله ‪.‬‬
‫ً‬
‫ب شيئا مع‬ ‫الرابع ‪ :‬المحبة مع الله ؛ وهي المحبة الشركية ‪ ،‬وكل من أح ّ‬
‫الله ‪،‬ل لله ‪ ،‬ول من أجله ‪ ،‬ول فيه ‪ ،‬فقد اتخذه ندا ً من دون الله ‪،‬وهذه‬
‫محبة المشركين ‪.‬‬
‫وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية ‪:‬‬
‫وهي ميل النسان إلى ما يلئم طبعه ؛كمحبة العطشان للماء ‪،‬والجائع‬
‫ت عن‬ ‫للطعام ‪،‬ومحبة النوم والزوجة والولد؛ فتلك ل تذم إل إذا أله ْ‬
‫مُنوا لَ‬ ‫َ‬
‫نآ َ‬ ‫ذكر الله وشغلت عن محبته ‪،‬كما قال تعالى‪َ )) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫عن ذ ِك ْرِ الل ّهِ (( ]المنافقون ‪ [9:‬وقال تعالى‪)) :‬‬ ‫َ‬ ‫تل ْهك ُ َ‬
‫م َ‬ ‫م وََل أوَْلد ُك ُ ْ‬ ‫وال ُك ُ ْ‬
‫م َ‬‫مأ ْ‬‫ُ ِ ْ‬
‫عن ذ ِك ْرِ الل ّهِ (( ]النور ‪.[37:‬‬
‫جاَرة ٌ وََل ب َي ْعٌ َ‬ ‫ل ّل ت ُل ِْهيهِ ْ‬
‫م تِ َ‬ ‫جا ٌ‬
‫رِ َ‬
‫‪2‬‬
‫) ( احتقاب الوزار ‪ :‬ادخارها حتى تتراكم عليه فتصبح كالجبال يوم القيامة ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪23‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫] أعظم أنواع المحبة وأنفعها هي محبة الله تعالى [‬


‫واعلم أن أنفع المحبة على الطلق وأوجبها وأعلهييا وأجلهييا محبيية‬
‫من جبلت القلوب على محبتييه وفطييرت الخليقيية علييى تييأليهه ‪،‬وبهييا قييامت‬
‫الرض والسموات ‪،‬وعليها فطر المخلوقات‪ ،‬وهي سيير شييهادة أن ل إلييه إل‬
‫الله ‪ ،‬فإن الله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والجلل والتعظيم والييذل لييه‬
‫والخضوع والتعبد ‪ ،‬والعبييادة ل تصييح إللييه وحييده ‪ ،‬والعبادة هككي كمككال‬
‫الحب مع كمال الخضوع والذل ‪ ،‬والشرك في هذه العبودية ميين أظلييم‬
‫الظلييم الييذي ل يغفييره اللييه ‪ ،‬والله سككبحانه ُيحككب لككذاته مككن سككائر‬
‫الوجوه ‪،‬وما سواه فإنما يحب تبعا ً لمحبته ‪.‬‬
‫وقد دل على وجوب محبته سبحانه ‪:‬جميع كتبه المنزلة‪،‬ودعييوة جميييع‬
‫رسييله أجمعييين ‪ ،‬وفطرتييه الييتي فطيير عليهييا عبيياده ‪ ،‬ومييا ركييب فيهييا ميين‬
‫العقول ‪ ،‬وما أسبغ عليهم من النعم ‪ ،‬فإن القلككوب مفطككورة مجبولككة‬
‫علككى محبككة مككن أنعككم عليهككا وأحسككن إليهككا ؛ فكيككف بمككن كككل‬
‫الحسان منككه ‪ ،‬ومككا بخلقككه جميعهككم مككن نعمككة فمنككه وحككده ل‬
‫م‬ ‫س يك ُ ُ‬ ‫م ّ‬ ‫ذا َ‬ ‫م إِ َ‬ ‫ن الل ّيهِ ث ُي ّ‬ ‫مي َ‬ ‫م ية ٍ ف َ ِ‬
‫من ن ّعْ َ‬ ‫كم ّ‬ ‫ما ب ِ ُ‬ ‫شريك له كما قال تعالى‪ )) :‬وَ َ‬
‫ن (( ] النحل ‪ [53:‬وما تعّرف به إليى عبياده مين أسيمائه‬ ‫الضر فَإل َيه ت َ‬
‫جأُرو َ‬ ‫ّ ّ ِ ْ ِ َ ْ‬
‫الحسنى وصفاته العل ‪ ،‬وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلله‬
‫وعظمته ‪.‬‬
‫والمحبة لها داعيان ‪ :‬الجلل ‪ ،‬والجمال ‪.‬‬
‫والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك ؛ فييإنه جميييل يحييب الجمييال ‪،‬بييل‬
‫الجمال كله له ‪ ،‬والجلل كله منه ؛فل يستحق أن ُيحب لذاته ميين كييل وجييه‬
‫ه‬‫م الل ّي ُ‬ ‫حب ِب ْك ُي ُ‬‫ه فَييات ّب ُِعوِني ي ُ ْ‬ ‫ن الل ّي َ‬ ‫حّبو َ‬ ‫م تُ ِ‬ ‫كنت ُ ْ‬‫ل ِإن ُ‬ ‫سواه ‪ :‬قال الله تعالى ‪ )) :‬قُ ْ‬
‫م (( ] آل عمران ‪ .[31:‬وقال تعالى‪َ)) :‬يا‬ ‫حي ٌ‬ ‫فوٌر ّر ِ‬ ‫ه غَ ُ‬ ‫م َوالل ّ ُ‬ ‫م ذ ُُنوب َك ُ ْ‬ ‫فْر ل َك ُ ْ‬ ‫وَي َغْ ِ‬
‫ْ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫حب ُّهي ْ‬ ‫قيوْم ٍ ي ُ ِ‬ ‫ه بِ َ‬‫ف َييأِتي الل ّي ُ‬ ‫سيوْ َ‬ ‫م ع َيين ِديِنيهِ فَ َ‬ ‫كي ْ‬ ‫من ُ‬ ‫من ي َْرَتيد ّ ِ‬ ‫مُنوا ْ َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫أي َّها ال ّ ِ‬
‫ه (( الية ]المائدة ‪.[54:‬‬ ‫حّبون َ ُ‬ ‫وَي ُ ِ‬
‫والوليككة أصككلها الحككب ؛ فل مييوالة إل بحييب ‪،‬كمييا أن العييداوة أصييلها‬
‫البغض‪.‬‬
‫والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه ؛ فهم يوالونه بمحبتهم له ‪ ،‬وهييو يييواليهم‬
‫بمحبته لهم ؛ فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له ‪.‬‬
‫ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء ؛ بخلف من والى أولياءه ؛‬
‫فإنه لم يتخذهم من دونه ‪ ،‬بل موالته لهم من تمام موال ته ‪.‬‬
‫وى بينه وبين غيره في المحبيية ‪ ،‬وأخييبر أن ميين فعييل‬ ‫وقد أنكر على من ُيس ّ‬
‫ن‬ ‫م َ‬ ‫ذلك ؛فقد اتخذ من دون الله أندادا ً يحبونهم كحب الله ‪ ،‬قال تعالى ‪ )) :‬وَ ِ‬
‫ش يد ّ‬ ‫من ُييوا ْ أ َ َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ب الل ّيهِ َوال ّي ِ‬ ‫ح ّ‬‫م كَ ُ‬ ‫حّبون َهُ ْ‬ ‫دادا ً ي ُ ِ‬ ‫َ‬
‫ن الل ّهِ أن َ‬ ‫دو ِ‬ ‫من ُ‬ ‫خذ ُ ِ‬ ‫من ي َت ّ ِ‬ ‫س َ‬ ‫الّنا ِ‬
‫وي بينييه وبييين النييداد فييي الحييب‬ ‫حب ّا ً ل ّل ّهِ (( ]البقرة ‪ .[165:‬وأخبر عمن ُيس ّ‬ ‫ُ‬
‫ل‬ ‫ضيَل ٍ‬ ‫فييي َ‬ ‫أنهم يقولون في النار لمعبييوديهم قييال تعييالى ‪)) :‬ت َييالل ّهِ ِإن ك ُن ّييا ل َ ِ‬
‫ن(( ]الشعراء ‪.[98-97:‬‬ ‫مي َ‬ ‫ب ال َْعال َ ِ‬ ‫كم ب َِر ّ‬ ‫وي ُ‬‫س ّ‬ ‫ن}‪ {97‬إ ِذ ْ ن ُ َ‬ ‫مِبي ٍ‬ ‫ّ‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪24‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ب أرسل الله سبحانه جميع رسله ‪ ،‬وأنزل جميع كتبه ‪،‬‬ ‫وبهذا التوحيد في الح ّ‬
‫وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل ي عليهم الصلة والسلم ي من أولهييم إلييى‬
‫آخرهم ‪،‬ولجله خلقت السموات و الرض ‪،‬والجنة والنار ‪،‬فجعل الجنة لهييل‬
‫هذا التوحيد ‪ ،‬والنار للمشركين به وفيه ‪.‬‬
‫وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ‪ ":‬ل يؤمن عبييد حييتى يكييون هييو‬
‫أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ")‪. (1‬‬
‫فكيف بمحبة الرب جل جلله ؟ !‬
‫وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ‪ " :‬ل ؛ حييتى أكييون أحييب إليييك ميين‬
‫)‪(2‬‬
‫ي إلى هذه الغاية ‪.‬‬ ‫نفسك " أي ل تؤمن حتى تصل محبتك ل ّ‬
‫وإذا كان النبي صككلى اللككه عليككه وسككلم أولككى بنككا مككن أنفسككنا‬
‫بالمحبة ولوازمها ؛ أفليس الرب جل جلله‪ ،‬وتقدست أسككماؤه ‪،‬‬
‫ده ‪ ،‬ول إلككه غيككره أولككى بمحبككة عبكاده‬ ‫وتبارك اسمه ‪ ،‬وتعالى ج ّ‬
‫من أنفسهم ؟!‬
‫وكل ما وصل منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلييى محبتييه و محبيية مييا يحبييه ‪،‬‬
‫وكراهة ما يكرهه ‪.‬‬
‫فعطيياؤه ومنعييه ‪ ،‬ومعافيياته وابتلؤه ‪ ،‬وقبضييه وبسييطه ‪ ،‬وعييدله وفضييله ‪،‬‬
‫وإماتته وإحياؤه ‪ ،‬ولطفييه ‪ ،‬وبييره ‪ ،‬ورحمتييه ‪ ،‬وإحسييانه ‪،‬وسييتره ‪ ،‬وعفييوه ‪،‬‬
‫وحلمه ‪ ،‬وصبره على عبده ‪ ،‬وإجابته لدعائه‪ ،‬وكشييف كربييه‪ ،‬وإغاثيية لهفتييه‬
‫‪،‬وتفريج كربته ؛ من غير حاجة منه إليه ‪ ،‬بل مع غنيياه التييام عنييه ميين جميييع‬
‫الوجوه ‪ ،‬كل ذلك داع للقلييوب إلييى تييألهه ومحبتييه ‪ ،‬بييل تمكينييه عبييده ميين‬
‫معصيته ‪ ،‬وإعانته عليها‪ ،‬وستره حتى يقضي وطره منها ‪ ،‬وكلءته وحراسييته‬
‫له ‪،‬وهو يقضي وطره من معصيته ‪ ،‬وهو يعينه ويستعين عليهييا بنعمييه ‪ :‬ميين‬
‫أقوى الدواعي إلى محبته ‪.‬‬
‫فلو أن مخلوقا ً فعييل بمخلييوق أدنييى شيييء ميين ذلييك ؛لييم يملييك قلبييه عيين‬
‫محبته ؛ فكيف ل يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الييدوام‬
‫بعدد النفاس مع إساءته؛ فخيره إليه نازل ‪ ،‬وشره إليه صاعد ‪،‬يتحبييب إليييه‬
‫بنعمه ‪،‬وهو غني عنه ‪ ،‬والعبد يتبغض إليييه بالمعاصييي ‪،‬وهييو فقييير إليييه ؛ فل‬
‫إحسانه وبره وإنعامه عليييه يصييده عيين معصيييته ‪ ،‬ول معصييية العبييد ولييؤمه‬
‫يقطع إحسان ربه عنه ؟!‬
‫م اللؤم تخل ّ ُ‬ ‫َ َ‬
‫ف القلوب عن محبة من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه !!‬ ‫فَأل ُ‬
‫وأيضا ً ‪ :‬فكل من تحبه من الخلككق أو يحبككك إنمككا يريككدك لنفسككه‬
‫وغرضهِ منك ‪،‬والييرب سييبحانه وتعييالى يريييدك لييك ‪ ،‬فكيف ل يسككتحيي‬
‫العبد أن يكون ربه له بهذه المنكزلة ؛وهو معرض عنه ‪ ،‬مشككغول‬
‫بحب غيره؛وقد استغرق قلبه محبة ما سواه ؟!‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (15‬ومسلم )‪ (44‬من حديث أنس رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه البخاري )‪ (6632‬من حديث عبد ال بن هشام رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪25‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ن لككم يربككح عليككك لككم‬ ‫وأيضكا ً ‪ :‬فكككل مككن تعككامله مككن الخلككق ‪ :‬إ ْ‬
‫يعاملك ‪،‬ولبد له من نوع من أنواع الربح ‪،‬والرب تعالى إنما يعاملك ؛لتربييح‬
‫أنت عليه أعظم الربح وأعله فالدرهم بعشرة أمثيياله إلييى سييبعمائة ضييعف‬
‫إلى أضعاف كثيرة ‪ ،‬والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوًا‪.‬‬
‫وأيضا ً ‪ :‬فهو سبحانه خلقككك لنفسككه وكككل شككيء خلككق لككك فككي‬
‫الدنيا والخرة فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في‬
‫مرضاته ؟!‬
‫وأيضًا‪:‬فمطالبك ك بل مطالب الخلق كلهم جميعا ً ك لديه وهييو أجييود‬
‫الجييودين ‪ ،‬وأكييرم الكرمييين ‪،‬ويعطييي عبييده قبييل أن يسييأله فييوق مييا‬
‫يييؤمله‪،‬يشييكر علييى القليييل ميين العمييل وينميييه ‪ ،‬ويغفيير الكييثير ميين الزلييل‬
‫ويمحوه ‪ ،‬ويسيأله مين فيي السيموات والرض كيل ييوم هيو فيي شيأن ‪ ،‬ل‬
‫يشغله سمع عن سمع‪،‬ول ُتغلطه كثرة المسائل ‪ ،‬ول يتبرم بإلحاح الملحين ‪،‬‬
‫بل يحب الملحييين فييي الييدعاء ‪ ،‬ويحييب أن ُيسييأل ‪ ،‬ويغضييب إذا لييم ُيسييأل‬
‫‪،‬يستحي من عبده حيث ل يستحي العبد منه‪،‬ويستره حيث ل يسييتر نفسييه ‪،‬‬
‫ويرحمه حيث ل يرحم نفسه ‪.‬‬
‫دعاه بنعمه وإحسانه ‪ ،‬وناداه إلى كرامته ورضوانه ‪ ،‬فأبى !‬
‫فأرسل رسله في طلبه ‪ ،‬وبعث معهم إليه عهده ‪.‬‬
‫ثم نزل سككبحانه بنفسككه وقككال‪ ":‬مككن يسككألني فككأعطيه ؟ مككن‬
‫يستغفرني فأغفر له ")‪ (1‬كما قيل ‪ :‬أدعككوك للوصككل فتككأبى !!‬
‫أبعث رسلي فككي الطلككب !! أنككزل إليككك بنفسككي!! ألقككاك فككي‬
‫النوم !!‬
‫وكيككف ل تحككب القلككوب ‪ :‬ميين ل يييأتي بالحسيينات إل هييو ‪ ،‬ول يييذهب‬
‫بالسيئات إل هو ‪ ،‬ول يجيب الييدعوات ويقيييل العييثرات ‪ ،‬ويغفيير الخطيئات ‪،‬‬
‫ويستر العورات ‪ ،‬ويكشف الكربات ‪ ،‬ويغيث اللهفات ‪ ،‬وُينيل الطلبات سواه‬
‫؟!‬
‫كر‪ ،‬وأحييق ميين حمييد ‪ ،‬وأحييق ميين عبييد ‪،‬‬ ‫فهو أحق من ذكر ‪ ،‬وأحق ميين ُ‬
‫شي ِ‬
‫سئل ‪ ،‬وأوسع مين أعطييى ‪،‬‬ ‫وأنصر من ابُتغي ‪ ،‬وأرأف من ملك ‪ ،‬وأجود من ُ‬
‫سترحم ‪ ،‬وأكرم من ُقصد ‪ ،‬وأعز من الُتجيء إليييه ‪،‬وأكفييى ميين‬ ‫وأرحم من ا ُ‬
‫توكل عليه ‪ ،‬أرحم بعبده من الوالدة بولدها ‪ ،‬وأشككد فرحكا ً بتوبككة‬
‫(‬‫‪2‬‬ ‫)‬

‫التككائب مككن الفاقككد لراحلتككه الككتي عليهككا طعككامه وشككرابه فككي‬


‫الرض المهلكة إذا يئس من الحياة ثم وجدها )‪.(3‬‬
‫وهو الملك فل شريك له ‪ ،‬والفرد فل ند له ‪ ،‬كل شيء هالييك إل وجهييه‪ ،‬ليين‬
‫يطيياع إل بييإذنه ‪،‬وليين يعصييي إل بعلمييه ‪،‬يطيياع فيشييكر ‪ ،‬وبتييوفيقه ونعمتييه‬
‫ُأطيع ‪،‬ويعصي فيغفر ‪ ،‬ويعفو وحقه ُأضيع ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (1145‬ومسلم )‪ (758‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (5999‬ومسلم )‪ (2754‬من حديث عمر بن الخطاب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (6308‬ومسلم )‪ (2744‬من حديث ابن مسعود رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪26‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ل حفيييظ ‪ ،‬وأوفييى بالعهييد ‪ ،‬وأعييدل قييائم بالقسييط ‪،‬‬ ‫فهو أقرب شهيد ‪ ،‬وأج ّ‬
‫حال دون النفوس ‪،‬وأخذ بالنواصي ‪،‬وكتب الثار‪،‬ونسخ الجال‪ ،‬فييالقلوب لييه‬
‫مفضييية ‪ ،‬والسيير عنييده علنييية ‪ ،‬والغيييب لييديه مكشييوف ‪،‬وكييل أحييد إليييه‬
‫ملهوف ‪،‬وعنت الوجوه لنور وجهه ‪،‬وعجزت العقول عن إدراك كنهه)‪،(1‬ودلت‬
‫الفطيير والدليية كّلهييا علييى امتنيياع مثلييه وشييبهه ‪ ،‬أشييرقت لنييور وجهييه‬
‫الظلميييات ‪،‬واسيييتنارت ليييه الرض والسيييموات ‪،‬وصيييلحت علييييه جمييييع‬
‫المخلوقات ‪.‬‬
‫ل ينام ول ينبغي له أن ينام ‪،‬يخفض القسط ويرفعه ‪ُ،‬يرفع إليييه عمييل الليييل‬
‫قبل عمل النهار ‪ ،‬وعمل النهار قبل عمل الليل ‪ ،‬حجابه النييور ‪ ،‬لييو كشييفه ؛‬
‫ت )‪(2‬وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )‪:(3‬‬ ‫لحرقت سبحا ُ‬
‫ره ‪.‬‬ ‫س ِ‬‫ك الوجود َ بأ ْ‬ ‫مل َ َ‬ ‫ض ولو َ‬ ‫عو ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ن‬
‫م ْ‬ ‫سواه ُ ِ‬ ‫حب ّهِ ل ِ‬ ‫ل ُ‬‫ض باذ ِ ُ‬ ‫عتا َ‬ ‫ما ا ْ‬
‫فييصل‬
‫] نعيم القلب والروح تبع لكمال المحبوب وكمال المحبة [‬
‫وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب العتناء بككه ‪،‬وهككو أن‬
‫كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وابتهككاج الككروح تككابع‬
‫لمرين ‪:‬‬
‫أحدهكمكا ‪ :‬كمال المحبوب في نفسه وجماله ‪،‬وأنه أولى بإيثار المحبة ميين‬
‫كل ما سواه ‪.‬‬
‫حبييه ‪ ،‬وإيثييار قربييه‬ ‫والمر الثاني ‪ :‬كمال محبته ‪ ،‬واسييتفراغ الوسييع فييي ُ‬
‫والوصول إليه على كل شيء ‪.‬‬
‫وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسييب قييوته ومحبتييه ‪ ،‬فكلمييا‬
‫كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل ‪ ،‬فلذة من اشتد ظمييؤه بييإدراك‬
‫ي ونظائر ذلك على حسييب‬ ‫الماء الزلل ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشه ّ‬
‫شوقه وشدة إرادته ومحبته ‪.‬‬
‫رف هذا ؛ فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه ‪ ،‬بل هييو‬ ‫ع ِ‬
‫وإذا ُ‬
‫مقصود كل حي وعاقل ‪.‬‬
‫م منهييا ‪،‬‬ ‫وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها ؛ فهي تذم إذا أعقبت أليما ً أعظي َ‬
‫ت أعظككم الحسككرات ‪،‬‬ ‫ل ؛ فكيف إذا أعقب ك ْ‬ ‫أو منعت لذة ً خيرا ً منها وأج ّ‬
‫د إذا أعييانت علييى لييذةٍ عظيميية‬ ‫وفوتت أعظم اللذات والمسرات ؟! وُتحم ُ‬
‫مهييا ‪،‬‬ ‫دائمة مستقرة ل تنغيص فيها ول نكد َ بوجه ما ‪ ،‬وهي لييذة الخييرة ونعي ُ‬
‫وطيب العيش فيها‪ ،‬قال تعالى‪ )) :‬بل تييؤثرون الحييياة الييدنيا ‪.‬والخييرة خييير‬
‫وأبقى (( ]العلى ‪ . [17-16:‬وقال السحرة لفرعون لمييا آمنييوا‪ )) :‬فَيياقْ ِ‬
‫ض‬
‫َ‬
‫من ّييا ب َِرب ّن َييا ل ِي َغْفِيَر ل َن َييا‬
‫حي َيياة َ اليد ّن َْيا}‪ {72‬إ ِن ّييا آ َ‬ ‫ضي هَيذ ِهِ ال ْ َ‬ ‫ق ِ‬‫ما ت َ ْ‬
‫ض إ ِن ّ َ‬ ‫ٍ‬ ‫ت َقا‬ ‫ما أن َ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫قى (( ]طه ‪ 72 :‬ي ‪. [73‬‬ ‫خي ٌْر وَأب ْ َ‬‫ه َ‬
‫حرِ َوالل ُ‬‫س ْ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫م َ‬‫ما أك َْرهْت ََنا ع َلي ْهِ ِ‬ ‫خطاَياَنا وَ َ‬ ‫َ‬

‫‪1‬‬
‫)( أي ‪ :‬إدراك كيفية صفاته سبحانه وتعالى ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫سُبحات وجهه ‪ :‬أنواره ‪.‬‬
‫)( ُ‬
‫‪3‬‬
‫)( كما جاء في حديث عند مسلم )‪ (179‬من حديث أبي موسى رضي ال عنه ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪27‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم وينيل من أطاعه هذه اللييذة‬
‫الدائمة في دار الخلد ‪ ،‬وأما الدنيا فمنقطعة ‪،‬ولذاتها ل تصفو أبدا ً ول تدوم‬
‫؛ بخلف الخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كييدر وألييم ‪ ،‬وفيهييا‬
‫ما تشتهيه النفس وتلذ العين مع الخلود أبدا ً ‪ ،‬ول تعلم نفس ما أخفى اللييه‬
‫لعباده فيها من قييرة أعييين ‪ ،‬بييل فيهييا مييا ل عييين رأت ول أذن سييمعت ول‬
‫خطر على قلب بشر ‪.‬‬
‫حي َيياةُ‬ ‫ْ‬
‫هيذ ِهِ ال َ‬
‫ميا َ‬ ‫وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله ‪)) :‬ي َييا َقيوْم ِ إ ِن ّ َ‬
‫قيَرارِ (( ]غييافر ‪ . [39-38:‬فييأخبرهم أن‬ ‫داُر ال ْ َ‬
‫ي َ‬ ‫ن اْل ِ‬
‫خيَرة َ ه ِي َ‬ ‫مت َيياع ٌ وَإ ِ ّ‬
‫اليد ّن َْيا َ‬
‫الدنيا متاع ُيتمتع بها إلى غيرها ‪،‬وأن الخرة هي المستقر ‪.‬‬
‫عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلييى ليذات الخييرة ‪ ،‬وليذلك‬ ‫وإذا ُ‬
‫خلقت الدنيا و لييذاُتها ‪ ،‬فكل لككذة أعككانت علككى لككذة الخككرة وأوصييلت‬
‫إليها ؛لم يذم تناولها ‪،‬بل ُيحمد لحسب إيصالها إلى لذة الخرة ‪.‬‬
‫عرف هذا فأعظم نعيم الخرة ولذاتها ‪ :‬النظر إلى وجه اللككه‬ ‫إذا ُ‬
‫جل جلله ‪ ،‬وسماع كلمه والقرب منه ‪ ،‬كما ثبت في الصحيح فييي حييديث‬
‫ب إليهييم ميين النظيير إليييه ")‪ ، (1‬وفييي‬ ‫الرؤية ‪ ":‬فوالله ؛ما أعطاهم شيئا ً أح ي ّ‬
‫النسائي ومسند المام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي اللييه عنييه عيين‬
‫النبي صلى الله عليه وسييلم فييي دعييائه ‪":‬أسييألك لييذة النظيير إلييى وجهييك‬
‫)‪(2‬‬
‫الكريم ‪،‬والشوق إلى لقائك "‬
‫صل هذه اللذة هو أعظككم‬ ‫عرف هذا ؛ فأعظم السباب التي ُتح ّ‬ ‫فإذا ُ‬
‫لذات الدنيا على الطلق ‪،‬وهي لذة معرفة الله سبحانه وتعككالى‬
‫ولذة محبته ؛ فإن ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي ‪ ،‬ونسبة لذاتها الفانييية‬
‫خِلق لذلك ؛ فأطيب مييا‬ ‫فل َةٍ في بحر ‪ ،‬فإن الروح والقلب والبدن إنما ُ‬ ‫إليه كت ْ‬
‫في الدنيا معرفته سبحانه ومحبتييه ‪،‬وألييذ مييا فييي الجنيية رؤيتييه ومشيياهدته ؛‬
‫فمحبته ومعرفته قرة العيييون ‪،‬ولييذة الرواح ‪،‬وبهجيية القلييوب‪ ،‬ونعيييم الييدنيا‬
‫ة عيين ذليك تتقلييب آلميا ً وعييذابا ً ‪ ،‬ويبقييى‬ ‫وسرورها ‪ ،‬بل لذات الدنيا القاطع ُ‬
‫صاحبها في المعيشة الضنك ؛ فليست الحياة الطيبة إل بالله ‪.‬‬
‫وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول ‪ :‬إن كان أهككل الجنككة‬
‫في نعيم مثل هذا؛ إنهم لفي عيش طيب ‪.‬‬
‫وكان غيره يقول ‪ :‬لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحككن فيككه ؛‬
‫لجالدونا عليه بالسيوف ‪.‬‬
‫وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عييذاب علييى قلييب المحييب يقييول‬
‫في حاله ‪:‬‬
‫ق‬
‫ب وي َْعش ُ‬ ‫ح ُ‬‫ن ل يُ ِ‬ ‫خيَر فِْيم ْ‬ ‫فل َ‬ ‫ذوو اليَهوى‬ ‫ن َ‬‫س إل العاشقو َ‬ ‫وما الّنا ُ‬
‫فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الرواح ؟ وليس للقلب لييذة ول‬
‫نعيم ول فلح ول حياة إل بها ‪،‬وإذا فقدها القلب ؛كان أليمه أعظيم مين أليم‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬مسلم )‪ (181‬من حديث صهيب رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬النسائي )‪ (1304‬وأحمد )‪ (4/264‬وصححه اللباني في الكلم الطيب ص ‪. 66-65‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪28‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫العين إذا فقدت نورهييا ‪،‬والذن إذا فقييدت سييمعها ‪،‬والنييف إذا فقييد شييمه ‪،‬‬
‫واللسان إذا فقد نطقه ؟!‬
‫م ميين‬
‫بل فساد القلب إذا خل ميين محبيية فيياطره وبييارئه وإلهييه الحييق أعظي ُ‬
‫فساد البدن إذا خل منه الروح ‪ ،‬وهذا المر ل يصد ّقُ به إل من في قلبه حياة‬
‫ت إيلم ‪.‬‬
‫‪ ،‬وما لجرح بمي ّ ٍ‬
‫ة‬
‫والمقصود ‪ :‬أن أعظم لذات الدنيا هي السيبب الموصيل إليى أعظييم ليذ ٍ‬
‫في الخرة ‪.‬‬

‫] أنواع لذات الدنيا [‬


‫‪ ‬ولذات الدنيا ثلثة أنواع ‪:‬‬
‫فأعظمها وأكملها ‪ :‬ما أوصل إلى لذة الخرة ‪ ،‬ويثاب النسان‬
‫على هذه اللذة أتم ثواب ‪.‬‬
‫قصد به وجه الله من أكلييه‪ ،‬وشييربه‪،‬‬ ‫ولهذا كان المؤمن يثاب على ما ي َ ِ‬
‫ولبسه‪ ،‬ونكاحه ‪،‬وشفاء غيظه بقهر عييدو اللييه وعييدوه ‪ ،‬فكيييف بلييذة إيمييانه‬
‫ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في رؤييية وجهييه الكريييم‬
‫في جنات النعيم ؟!‬
‫النوع الثاني ‪ :‬لذة تمنع لذة الخرة وتعقب آلما أعظم منها ‪:‬‬
‫ذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا ؛ يحبونهم‬ ‫كل ّ‬
‫كحب اللييه ‪ ،‬ويسييتمع بعضييهم ببعييض ؛فييإنهم يقولييون فييي الخييرة إذا لقييوا‬
‫ت ل ََنا قَييا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ل الن ّيياُر‬ ‫جل ْ َ‬‫جل ََنا ال ّذ ِيَ أ ّ‬‫ض وَب َل َغَْنا أ َ‬ ‫ضَنا ب ِب َعْ ٍ‬ ‫مت َعَ ب َعْ ُ‬
‫ست َ ْ‬‫))َرب َّنا ا ْ‬ ‫ربهم ‪:‬‬
‫ك ن ُوَّلي‬ ‫م}‪ {128‬وَك َذ َل ِ َ‬ ‫علي ٌ‬‫م َ‬ ‫كي ٌ‬ ‫ح ِ‬ ‫ن َرب ّ َ‬
‫ك َ‬ ‫ه إِ ّ‬‫شاء الل ّ ُ‬ ‫ما َ‬ ‫ن ِفيَها إ ِل ّ َ‬ ‫دي َ‬
‫خال ِ ِ‬ ‫واك ُ ْ‬
‫م َ‬ ‫مث ْ َ‬
‫َ‬
‫ن (( ] النعام ‪. [129-128:‬‬ ‫سُبو َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬
‫ما كاُنوا ي َك ِ‬‫َ‬ ‫ً‬
‫ن ب َْعضا ب ِ َ‬ ‫مي َ‬ ‫ّ‬
‫ض الظال ِ ِ‬ ‫ب َعْ َ‬
‫ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الرض والعلو بغير الحق‪.‬‬
‫وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ؛‬
‫ليذيقهم بها أعظم اللم ‪ ،‬ويحرمهم بهككا أكمككل اللككذات ؛ بمنزليية‬
‫من قدم لغيره طعاما ً لذيذا ً مسموما ً يستدرجه به إلى هلكه ‪.‬‬
‫قال تعالى )) سنستدرجهم من حيث ل يعملون ‪ .‬وأملي لهم إن كيييدي‬
‫متين (( ]العييراف ‪ [183-182:‬قييال بعييض السييلف فييي تفسيييرها ‪ :‬كّلمييا‬
‫أحدثوا ذنبا ً ؛أحدثنا لهم نعمة )) حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخييذناهم بغتيية فييإذا‬
‫هم مبلسون ‪ .‬فقطع دابر القوم الييذين ظلمييوا والحمييد للييه رب العييالمين((‬
‫]النعام ‪.[45-44:‬‬
‫وقال تعالى لصحاب هذه اللذة )) أيحسبون أنما نمييدهم بييه ميين مييال‬
‫وبنين‪ .‬نسارع لهم في الخيرات بل ل يشعرون(( ]المؤمنون ‪ [56-55:‬وقييال‬
‫في حقهم ‪ )) :‬فل تعجبك أموالهم ول أولدهم إنما يريييد اللييه ليعييذبهم بهييا‬
‫في الحياة الدنيا (( ]التوبة ‪[55:‬الية ‪.‬‬
‫وهذه اللذة تنقلب آلما من أعظم اللم ؛كما قيل ‪:‬‬
‫عذابا‬ ‫معاد ِ َ‬ ‫ت في ال َ‬ ‫عذابا ً فصار ْ‬ ‫ِ‬ ‫هلِها‬ ‫ت في الحياةِ ل ْ‬ ‫ب كان ْ‬ ‫مآرِ ُ‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪29‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫النوع الثالث ‪ :‬لذة ل تعقب لذة في دار القرار ول ألما يمنييع وصييول‬
‫لذة دار القرار‪ ،‬وإن منعت كمالها ‪.‬‬
‫وهذه اللذة المباحة التي ل ُيستعان بها على لذة الخرة ؛فهييذه زمانهييا‬
‫يسير ‪ ،‬وليس لتمتع النفس بها قدر ‪،‬ول بد أن تشغل العبد عما هييو خييير لييه‬
‫وأنفع منها ‪.‬‬
‫وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى اللييه عليييه وسييلم بقييوله ‪":‬‬
‫ه بقوسه ‪،‬وتأديبه فرسه ‪،‬وملعبته‬ ‫كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل ؛ إل رمي ُ‬
‫امرأته ؛ فإنهن من الحق " )‪. (1‬‬
‫ن عليهييا فهيو‬ ‫فما أعان على اللذة المطلوبةِ ليذاتها فهيو حيق ‪ ،‬وميا ليم يعي ْ‬
‫باطل ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] بعض أنواع المحبة التي فيها منافع العشق ومزاياه [‬
‫فهذا الحب ل ينكر ول يذم بل هو أحد أنواع الحب‪،‬وكذلك حييب رسييول اللييه‬
‫صلى الله عليييه وسييلم وإنما نعني بالمحبككة الخاصككة ‪ ،‬وهككي الككتي‬
‫تشغل قلب المحب وفكره وذكره بمحبككوبه ‪ ،‬وإل فكييل مسييلم فييي‬
‫قلبه محبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ‪،‬والييتي ل يييدخل السييلم إل‬
‫بها ‪ ،‬والناس متفاوتون في درجات هذه المحبيية تفاوتييا ل يحصيييه إل اللييه ‪،‬‬
‫فبين محبة الخليلين صلى الله عليهما وسلم ومحبة غيرهما ما بينهما ‪.‬‬
‫فهذه المحبة هي التي ت َُلطييف وتخفييف أثقييال التكيياليف ‪،‬وتسييخي البخيييل ‪،‬‬
‫وتشييجع الجبييان ‪،‬وتصييفي الييذهن ‪ ،‬وتييروض النفييس ‪،‬وتطيييب الحييياة علييى‬
‫الحقيقة ‪ ،‬ل محبة الصور المحرمة ‪ ،‬وإذا ب ُِليت السييرائر يييوم اللقيياء ؛كييانت‬
‫سريرة صاحبها من خير سرائر العباد ؛كما قيل ‪:‬‬
‫ب يوم تبلى السرائُر‬ ‫ح ّ‬‫سريرة ُ ُ‬ ‫مضمرِ القْلب والحشا‬ ‫م في ُ‬
‫سيبقى لك ْ‬
‫وهذه المحبة هي التي ُتنور الوجه ‪ ،‬وتشرح الصدر‪ ،‬وتحيي القلب ‪.‬‬
‫وكذلك محبة كلم الله ؛ فإنها من علمة محبة الله ‪.‬‬
‫وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله ؛فانظر محبة القرآن‬
‫من قلبك‪ ،‬والتييذاذك بسييماعه أعظييم ميين التييذاذ أصييحاب الملهييي والغنيياء‬
‫بسماعهم ؛ فإنه من المعلوم أن من أحييب حبيبيا ً كييان كلمييه وحييديثه أحييب‬
‫شيٍء إليه ؛كما قيل ‪:‬‬
‫ت كتابي‬ ‫م هجر َ‬ ‫فل ْ‬ ‫حّبي‬‫م ُ‬‫ت َتزع ُ ُ‬ ‫إن ُ‬
‫كن َ‬
‫خطابي‬ ‫ن لذيذ ِ ِ‬ ‫م ْ‬‫يه ِ‬ ‫ت ما فيي‬ ‫أما تأمل َ‬
‫ت قيلوبُنا لما شييبعت ميين‬ ‫وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ‪ :‬لو ط َهَُر ْ‬
‫كلم الله )‪ .(2‬وكيف يشبع المحب من كلم محبوبة وهو غاية مطلوبه ؟‬
‫وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ‪:‬‬
‫"اقرأ علييي " فقييال ‪ :‬أقييرأ عليييك وعليييك أنييزل ؟ فقييال ‪ " :‬إنييي أحييب أن‬
‫‪ () 1‬أخرجه ‪ :‬أبو داود )‪ (2513‬والترمذي )‪ (1673‬والنسائي )‪ (3146‬وأحمد )‪ (4/114‬من حديث عقبة بن عامر الجهني‬
‫رضي ال عنه ‪ .‬قال الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن صحيح ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 159‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪30‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫أسييمعه ميين غيييري" فاسييتفتح فقييرأ سييورة النسيياء حييتى إذا بلييغ قييوله ‪:‬‬
‫)) فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلء شهيدا (( ]النساء‬
‫‪ [41:‬قال ‪" :‬حسبك الن " فرفع رأسه فييإذا عينييا رسييول اللييه صييلى اللييه‬
‫عليه وسلم تذرفان من البكاء )‪.(1‬‬
‫وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى ؛ يقولون‪ :‬يا أبا موسييى ! اقييرأ‬
‫علينا فيقرأ ‪ ،‬وهم يستمعون )‪.(2‬‬
‫محبي القرآن من الوجييد والييذوق واللييذة والحلوة والسييرور أضييعاف مييا‬ ‫فل ِ ُ‬
‫حبي السماع الشيطاني ‪.‬‬ ‫م ِ‬ ‫لِ ُ‬
‫فإذا رأيت الرجل ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه إلى سماع البيات دون‬
‫سماع اليات ‪،‬و سماع اللحان دون سماع القرآن ؛ كما قيل ‪ :‬تقرأ عليككك‬
‫ش كدُ فتميككل‬ ‫الختمككة وأنككت جامككد كككالحجر ‪،‬وبيككت مككن الشككعر ي ُن ْ َ‬
‫كالنشوان فهذه من أقوى الدلة على فراغ قلبييه ميين محبيية اللييه وكلمييه‬
‫‪،‬وتعلقه بمحبة سماع الشيطان ‪ ،‬والمغرور يعتقد أنه على شيء !!‬
‫ففي محبة الله وكلمه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضييعاف أضييعاف مييا‬
‫ذ ُك َِر من فوائد العشق ومنافعه‪ ،‬بل ل حب على الحقيقة أنفع منه ‪،‬وكل حب‬
‫ن عليه ويسوق المحب إليه ‪.‬‬ ‫سوى ذلك باطل ‪ ،‬إن لم ُيع ْ‬
‫فيصل‬
‫] ل تثريب في حب النساء إن كان بالوجه الشرعي [‬
‫وأما محبة الزوجات ‪ :‬فل لوم على المحب فيها ‪ ،‬بل هي من كماله ‪.‬‬
‫ن الله سبحانه بها على عباده فقال ‪ )) :‬ومن آياته أن خلق لكم ميين‬ ‫وقد امت ّ‬
‫أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكييم مييودة ورحميية (( الييية ]الييروم ‪:‬‬
‫‪ [21‬؛ فجعل المرأة سكنا للرجل ؛ يسيكن إليهيا قلبيه وجعيل بينهميا خيالص‬
‫الحب ‪ ،‬وهو المودة المقرونة بالرحمة ‪.‬‬
‫وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهيين‪ )) :‬يريييد‬
‫الله ليبين لكن ويهديكم سنن الذين ميين قبلكييم ويتييوب عليكييم واللييه عليييم‬
‫حكيم ‪ .‬والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعييون الشييهوات أن تميلييوا‬
‫ميل عظيما ‪ .‬يريد الله أن يخفف عنكم و خلق النسان ضعيفا (( ] النساء ‪:‬‬
‫‪.[28-26‬‬
‫وفي الصحيح من حديث جابر عيين النييبي صييلى اللييه عليييه وسييلم أنييه رأى‬
‫امرأة فأتى زينب ‪،‬فقضى حاجته منها وقال ‪ " :‬إن المرأة ُتقبييل فييي صييورة‬
‫شيطان وتدبر في صورة الشيطان فإذا رأى أحدكم امرأة ‪ ،‬فأعجبته ؛فليأت‬
‫أهله ؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه ")‪. (3‬‬
‫ففي هذا الحديث عدة فوائد منها ‪:‬‬
‫منها ‪ :‬الرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه ؛ كما يقوم الطعييام مكييان‬
‫الطعام والثوب مقام الثوب ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (4582‬ومسلم )‪. (800‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أبو نعيم في الحلية )‪. (1/258‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬مسلم )‪. (1403‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪31‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ومنها ‪ :‬المر بمداواة العجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الدوية ‪ ،‬وهييو‬
‫قضاء وطره من أهله ‪،‬وذلك ينقض شهوته لها ‪،‬وهييذا كمييا أرشييد المتحييابين‬
‫إلى النكاح كما في سنن ابن ماجه مرفوعا ً ‪ " :‬لم ير للمتحابين مثييل النكيياح‬
‫)‪(1‬‬
‫"‬
‫فنكاحه لمعشوقه هو دواء العشق الذي جعله الله دواًء شرعا ً وقدرا ً ‪.‬‬
‫حّبب إليه النساء؛كما فييي الصييحيح‬ ‫ول ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم ُ‬
‫حب ّييب إلييي ميين دنييياكم النسيياء‬‫عن أنييس عنييه صييلى اللييه عليييه وسييلم ‪ُ ":‬‬
‫والطيب وجعلت قرة عيني في الصلة ")‪. (2‬‬
‫وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك وقييالوا ‪ :‬مييا همييه إل النكيياح ! فييرد‬
‫الله سبحانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونافح عنه فقييال ‪ )) :‬أم‬
‫يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله (( الية ]النساء ‪.[54:‬‬
‫سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحيب النياس إليييه فقيال "‬ ‫وقد ُ‬
‫)‪(4‬‬ ‫)‪(3‬‬
‫حبها " ‪.‬‬ ‫عائشة " رضى الله عنها وقال عن خديجة " إني ُرِزقت ُ‬
‫فمحبة النساء من كمال النسان ‪.‬‬
‫] أقسام عشق النساء [‬
‫فعشق النساء ثلث أقسام ‪:‬‬
‫قسم هو قربككة وطاعككة ‪ :‬وهييو عشييق الرجييل امرأتييه وجيياريته ‪ ،‬وهييذا‬
‫العشق نافع فإنه ادعى إلى المقاصييد الييتي شييرع اللييه لهييا النكيياح ‪ ،‬وأكييف‬
‫للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله ‪ ،‬ولهذا يحمد هذا العاشق عنييد اللييه‬
‫وعند الناس ‪.‬‬
‫وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمته ‪ ،‬وهو أضر شيء على‬
‫العبد في دينه ودنياه ‪ ،‬وهككو عشككق المككردان ؛ فمككا ابتلككي بككه إل‬
‫من سقط من عين الله ‪،‬وطرد عن بابه ‪ ،‬وأبعد قلبككه عنككه ‪ ،‬وهييو‬
‫من أعظم الحجب القاطعة عيين اللييه ؛كمييا قييال بعييض السييلف ‪ :‬إذا سييقط‬
‫العبد من عين الله ابتله بمحبة المردان ‪.‬‬
‫وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت ‪،‬فما أوتوا إل من هييذا‬
‫العشق قال الله تعالى ‪ )) :‬لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (( ]الحجيير ‪:‬‬
‫‪.[72‬‬
‫ودواء هككذا الككداء ‪ :‬السييتغاثة بمقلييب القلييوب ‪ ،‬وصييدق اللجييأ إليييه ‪،‬‬
‫والشتغال بذكره ‪ ،‬والتعوض بحبه وقربه ‪ ،‬والتفكر باللم الييذي يعقبييه هييذا‬
‫العشق بييل واللذة الييتي تفييوته بييه ‪ ،‬فييترتب عليييه فييوات أعظييم محبييوب‬
‫وحصول أعظم مكروه ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬ابن ماجه )‪ (1847‬وصححه اللباني في السلسلة الصحيحة ورقمه )‪. (625‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬النسائي )‪ (3949‬وأحمد )‪ (285-199-3/128‬وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص )‪ (3/116‬وتابعه اللباني‬
‫في تخريج المشكاة ) ‪. (2561-3/1448‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (3662‬ومسلم )‪ (2384‬من حديث عمرو بن العاص رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (3816‬ومسلم )‪ (2435‬من حديث عائشة رضي ال عنها ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪32‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فإذا أقدمت نفسه على هذا وآثرته ؛ فليكبر عليها تكبير الجنازة‬
‫‪ ،‬وليعلم أن البلء قد أحاط بها ‪.‬‬
‫ت لييه‬‫ور ْ‬
‫ص ِ‬
‫والقسم الثالث من العشق ‪ :‬العشق المباح ‪ ،‬كعشق من ُ‬
‫امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير قصد فتعلق قلبه بها ‪ ،‬ولم يحدث له ذلك‬
‫العشق معصية ؛ فهييذا ل يملييك ول يعيياقب عليييه ‪ ،‬والنفع لككه مككدافعته‬
‫والشتغال بما هييو أنفييع لييه منييه ‪ ،‬ويجب علكى هكذا ‪ :‬أن يكتييم ويعييف‬
‫ويصييبر علييى بلييواه ‪ ،‬فيييثيبه اللييه علييى ذلييك ‪ ،‬ويعوضييه علييى صييبره للييه ‪،‬‬
‫وعفته ‪،‬وترك طاعته هواه ‪،‬وإيثار مرضاة الله وما عنده ‪.‬‬
‫فييصيل‬
‫] أقسام العشاق [‬
‫والعشاق ثلثة أقسام ‪:‬‬
‫منهم ‪ :‬من يعشق الجمال المطلق ‪.‬‬
‫ومنهم ‪ :‬من يعشق الجمال المقيد ؛ سواء طمع بوصاله أو ل ‪.‬‬
‫ومنهم ‪ :‬من ل يعشق إل من يطمع في وصاله ‪.‬‬
‫ت في القوة والضعف ‪.‬‬ ‫وبين هذه النواع الثلثة تفاو ٌ‬
‫فعاشق الجمال المطلق ‪ :‬يهيم قلبه في كييل واٍد‪ ،‬ولييه فييي كييل صييورة‬
‫جميلة مراد ‪..‬فهذا عشقه أوسع ‪ ،‬ولكنه غير ثابت كثير التنقل ‪:‬‬
‫ح‬
‫ن ُيصب ُ‬‫ن وقتهِ حي َ‬
‫مم ْ‬ ‫شقُ غ َي َْره ُ وَيسلهُ ُ‬ ‫م بهذا ث ُ ّ‬
‫م ي َعْ َ‬ ‫َيهي ُ‬
‫وعاشق الجمال المقيد ‪ :‬أثبت على معشيوقهِ وأدوم محبية ليه ‪،‬ومحبتيه‬
‫ن يضييعفهما عيدم الطمييع‬ ‫أقوى من محبة الول ؛ لجتماعهما في واحد ‪،‬ولكي ْ‬
‫في الوصال ‪.‬‬
‫مع في وصككاله أعقييل العشيياق وأعرفهييم ‪،‬‬ ‫ْ‬
‫وعاشق الجمال الذي ي ُط ُ‬
‫ويه ‪.‬‬
‫وحبه أقوى ؛لن الطمع يمده ويق ّ‬
‫فيصل‬
‫] بيان أن خبر ‪ " :‬من عشق فعف ‪ "..‬موضوع [‬
‫] ول يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪..‬أنه‬
‫قال ‪ " :‬من عشق فعف فمات فهو شهيد " وفي رواية " ميين عشييق وكتييم‬
‫وعف وصبر غفر الله له و أدخله الجنة " )‪. (1‬‬
‫فإن هذا الحديث ل يصح عن رسول الله ول يجوز أن يكون من كلمييه فييإن‬
‫الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصديقية ولها أعمييال وأحييوال‬
‫هي شرط في حصولها ‪.‬‬
‫وهي نوعان ‪ :‬عامة وخاصة ‪:‬‬
‫فالخاصة ‪ :‬الشهادة في سبيل الله ‪.‬‬
‫ً‬
‫والعامة ‪ :‬خمس مذكورة في الصحيح ليس العشق واحدا منها ‪.‬‬
‫وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبية ‪ ،‬وفيراغ القليب عين الليه ‪،‬‬
‫وتمليك القلب والروح والحب لغيره ؛ تنال به درجة الشهادة ؟!‬
‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ابن حبان في المجروحين )‪ (1/349‬وانظر ‪ :‬السلسلة الضعيفة )‪. (1/587‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪33‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫هذا من المحال ؛ فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفسيياد ‪ ،‬بييل هييو‬
‫خمر الروح الييذي يسييكرها ويصييدها عيين ذكيير اللييه وحبييه والتلييذذ بمناجيياته‬
‫والنييس بييه‪ ،‬ويييوجب عبودييية القلييب لغيييره ؛ فييإن قلييب العاشييق متعبييد‬
‫لمعشوقه ‪،‬بل العشق لييب العبودييية ؛ فإنهييا كمييال الييذل والحييب والخضييوع‬
‫والتعظيم ‪.‬‬
‫فكيف يكون تعبد القليب لغيير الليه مميا تنيال بيه درجية أفاضيل الموحيدين‬
‫وساداتهم وخواص الولياء ؟!‬
‫فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس ؛كان غلطا ووهما ‪.‬‬
‫ول يحفظ عن رسييول الليه صيلى الليه علييه وسيلم لفييظ ) العشيق ( فيي‬
‫حديث صحيح ألبته ‪.‬‬
‫ثم إن العشق منه حلل ومنه حييرام ؛فكيييف يظيين بييالنبي صييلى اللييه عليييه‬
‫وسلم أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد ؟!‬
‫فترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا ينييال بعشييقه درجيية‬
‫الشهداء؟! وهييل هييذا إل خلف المعلييوم ميين دينييه صييلى اللييه عليييه وسييلم‬
‫بالضرورة ؟!‬
‫كيف والعشق مرض من المراض التي جعل الله سبحانه لها الدوييية شييرعا‬
‫وقدرا‪ ،‬والتداوي منه إما واجب ي إن كان عشقا حراما ي وإما مستحب ؟!‬
‫وأنت إذا تأملت المراض والفات التي حكييم رسييول اللييه صييلى اللييه عليييه‬
‫وسييلم لصييحابها بالشييهادة ؛ وجييدتها ميين المييراض الييتي ل علج لهييا ؛‬
‫كالمطعون ‪،‬والمبطون ‪،‬والمجنون ‪،‬والحريق‪ ،‬والغريق ‪،‬وموت المرأة يقتلهييا‬
‫ولدها في بطنها ؛ فإن هذه بليا من الله ل صنع للعبييد فيهييا ‪ ،‬ول علج لهييا ‪،‬‬
‫وليست أسبابها محرمة ‪ ،‬ول يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير اللييه‬
‫ما يترتب على العشق ‪. (1) [..‬‬
‫فصل‬
‫] عظيم مفسدة اللواط وشدة فحشه [‬
‫ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا‬
‫والخرة من أعظم العقوبات ‪.‬‬
‫ً‬
‫فذهب جمهور المة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة ‪ :‬ليس في المعاصي‬
‫مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهى تلي مفسدة الكفر ‪،‬وربما كانت‬
‫أعظم من مفسدة القتل ‪.‬‬
‫ً‬
‫قالوا ‪ :‬ولم يبتل الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من‬
‫العالمين ‪.‬‬
‫وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم ‪،‬وجمع عليهم أنواعا ً من العقوبات‬
‫من الهلك ‪ ،‬وقلب ديارهم عليهم ‪،‬والخسف بهم ‪ ،‬ورجمهم بالحجارة من‬
‫السماء‪ ،‬وطمس أعينهم‪ ،‬وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا ً ‪ ،‬فنكل بهم نكال‬
‫لم ينكله بأمة سواهم ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( هذا المقطع أخذته من كلم ابن القيم ـ رحمه ال ـ في زاد المعاد )‪ (4/275‬لهميته ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪34‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة ‪ ،‬التي تكاد الرض تميد من جوانبها إذا‬
‫عملت عليها ‪ ،‬وتهرب الملئكة إلى أقطار السموات والرض إذا شهدوها‬
‫خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم ‪،‬وتعج الرض إلى ربها تبارك‬
‫وتعالى ‪ ،‬وتكاد الجبال تزول عن أماكنها ‪.‬‬
‫ل المفعول به خير له من أن يؤتى فإنه إذا وطأه الرجل ؛ قتله قتل‌ًً ًً‬ ‫ولن ُيقت َ‬
‫ٌ‬
‫ل ترجى الحياة معه ؛ فإنه يفسد فسادا ً ل ُيرجى له بعده صلح أبدا ً ‪،‬ويذهب‬
‫خيره كله ‪،‬وتمص الرض ماء الحياء من وجهه ‪،‬فل يستحي بعد ذلك من الله‬
‫ة الفاعل ما يعمل السم في‬ ‫ول من خلقه ‪ ،‬وتعمل في قلبه وروحه نطف ُ‬
‫البدن بخلف قتله؛ فإنه مظلوم شهيد ‪،‬وربما ينتفع به في آخرته ‪.‬‬
‫] بيان عقوبة اللوطي [‬
‫]عقوبة اللوطي القتل حدا[ كما أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ودلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫الصحيحة الصريحة ‪،‬التي ل معارض لها ‪ ،‬بل عليها عمل أصحابه وخلفائه‬
‫الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ‪.‬‬
‫وقد ثبت عن خالد بن الوليد ‪ ) :‬أنه وجد في بعض نواحي العرب رجل ً ُينكح‬
‫كما ُتنكح المرأة ‪ ،‬فكتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ فاستشار‬
‫ي بن أبي طالب أشدهم‬ ‫ة رضي الله عنهم ‪،‬فكان عل ّ‬ ‫أبو بكر الصديق الصحاب َ‬
‫قول فيه‪ ،‬فقال‪ :‬ما فعل هذا إل أمة من المم واحدة ‪ ،‬وقد علمتم ما فعل‬
‫الله بها ‪ ،‬أرى أن يحرق بالنار ‪.‬فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه ()‪. (1‬‬
‫وقال عبد الله بن عباس ‪ :‬يُنظر أعلى ما في القرية ‪ ،‬فيرمى اللوطي منها‬
‫كسا ‪ ،‬ثم يتبع بالحجارة )‪ . (2‬وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله‬ ‫من ّ‬
‫لّلوطّية ‪.‬‬
‫وابن عباس هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ " :‬من‬
‫وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به ")‪ (3‬رواه أهل‬
‫السنن وصححه ابن حبان وغيره واحتج المام أحمد بهذا الحديث وإسناده‬
‫على شرط البخاري ‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ‪ ":‬لعن الله من عمل‬
‫عمل قوم لوط ‪ ،‬لعن الله من عمل عمل قوم لوط ‪ ،‬لعن الله من عمل‬
‫)‪(4‬‬
‫عمل قوم لوط "‬
‫ولم يجىء عنه صلى الله عليه وسلم لعنة الزاني ثلث مرات في حديث‬
‫واحد ‪،‬وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة‬
‫واحدة ‪ ،‬وكرر لعن اللوطية و أكده ثلث مرات ‪.‬‬

‫‪ ()1‬أخرجه ‪ :‬ابن أبي الدنيا ‪،‬ومن طريقه البيهقي في السنن )‪ (8/232‬وجود إسناده المنذري في الترغيب )‪. (3/251‬‬
‫‪ ()2‬أخرجه ‪ :‬ابن أبي شيبة في المصنف )‪. (5/493‬‬
‫‪ ()3‬أخرجه ‪ :‬أبو داود )‪ (4462‬والترمذي )‪ (1456‬وابن ماجه )‪ (2561‬من حديث ابن عباس رضي ال عنهما وصححه الحاكم‬
‫والذهبي واللباني في الرواء )‪. (8/16‬‬
‫‪ ()4‬أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (1/309‬وابن حبان )‪ (4417‬والحاكم )‪ (4/356‬من حديث ابن عباس رضي ال عنهما وصححه الحاكم‬
‫وحسنه اللباني في أحكام الجنائز ص ‪. 203‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪35‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وأطبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتله ‪ ،‬لم‬
‫يختلف منهم فيه رجلن ‪ ،‬وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله‬
‫‪ ،‬فظن بعض الناس أن ذلك اختلف منهم في قتله‪ ،‬فحكاها مسألة نزاع بين‬
‫الصحابة ‪،‬وهي بينهم مسألة إجماع ل مسألة نزاع ‌‪.‬‬
‫قالوا ‪ :‬ومن تأمل قوله سبحانه )) ول تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا‬
‫وساء سبيل (( ]السراء ‪ [32:‬وقوله في اللواط )) أتأتون الفاحشة ما‬
‫سبقكم بها من أحد من العالمين (( ]العراف ‪ [80:‬تبين له تفاوت ما بينهما‬
‫ة من الفواحش‬ ‫كر الفاحشة في الزنى ؛ أي ‪ :‬هو فاحش ٌ‬ ‫‪ ،‬فإنه سبحانه ن ّ‬
‫‪ ،‬وعّرفها في اللواط ‪ ،‬وذلك يفيد أنه جامعٌ لمعاني اسم الفاحشة ؛كما‬
‫تقول ‪:‬زيد الرجل ‪ ،‬ونعم الرجل زيد ؛ أي أتأتون الخصلة التي استقر‬
‫ُفحشها عند كل أحد ‪ ،‬وهي لظهور ُفحشها وكماله غنية عن ِذكرها بحيث ل‬
‫ينصرف السم إلى غيرها ‪.‬‬
‫وهذا نظير قول فرعون لموسى )) وفعلت فعلتك التي فعلت ((‬
‫]الشعراء ‪ [19:‬؛ أي ‪ :‬الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد ‪.‬‬
‫كد سبحانه شأن ُفحشها بأنها لم يعملها أحد ٌ من العالمين قبلهم ‪ ،‬فقال‬ ‫ثم أ ّ‬
‫)) ما سبقكم بها من أحد من العالمين (( ] العراف ‪.[80:‬‬
‫ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب ‪،‬وتنبو عنها السماع‬
‫ح‬
‫حه كما ينك ِ ُ‬‫وتنفر منه الطباع أشد النفور ‪ ،‬وهو إتيان الرجل رجل ً مثله ينك ِ ُ‬
‫النثى فقال ‪ )) :‬إنكم لتأتون الرجال (( ]العراف ‪. [81:‬‬
‫ثم نبه على استغنائهم عن ذلك ‪ ،‬وأن الحامل لهم عليه ليس إل مجرد‬
‫الشهوة ل الحاجة التي لجلها مال الذكر إلى النثى ؛ من ‪ :‬قضاء الوطر ‪،‬‬
‫ولذة الستمتاع‪ ،‬وحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبيها وتذكر‬
‫بعلها‪ ،‬وحصول النسل الذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف‬
‫المخلوقات ‪،‬وتحصين المرأة ‪ ،‬وقضاء وطرها ‪ ،‬وحصول علقة المصاهرة‬
‫التي هي أخت النسب ‪ ،‬وقيام الرجال على النساء ‪ ،‬وخروج أحب الخلق‬
‫إلى الله من جماعهن كالنبياء والولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي صلى الله‬
‫عليه وسلم النبياء بأمته …إلى غير ذلك من مصالح النكاح ‪ ،‬والمفسدة‬
‫التي في اللواط تقاوم ذلك كله ‪ ،‬وُتربي عليه بما ل يمكن حصر فساده ‪،‬ول‬
‫يعلم تفصيله إل الله عز وجل ‪.‬‬
‫ثم أكد سبحانه ُقبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه‬
‫الرجال‪ ،‬وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور ‪ ،‬وهي شهوة النساء‬
‫دون الذكور‪ ،‬فقلبوا المر‪ ،‬وعكسوا الفطرة والطبيعة ‪ ،‬فأتوا الرجال شهوة‬
‫من دون النساء ‪ ،‬ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم ‪ ،‬فجعل عاليها‬
‫كسوا في العذاب على رؤسهم ‪.‬‬ ‫سافلها ‪ ،‬وكذلك قُِلبوا هم ون ُ ِ‬
‫ثم أكد سبحانه ُقبح ذلك بأن حكم عليهم بالسراف ‪ ،‬وهو مجاوزة الحد‪،‬‬
‫فقال ‪ )) :‬بل أنتم قوم مسرفون(( ]العراف ‪. [81:‬‬
‫فتأمل ؛ هل جاء مثل ذلك أو قريبا ً منه في الزنى ‌‬
‫؟!‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪36‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ))ونجيناه من القرية التي كانت تعمل‬
‫الخبائث (( ]النبياء ‪. [74:‬‬
‫ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح ‪،‬فقال )) إنهم كانوا قوم‬
‫سوء فاسقين (( ]النبياء ‪. [74:‬‬
‫وسماهم مفسدين في قول نبيهم )) فقال رب انصرني على القوم‬
‫المفسدين (( ]العنكبوت ‪. [30:‬‬
‫وسماهم ظالمين في قول الملئكة لبراهيم عليه السلم ‪ )) :‬إنا مهلكوا‬
‫أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (( ]العنكبوت ‪[31:‬‬
‫فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ‪ ،‬ومن ذمه الله بمثل هذه الذمات ‪.‬‬
‫ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملئكة ؛وقد أخبروه بإهلكهم ؛ قيل له ‪:‬‬
‫)) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير‬
‫مردود (( ]هود ‪. [76:‬‬
‫ً‬
‫وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله ؛ حيث جاؤا نبيهم لوطا لما‬
‫سمعوا بأنه قد طرقه أضياف ‪ ،‬هم من أحسن البشر صورا ‪ ،‬فأقبل اللوطية‬
‫إليهم يهرعون فلما رآهم قال لهم )) يا قوم هؤلء بناتي هن أطهر لكم ((‬
‫]هود ‪ [78:‬ففدى أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا ً على نفسه وعلى أضيافه‬
‫من العار الشديد ‪ ،‬فقال ‪ )) :‬يا قوم هؤلء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله‬
‫ول تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (( ]هود ‪[78:‬فردوا عليه ‪،‬‬
‫ولكن رد جبار عنيد )) لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما‬
‫نريد (( ]هود ‪ ! [79:‬فنفث نبي الله نفثة مصدور خرجت من قلب‬
‫مكروب ‪،‬فقال‪ )) :‬لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد (( ]هود ‪[80:‬‬
‫فكشف له رسل الله عن حقيقة الحال ‪ ،‬وأعلموه أنهم ممن ليس يوصل‬
‫ن عليك ‪ ،‬فقالوا‬ ‫إليهم ول إليه بسببهم ‪ ،‬فل تخف منهم ول تعبأ بهم وهوّ ْ‬
‫)) يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك (( ]هود ‪ [81:‬وبشروه بما جاءوا به‬
‫من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا )) فأسر بأهلك بقطع من‬
‫الليل ول يلتفت منكم أحد إل امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم‬
‫الصبح أليس الصبح بقريب (( ]هود ‪. [81:‬‬
‫عجل من هذا‪.‬‬ ‫فاستبطأ نبي الله ي عليه السلم ي موعد هلكهم‪،‬وقال ‪ :‬أريد أ ْ‬
‫فقالت الملئكة ‪ )) :‬أليس الصبح بقريب (( ] هود ‪.[81:‬‬
‫فوالله ما كان بين إهلك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إل ما بين السحر‬
‫وطلوع الفجر ‪ ،‬وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ‪ ،‬ورفعت نحو السماء ‪،‬‬
‫حتى سمعت الملئكة نباح الكلب ونهيق الحمير ‪ ،‬فبرز المرسوم الذي ل‬
‫يرد من الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بأن يقلبها عليهم كما‬
‫أخبر به في محكم التنزيل ‪ ،‬فقال عّز من قائل‪ )) :‬فلما جاء أمرنا جعلنا‬
‫عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل (( ]هود ‪. [82:‬‬
‫فجعلهم آية للعالمين ‪ ،‬وموعظة للمتقين ‪ ،‬ونكال ً وسلفا ً لمن شاركهم في‬
‫أعمالهم من المجرمين ‪ ،‬وجعل ديارهم بطريق السالكين )) إن في ذلك‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪37‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ليات للمتوسمين ‪ .‬وإنها لبسبيل مقيم ‪ .‬إن في ذلك لية للمؤمنين ((‬
‫]الحجر ‪. [77-75:‬‬
‫سه وهم في سكرتهم يعمهون ‪،‬‬ ‫أخذهم على غرة وهم نائمون ‪ ،‬وجاءهم بأ ُ‬
‫فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون‪ ،‬تقلبوا على تلك اللذات طويل ً ‪ ،‬فأصبحوا‬
‫بها يعذبون ‪:‬‬
‫عذابا‬ ‫ت َ‬‫ت في المما ِ‬‫عذابا ً فصار ْ‬ ‫ِ‬ ‫ت في الحياةِ لهِلها‬‫ب كان ْ‬ ‫مآر ُ‬
‫ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات ‪،‬وانقضت الشهوات وأورثت‬
‫الشقوات ‪،‬تمتعوا قليل ً وعذبوا طويل ً ‪ ،‬رتعوا مرتعا ً وخيما ً‬
‫فأعقبهم عذابا ً أليما ً ‪،‬أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فما‬
‫استفاقوا منها إل في ديار المعذبين ‪ ،‬وأرقدتهم تلك الغفلة‬
‫فما استيقظوا منها إل وهم في منازل الهالكين ‪ ،‬فندموا ك‬
‫والله ك أشد الندامة حين ل ينفع الندم ‪ ،‬وبكوا على ما أسلفوه‬
‫بدل الدموع بالدم ‪.‬‬
‫فلو رأيت العلى والسفل من هذه الطائفة‪ ،‬والنار تخرج من‬
‫منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم ‪ ،‬وهم‬
‫يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ‪،‬ويقال لهم وهم‬
‫على وجوههم ُيسحبون )) ذوقوا ما كنتم تكسبون اصلوها‬
‫فاصبروا أو ل تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم‬
‫تعملون (( ]الطور ‪.[16:‬‬
‫ة العذاب بين هذه المة وبين‬ ‫ولقد قرب الله سبحانه مساف َ‬
‫فا ً لهم بأعظم الوعيد ))وما هي‬ ‫إخوانهم في العمل‪ ،‬فقال مخو ّ‬
‫من الظالمين ببعيد(( ]هود‪.[83:‬‬
‫] توبة اللوطي هل تقبل ؟ [‬
‫وقد اختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به ؟‬
‫ن تيياب المبتلييى بهييذا البلء‬ ‫التحقيق فككي هككذه المسككألة أن يقككال ‪ :‬إ ْ‬
‫وأناب ‪ ،‬ورزق توبية نصيوحا ً وعمل ً صيالحا ً ‪،‬وكيان فيي كيبره خييرا ً منيه فيي‬
‫ل عييار ذلييك عنييه بييأنواع الطاعييات‬ ‫صييغره ‪،‬وبييدل سيييئاته بحسيينات‪ ،‬وغس ي َ‬
‫والقربات ‪،‬وغض بصييره ‪،‬وحفييظ فرجييه عيين المحرمييات ‪،‬وصييدق اللييه فييي‬
‫معاملته فهذا مغفور له‪،‬وهو من أهل الجنة ؛فإن الله يغفر الذنوب جميعا ً ‪.‬‬
‫ل ذنب ‪ ،‬حتى الشرك بالله ‪،‬وقتل أنبيييائه وأوليييائه ‪،‬‬ ‫وإذا كانت التوبة تمحو ك ّ‬
‫حو هذا الذنب ‪.‬‬ ‫م ْ‬
‫صُر عن َ‬ ‫ق ُ‬ ‫والسحر ‪،‬والكفر ‪ ،‬وغير ذلك فل ت َ ْ‬
‫وقد استقرت حكمة الله به عدل ً وفضل ً أن التائب ميين الييذنب كميين ل ذنييب‬
‫ن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتييل النفييس والزنييى أنييه‬ ‫م َ‬
‫ض ِ‬
‫له‪ .‬وقد َ‬
‫ل سيئاته حسنات ‪ ،‬وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب ‪.‬‬ ‫ُيبد ّ ُ‬
‫وقد قال تعالى ‪ )) :‬قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ل تقنطييوا ميين‬
‫رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هييو الغفييور الرحيييم (( ]الزميير ‪:‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪38‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫‪ [53‬فل يخرج من هييذا العمييوم ذنييب واحييد ‪ ،‬ولكيين هييذا فييي حييق التييائبين‬
‫خاصة‪.‬‬
‫وأما المفعول به ‪ :‬إن كان في كبره شرا ً مما كان في صغره ؛لم‬
‫يوفق لتوبة نصوح‪ ،‬ول لعمل صالح‪،‬ول استدرك ما فات و أحيا ما‬
‫دل السيئات بالحسنات؛ فهذا بعيد أن يوفق عند الممات‬ ‫مات‪،‬ول ب ّ‬
‫ة له على عمله؛ فإن الله سبحانه يعاقب على‬ ‫لخاتمةٍ يدخل الجنة‪،‬عقوب ً‬
‫السيئة بسيئة أخرى ‪،‬وتتضاعف عقوبة السيئات بعضها ببعض ؛كما يثيب‬
‫على الحسنة بحسنة أخرى ‪.‬‬
‫] فصل [‬
‫] حرمة الزنى [‬
‫] بين [سبحانه حرمت ] الزنى [ بقوله ‪ )) :‬والييذين ل يييدعون مييع اللييه إلهييا‬
‫آخر ول يقتلون النفس التي حرم الله إل بالحق ول يزنيون ومين يفعيل ذليك‬
‫يلق أثاما ‪.‬يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ‪ .‬إل ميين تيياب ((‬
‫]الفرقان‪ [70- 68:‬الية‪.‬‬
‫فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلييك الخلييود َ فييي النييار فييي‬
‫العذاب المضاعف المهين ‪ ،‬ما لم يرفع العبد مييوجب ذلييك بالتوبيية واليمييان‬
‫ة وساء‬ ‫والعمل الصالح ‪ .‬وقد قال تعالى ‪ )) :‬ول تقربوا الزنى إنه كان فاحش ً‬
‫سبيل (( ]السراء ‪ [32:‬فأخبر عن ُفحشه في نفسه ‪ ،‬وهو القبيييح الييذي قييد‬
‫تناها قبحه حتى استقر ُفحشه في العقييول ‪ ،‬ثييم أخيبر عين غيايته بيأنه سيياء‬
‫ب وخزي ونكال في‬ ‫سبيل ؛ فإنه سبيل هلكة وبوار و افتقار في الدنيا ‪ ،‬وعذا ٍ‬
‫الخرة‪.‬‬
‫ولما كان نكاح أزواج الباء من أقبحه ؛خصه بمزيد ذم ‪ ،‬فقييال ‪ )) :‬إنييه كييان‬
‫فاحشة ومقتا وساء سبيل (( ]النساء‪. [22:‬‬
‫وعلق سبحانه فلح العبد على حفظ فرجييه منييه ؛ فل سييبيل لييه إلييى الفلح‬
‫بدونه فقال‪ )) :‬قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلتهم خاشعون ‪ .‬والييذين‬
‫هم عن اللغو معرضون ‪ .‬والذين هم للزكاة فاعلون ‪ .‬والذين هييم لفروجهييم‬
‫حافظون ‪ .‬إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملييومين ‪ .‬فميين‬
‫ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون(( ]المؤمنون ‪.[7-1:‬‬
‫وهذا يتضمن ثلثة أمور ‪ :‬أن من لم يحفظ فرجه ؛ لم يكن من‬
‫المفلحين ‪ ،‬وأنه من الملومين ‪ ،‬ومن العادين ؛ ففاته الفلح ‪ ،‬واستحق اسم‬
‫العدوان ‪ ،‬ووقع في اللوم؛ فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض‬
‫ذلك ‪.‬‬
‫خِلق هلوعا ً ل يصبر على سراء ول‬ ‫ونظير هذا ‪ :‬أنه ذم النسان ‪،‬وأنه ُ‬
‫زع إل من استثناه‬ ‫ج ِ‬‫سه الشر َ‬ ‫منع وَبخل ‪ ،‬وإذا م ّ‬‫ضراء ‪،‬بل إذا مسه الخير َ‬
‫بعد ذلك من الناجين من خلقه ‪ ،‬فذكر منهم ‪)) :‬والذين هم لفروجهم‬
‫حافظون‪ .‬إل على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ‪.‬فمن‬
‫ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (( ] المعارج ‪. [31-29:‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪39‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فصل‬
‫] عظم مفسدة الزنى [‬
‫مفسدة الزنى من أعظم المفاسد ‪ ،‬وهى منافية لمصلحة نظام العالم فييي‪:‬‬
‫حفظ النساب ‪ ،‬وحماية الفروج ‪ ،‬وصيانة الحرمات ‪ ،‬وتوقى ما يوقع أعظييم‬
‫العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأختييه‬
‫وأمه‪ ،‬وفى ذلك خراب العالم ‪.‬‬
‫فإن المرأة إذا زنت ؛ أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست‬
‫رؤسهم بين الناس ‪.‬‬
‫وإن حملت من الزنى ‪ :‬فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل ‪،‬‬
‫وإن حملته على الزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيا ً ليس منهم ‪ ،‬فورثهم‬
‫وليس منهم ‪ ،‬ورآهم وخل بهم ‪ ،‬وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك‬
‫من مفاسد زناها ‪.‬‬
‫ً‬
‫وأما زنا الرجل ‪ :‬فإنه يوجب اختلط النساب أيضا ‪ ،‬وإفساد المرأة‬
‫المصونة ‪ ،‬وتعريضها للتلف والفساد ‪.‬‬
‫ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين‪ ،‬وإن عمرت القبور في البرزخ والنار‬
‫في الخرة ‪ ،‬فكم في الزنى من استحلل محرمات ‪،‬وفوات حقوق‪ ،‬ووقوع‬
‫مظالم !!‬
‫ومن خاصيته أنه‪:‬يوجب الفقر ‪ ،‬ويقصر العمر‪ ،‬ويكسو صاحبه سواد‬
‫الوجه‪ ،‬وثوب المقت بين الناس ‪.‬‬
‫ومن خاصيته أيضا ‪ :‬أنه يشتت القلب ‪ ،‬ويمرضه إن لم ُيمته ‪،‬ويجلب‬
‫الهم والحزن والخوف ‪،‬ويباعد صاحبه من الملك ‪،‬ويقربه من الشيطان ‪.‬‬
‫فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ‪،‬ولهذا شرع فيه القتل على‬
‫أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ‪.‬‬
‫ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قُت َِلت ؛كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها‬
‫زنت ‪ .‬وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه ‪ :‬لو رأيت رجل مع امرأتي‬
‫لضربته بالسيف غير مصفح )‪(1‬فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فقال‪ " :‬أتعجبون من غيرة سعد ؟ والله ؛ لنا أغير منه ‪ ،‬والله أغير مني ‪،‬‬
‫)‪(2‬‬
‫ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " متفق عليه ‪،‬‬
‫وفى الصحيحين أيضا عنه ‪ " :‬إن الله يغار ‪،‬وإن المؤمن يغار‪ ،‬وغيرة الله أن‬
‫يأتي العبد ما حرم عليه ")‪ ، (3‬وفى الصحيحين في خطبته صلى الله عليه‬
‫مة محمد ! والله ؛ إنه ل أحد َ أغيُر‬‫وسلم في صلة الكسوف أنه قال ‪ " :‬يا أ ّ‬
‫من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته ‪ ،‬يا أمة محمد ! والله لو تعلمون ما‬
‫أعلم ؛ لضحكتم قليل ً ‪ ،‬ولبكيتم كثيرا " ثم رفع يديه فقال ‪ " :‬اللهم ! هل‬
‫)‪(4‬‬
‫بلغت ؟ "‬
‫‪1‬‬
‫يعني ‪ :‬بحده ل بصحفته ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (6846‬ومسلم )‪ (1499‬من حديث المغيرة بن شعبة رضي ال عنه ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (5223‬ومسلم )‪ (2761‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (1044‬ومسلم )‪ (901‬من حديث عائشة رضي ال عنها ‪.‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪40‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ع‬
‫ة الكسوف سر بدي ٌ‬ ‫ب صل ِ‬ ‫ق َ‬‫ع ِ‬
‫وفى ذكر هذه الكبيرة بخصوصها َ‬
‫لمن تأمله‪ ،‬وظهور الزنى من أمارات خراب العالم ‪ ،‬وهو من أشراط‬
‫الساعة ‪.‬‬
‫كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال ‪ :‬لحدثنكم حديثا ً ل يحدثكموه‬
‫أحد ٌ بعدي ‪،‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‪ ":‬من أشراط‬
‫الساعة ‪ :‬أن يقل العلم‪ ،‬ويظهر الجهل ‪،‬ويظهر الزنى ‪،‬ويقل الرجال ‪ ،‬وتكثر‬
‫)‪(1‬‬
‫النساء ‪،‬حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد "‬
‫وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى‬
‫يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه ‪ ،‬فلبد أن ي ُؤ َث َّر غضُبه في الرض‬
‫عقوبة ‪ ،‬قال عبد الله بن مسعود ‪ :‬ما ظهر الربا والزنى في قرية إل أذن‬
‫الله بإهلكها )‪.(2‬‬
‫فصل‬
‫] التشديد والتشنيع في حد الزنى وأسبابه [‬
‫وخص سبحانه حد الزنى من بين سائر الحدود بثلث خصائص ‪:‬‬
‫أحدها ‪:‬القتل فيه بأشنع القتلت ‪ ،‬وحيث خففه ؛فجمع فيه بين العقوبة‬
‫على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه ؛بحيث تمنعهم من‬
‫إقامة الحد عليهم ؛ فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه‬
‫العقوبة ؛ فهو أرحم منكم بهم ‪ ،‬ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة ؛‬
‫فل يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره ‪.‬‬
‫ن ذ ُك َِر في حد الزنى خاصة‬ ‫وهذا وإن كان عاما ً في سائر الحدود ‪ ،‬ولك ْ‬
‫لشدة الحاجة إلى ذكره ؛ فإن الناس ل يجدون في قلوبهم من الغلطة‬
‫والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر ؛‬
‫فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم ‪،‬والواقع‬
‫شاهد بذلك ‪ ،‬فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة‪ ،‬وتحملهم على تعطيل حد الله‬
‫عز وجل ‪.‬‬
‫ب يقع من الشراف والوساط‬ ‫وسبب هذه الرحمة ‪:‬أن هذا ذن ٌ‬
‫والراذل ‪،‬وفي النفوس أقوى الدواعي إليه ‪،‬والمشارك فيه كثير ‪ ،‬وأكثر‬
‫أسبابه العشق ‪،‬والقلوب مجبولة على رحمة العاشق ‪ ،‬وكثير من الناس يعد‬
‫مساعدته طاعة وقربة ‪،‬وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه ‪.‬‬
‫سَتنك َُر هذا المر ؛ فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه النعام ‪.‬‬ ‫ول ي ُ ْ‬
‫ي لنا من ذلك شيء كثير عن ناقصي العقول ؛كالخدام والنساء ‪.‬‬ ‫حك ِ َ‬
‫ولقد ُ‬

‫‪ ()1‬أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (81-80‬ومسلم )‪. (2671‬‬


‫‪ ()2‬أخرجه ‪ :‬أبو يعلى في المسند )‪(4981‬قال الهيثمي في المجمع )‪ (4/121‬والمنذري في الترغيب )‪ (2/621‬روه أبو يعلى ‪،‬‬
‫وإسناده جيد " والحديث بمجموع طرقه ل ينـزل عن رتبة الحسن ‪ ،‬وقد حسنه اللباني في غاية المرام ص ‪ 203‬رقم ‪. 344‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪41‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ب غالبا ً ما يقع مع التراضي من الجانبين ؛فل يقع فيه‬ ‫وأيضا ً ‪ :‬فإن هذا ذن ٌ‬
‫)‪(1‬‬
‫من العدوان والظلم والغتصاب ما تنفر النفوس منه ‪ ،‬وفيها شهوة غالبة‬
‫له ‪ ،‬فُيصور ذلك لها ‪ ،‬فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد ‪.‬‬
‫وهذا كله من ضعف اليمان ‪.‬‬
‫ة َيرحم بها المحدود‬‫وكمال اليمان أن تقوم به ُقوة ٌ ُيقيم بها أمر الله ‪ ،‬ورحم ٌ‬
‫‪ ،‬فيكون موافقا ً لربه تعالى في أمره ورحمته ‪.‬‬
‫دهما بمشهد من المؤمنين ‪،‬فل يكون‬ ‫الثالث ‪ :‬أنه سبحانه أمر أن يكون ح ّ‬
‫في خلوة بحيث ل يراهما أحد ‪،‬وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر ‪.‬‬
‫وحدّ الزاني المحصن ‪ :‬مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف‬
‫بالحجارة‪ ،‬وذلك لشتراك الزنى واللواط في الفحش ‪ ،‬وفى كل منهما فساد‬
‫يناقض حكمة الله في خلقه وأمره ‪.‬‬
‫فصل] آثار الذنوب والمعاصي [‬
‫مما ينبغي أن يعلم ‪:‬‬
‫أن الذنوب والمعاصي تضر ‪ ،‬ول شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم‬
‫في البدان على اختلف درجاتها في الضرر ‪ ،‬وهل في الدنيا و الخرة‬
‫شرور وداء إل سببه الذنوب والمعاصي ؟!‬
‫فما الذي أخرج البوين من الجنة ي دار اللذة والنعيم والبهجة والسروري‬
‫إلى دار اللم والحزان والمصائب ؟‬
‫وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء ‪،‬وطرده ‪،‬ولعنه‪،‬ومسخ‬
‫ظاهره وباطنه؟ وما الذي أغرق أهل الرض كلهم حتى عل الماء فوق‬
‫رأس الجبال ؟‬
‫وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على‬
‫وجه الرض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت ما مر عليه من ديارهم‬
‫وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للمم إلى يوم القيامة ؟‬
‫وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في‬
‫أجوافهم ‪،‬وماتوا عن آخرهم ؟‬
‫وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملئكة نبيح كلبهم ‪،‬ثم‬
‫قلبها عليهم‪ ،‬فجعل عاليها سافلها‪ ،‬فأهلكهم جميعا‪ ،‬ثم أتبعهم حجارة من‬
‫السماء أمطرها عليهم‪ ،‬فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة‬
‫غيرهم ‪،‬ولخوانهم أمثالها ‪،‬وما هي من الظالمين ببعيد ؟‬
‫وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل ‪،‬فلما صار‬
‫فوق رؤسهم ؛ أمطر عليهم نارا ً تلظى ؟‬
‫حهم إلى جهنم ؛‬ ‫قَلت أروا ُ‬
‫وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ‪،‬ثم ن ُ ِ‬
‫فالجساد للغرق والرواح للحرق ؟‬
‫وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله ؟‬

‫‪1‬‬
‫)( الضمير يعود على النفوس ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪42‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها‬


‫تدميرا ً ؟‬
‫وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم ؟‬
‫وما الذي بعث على بنى إسرائيل قوما ً أولي بأس شديد ‪ ،‬فجاسوا‬
‫خلل الديار‪ ،‬وقتلوا الرجال ‪،‬وسبوا الذراري والنساء ‪،‬وأحرقوا الديار ‪،‬ونهبوا‬
‫الموال ‪،‬ثم بعثهم عليهم مرة ثانية ‪،‬فاهلكوا ما قدروا عليه ‪،‬وتبروا )‪(1‬ما علو‬
‫تتبيرا ؟‬
‫ع العقوبات ؛ مرة ً بالقتل والسبي وخراب‬ ‫وما الذي سلط عليهم أنوا َ‬
‫البلد ‪،‬ومرة بجور الملوك ‪ ،‬ومرة بمسخهم قردة وخنازير‪ ،‬وآخر ذلك أقسم‬
‫الرب تبارك وتعالى )) ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء‬
‫العذاب ((]العراف ‪[167:‬؟ وعن جبير بن نفير قال ‪ ) :‬لما فتحت قبرص‬
‫ُفرق بين أهلها ‪،‬فبكى بعضهم إلى بعض ؛ فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده‬
‫يبكى ‪ ،‬فقلت ‪:‬يا أبا الدرداء !ما يبكيك في يوم أعز الله فيه السلم‬
‫وأهله ؟! فقال ‪ :‬ويحك يا جبير !! ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا‬
‫أضاعوا أمره ‪ ،‬بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك ‪ ،‬تركوا أمر الله‬
‫)‪(2‬‬
‫فصاروا إلى ما ترى (‬
‫وفي مسند أحمد ؛من حديث أم سلمة؛ قالت ‪ :‬سمعت رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم يقول ‪ " :‬إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب‬
‫من عنده" فقلت ‪:‬يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون ؟ قال ‪:‬‬
‫"بلى" ‪ ،‬قلت ‪:‬كيف يصنع باؤلئك ؟ قال ‪" :‬يصيبهم ما أصاب الناس ثم‬
‫)‪(3‬‬
‫يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان "‬
‫وفي سنن ابن ماجه من حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب قال‪ :‬كنت‬
‫عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال ‪ ":‬يا معشر‬
‫المهاجرين خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في‬
‫قوم حتى أعلنوا بها إل ابتلوا بالطواعين والوجاع التي لم تكن في أسلفهم‬
‫الذين مضوا ‪،‬ول نقص قوم المكيال والميزان ‪،‬إل ابتلوا بالسنين وشدة‬
‫المؤنة وجور السلطان ‪،‬وما منع قوم زكاة أموالهم إل منعوا القطر من‬
‫السماء ‪ ،‬فلول البهائم ؛لم يمطروا ‪،‬ول خفر قوم العهد إل سلط الله عليهم‬
‫عدوا من غيرهم‪ ،‬فاخذوا بعض ما في أيديهم ‪ ،‬وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل‬
‫)‪(4‬‬
‫الله عز وجل في كتابه ؛ إل جعل الله بأسهم بينهم "‬
‫وعن ابن عمر قال ‪ :‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‪ " :‬إذا‬
‫ظن الناس بالدينار والدرهم ‪،‬وتبايعوا بالعينة ‪،‬وتبعوا أذناب البقر ‪،‬وتركوا‬
‫‪1‬‬
‫طم ‪.‬‬
‫)( َتّبر ‪ :‬أهلك وح ّ‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 179‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (6/294‬والحديث صححه اللباني في السلسلة )‪. (3/359‬‬
‫‪4‬‬
‫)( أخرجه ‪:‬ابن ماجه )‪ (4019‬وقال اللباني بعد أن أطال في تخريج الحديث وذكر طرقه وشواهده في السلسلة )‪: (1/216‬‬
‫وبالجملة ؛ فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بل ريب "‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪43‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلء فل يرفعه عنهم حتى ُيراجعوا دينهم‬
‫")‪(1‬ورواه أبو داود بإسناد حسن ‪.‬‬
‫وقال العمري الزاهد)‪ ) : (2‬من ترك المر بالمعروف والنهي عن‬
‫ت منه الطاعة ‪،‬ولو أمر ولده‬ ‫زع ْ‬ ‫المنكر مخافة من المخلوقين ‪،‬ن ُ ِ‬
‫أو بعض مواليه لستخف بحقه ( ‪.‬‬
‫وذكر المام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال ‪:‬قال أبو‬
‫بكر الصديق ‪ ) :‬يا أيها الناس ! إنكم تتلون هذه الية وإنكم تضعونها على‬
‫غير موضعها )) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ل يضركم من ضل إذا‬
‫اهتديتم ((]المائدة ‪[105:‬وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫يقول ‪ " :‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه " وفي لفظ " إذا‬
‫رأوا المنكر فلم يغيروه " أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ")‪ (3‬وفي‬
‫صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال ‪ :‬إنكم لتعملون أعمال هي أدق في‬
‫أعينكم من الشعر وإنا كنا لنعدها على زمن رسول الله صلى الله عليه‬
‫وسلم من الموبقات ‪ (4).‬وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ‪:‬أن‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‪ " :‬عذبت امرأة في هرة ‪،‬سجنتها‬
‫حتى ماتت‪ ،‬فدخلت النار ‪ ،‬ل هي أطعمتها ول سقتها ‪ ،‬ول هي تركتها تأكل‬
‫)‪(5‬‬
‫من خشاش الرض "‬
‫ومن هاهنا قال بعض السلف ‪ :‬المعاصي بريد الكفر ‪،‬كما أن القبلة‬
‫بريد الجماع ‪ ،‬والغناء بريد الزنى ‪،‬والنظر بريد العشق ‪،‬والمرض بريد‬
‫الموت ‪.‬‬
‫وقال بلل بن سعد ‪ :‬ل تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت‬
‫)‪.(6‬‬
‫وقال الفضيل بن عياض ‪ :‬بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله ‪،‬وبقدر‬
‫ما يعظم عندك يصغر عند الله ‪.‬‬
‫وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال ‪:‬قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في‬
‫قلبه نكتة سوداء ‪،‬فإذا تاب ونزع واستغفر ؛صقل قلبه ‪،‬وإن زاد زادت ‪،‬حتى‬
‫تعلو قلبه‪،‬فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل )) كل بل ران على قلوبهم‬
‫)‪(7‬‬
‫ما كانوا يكسبون (( ]المطففين ‪" [14:‬‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (2/42‬وأبو داود )‪ (3462‬قال شيخ السلم ابن تيمية )‪ : (29/30‬وقد روى أحمد وأبو داود بإسنادين‬
‫جيدين عن ابن عمر ‪ )..‬فذكره ( ‪ .‬وصححه اللباني في السلسلة )‪. (1/42‬‬
‫‪2‬‬
‫)( هو ‪ :‬عبدال بن عبدالعزيز بن عبدال بن عبدال بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ‪184‬هـ ‪.‬‬
‫انظر ‪ :‬السير )‪. (8/375‬‬
‫‪3‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (1/7‬و أبو داود )‪ (4338‬والترمذي )‪ (3057‬وابن ماجه )‪ (4005‬وقال الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن‬
‫صحيح ‪.‬‬
‫‪4‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (6492‬‬
‫‪5‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (2365‬ومسلم )‪. (2242‬‬
‫‪6‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 460‬‬
‫‪7‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬الترمذي )‪ (3334‬وابن ماجه )‪ (4244‬وأحمد )‪ (2/297‬وقال الترمذي ‪ :‬هذا حديث حسن صحيح ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪44‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫قال الترمذي هذا حديث ]حسن [صحيح ‪.‬‬


‫وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لبيه عن محمد بن سيرين ‪ :‬أنه لما‬
‫ركبه الدين اغتم لذلك ‪،‬فقال‪ :‬إني لعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين‬
‫سنة )‪. (1‬‬
‫وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب ‪،‬وهي أنهم‬
‫ل يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسي ‪ ،‬ويظن‬
‫غكّبر بعد ذلك ؟!!وأن المر كما قال القائل ‪:‬‬ ‫العبد أنه ل ي ُ َ‬
‫س له بعد َ الوقوِع غباُر‬ ‫فلي َ‬ ‫عه‬‫ط في وقو ِ‬ ‫إذا لم ُييغّبر حائ ٌ‬
‫ت هذه النكتة من الخلق ؟! وكم أزالت من‬ ‫وسبحان الله !! كم أهلك ْ‬
‫نعمة ؟! وكم جلبت من نقمة ؟! وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلء‬
‫ض ي ولو بعد حين ي كما‬ ‫ق ّ‬‫؛ فضل ً عن الجهال ! ولم يعلم المغتر أن الذنب ي َن ْ َ‬
‫ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل ‪.‬‬
‫دوا‬
‫وقد ذكر المام أحمد عن أبي الدرداء ‪ :‬اعبدوا الله كأنكم ترونه ‪،‬وع ُ ّ‬
‫أنفسكم في الموتى ‪،‬واعلموا أن قليل ً ُيغنيكم خيٌر من كثير ُيطغيكم‬
‫‪،‬واعلموا أن البر ل يبلى وأن الثم ل ُينسى )‪.(2‬‬
‫ي في منامه‪،‬وقيل‬ ‫ُ‬
‫ونظر بعض العباد إلى صبي ‪،‬فتأمل محاسنه‪،‬فأت ِ َ‬
‫ن ِغّبها بعد أربعين سنة )‪.(3‬‬ ‫له‪:‬لتجد ّ‬
‫هذا مع أن للذنب نقدا ً معجل ً ل يتأخر عنه ‪:‬‬
‫قال سليمان التيمي ‪ :‬إن الرجل ليصيب الذنب في السر‪ ،‬فيصبح وعليه‬
‫مذلته )‪.(4‬‬
‫فيصل‬
‫] آثار المعاصي على العبد في دينه ودنياه وآخرته [‬
‫وللمعاصي من الثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبككدن‬
‫في الدنيا والخرة ما ل يعلمه إل الله ‪:‬‬
‫فمنها‪:‬حرمان العلم فإن العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية‬
‫تطفئ ذلك النور ‪.‬‬
‫ولما جلس المام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من‬
‫وفور فطنته ‪،‬وتوقد ذكائه ‪،‬وكمال فهمه ‪،‬فقال ‪ :‬إني أرى الله قد ألقى على‬
‫قلبك نورًا؛ فل تطفئه بظلمة المعصية ‪ .‬وقال الشافعي ‪:‬‬
‫ك المعاصي‬ ‫فأرشدني إلى تر ِ‬ ‫ت إلى وكيٍع سوَء حفظي‬ ‫شكو ُ‬
‫ص‬‫ل اللهِ ل ُيؤتاه ُ عا ِ‬ ‫وفض ُ‬ ‫ل‬ ‫م َفيي ْ‬
‫ض ٌ‬ ‫ن العل َ‬ ‫م بأ ّ‬‫وقال أعل ْ‬
‫ومنها ‪ :‬حرمان الرزق ‪ :‬فكما أن تقوى الله مجلبة للرزق ؛فترك التقوى‬
‫)‪(5‬‬
‫ب رزقٌ بمثل ترك المعاصي ‪.‬‬ ‫ستجل ِ َ‬‫ة للفقر ؛فما ا ُ‬ ‫مجلب ٌ‬

‫‪1‬‬
‫انظر ‪ :‬الحلية )‪. (2/271‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫الزهد ص ‪. 168‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫هو ابن الجلء ‪.‬وانظر الخبر في ‪ :‬صفوة الصفوة )‪ . (444-2/443‬قوله ‪ ):‬غّبها ( أي عاقبتها‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أنظره في ‪ :‬الحلية )‪. (3/31‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪45‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ومنها ‪ :‬الوحشة التي تحصل بينه وبين الناس ‪،‬ولسيما أهل الخير منهم ؛‬
‫ن‬
‫م ْ‬
‫فإنه يجد وحشة بينه وبينهم ‪ ،‬وكلما قويت تلك الوحشة ‪ ،‬بعد منهم و ِ‬
‫ب من حزب الشيطان بقدر ما‬ ‫م بركة النتفاع بهم ‪ ،‬وقَُر َ‬
‫حرِ َ‬
‫مجالستهم ‪،‬و ُ‬
‫ب َعُد َ من حزب الرحمن‪ ،‬وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم ؛فتقع بينه وبين‬
‫امرأته وولده وأقاربه‪،‬وبينه وبين نفسه ‪ ،‬فتراه مستوحشا ً من نفسه ‪.‬‬
‫خلق دابتي وامرأتي‬ ‫وقال بعض السلف ‪ :‬إني لعصي الله ‪ ،‬فأرى ذلك في ُ‬
‫)‪.(1‬‬
‫ومنها ‪ :‬تعسير أموره عليه ؛ فل يتوجه لمر إل يجده مغلقا ً دونه أو‬
‫متعسرا ً عليه‪ .‬وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا ً ؛ فمن‬
‫عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ‪.‬‬
‫ويالله العجب !! كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه‬
‫متعسرة عليه وهو ل يعلم من أين ُأتي ؟!‬
‫ومنها ‪ :‬أن المعاصي توهن القلب والبدن ‪:‬‬
‫أما وهنها للقلب فأمر ظاهر ‪ ،‬بل ل تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية‬
‫‪.‬‬
‫وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته من قلبه ‪ ،‬وكلما قوى قلبه قوى‬
‫بدنه ‪.‬‬
‫وأما الفاجر ؛ فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة ‪،‬‬
‫فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه ‪.‬‬
‫وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها ‪،‬‬
‫وقهرهم أهل اليمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ؟‬
‫ومنها ‪ :‬حرمان الطاعة ؛ فلو لم يكن للذنب عقوبة إل أنه يصد عن‬
‫طاعة تكون بادية ‪ ،‬ويقطع طريق طاعة أخرى ‪،‬فينقطع عليه طريق ثالثة ثم‬
‫رابعة وهلم جرا‪ ،‬فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة ‪،‬كل واحدة منها خير له‬
‫ة طويلة منعته‬ ‫ة أوجبت له مرض ً‬ ‫من الدنيا وما عليها‪ .‬وهذا كرجل أكل أكل ً‬
‫من عدة أكلت أطيب منها والله المستعان ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن المعاصي تزرع أمثالها ‪،‬وُيولد بعضها بعضا ً ‪،‬حتى يعز على‬
‫العبد مفارقتها والخروج منها ؛كما قال بعض السلف ‪ :‬إن من عقوبة السيئة‬
‫السيئة بعدها ‪،‬وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ‪.‬‬
‫فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها ‪ :‬اعملني أيضا ‪،‬فإذا عملها‬
‫قالت الثالثة كذلك وهلم جرا‪ ،‬فتضاعف الربح ‪،‬وتزايدت الحسنات وكذلك‬
‫ت‬‫ة ‪،‬وصفا ٍ‬ ‫ت راسخ ً‬ ‫كانت السيئات أيضا ً حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئا ٍ‬
‫ة‪.‬‬
‫ت ثابت ً‬‫ة وملكا ٍ‬
‫لزم ً‬
‫ومنها ‪ :‬ي وهو من أخوفها على العبد ي أنها ُتضعف القلب عن إرادته ؛‬
‫فتقوى إرادة المعصية ‪،‬وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا ‪ ،‬إلى أن تنسلخ من‬
‫)( كما في قوله تعالى ‪  :‬ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والرض ولكن كذبوا فأخذناهم‬ ‫‪5‬‬

‫بما كانوا يكسبون ‪ ]‬العراف ‪[96:‬‬


‫‪1‬‬
‫)( هو الفضيل بن عياض ؛ كما جاء في الحلية )‪. (8/109‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪46‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫قلبه إرادة التوبة بالكلية ؛ فلو مات نصفه لما تاب إلى الله ‪ ،‬فيأتي‬
‫بالستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير ‪،‬وقلبه معقود بالمعصية ‪،‬‬
‫صٌر عليها ‪،‬عازم على مواقعتها متى أمكنه ‪.‬‬ ‫م ِ‬
‫ُ‬
‫وهذا من أعظم المراض وأقربها إلى الهلك ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أنه ينسلخ من القلب استقباحها ‪،‬فتصير له عادة فل يستقبح من‬
‫نفسه رؤية الناس له ول كلمهم فيه !‬
‫وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة ‪،‬حتى يفتخر أحدهم‬
‫بالمعصية‪ ،‬ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها ‪،‬فيقول ‪:‬يا فلن !عملت كذا‬
‫وكذا!! وهذا الضرب من الناس ل يعافون ‪،‬وُيسد عليهم طريق التوبة ‪،‬‬
‫وُتغلق عنهم أبوابها في الغالب ‪،‬كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪" :‬‬
‫كل أمتي معافى ؛ إل المجاهرون ‪ ،‬وإن من الجهار أن يستر الله على العبد‬
‫‪،‬ثم يصبح يفضح نفسه ويقول ‪:‬يا فلن! عملت يوم كذا وكذا وكذا ! فيهتك‬
‫نفسه ‪،‬وقد بات يستره ربه ")‪. (1‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه‪ ،‬قال‬
‫الحسن البصري ‪ :‬هانوا عليه فعصوه ‪،‬ولو عزوا عليه لعصمهم ‪.‬‬
‫وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى )) ومن يهن الله‬
‫فماله من مكرم (( ]الحج ‪[18:‬وإن عظمهم الناس في الظاهر ؛لحاجتهم‬
‫إليهم ‪،‬أو خوفا ً من شرهم ؛فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه ‪.‬‬
‫ومنها ‪ :‬أن العبد ل يزال يرتكب الذنوب حتى يهون عليه ويصغر في‬
‫م عند‬ ‫صغَُر في عين العبد؛ ع َظ ُ َ‬ ‫قلبه ‪،‬وذلك علمة الهلك ؛ فإن الذنب كلما َ‬
‫الله ‪.‬‬
‫وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال ‪ ":‬إن المؤمن يري ذنوبه‬
‫كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ‪،‬وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع‬
‫)‪(2‬‬
‫على أنفه فقال به هكذا فطار"‬
‫ومنها ‪ :‬أن المعصية تورث الذل ول بد ‪ ،‬فإن العز كل العز في طاعة الله‬
‫تعالى ‪ ،‬قال تعالى )) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ((]فاطر ‪[10:‬‬
‫أي ‪ :‬فليطلبها بطاعة الله ؛ فإنه ل يجدها إل في طاعته ‪،‬قال الحسن‬
‫البصري ‪ :‬إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ؛ فإن ذل‬
‫المعصية ل يفارق قلوبهم ‪ ،‬أبى الله إل أن يذل من عصاه ‪.‬‬
‫وقال عبد الله بن المبارك ‪:‬‬
‫ل إدماُنها‬ ‫ث الذ ّ ّ‬‫ب وقد ْ ُيورِ ُ‬ ‫َ‬ ‫ت القلو‬ ‫ب ُتمي ُ‬ ‫ذنو َ‬‫ت ال ّ‬‫رأي ُ‬
‫ك عصييياُنها‬ ‫س َ‬
‫ب وخيٌر لنف ِ‬ ‫ِ‬ ‫ب حياة ُ القلو‬ ‫ذنو ِ‬‫ك ال ّ‬‫وَتر ُ‬
‫ومنها ‪ :‬أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من‬
‫الغافلين ‪،‬كما قال بعض السلف في قوله تعالى )) كل بل ران على قلوبهم‬
‫ما كانوا يكسبون (( ]المطففين ‪[14:‬قال ‪ :‬هو الذنب بعد الذنب ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (6069‬ومسلم )‪ (3990‬من حديث أبي هريرة رضي ال عنه ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (6308‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪47‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وقال الحسن‪ :‬هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب ‪.‬‬
‫)‪(1‬‬
‫وقال غيره ‪ :‬لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم ؛ أحاطت بقلوبهم ‪.‬‬
‫وأصل هذا ‪ :‬أن القلب يصدأ من المعصية ؛ فإذا زادت غلب الصدأ حتى‬
‫ب في غشاوة‬ ‫يصير رانًا‪ ،‬ثم يغلب حتى يصير طْبعا ً وقفل ً وختما ً ‪،‬فيصير القل ُ‬
‫وغلف ‪،‬فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة ؛ انتكس ‪ ،‬فصار أعله‬
‫أسفله ‪ ،‬فحينئذ يتوله عدوه ويسوقه حيث أراد ‪.‬‬
‫ومنها ‪:‬حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة‬
‫الملئكة ‪:‬‬
‫فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وقال تعالى‬
‫ه‬
‫ن بِ ِ‬ ‫مُنو َ‬ ‫م وَي ُؤ ْ ِ‬ ‫مد ِ َرب ّهِ ْ‬ ‫ح ْ‬ ‫ن بِ َ‬ ‫حو َ‬ ‫سب ّ ُ‬ ‫ه يُ َ‬ ‫حوْل َ ُ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫ش وَ َ‬ ‫ن ال ْعَْر َ‬ ‫مُلو َ‬ ‫ح ِ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫)) ال ّ ِ‬
‫ن‬ ‫ذي َ‬ ‫فْر ل ِل ّ ِ‬ ‫عْلما ً َفاغ ْ ِ‬ ‫ة وَ ِ‬ ‫م ً‬ ‫ح َ‬ ‫يٍء ّر ْ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ت كُ ّ‬ ‫سعْ َ‬ ‫مُنوا َرب َّنا وَ ِ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ل ِل ّ ِ‬ ‫فُرو َ‬ ‫ست َغْ ِ‬ ‫وَي َ ْ‬
‫ن ال ِّتي‬ ‫َ‬
‫ت ع َد ْ ٍ‬ ‫جّنا ِ‬ ‫م َ‬ ‫خل ْهُ ْ‬ ‫م}‪َ {7‬رب َّنا وَأد ْ ِ‬ ‫ِ‬ ‫حي‬ ‫ج ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ذا َ‬ ‫م عَ َ‬ ‫ك وَقِهِ ْ‬ ‫سِبيل َ َ‬ ‫َتاُبوا َوات ّب َُعوا َ‬
‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫م إ ِن ّ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م}‬ ‫كي ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫زيُز ال َ‬ ‫ت العَ ِ‬ ‫ك أن َ‬ ‫م وَذ ُّرّيات ِهِ ْ‬ ‫جه ِ ْ‬ ‫م وَأْزَوا ِ‬ ‫ن آَبائ ِهِ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ح ِ‬ ‫صل َ‬ ‫من َ‬ ‫عدت ُّهم وَ َ‬ ‫وَ َ‬
‫فوُْز‬ ‫ك هُوَ ال ْ َ‬ ‫ه وَذ َل ِ َ‬ ‫مت َ ُ‬ ‫ح ْ‬ ‫قد ْ َر ِ‬ ‫مئ ِذ ٍ فَ َ‬ ‫ت ي َوْ َ‬ ‫سي َّئا ِ‬ ‫ق ال ّ‬ ‫من ت َ ِ‬ ‫ت وَ َ‬ ‫سي َّئا ِ‬ ‫م ال ّ‬ ‫‪ {8‬وَقِهِ ُ‬
‫م (( ]غافر ‪. [9-7:‬‬ ‫ظي ُ‬ ‫ال ْعَ ِ‬
‫فهذا دعاء الملئكة للمؤمنين التائبين ‪،‬المتبعين لكتابه وسنة رسوله ‪،‬الذين ل‬
‫سبيل لهم غيرهما ‪،‬فل يطمع غير هؤلء بإجابة هذه الدعوة ؛ إذ لم يتصف‬
‫بصفات المدعو له بها ‪ ،‬والله المستعان ‪.‬‬
‫ومن عقوبات المعاصي ‪ :‬ما رواه البخاري في صحيحه من حديث‬
‫َ‬
‫ما ي ُك ْث ُِر أ ْ‬
‫ن‬ ‫م ّ‬ ‫ل الل ّهِ صلى الله عليه وسلم ِ‬ ‫سو ُ‬ ‫ن َر ُ‬ ‫كا َ‬ ‫ل‪َ :‬‬ ‫ب َقا َ‬ ‫جن ْد ُ ٍ‬ ‫ن ُ‬ ‫مَرة ُ ب ْ ُ‬ ‫س ُ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ن ُرؤ َْيا ؟ " قال ‪ :‬في َ ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م ْ‬ ‫ص ع َلي ْهِ َ‬ ‫ق ّ‬ ‫م ْ‬ ‫م ِ‬ ‫من ْك ْ‬ ‫حد ٌ ِ‬ ‫حاب ِهِ ‪ " :‬هَل َرأى أ َ‬ ‫ص َ‬ ‫قول ِل ْ‬ ‫يَ ُ‬
‫ص‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ق ّ‬ ‫ن يَ ُ‬ ‫هأ ْ‬ ‫شاَء الل ُ‬
‫ما َقاَل‬ ‫ه أَتاِني الل ّي ْل َ َ‬ ‫َ‬
‫ما اب ْت َعََثاِني ‪ ،‬وَإ ِن ّهُ َ‬ ‫ن ‪ ،‬وَإ ِن ّهُ َ‬ ‫ة آت َِيا ِ‬ ‫داةٍ ‪ " :‬إ ِن ّ ُ‬ ‫ت غَ َ‬ ‫ذا َ‬ ‫ل َ‬ ‫ه َقا َ‬ ‫وَإ ِن ّ ُ‬
‫َ‬
‫خُر‬ ‫ذا آ َ‬ ‫جٍع ‪ ،‬وَإ ِ َ‬ ‫ضط َ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ل ُ‬ ‫ج ٍ‬ ‫ما ‪ ،‬وَإ ِّنا أت َي َْنا ع ََلى َر ُ‬ ‫معَهُ َ‬ ‫ت َ‬ ‫ق ُ‬ ‫ِلي ان ْط َل ِقْ ! وَإ ِّني ان ْط َل َ ْ‬
‫غ)‪ْ (2‬‬ ‫سهِ ‪ ،‬فَي َث ْل َ ُ‬ ‫ْ‬
‫ه فَي َت َهَد ْهَد ُ‬ ‫س ُ‬ ‫َرأ َ‬ ‫خَرةِ ل َِرأ ِ‬ ‫ص ْ‬ ‫وي ِبال ّ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫ذا هُوَ ي َه‬ ‫خَرةٍ ‪،‬وَإ ِ َ‬ ‫ص ْ‬ ‫َ‬ ‫م ع َل َي ْهِ ب ِ‬ ‫َقائ ِ ٌ‬
‫ْ‬ ‫ْ‬
‫ن‬
‫كا َ‬‫ما َ‬ ‫ه كَ َ‬ ‫س ُ‬ ‫ح َرأ ُ‬ ‫ص ّ‬ ‫حّتى ي َ ِ‬ ‫جعُ إ ِل َي ْهِ َ‬ ‫خذ ُه ُ ‪ ،‬فََل ي َْر ِ‬ ‫جَر فَي َأ ُ‬ ‫ح َ‬ ‫ها هَُنا فَي َت ْب َعُ ال ْ َ‬ ‫جُر َ‬ ‫ح َ‬ ‫)‪(3‬ال ْ َ‬
‫ل ال ْمرة َ ا ْ ُ‬
‫ما ‪:‬‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫ل ‪ " :‬قُل ْ ُ‬ ‫لوَلى " َقا َ‬ ‫َ ّ‬ ‫ما فَعَ َ‬ ‫ل َ‬ ‫مث ْ َ‬ ‫ل ب ِهِ ِ‬ ‫فعَ ُ‬ ‫م ي َُعود ُ ع َل َي ْهِ فَي َ ْ‬ ‫‪ ،‬ثُ ّ‬
‫ق ان ْط َل ِقْ !‬ ‫ِ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ِلي ان ْط َل ِ‬ ‫ن؟ َقا َ‬ ‫ذا ِ‬ ‫ما هَ َ‬ ‫ن الل ّهِ ! َ‬ ‫حا َ‬ ‫سب ْ َ‬ ‫ُ‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫خُر َقائ ِ ٌ‬ ‫فاه ُ ‪ ،‬وَإ ِ َ‬ ‫قَنا فَأت َي َْنا ع َلى َر ُ‬ ‫َفان ْطل ْ‬
‫)‪(4‬‬
‫ن‬‫م ْ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬‫م ع َلي ْهِ ب ِكلو ٍ‬ ‫ذا آ َ‬ ‫ق َ‬ ‫ق لِ َ‬ ‫ست َل ٍ‬ ‫م ْ‬ ‫ل ُ‬ ‫ج ٍ‬
‫د‪،‬‬ ‫دي ٍ‬ ‫ح ِ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫ه إ ِلى قَ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬
‫شد ْقَ ُ‬ ‫جهِهِ ‪ ،‬فَي ُ َ‬ ‫وَإ ِ َ‬
‫)‪(5‬‬
‫خَره ُ إ ِلى‬ ‫من ْ ِ‬ ‫فاه ُ ‪ ،‬وَ َ‬ ‫شُر ِ‬ ‫شْر ِ‬ ‫ي وَ ْ‬ ‫ق ْ‬ ‫ش ّ‬ ‫حد َ ِ‬ ‫ذا هُوَ ي َأِتي أ َ‬
‫ما فَعَ َ‬
‫ل‬ ‫ل َ‬ ‫مث ْ َ‬ ‫ل ب ِهِ ِ‬ ‫فعَ ُ‬ ‫خرِ ‪،‬فَي َ ْ‬ ‫ب اْل َ‬ ‫جان ِ ِ‬ ‫ل إ َِلى ال ْ َ‬ ‫حو ّ ُ‬ ‫م ي َت َ َ‬ ‫فاه ُ ‪ ،‬ث ُ ّ‬ ‫ه إ َِلى قَ َ‬ ‫ه‪ ،‬وَع َي ْن َ ُ‬ ‫فا ُ‬ ‫قَ َ‬
‫ك ال ْ َ‬ ‫ك ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ما‬ ‫ب كَ َ‬ ‫جان ِ ُ‬ ‫ح ذ َل ِ َ‬ ‫ص ّ‬ ‫حّتى ي َ ِ‬ ‫ب؛ َ‬ ‫جان ِ ِ‬ ‫ن ذ َل ِ َ‬ ‫م ْ‬ ‫فُرغ ُ ِ‬ ‫ما ي َ ْ‬ ‫ل ‪ ،‬فَ َ‬ ‫ب اْلوّ ِ‬ ‫جان ِ ِ‬ ‫ِبال ْ َ‬
‫‪1‬‬
‫انظر ‪ :‬الدر المنثور )‪. (6/541‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫يثلغ ‪ :‬يشدخ ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫يتدهده ‪ :‬أي ينحط من علو إلى أسفل ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫كّلوب ‪ :‬خطاف ‪ ،‬حديدة معوجه الرأس لتعليق الشياء ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫فيشرشر شدقه ‪ :‬أي يقطع جانب الفم ‪.‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪48‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ل ال ْمرة َ ا ْ ُ‬
‫ت‪:‬‬ ‫ل‪ " :‬قُل ْ ُ‬ ‫لوَلى " َقا َ‬ ‫َ ّ‬ ‫ما فَعَ َ‬ ‫ل َ‬ ‫مث ْ َ‬ ‫ل ِ‬ ‫فعَ ُ‬ ‫م ي َُعود ُ ع َل َي ْهِ فَي َ ْ‬ ‫ن ‪ ،‬ثُ ّ‬ ‫كا َ‬ ‫َ‬
‫ق ان ْط َل ِقْ !‬ ‫ِ‬ ‫قاَل ِلي ‪:‬ان ْط َل ِ‬ ‫ن؟ ف َ‬ ‫ذا ِ‬ ‫ما هَ َ‬ ‫ن الل ّهِ ! َ‬ ‫حا َ‬ ‫سب ْ َ‬ ‫ُ‬
‫َ‬ ‫قو ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ل الت ّّنورِ " قا َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َفان ْطل ْ‬‫َ‬ ‫َ‬
‫ه‬
‫ذا ِفي ِ‬ ‫ل ‪" :‬فإ ِ َ‬ ‫ن يَ ُ‬ ‫ه كا َ‬ ‫ب أن ّ ُ‬ ‫س ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫ل ‪ :‬وأ ْ‬ ‫مث ْ ِ‬ ‫قَنا فأت َي َْنا ع َلى ِ‬
‫ذا‬‫ساٌء ع َُراة ٌ ‪،‬وَإ ِ َ‬ ‫جا ٌ‬ ‫ل ‪َ " :‬فاط ّل َعَْنا ِفيهِ ؛ فَإ ِ َ‬ ‫ت " َقا َ‬ ‫ل َغَ ٌ )‪َ (1‬‬
‫ل وَن ِ َ‬ ‫ذا ِفيهِ رِ َ‬ ‫وا ٌ‬ ‫ص َ‬ ‫ط ْ وَأ ْ‬
‫ل منهم ‪ ،‬فَإ َ َ‬ ‫هُم يأِتيهم ل َهب م َ‬
‫ل‪:‬‬ ‫وا )‪َ "(2‬قا َ‬ ‫ض ْ‬ ‫ضو ْ َ‬ ‫ب؛ َ‬ ‫ك الل ّهَ ُ‬ ‫م ذ َل ِ َ‬ ‫ذا أَتاهُ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ف َ ِ ُْ ْ‬ ‫س َ‬ ‫نأ ْ‬ ‫ْ َ ِ ْ َ ٌ ِ ْ‬
‫ق ان ْط َل ِقْ !‬ ‫ِ‬ ‫ل ‪َ" :‬قاَل ِلي‪ :‬ان ْط َل ِ‬ ‫ما هَؤ َُلِء ؟" َقا َ‬ ‫ما ‪َ :‬‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫" قُل ْ ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ل الد ّم ِ ‪ ،‬وَإ ِ َ‬
‫ذا‬ ‫مث ْ ِ‬ ‫مَر ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ل‪(:‬أ ْ‬ ‫قو ُ‬ ‫ن يَ ُ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ت أن ّ ُ‬ ‫سب ْ ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫قَنا فَأت َي َْنا ع ََلى ن َهَرٍ ) َ‬ ‫َفان ْط َل َ ْ‬
‫عن ْد َهُ‬ ‫معَ ِ‬ ‫ج َ‬ ‫ل قَد ْ َ‬ ‫ج ٌ‬ ‫ط الن ّهَرِ َر ُ‬ ‫ش ّ‬ ‫ذا ع ََلى َ‬ ‫ح ‪ ،‬وَإ ِ َ‬ ‫سب َ ُ‬ ‫ح يَ ْ‬ ‫ساب ِ ٌ‬ ‫ل َ‬ ‫ج ٌ‬ ‫ِفي الن ّهَرِ َر ُ‬
‫ْ‬
‫معَ‬ ‫ج َ‬ ‫ذي قَد ْ َ‬ ‫ك ال ّ ِ‬ ‫م ي َأِتي ذ َل ِ َ‬ ‫ح ‪ ،‬ثُ ّ‬ ‫سب َ ُ‬ ‫ما ي َ ْ‬ ‫ح َ‬ ‫سب َ ُ‬ ‫ح يَ ْ‬ ‫ساب ِ ُ‬ ‫ك ال ّ‬ ‫ذا ذ َل ِ َ‬ ‫جاَرة ً ك َِثيَرة ً ‪،‬وَإ ِ َ‬ ‫ح َ‬ ‫ِ‬
‫َ‬
‫جعُ إ ِلي ْهِ ‪،‬‬ ‫م ي َْر ِ‬ ‫ح ‪ ،‬ثُ ّ‬ ‫سب َ ُ‬ ‫جًرا ‪ ،‬فَي َن ْطل ِقُ ي َ ْ‬ ‫َ‬ ‫ح َ‬ ‫ه َ‬ ‫م ُ‬ ‫ق ُ‬ ‫ْ‬
‫ه َفاه ُ فَي ُل ِ‬ ‫فغَُر ل ُ‬ ‫َ‬ ‫جاَرة َ ‪ ،‬فَي َ ْ‬ ‫ح َ‬ ‫ْ‬
‫عن ْد َه ُ ال ِ‬ ‫ِ‬
‫ن ؟ َقا َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬
‫ل‪:‬‬ ‫ذا ِ‬ ‫ما هَ َ‬ ‫ما ‪َ :‬‬ ‫ت له ُ َ‬ ‫جًرا ‪ .‬قُل ُ‬ ‫ح َ‬ ‫ه َ‬ ‫م ُ‬ ‫ق َ‬ ‫ه‪ ،‬فَأل َ‬ ‫ه َفا ُ‬ ‫جعَ إ ِلي ْهِ ؛ فَغََر ل ُ‬ ‫ما َر َ‬ ‫كل َ‬
‫ق ان ْط َل ِقْ !‬ ‫ِ‬ ‫َقاَل ِلي ‪ :‬ان ْط َل ِ‬
‫جًل‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫مْرآةِ ك َأك َْرهِ َ‬ ‫ريهِ ال ْ َ‬ ‫ل كَ ِ‬ ‫قَنا فَأت َي َْنا ع ََلى َر ُ‬ ‫ل ‪َ :‬فان ْط َل َ ْ‬ ‫َقا َ‬
‫)‪(3‬‬
‫ت َراٍء َر ُ‬ ‫ما أن ْ َ‬ ‫ج ٍ‬
‫ما هَ َ‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫ل ‪ :‬قُل ْ ُ‬ ‫حوْل ََها ‪َ .‬قا َ‬ ‫ح ّ‬ ‫مْرآة ً ‪،‬وَإ ِ َ‬
‫(‬ ‫‪4‬‬ ‫)‬
‫ذا ؟‬ ‫ما ‪َ :‬‬ ‫سَعى َ‬ ‫شَها وَي َ ْ‬ ‫عن ْد َه ُ َناٌر ي َ ُ‬ ‫ذا ِ‬ ‫َ‬
‫ق ان ْطل ِقْ !‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫َقال ‪ :‬قال ِلي‪ :‬ان ْطل ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ِ‬ ‫َ‬
‫ن الّرِبيِع ‪ ،‬وَإ ِ َ‬ ‫ل ل َوْ ِ‬ ‫ن كُ ّ‬ ‫قَنا فَأت َي َْنا ع ََلى َروْ َ‬ ‫َفان ْط َل َ ْ‬
‫)‪(5‬‬
‫ن‬‫ذا ب َي ْ َ‬ ‫ِفيَها م ْ‬ ‫مة ٍ‬ ‫معْت َ ّ‬ ‫ضة ٍ ُ‬
‫ْ‬ ‫ل ‪َ ،‬ل أ َ َ َ‬
‫حو ْ َ‬
‫ل‬ ‫ذا َ‬ ‫ماِء ‪ ،‬وَإ ِ َ‬ ‫س َ‬ ‫طوًل ِفي ال ّ‬ ‫ه ُ‬ ‫س ُ‬ ‫كاد ُ أَرى َرأ َ‬ ‫وي ٌ‬ ‫ل ط َ َِ‬ ‫ج ٌ‬ ‫ضةِ َر ُ‬ ‫ي الّروْ َ‬ ‫ِ‬ ‫ظ َهَْر‬
‫ما هَؤ َُلِء ؟‬ ‫الرجل م َ‬
‫ذا ؟ َ‬ ‫ما هَ َ‬ ‫ما ‪َ :‬‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫ل ‪ :‬قُل ْ ُ‬ ‫ط ‪َ .‬قا َ‬ ‫م قَ ّ‬ ‫ن َرأي ْت ُهُ ْ‬ ‫دا ٍ‬ ‫ن أك ْث َرِ وِل ْ َ‬ ‫ّ ُ ِ ِ ْ‬
‫ق!‬ ‫ق ان ْطل ِ ْ‬ ‫َ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ِلي ‪ :‬ان ْطل ِ‬
‫َ‬ ‫َقا َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬
‫من َْها وََل‬ ‫م ِ‬ ‫ط أع ْظ َ َ‬ ‫ة قَ ّ‬ ‫ض ً‬ ‫م أَر َروْ َ‬ ‫مة ٍ ل َ ْ‬ ‫ظي َ‬ ‫ضة ٍ ع َ ِ‬ ‫قَنا َفان ْت َهَي َْنا إ َِلى َروْ َ‬ ‫َفان ْط َل َ ْ‬
‫َ‬
‫ة‬
‫مب ْن ِي ّ ٍ‬ ‫دين َةٍ َ‬ ‫م ِ‬ ‫قي َْنا ِفيَها َفان ْت َهَي َْنا إ َِلى َ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ِلي ‪ :‬اْرقَ ِفيَها ! َفاْرت َ َ‬ ‫ن ‪َ .‬قا َ‬ ‫َ‬ ‫س‬‫ح َ‬ ‫أ ْ‬
‫َ‬
‫ها‬ ‫خل َْنا َ‬ ‫ح ل ََنا ‪ ،‬فَد َ َ‬ ‫فت ِ َ‬ ‫حَنا ‪ ،‬فَ ُ‬ ‫فت َ ْ‬ ‫ست َ ْ‬ ‫دين َةِ ‪َ ،‬فا ْ‬ ‫م ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ضةٍ فَأت َي َْنا َبا َ‬ ‫ن فِ ّ‬ ‫ِ‬ ‫ب وَل َب ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ن ذ َهَ‬ ‫ِ‬ ‫ب ِل َب ِ‬
‫َ‬ ‫ت َراٍء ‪،‬وَ َ ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ما‬‫ح َ‬ ‫شطٌر ك َأقْب َ ِ‬ ‫ما أن ْ َ‬ ‫ن َ‬ ‫س ِ‬ ‫ح َ‬ ‫م ك َأ ْ‬ ‫قه ِ ْ‬ ‫خل ْ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫شط ٌْر ِ‬ ‫ل؛ َ‬ ‫جا ٌ‬ ‫قاَنا ِفيَها رِ َ‬ ‫فَت َل َ ّ‬
‫َ‬
‫ذا ن َهٌَر‬ ‫ل ‪ :‬وَإ ِ َ‬ ‫ك الن ّهَرِ ‪َ.‬قا َ‬ ‫قُعوا ِفي ذ َل ِ َ‬ ‫م ‪ :‬اذ ْهَُبوا فَ َ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ل َهُ ُ‬ ‫ت َراٍء ‪َ ،‬قا َ‬ ‫أن ْ َ‬
‫ض)‪ِ (6‬في ال ْ‬ ‫ماَءه ُ ال ْ‬ ‫معترض يجري ‪،‬ك َأ َ‬
‫م‬‫ض ‪ ،‬فَذ َهَُبوا فَوَقَُعوا ِفيهِ ‪ ،‬ث ُ ّ‬ ‫ِ‬ ‫يا‬‫َ‬ ‫َ‬ ‫ب‬ ‫ُ‬ ‫ح‬‫ْ‬ ‫م‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫ن‬‫ّ‬ ‫ُ ْ َ ِ ٌ َ ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫س ِ‬ ‫ح َ‬ ‫صاُروا ِفي أ ْ‬ ‫] فَ َ‬ ‫م‪.‬‬ ‫سوُء ع َن ْهُ ْ‬ ‫ب ذ َل ِك ال ّ‬ ‫َ‬ ‫جُعوا إ ِل َي َْنا ؛ قَد ْ ذ َهَ َ‬ ‫َر َ‬
‫ك‪.‬‬ ‫من ْزِل ُ َ‬ ‫ك َ‬ ‫ذا َ‬ ‫ن وَهَ َ‬ ‫ة ع َد ْ ٍ‬ ‫جن ّ ُ‬ ‫صوَرةٍ [ َقاَل ِلي ‪ :‬هَذ ِهِ َ‬ ‫ُ‬
‫ضاِء ‪.‬‬ ‫ة الب َي ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫)‪(8‬‬
‫ل الّرَباب َ ِ‬ ‫مث ْ ُ‬ ‫صٌر ِ‬ ‫ذا قَ ْ‬ ‫دا ؛ فَإ ِ َ‬ ‫)‪(7‬‬
‫صعُ ً‬ ‫ري ُ‬ ‫ص ِ‬ ‫ما ب َ َ‬ ‫س َ‬ ‫ل ‪:‬فَ َ‬ ‫َقا َ‬
‫ما ؛ ذ ََراِني‬ ‫ه ِفيك ُ َ‬ ‫ك الل ّ ُ‬ ‫ما ‪َ :‬باَر َ‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫ل ‪ :‬قُل ْ ُ‬ ‫ك ‪َ .‬قا َ‬ ‫من ْزِل ُ َ‬ ‫ذا َ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ِلي ‪ :‬هَ َ‬ ‫َقا َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ه‪.‬‬ ‫خل َ ُ‬ ‫دا ِ‬ ‫ت َ‬ ‫ن ؛ فََل ‪ ،‬وَأن ْ َ‬ ‫ما اْل َ‬ ‫ه‪َ .‬قاَل ‪ :‬أ ّ‬ ‫خل َ ُ‬ ‫فَأد ْ ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ت؟‬ ‫ذي َرأي ْ ُ‬ ‫ذا ال ّ ِ‬ ‫ما هَ َ‬ ‫جًبا ؛ فَ َ‬ ‫من ْذ ُ الل ّي ْل َةِ ع َ َ‬ ‫ت ُ‬ ‫ما ‪ :‬فَإ ِّني قَد ْ َرأي ْ ُ‬ ‫ت ل َهُ َ‬ ‫قُل ْ ُ‬
‫‪1‬‬
‫اللغط ‪ :‬الضجيج غير المفهوم ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫ضوضوا ‪ :‬رفعوا أصواتهم مختلطة ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫المرآة ‪ :‬المنظر ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫يحش ‪ :‬يوقد ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫معتمة ‪ :‬كثيرة النبت غطاها الخصب ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫المحض ‪ :‬اللبن الخالص الذي ل شائبة فيه ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪7‬‬
‫صعدا ‪ :‬صاعدا في ارتفاع كثير ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪8‬‬
‫الربابة ‪ :‬السحابة ‪.‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪49‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬
‫َ‬
‫ك‪.‬‬ ‫خب ُِر َ‬ ‫سن ُ ْ‬ ‫ما إ ِّنا َ‬ ‫ل ‪َ :‬قاَل ِلي ‪ :‬أ َ‬ ‫َقا َ‬
‫خذ ُ ا ل ْ ُ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ن‬
‫قْرآ َ‬ ‫ل ي َأ ُ‬ ‫ج ُ‬ ‫ه الّر ُ‬ ‫ر؛ فَإ ِن ّ ُ‬ ‫ج ِ‬ ‫ح َ‬ ‫ه ِبال ْ َ‬ ‫س ُ‬ ‫ت ع َل َي ْهِ ي ُث ْل َغُ َرأ ُ‬ ‫ذي أت َي ْ َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫ل اْلوّ ُ‬ ‫ج ُ‬ ‫ما الّر ُ‬ ‫أ ّ‬
‫ة‪.‬‬ ‫مك ُْتوب َ ِ‬ ‫ة ال ْ َ‬ ‫صَل ِ‬ ‫ن ال ّ‬ ‫عَ ِ‬ ‫م َ‬ ‫وي ََنا ُ‬ ‫ه َ‬ ‫ض ُ‬ ‫فَي َْرفُ ُ‬
‫خُره ُ إ َِلى قَ َ‬ ‫ه إ َِلى قَ َ‬ ‫ت ع َل َي ْهِ ي ُ َ‬ ‫َ‬
‫فاه ُ ‪،‬‬ ‫من ْ ِ‬‫فاه ُ ‪ ،‬وَ َ‬ ‫شد ْقُ ُ‬ ‫شُر ِ‬ ‫شْر َ‬ ‫ذي أت َي ْ َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫ما الّر ُ‬ ‫وَأ ّ‬
‫ة ت َب ْل ُ ُ‬
‫غ‬ ‫ب ال ْك َذْب َ َ‬ ‫ذ ُ‬ ‫في َك ْ ِ‬ ‫ه َ‬ ‫ن ب َي ْت ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫دو ِ‬ ‫غ ُ‬
‫ل يَ ْ‬ ‫ج ُ‬ ‫ه الّر ُ‬ ‫فإ ِن ّ ُ‬ ‫فاه ُ ‪َ ،‬‬ ‫ه إ َِلى قَ َ‬ ‫وَع َي ْن ُ ُ‬
‫فاقَ ‪.‬‬ ‫اْل َ‬
‫َ‬
‫م الّزَناةُ‬ ‫ل ب َِناِء الت ّّنورِ ؛فَإ ِن ّهُ ُ‬ ‫مث ْ ِ‬ ‫ن ِفي ِ‬ ‫ذي َ‬ ‫ساُء ال ْعَُراة ُ ال ّ ِ‬ ‫ل َوالن ّ َ‬ ‫جا ُ‬ ‫ما الّر َ‬ ‫وَأ ّ‬
‫َوالّزَواِني ‪.‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ل الّرَبا‪.‬‬ ‫ه آك ِ ُ‬ ‫جَر فَإ ِن ّ ُ‬ ‫ح َ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫ق ُ‬ ‫ح ِفي الن ّهَرِ وَي ُل ْ َ‬ ‫سب َ ُ‬ ‫ت ع َل َي ْهِ ي َ ْ‬ ‫ذي أت َي ْ َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫ما الّر ُ‬ ‫وَأ ّ‬
‫َ‬
‫مال ِ ٌ‬
‫ك‬ ‫ه َ‬ ‫حوْل ََها فَإ ِن ّ ُ‬ ‫سَعى َ‬ ‫شَها وَي َ ْ‬ ‫ح ّ‬ ‫عن ْد َ الّنارِ ي َ ُ‬ ‫ذي ِ‬ ‫مْرآةِ ال ّ ِ‬ ‫ه ال ْ َ‬ ‫ري ُ‬ ‫ل ال ْك َ ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫ما الّر ُ‬ ‫وَأ ّ‬
‫م‪.‬‬ ‫جهَن ّ َ‬ ‫ن َ‬ ‫خازِ ُ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫حوْل َ ُ‬
‫ه‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬ ‫دا ُ‬ ‫ما ال ْوِل ْ َ‬ ‫م وَأ ّ‬ ‫هي ُ‬ ‫ه إ ِب َْرا ِ‬ ‫ضةِ فَإ ِن ّ ُ‬ ‫ذي ِفي الّروْ َ‬ ‫ل ال ّ ِ‬ ‫وي ُ‬ ‫ل الط ّ ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫ما الّر ُ‬ ‫وَأ ّ‬
‫فطَرةِ ‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬
‫ت ع َلى ال ِ‬ ‫َ‬ ‫ما َ‬ ‫موْلود ٍ َ‬ ‫ُ‬ ‫ل َ‬ ‫؛ فَك ُ ّ‬
‫َ‬
‫ل‬‫سو ُ‬ ‫ل َر ُ‬ ‫قا َ‬ ‫ن ؟ فَ َ‬ ‫كي َ‬ ‫شرِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ل الل ّهِ ! وَأوَْلد ُ ال ْ ُ‬ ‫سو َ‬ ‫ن ‪َ :‬يا َر ُ‬ ‫مي َ‬ ‫سل ِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ض ال ْ ُ‬ ‫ل ب َعْ ُ‬ ‫قا َ‬ ‫فَ َ‬
‫َ‬
‫ن‪.‬‬ ‫كي َ‬ ‫شرِ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫الل ّهِ صلى الله عليه وسلم وَأوَْلد ُ ال ْ ُ‬
‫خل َ ُ‬ ‫َ‬
‫طوا‬ ‫م َ‬ ‫م قَوْ ٌ‬ ‫حا ؛ فَإ ِن ّهُ ْ‬ ‫شط ٌْر قَِبي ً‬ ‫سًنا وَ َ‬ ‫ح َ‬‫م َ‬ ‫من ْهُ ْ‬ ‫شط ٌْر ِ‬ ‫كاُنوا َ‬ ‫ن َ‬ ‫ذي َ‬ ‫م ال ّ ِ‬ ‫قو ْ ُ‬ ‫ما ال ْ َ‬ ‫وَأ ّ‬
‫جاوََز الل ّ ُ‬ ‫سي ًّئا ت َ َ‬ ‫مًل َ‬
‫)‪(1‬‬
‫م"‬ ‫ه ع َن ْهُ ْ‬ ‫خَر َ‬ ‫حا َوآ َ‬ ‫صال ِ ً‬ ‫عَ َ‬
‫ومن آثار الذنوب والمعاصي ‪ :‬إنها تحدث في الرض أنواعا ً من‬
‫الفساد في المياه والهوى والزرع والثمار والمساكن قال تعالى )) ظهر‬
‫الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا‬
‫لعلهم يرجعون (( ]الروم ‪. [41:‬‬
‫ومن تأثير معاصي الله في الرض ‪ :‬ما يحل بها من الخسف والزلزل‬
‫ويمحق بركتها وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود‬
‫فمنعهم من دخول ديارهم ؛ إل وهم باكون‪ ،‬ومن شرب مياههم ‪،‬ومن‬
‫الستسقاء من آبارهم ‪،‬حتى أمر أن ل ُيعلف العجين الذي عجن بمياههم‬
‫لنواضح البل ؛ لتأثير شؤم المعصية في الماء ‪.‬‬
‫وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الفات ‪.‬‬
‫وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء إنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي‬
‫الن‪ ،‬وكثير من هذه الفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها ‪،‬وإنما حدثت‬
‫من قرب ‪.‬‬
‫ومن عقوبات الذنوب ‪ :‬أنها تطفي من القلب نار الغيرة التي هي لحياته‬
‫وصلحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن ؛ فإن الغيرة حرارته وناره‬
‫التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة ؛كما يخرج الكير خبث‬
‫ة أشدهم غيرة على‬ ‫الذهب والفضة والحديد‪ .‬وأشرف الناس وأعلهم هم ً‬
‫نفسه وخاصته وعموم الناس ‪.‬‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (7047‬ومسلم )‪. (2275‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪50‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أغيَر الخلق على المة ‪،‬والله سبحانه‬
‫أشد ّ غيرة منه ؛كما ثبت في الصحيح عنه أنه قال ‪ ":‬أتعجبون من غيرة سعد‬
‫لنا أغير منه والله أغير مني ")‪ (1‬والمقصود ‪ :‬أنه كلما اشتدت ملبسته‬
‫للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس ‪ ،‬وقد‬
‫تضعف في القلب جدا ً ل يستقبح بعد ذلك القبيح ل من نفسه ول من‬
‫غيره ‪،‬وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلك ‪.‬‬
‫وكثير من هؤلء ل يقتصر على عدم الستقباح بل يحسن‬
‫الفواحش والظلم لغيره ‪،‬ويزينه له ‪ ،‬ويدعوه إليه ‪ ،‬ويحثه عليه ‪،‬و‬
‫يسعى له في تحصيله ‪.‬‬
‫ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله ‪ ،‬والجنة عليه حرام ‪.‬‬
‫وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره ‪ ،‬فانظر ما الذي حملت‬
‫عليه قلة الغيرة ‪.‬‬
‫وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن ل غيرة له ل دين‬
‫له ‪.‬‬
‫فالغيرة تحمي القلب ‪ ،‬فتحمي له الجوارح ‪ ،‬فتدفع السوء والفواحش ‪.‬‬
‫وعدم الغيرة تميت القلب ‪ ،‬فتموت الجوارح ‪ ،‬فل يبقى عندها دفع البتة ‪.‬‬
‫ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه ؛فإذا ذهبت‬
‫كن ‪ ،‬فكان الهلك ‪.‬‬ ‫القوة وجد الداء المحل قابل ً ‪ ،‬ولم يجد دافعا ً ‪،‬فتم ّ‬
‫ومثلها مثل صياصي الجاموس )‪(2‬التي تدفع بها عن نفسه وولده ؛فإذا‬
‫ت طمع فيه عدوه ‪.‬‬ ‫سر ْ‬‫كُ ِ‬
‫ومن عقوبات الذنوب ‪ :‬أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلله‬
‫‪،‬وتضعف وقاره في قلب العبد ‪،‬ولبد شاء أم أبى ‪ ،‬ولو تمكن وقار الله‬
‫وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه ‪.‬‬
‫وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلله ‪،‬وتعظيم‬
‫حرماته‪ ،‬ويهون عليه حقه ‪.‬‬
‫ومن بعض عقوبة هذا ‪ :‬أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب‬
‫الخلق ‪،‬ويهون عليهم ‪،‬ويستخفون به ؛كما هان عليه أمره واستخف به ؛‬
‫فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس ‪،‬وعلى قدر خوفه من الله يخافه‬
‫الخلق‪ ،‬وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظمه الناس ‪.‬‬
‫وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن ل ينتهك الناس حرماته‬
‫؟!‬
‫أم كيف يهون عليه حق الله ول يهونه الله على الناس ؟!‬
‫أم كيف يستخف بمعاصي الله ول يستخف به الخلق ؟ ! ولهذا‬
‫قال تعالى في آية سجود المخلوقات له )) ومن يهن الله فماله من‬
‫مكرم (( ]الحج ‪ [18:‬فإنهم لما هان عليهم السجود له ‪،‬واستخفوا به ‪،‬ولم‬

‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (6846‬ومسلم )‪. (1499‬‬
‫‪2‬‬
‫)( صياصي الجاموس ‪ :‬قرونه ‪ ،‬مفردها صيصة ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪51‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫يفعلوه ؛ أهانهم الله ؛ فلم يكن لهم من مكرم بعد إن أهانهم ‪ ،‬ومن ذا يكرم‬
‫ن من أكرمه الله ؟ !‬ ‫من أهانه الله ؟! أو ُيهي ُ‬
‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه‬
‫وبين نفسه وشيطانه ‪ ،‬وهنالك الهلك الذي ل يرجى معه نجاة ‪.‬‬
‫قال الله تعالى ‪ )) :‬يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد‬
‫واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ‪.‬ول تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم‬
‫أنفسهم أولئك هم الفاسقون (( ]الحشر ‪. [19-18:‬‬
‫فترى العاصي مهمل لمصالح نفسه ‪ ،‬مضيعا لها ‪ ،‬قد أغفل الله قلبه عن‬
‫ذكره ‪ ،‬واتبع هواه ‪ ،‬وكان أمره فرطا ؛ قد انفرطت عليه مصالح دنياه‬
‫وآخرته ‪ ،‬وقد فّرط في سعادته البدية ‪،‬واستبدل بها أدنى ما يكون من‬
‫لذة ‪،‬إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف ‪:‬‬
‫خد َعُ‬‫ب بمثِلها ل ي ُ ْ‬ ‫ن اللبي َ‬ ‫إ ّ‬ ‫ل‬
‫ل زائ ٍ‬‫م نوم ٍ أو كظ ّ‬ ‫أحل ُ‬
‫ة حظها‬ ‫ن العبد ِ لنفسه ‪،‬وإهمال لها ‪ ،‬وإضاع ُ‬ ‫وأعظم العقوبات ‪ :‬نسيا ُ‬
‫ونصيبها من الله ‪ ،‬وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن ‪،‬فضّيع من ل‬
‫غنى له عنه ‪،‬ول عوض له منه ‪ ،‬واستبدل به من عنه كل الغنى ‪،‬أو منه كل‬
‫العوض ‪:‬‬
‫ض‬
‫عو َ ُ‬ ‫ه ِ‬ ‫ضي ّعْت َ ُ‬
‫ن َ‬ ‫وما من الله إ ْ‬ ‫ض‬
‫عو َ ٌ‬ ‫ه ِ‬ ‫ل شيٍء إذا ضي ّعْت َ ُ‬‫نك ّ‬ ‫م ْ‬
‫وض منه شيء‬ ‫ل ما سواه ‪،‬ول يع ّ‬ ‫وض عن ك ّ‬ ‫فالله سبحانه وتعالى ‪ :‬يع ّ‬
‫‪،‬ويغني عن كل شيء ‪ ،‬ول يغني عنه شيء ‪ ،‬ويمنع من كل شيء ‪ ،‬ول يمنع‬
‫منه شيء ‪ ،‬وُيجير من كل شيء ول ُيجير منه شيء ‪ ،‬فكيف يستغني العبد‬
‫عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ !‬
‫مها‬‫ه فيخسَرها ويظل ِ َ‬ ‫س ُ‬‫وكيف ينسى ذكره ‪ ،‬ويضيع أمره حتى ينسيه نف َ‬
‫أعظم الظلم ؟ !‬
‫سه ‪،‬وما ظلمه رّبه ‪،‬ولكن هو الذي ظلم‬ ‫فما ظ ََلم العبد ُ رّبه ‪ ،‬ولكن ظلم نف َ‬
‫نفسه !‬
‫ف سير القلب إلى الله والدار الخرة ‪،‬أو‬ ‫ضع ُ‬‫ومن عكقكوبكاتكهكا ‪ :‬أنها ت ُ ِ‬
‫تعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير ؛ فل تدعه يخطوا إلى الله خطوة ‪،‬هذا إن‬
‫لم ترده عن وجهته إلى ورائه !‬
‫س الطالب ‪.‬‬ ‫فالذنب يحجب الواصل ‪،‬ويقطع السائر ‪ ،‬وي ُن َك ّ ُ‬
‫والقلب إنما يسير إلى الله بقوته ؛ فإذا مرض بالذنوب ؛ ضعفت تلك القوة‬
‫التي تسيره ؛ فإن زالت بالكلية ؛انقطع عن الله انقطاعا ً يبعد تداركه والله‬
‫المستعان ‪.‬‬
‫ل النقم ‪ ،‬فما زالت عن‬ ‫ح ّ‬
‫ومن عقوبات الذنوب ‪ :‬أنها تزيل النعم وت ُ ِ‬
‫العبد نعمة إل بسبب ذنب ‪ ،‬ول حلت به نقمة إل بذنب ‪،‬كما قال علي بن‬
‫أبي طالب رضي الله عنه ‪ :‬ما نزل بلء إل بذنب ول رفع بلء إل بتوبة ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪52‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وقد قال تعالى‪ )) :‬وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن‬
‫كثير (( ]الشورى ‪ ، [30:‬وقال تعالى ‪ )) :‬ذلك بأن الله لم يك مغيرا ً نعمة‬
‫أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ((]الرعد ‪[11:‬وقد أحسن القائل ‪:‬‬
‫م‬
‫ل الّنع ْ‬ ‫ن المعاصي ُتزي ُ‬ ‫فإ ّ‬ ‫عها‬‫ت في نعمةٍ فاْر َ‬ ‫كن َ‬ ‫إذا ُ‬
‫م‬
‫ب العباد ِ سريعُ الّنق ْ‬ ‫ب العباد ِ فَر ّ‬ ‫طها بطاعةِ َر ّ‬ ‫ح ْ‬ ‫و ُ‬
‫ومن عقوباتها ‪ :‬ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب‬
‫العاصي ؛ فل تراه إل خائفا ً مرعوبا ً ‪.‬‬
‫صن الله العظم ‪ ،‬الذي من دخله كان من المنين من عقوبة‬ ‫ح ْ‬ ‫فإن الطاعة ِ‬
‫ف من كل جانب؛ فمن‬ ‫ت به المخاو ُ‬ ‫الدنيا والخرة ‪،‬ومن خرج عنه أحاط ْ‬
‫ً‬
‫أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا ‪،‬ومن عصاه ؛انقلبت مآمنه‬
‫مخاوف ‪.‬‬
‫ح الباب ؛‬ ‫ت الري ُ‬ ‫حّرك َ ِ‬‫ن َ‬ ‫فل تجد العاصي إل وقلبه كأنه بين جناحي طائر‪ :‬إ ْ‬
‫ً‬
‫قال‪ :‬جاء الطلب ! وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب ‪،‬‬
‫ن كل صيحةٍ عليه ‪ ،‬وكل مكروه قاصدا ً إليه ‪.‬‬ ‫يحسب أ ّ‬
‫فمن خاف الله آمنه من كل شيء ‪،‬ومن لم يخف الله أخافه من كل‬
‫شيء ‪.‬‬
‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب ‪،‬فيجد المذنب‬
‫نفسه مستوحشا ً ؛قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه ‪ ،‬وبين الخلق وبين نفسه‬
‫‪،‬وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ‪.‬‬
‫ب العيش عيش‬ ‫َ‬
‫ش المستوحشين الخائفين ‪ ،‬وأطي ُ‬ ‫ش عي ُ‬ ‫مّر العي ِ‬ ‫وأ َ‬
‫المستأنسين ‪.‬‬
‫فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة‬
‫‪،‬لعلم سوء حاله ‪،‬وعظيم غبنه ؛ إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلوتها بوحشة‬
‫المعصية وما توجبه من الخوف والضرر الداعي له كما قيل ‪:‬‬
‫ْ‬ ‫ت قد ْ أوحشت ْ َ‬ ‫ن ُ‬
‫ت واستأِنس‬ ‫شئ ْ َ‬
‫عها إذا ِ‬ ‫فد َ ْ‬ ‫ب‬‫ذنو ُ‬ ‫ك ال ّ‬ ‫كن َ‬ ‫فإ ْ‬
‫فيصل‬
‫] العقوبات الشرعية موعظة لمن لم يتعظ بالقدرية [‬
‫ت ‪ ،‬ولم تجككد لهككا تككأثيرا ً فككي قلبككك ؛‬ ‫ك هذه العقوبا ُ‬ ‫ع َ‬ ‫فإن لم ت َُر ْ‬
‫فاستحضر العقوبات الشرعية التي شككرعها اللككه ورسككوله علككى‬
‫الجرائم ‪:‬‬
‫كما قطع السارق في ثلثة دراهم ‪.‬‬
‫وقطع اليد والرجل في قطع الطريق على معصوم المال والنفس ‪.‬‬
‫وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف بها المحصيين ‪،‬أو قطييرة خميير يييدخلها‬
‫جوفه‪.‬‬
‫وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلج الحشفة في فييرج حييرام ‪ ،‬وخفييف هييذه‬
‫العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة الحصان بمائة جلدة ‪،‬وبنفي سنة عن وطنييه‬
‫وبلده إلى بلد الغربة ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪53‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫حيّرم ٍ منييه ‪ ،‬أو تييرك‬‫م َ‬‫حيم ٍ ُ‬


‫وفرق بين رأس العبد وبدنه إذا وقييع علييى ذات َر ِ‬
‫الصلة المفروضة ‪ ،‬أو تكلم بكلمة كفر ‪.‬‬
‫وأمر بقتل من وطئ ذكرا ً مثله وقتل المفعول به ‪.‬‬
‫وأمر بقتل من أتى بهيمة ‪ ،‬وقتل البهيمة معه ‪.‬‬
‫وعزم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلة في الجماعة ‪.‬‬
‫وغير ذلك من العقوبات التي رتبها على الجرائم ‪ ،‬وجعلها بحكمته على‬
‫حسب الدواعي إلى تلك الجرائم ‪ ،‬وحسب الوازع عنها ‪.‬‬
‫فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه ‪،‬وأوفقها للعقل ‪ ،‬وأقومها‬
‫بالمصلحة ‪.‬‬
‫والمقصود ‪ :‬أن الذنوب إنما تترتب عليها العقوبات الشرعية ‪،‬أو القدرية‬
‫‪،‬أو يجمعهما الله للعبد ‪ ،‬وقد يرفعهما عمن تاب وأحسن ‪.‬‬
‫] سوء الخاتمة وخشية الصالحين منها [‬
‫وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين ؛وجدتهم ُيحال بينهم وبين حسن‬
‫الخاتمة؛ عقوبة لهم على أعمال السيئة ‪.‬‬
‫فربما تعذر عليه النطق بالشهادة ؛كما شاهد الناس كثيرا ً من المحتضرين‬
‫أصابهم ذلك حتى قيل ‪:‬‬
‫لبعضهم قل ‪ :‬ل إله إل الله ! فقال‪ :‬آه ! آه ! ل أستطيع أن أقولها !‬
‫وقيل لخر ‪ :‬قل ‪ :‬ل إله إل الله ! فقال ‪ :‬شاه رخ )‪،(1‬غلبتك ! ثم قضى ‪.‬‬
‫وقيل لخر ‪ :‬قل ‪ :‬ل إله إل الله ! فجعل يهذي بالغناء ويقول تاتا‬
‫‪..‬ننتنتا ‪..‬حتى قضى !!‬
‫وقيل لخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪:‬ما ينفعني ما تقول ؛ولم أدع معصية إل ركبتها ! ثم‬
‫قضى ولم يقلها !‬
‫وقيل لخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬وما يغني عني ؛وما أعلم أني صليت لله‬
‫تعالى صلة ثم قضى ولم يقلها !!!‬
‫وقيل لخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬هو كافر بما تقول !! وقضى !‬
‫وقيل لخر ذلك ‪،‬فقال ‪:‬كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها !!‬
‫وسبحان الله !! كم شاهد الناس من هذا عبرا ! والذي يخفي عليهم من‬
‫أحوال المحتضرين أعظم وأعظم ‪.‬‬
‫وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه ؛ قد‬
‫تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من معاصي الله ‪ ،‬وقد‬
‫أغفل قلبه عن ذكر الله‪ ،‬وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن‬
‫طاعته ‪ ،‬فكيف الظن به عند سقوطه قواه واشتغال قلبه‬
‫ونفسه بما هو فيه من ألم النزع ‪ ،‬وجمع الشيطان له كل قوته‬
‫وهمته وحشده عليه بجميع ما يقدر عليه ؛ لينال منه فرصته ؟!‬

‫‪ ()1‬شاه ورخ قطعتان من قطع الشطرنج ‪ ،‬والمحتضر يذكرهما لنهما أخذا عليه لبه وعقله من كثرة اللعب فنسأل ال حسن‬
‫الخاتمة ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪54‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فإن ذلك آخر العمل؛ فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت ‪ ،‬وأضعف‬
‫ما يكون هو في تلك الحالة؟! فمن ترى يسلم على ذلك ؟!‬
‫فهناك )) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الخرة‬
‫ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (( ]إبراهيم ‪. [27:‬‬
‫فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره ‪ ،‬واتبع‬
‫هواه ‪،‬وكان أمره فرطا؟!!‬
‫ن قلُبه بعيد ٌ من الله تعالى‪ ،‬غافل عنه ‪ ،‬متعبد لهواه ‪ ،‬أسير‬
‫م ْ‬
‫فبعيد ٌ َ‬
‫لشهواته ‪ ،‬ولسانه يابس من ذكره ‪ ،‬وجوارحه معطلة من طاعته‪ ،‬مشتغلة‬
‫بمعصيته أن يوفق لحسن الخاتمة ‪.‬‬
‫ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين ‪..‬وكأن المسيئين الظالمين قد‬
‫أخذوا توقيعا ً بالمان ‪ )) ..‬أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم‬
‫لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم (( ]القلم ‪.[40-39:‬‬
‫قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الشبيلي رحمه الله ‪:‬‬
‫واعلم أن لسوء الخاتمة ي أعاذنا الله منها ي أسبابا ً ولها طرقٌ وأبواب ‪:‬‬
‫أعظمها النكباب على الدنيا ‪ ،‬والعراض عن الخرة ‪،‬والقدام والجرأة على‬
‫معاصي الله عز وجل ‪،‬وربما غلب على النسان ضرب من الخطيئة ‪،‬ونوع‬
‫من المعصية ‪ ،‬وجانب من العراض ‪،‬ونصيب من الجرأة والقدام ‪،‬فملك‬
‫قلبه وسبى عقله ‪ ،‬وأطفأ نوره ‪ ،‬وأرسل عليه حجبه ؛ فلم تنفع فيه تذكرة ‪،‬‬
‫ول نجعت فيه موعظة ‪،‬فربما جاءه الموت على ذلك ‪،‬فسمع النداء من‬
‫مكان بعيد ‪ ،‬فلم يتبين له المراد ‪ ،‬ول علم ما أراد ‪ ،‬وإن كرر عليه الداعي‬
‫وأعاد ‪.‬‬
‫ل ‪ :‬ل إله إل الله ‪ .‬فجعل يقول ‪:‬‬ ‫قال عبد الحق ‪:‬وقيل لخر ممن أعرفه ‪ :‬ق ْ‬
‫الدار الفلنية أصلحوا فيها كذا ‪ ،‬والبستان الفلني افعلوا فيه كذا ‪.‬‬
‫وقال ‪ :‬وفيما أذن لي أبو طاهر السلفي أن أحدث به عنه ‪ :‬أن رجل نزل به‬
‫الموت فقيل له ‪ :‬قل ‪ :‬ل إله إل الله ‪.‬فجعل يقول بالفارسية ‪ :‬ده يازده ده‬
‫وازداه ‪،‬تفسيره عشرة بأحد عشر ‪.‬‬
‫وقيل لخر ‪ :‬قل ‪ :‬ل إله إل الله فجعل يقول ‪:‬‬
‫أين الطريق إلى حمام منجاب ؟‬
‫قال ‪:‬وهذا الكلم له قصة ‪ :‬وذلك أن رجل كان واقفا بازاء داره ‪،‬وكان‬
‫بابها يشبه باب الحمام ‪،‬فمرت به جارية لها منظر‪،‬فقالت‪:‬أين الطريق إلى‬
‫حمام منجاب ؟ فقال ‪:‬هذا حمام منجاب! فدخلت الدار ودخل وراءها ‪،‬فلما‬
‫ت نفسها في داره‪ ،‬وعلمت أنه قد خدعها ؛ أظهرت له البشر والفرح‬ ‫رأ ْ‬
‫باجتماعها معه ‪ ،‬وقالت له ‪ :‬يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به‬
‫عيوننا ‪.‬فقال لها ‪ :‬الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين ‪.‬وخرج وتركها في‬
‫الدار ولم يغلقها‪ ،‬فأخذ ما يصلح‪ ،‬ورجع ‪،‬فوجدها قد خرجت وذهبت ولم‬
‫تخنه في شيء ‪ ،‬فهام الرجل ‪ ،‬وأكثر الذكر لها ‪،‬وجعل يمشي في الطرق‬
‫والزقة ويقول ‪:‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪55‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ب‬
‫مْنجا ِ‬ ‫مام ِ ِ‬‫ح ّ‬
‫ف الطريقُ إلى َ‬ ‫كي َ‬ ‫ب قائ ِل َةٍ يوما ً وقد ْ ت َعِب َ ْ‬
‫ت‬ ‫يا ُر ّ‬
‫فبينما هو يقول ذلك ‪ ،‬وإذا بجاريةٍ أجابته ‪:‬‬
‫فل ً على الباب‬ ‫دارِ أو قُ ْ‬ ‫حْرزا ً على ال ّ‬ ‫ِ‬ ‫ت بها‬ ‫فْر َ‬ ‫سريعا ً إذ ْ ظ َ ِ‬
‫ت َ‬ ‫جَعل َ‬ ‫هَل ّ َ‬
‫ل على ذلك ‪ ،‬حتى كان هذا البيت آخر‬ ‫فازداد هيمانه ‪،‬واشتد هيجانه ‪ ،‬ولم يز ْ‬
‫كلمه من الدنيا ! فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة ‪.‬‬
‫ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح ‪ ،‬فلما أصبح ؛ قيل له ‪ :‬كل هذا‬
‫ة من الرض‪ ،‬وقال ‪ :‬الذنوب أهون من هذا‬ ‫خوفا من الذنوب ؟ فأخذ ت ِب ْن َ ً‬
‫‪،‬وإنما أبكى خوفا ً سوء الخاتمة ‪.‬‬
‫)‪(1‬‬

‫ه ذنوبه عند الموت‬ ‫خذ ُل َ ُ‬ ‫وهذا من أعظم الفقه ‪ :‬أن يخاف الرجل أن ت َ ْ‬
‫‪،‬فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى ‪.‬‬
‫ضَر ؛جعل ُيغمى عليه ثم‬ ‫وقد ذكر المام أحمد عن أبى الدرداء ‪:‬أنه لما احت ُ ِ‬
‫ُيفيق ويقرأ )) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم‬
‫)‪(2‬‬
‫في طغيانهم يعمهون (( ]النعام ‪.[110:‬‬
‫ن هذا خاف السلف من الذنوب ؛ أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة‬ ‫فم ْ‬
‫الحسنى‪.‬‬
‫قال ‪:‬وأعلم أن سوء الخاتمة ك أعاذنا الله تعالى منهاك ل تكون‬
‫مع بهذا ول ع ُِلم به ولله‬ ‫س ِ‬
‫لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ‪ ،‬ما ُ‬
‫الحمد ‪،‬وإنما تكون لمن له فساد في الصل أو إصرار على الكبيرة وإقدام‬
‫على العظائم ‪ ،‬فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة ‪،‬‬
‫فيأخذه قبل إصلح الطوية ويصطلم)‪ (3‬قبل النابة‪ ،‬فيظفر به الشيطان عند‬
‫تلك الصدمة ‪،‬ويختطفه عند تلك الدهشة ‪ ،‬والعياذ بالله ‪.‬‬
‫ل يلزم مسجدا ً للذان والصلة ‪ ،‬وعليه بهاء‬ ‫قال ‪ :‬ويروى أنه كان بمصر رج ٌ‬
‫ي يوما ً المنارة على عادته للذان ‪،‬وكان تحت‬ ‫الطاعة ونور العبادة فََرقِ َ‬
‫ن بها‬‫طلع فيها ‪ ،‬فرأى ابنة صاحب الدار ‪،‬فافُْتيت ِ َ‬ ‫المنارة داٌر لنصران‪،‬ي فا ّ‬
‫‪،‬فترك الذان ‪،‬ونزل إليها ‪ ،‬ودخل الدار عليها ‪،‬فقالت له ‪ :‬ما شأنك ؟! وما‬
‫ت بمجامع‬ ‫تريد ؟! قال ‪ :‬أريدك ! قالت ‪ :‬لماذا ؟ قال ‪ :‬قد سلبت ل ُّبي وأخذ ِ‬
‫جك ‪.‬قالت ‪:‬أنت مسلم وأنا‬ ‫قلبي ‪ .‬قالت ‪ :‬ل أجيبك إلى ريبة أبدا‪ .‬قال ‪ :‬أتزو ُ‬
‫ل‪،‬‬‫نصرانية ‪،‬وأبي ل يزوجني منك ‪ ،‬قال ‪ :‬اتنصر ‪ .‬قالت ‪ :‬إن فعلت أفع ُ‬
‫صر الرجل ليتزوجها ‪،‬وأقام معهم في الدار‪ ،‬فلما كان في أثناء ذلك اليوم‬ ‫فتن ّ‬
‫ح كان في الدار ‪،‬فسقط منه ‪،‬فمات ‪ ،‬فلم يظفر بها ‪،‬وفاته‬ ‫ي إلى سط ٍ‬ ‫؛َرقِ َ‬
‫دينه ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] ترتيب الله تعالى الخير والشر على أسباب [‬
‫قد دل العقل والنقل والفطككرة وتجككارب المككم كك علككى اختلف‬
‫أجناسها ومللها ونحلها ك علككى أن التقككرب إلككى رب العككالمين ‪،‬‬
‫‪1‬‬
‫)( انظر ‪ :‬الحلية )‪. (7/12‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬ابن المبارك ‪،‬وأحمد في الزهد ‪ .‬انظر ‪ :‬الدر المنثور )‪. (3/73‬‬
‫‪3‬‬
‫طِلم ‪ :‬اسُتؤصل ‪.‬‬
‫صُ‬
‫)( ا ْ‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪56‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وطلككب مرضككاته ‪ ،‬والككبر والحسككان إلككى خلقككه ؛ مككن أعظككم‬


‫السباب الجالبة لكل خير ‪ ،‬وأضدادها من أكبر السككباب الجالبككة‬
‫فعت نقمه بمثل طككاعته‬ ‫م الله واست ُدْ ِ‬ ‫ع ُ‬‫جِلبت ن ِ َ‬ ‫لكل شر ؛ فما است ُ ْ‬
‫والتقرب إليه والحسان إلى خلقه ‪.‬‬
‫وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والخرة ‪،‬وحصول الشرور‬
‫في الدنيا والخرة في كتابه على العمال ‪،‬وهذا في القرآن يزيد على ألف‬
‫موضع كقوله تعالى ‪ )) :‬فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة‬
‫خاسئين (( ]العراف ‪.[166:‬‬
‫وكقوله تعالى ‪ )) :‬إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم‬
‫ويغفر لكم (( ]النفال ‪. [29:‬‬
‫وبالجملة ‪ :‬فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير‬
‫والشر والحكام الكونية والمرية على السباب ‪ ،‬بل ترتيب أحكام الدنيا‬
‫هما على السباب والعمال ‪.‬‬ ‫والخرة ومصالحهما ومفاسد ِ‬
‫قه هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع ‪.‬‬ ‫ومن فَ ِ‬
‫ة ي فيكون توكله‬ ‫ل على القدر ي جهل ً منه وعجزا ً وتفريطا ً وإضاع ً‬ ‫ومن يّتك ُ‬
‫عجزا ً ‪ ،‬وعجزه توكل ً ‪.‬‬
‫بل الفقيه ي كل الفقيه ي الذي يرد ّ القدر بالقدر ‪ ،‬ويدفع القدر بالقدر ‪،‬‬
‫ش إل بذلك ؛ فإن الجوع‬ ‫ن أن يعي َ‬ ‫ن النسا َ‬ ‫ويعارض القدر بالقدر ‪ ،‬بل ل يمك ُ‬
‫والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر ‪ ،‬والخلق كلهم‬
‫ساعون في دفع هذا القدر بالقدر‪.‬‬
‫شده يدفع قدر العقوبة الخروية بقدر التوبة‬ ‫ن وّفقه الله وألهمه ُر ْ‬ ‫م ْ‬‫وهكذا ؛ َ‬
‫ن القدرِ المخوف في الدنيا وما يضاده‬ ‫واليمان والعمال الصالحة ؛ فهذا ِوزا ُ‬
‫ضها بعضًا‪،‬ول‬
‫ب الدارين واحد ‪ ،‬وحكمُته واحدة ‪،‬ل يناقض بع ُ‬ ‫سواء ؛ فر ّ‬
‫يبطل بعضها بعضًا‪ .‬فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها‬
‫ورعاها حق رعايتها ‪،‬والله المستعان‪.‬‬
‫] أسباب سعادة النسان وفلحه [‬
‫لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادُته وفلحه ‪:‬‬
‫ب الشر والخير ‪،‬وتكون له بصيرة ٌ في‬ ‫أحدهما ‪ :‬أن يعرف تفاصيل أسبا ِ‬
‫ذلك ؛ بما يشاهده في العالم ‪ ،‬وما جربه في نفسه وغيره ‪،‬وما سمعه من‬
‫أخبار المم قديما وحديثا ‪.‬‬
‫ومن أنفع ما في ذلك ‪:‬‬
‫تدبر القرآن ‪ :‬فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه ‪،‬وفيه أسباب الخير‬
‫والشر جميعا مفصلة مبينة ‪.‬‬
‫ثم الكسنكة ‪ :‬فإنها شقيقة القرآن ‪،‬وهي الوحي الثاني ‪.‬‬
‫ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما ‪،‬وهما يريانك الخير والشر‬
‫وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عيانا ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪57‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وبعد ذلك ؛ إذا تأملت أخبار المم وأيام الله في أهل طاعته وأهل‬
‫معصيته ؛طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ‪،‬ورأيته بتفاصيل ما أخبر‬
‫الله به ووعد به ‪ ،‬وعلمت من آياته في الفاق ما يدلك على أن القرآن‬
‫حق ‪،‬وأن الرسول حق ‪،‬وأن الله ينجز وعده ل محالة ؛ فالتاريخ تفصيل‬
‫ه ورسوله من السباب الكلية للخير والشر ‪.‬‬ ‫لجزئيات ما عّرفنا الل ُ‬
‫فصل‬
‫المر الثاني ‪ :‬أن يحذر مغالطة نفسه على هذه السباب ‪.‬‬
‫وهذا من أهم المور فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من السباب‬
‫المضرة له في دنياه وآخرته ولبد ‪ ،‬ولكن تغالطه نفسه بالتكال على‬
‫عفو الله ومغفرته تارة ‪ ،‬وبالتسويف بالتوبة تارة ‪ ،‬وبالستغفار باللسان تارة‬
‫‪ ،‬وبفعل المندوبات تارة ‪ ،‬وبالعلم تارة ‪ ،‬وبالحتجاج بالقدر تارة ‪ ،‬وبالحتجاج‬
‫بالشباه والنظائر تارة ‪ ،‬وبالقتداء بالكابر تارة أخرى ‪.‬‬
‫وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ‪ ،‬ثم قال ‪ :‬أستغفر الله ؛ زال‬
‫أثر الذنب وراح هذا بهذا !!‬
‫وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء ‪ ،‬واتكل عليها ‪ ،‬وتعلق‬
‫بها بكلتا يديه ‪،‬وإذا عوتب على الخطايا والنهماك فيها ؛ سرد لك ما يحفظه‬
‫من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء ‪.‬‬
‫وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب‬
‫كقول بعضهم ‪:‬‬
‫م على كريم ِ‬ ‫دو ُ‬ ‫ق ُ‬‫ن ال ُ‬ ‫إذا كا َ‬ ‫خطايا‬ ‫ن ال َ‬ ‫م َ‬ ‫ت ِ‬ ‫ست َط َعْ َ‬ ‫وك َث ّْر ما ا ْ‬
‫فتأمل هذا الموضع ‪،‬وتأمل شدة الحاجة إليه ‪.‬‬
‫وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملق الله ‪ ،‬وأن الله يسمع كلمه ‪،‬‬
‫ويرى مكانه ‪،‬ويعلم سره وعلنيته ‪ ،‬ول يخفى عليه خافية من أمره؛ وأنه‬
‫موقوف بين يديه ‪ ،‬ومسؤول عن كل ما عمل ؛ وهو مقيم على مساخطه ‪،‬‬
‫مضيع لوامره ‪ ،‬معطل لحقوقه ‪،‬وهو مع هذا يحسن الظن به !!‬
‫وهل هذا إل من خدع النفوس ‪ ،‬وغرور الماني ؟!!‬
‫ن الّزب َي ْرِ ع ََلى‬ ‫َ‬ ‫َ ُ‬
‫ت أَنا وَع ُْروَة ُ ب ْ ُ‬ ‫خل ْ ُ‬ ‫سْهل بن حنيف ‪ :‬د َ َ‬ ‫ة َ‬ ‫م َ‬ ‫ما َ‬ ‫وقد قال أِبو أ َ‬
‫ما رسول الل ّهِ صلى الله عليه‬ ‫َ‬
‫ت ‪ :‬ل َوْ َرأي ْت ُ َ‬ ‫قال َ ْ‬‫ة رضي الله عنها ‪ ،‬فَ َ‬ ‫ش َ‬‫عائ ِ َ‬ ‫َ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫مَرض له ‪ ،‬وَ َ‬
‫مَرِني‬ ‫ة ‪ ،‬فَأ َ‬ ‫سب ْعَ ٌ‬ ‫ة د ََناِنيَر أوْ َ‬ ‫ست ّ ُ‬
‫ده ِ‬ ‫عن ْ ِ‬
‫كاَنت ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ت ي َوْم ٍ ِفي َ‬ ‫ذا َ‬ ‫وسلم َ‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫ن أفَّرقََها ‪.‬‬ ‫رسول الل ّهِ صلى الله عليه وسلم أ ْ‬
‫ه ‪ ،‬ثُ ّ‬
‫م‬ ‫عاَفاه ُ الل ّ ُ‬ ‫حّتى َ‬ ‫جعُ رسول الل ّهِ صلى الله عليه وسلم َ‬ ‫شغَل َِني وَ َ‬ ‫ت ‪ :‬فَ َ‬ ‫َقال َ ْ‬
‫ت ‪َ :‬ل‬ ‫قل ْ ُ‬‫ة دنانير ؟ " ف ُ‬ ‫ست ّ ُ‬‫ت ال ّ‬ ‫ت فرق ِ‬ ‫ت ؟ أكن ِ‬ ‫ما فَعَل َ ِ‬ ‫ل ‪َ ":‬‬ ‫قا َ‬ ‫سأ َل َِني ع َن َْها ‪ ،‬فَ َ‬ ‫َ‬
‫ل ‪":‬‬ ‫قا َ‬ ‫فه ِ ‪ ،‬ف َ َ‬‫ضعَها ِفي ك َ ّ‬ ‫م فو َ‬ ‫عا ب َِها ث ُ ّ‬ ‫ت ‪ :‬فَد َ َ‬ ‫ك‪َ .‬قال َ ْ‬ ‫جعُ َ‬ ‫شغَل َِني وَ َ‬ ‫قد ْ َ‬ ‫َوالل ّهِ ؛ ل َ َ‬
‫ن‬
‫عن ْد َه ُ ؟ " وفي لفظ ‪ " :‬ما ظ ّ‬ ‫ل وَهَذ ِهِ ِ‬ ‫ج ّ‬ ‫ه ع َّز وَ َ‬ ‫ي الل ّ َ‬ ‫ق َ‬ ‫ي الل ّهِ ل َوْ ل َ ِ‬ ‫ما ظ َ ّ‬
‫ن ن َب ِ ّ‬ ‫َ‬
‫)‪(1‬‬
‫ه وهذه عنده "‬ ‫محمد ٍ برب ّهِ لو لقي الل َ‬
‫فيا لله !!‬
‫‪1‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (182-86-6/49‬وقد صححه اللباني في السلسلة )‪. (3/12‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪58‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد‬


‫عندهم ؟!‬
‫سّنا ظنوننا بك أنك لن تعذب ظالما ً‬ ‫ح ّ‬
‫فإن كان ينفعهم قولهم ‪َ :‬‬
‫ول فاسقا ً ؛ فليصنع العبد ما شاء ‪ ،‬وليرتكب كل ما نهاه الله‬
‫عنه ‪ ،‬وليحسن ظنه بالله ‪ ،‬فإن النار ل تمسه !!‬
‫فسبحان الله !! ما يبلغ الغرور بالعبد ؟!‬
‫وقد قال إبراهيم لقومه )) أإفكا آلهة دون الله تريدون‪ .‬فما ظنكم برب‬
‫العالمين (( ]الصافات ‪ [87-86:‬أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد‬
‫عبدتم غيره ؟!‬
‫ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل ؛ علم أن حسن الظن بالله‬
‫هو حسن العمل نفسه ؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه‬
‫بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه ؛فالذي حمله على‬
‫ن عمله ‪ ،‬وإل فحسن‬ ‫س َ‬‫ح ُ‬‫العمل حسن الظن‪ ،‬فكلما حسن ظنه بربه َ‬
‫الظن مع اتباع الهوى عجز ‪.‬‬
‫وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ‪،‬وأما مع‬
‫انعقاد أسباب الهلك ؛ فل يتأتى إحسان الظن ‪.‬‬
‫فإن قيل ‪ :‬بل يتأتى ذلك ‪ ،‬ويكون مستند حسن الظن سعة‬
‫مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده ‪ ،‬وأن رحمته سبقت غضبه ‪،‬‬
‫وأنه ل تنفعه العقوبة ‪ ،‬ول يضره العفو ؟‬
‫قيل ‪ :‬المر هكذا ‪ ،‬والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ‪،‬ولكن‬
‫إنما يضع ذلك في محله اللئق به ؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة‬
‫والنتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة ؛ فلو كان معوّ ُ‬
‫ل‬
‫حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه ؛ لشترك في ذلك البر والفاجر‬
‫‪،‬والمؤمن والكافر ‪،‬ووليه وعدوه ‪ ،‬فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته ؛ وقد‬
‫باء بسخطه وغضبه ‪،‬وتعرض للعنته ‪،‬ووقع في محارمه‪ ،‬وانتهك حرماته ؟!‬
‫بل حسن الظن ينفع من تاب ‪ ،‬وندم ‪ ،‬وأقلع ‪ ،‬وبدل السيئة‬
‫بالحسنة ‪ ،‬واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ‪ ،‬ثم أحسن‬
‫الظن ؛ فهذا هو حسن ظن ‪ ،‬والول غرور ‪ .‬والله المستعان ‪.‬‬
‫ول تستطل هذا الفصل ؛ فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد يفرق بين حسن‬
‫الظن بالله وبين الغرور به ‪.‬‬
‫قال الله تعالى ‪ )) :‬إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله‬
‫أولئك يرجون رحمة الله (( ]البقرة ‪[218:‬فجعل هؤلء أهل الرجاء ‪ ،‬ل‬
‫الظالمين ول الفاسقين ‪ ،‬وقال تعالى ‪ )) :‬ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد‬
‫ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (( ] النحل ‪:‬‬
‫‪ [110‬فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الشياء غفور رحيم لمن فعلها ‪.‬‬
‫فالعالم يضع الرجاء مواضعه ‪ ،‬والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪59‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فيصل‬
‫] شدة عقابه جل شأنه لمن اجترأ عليه بالمعاصي [‬
‫وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه ‪،‬وضيعوا أمره‬
‫ونهيه ‪ ،‬ونسوا أنه شديد العقاب ‪،‬وأنه ل يرد بأسه عن القوم المجرمين ‪.‬‬
‫ومن اعتمد على العفو مع الصرار على الذنب فهو كالمعاند ‪.‬‬
‫قال معروف ‪ :‬رجاؤك لرحمة من ل تطيعه من الخذلن والحمق ‪.‬‬
‫وقال بعض العلماء ‪ :‬من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلثة دراهم؛ ل‬
‫تأمن أن تكون عقوبته في الخرة على نحو هذا ‪.‬‬
‫وسأل رجل الحسن فقال ‪ :‬يا أبا سعيد ! كيف نصنع بمجالسة أقوام‬
‫يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع ؟ فقال ‪ :‬والله ؛ لن تصحب أقواما ً‬
‫يخوفونك حتى تدرك أمنا ً ‪ ،‬خير لك من أن تصحب أقواما ً يؤمنونك حتى‬
‫تلحقك المخاوف ‪.‬‬
‫ل اللهِ صلى الله عليه‬ ‫ّ‬ ‫سو ُ‬ ‫ل ‪َ :‬قا َ‬ ‫ك َقا َ‬ ‫َ‬
‫ل َر ُ‬ ‫مال ِ ٍ‬ ‫ن َ‬ ‫س بْ ِ‬ ‫ن َ أن َ ِ‬ ‫مسلم ع َ ْ‬ ‫وفي صحيح‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫صب َغُ ِفي‬ ‫مةِ [فَي ُ ْ‬ ‫قَيا َ‬ ‫م ال ْ ِ‬ ‫ل الّنارِ ] ي َوْ َ‬ ‫ن أهْ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ل الد ّن َْيا ِ‬ ‫وسلم ‪ ":‬ي ُؤ َْتى ب ِأن ْعَم ِ أهْ ِ‬
‫مّر ب ِ َ‬ ‫ط ؟ هَ ْ‬ ‫خي ًْرا قَ ّ‬ ‫َ‬ ‫م ! هَ ْ‬ ‫قا ُ‬ ‫ة ثُ ّ‬
‫)‪(1‬‬
‫ك‬ ‫ل َ‬ ‫ت َ‬ ‫ل َرأي ْ َ‬ ‫ن آد َ َ‬ ‫َ‬ ‫ل له ‪َ :‬يا اب ْ‬ ‫م يُ َ‬ ‫صب ْغَ ً‬ ‫الّنارِ َ‬
‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫قو ُ‬ ‫م قَط ؟ فَي َ ُ‬ ‫ّ‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫سا ِفي الد ّن َْيا ِ‬ ‫س ب ُؤ ْ ً‬ ‫شد ّ الّنا ِ‬ ‫ب ! وَي ُؤ َْتى ب ِأ َ‬ ‫ل ‪ :‬ل َواللهِ َيا َر ّ‬ ‫ن َِعي ٌ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫سا‬ ‫ت ب ُؤ ْ ً‬‫ل َرأي ْ َ‬ ‫م هَ ْ‬ ‫ن آد َ َ‬ ‫ه ‪َ :‬يا اب ْ َ‬ ‫ل لَ ُ‬ ‫قا ُ‬ ‫جن ّةِ ‪ ،‬فَي ُ َ‬ ‫ة ِفي ال ْ َ‬ ‫صب ْغَ ً‬ ‫صب َغُ َ‬ ‫جن ّةِ ‪ ،‬فَي ُ ْ‬ ‫ل ال ْ َ‬ ‫أهْ ِ‬
‫س‬‫مّر ِبي ب ُؤ ْ ٌ‬ ‫ما َ‬ ‫ب ‌! َ‬ ‫ل ‪َ :‬ل َوالل ّهِ َيا َر ّ‬ ‫قو ُ‬ ‫ط ؟ فَي َ ُ‬ ‫شد ّة ٌ قَ ّ‬ ‫ك ِ‬ ‫مّر ب ِ َ‬ ‫ل َ‬ ‫ط ؟ هَ ْ‬ ‫قَ ّ‬
‫شد ّة ً قَ ّ‬ ‫َ‬
‫ط ‪ ،‬وََل َرأي ْ ُ‬ ‫قَ ّ‬
‫)‪(2‬‬
‫ط"‬ ‫ت ِ‬
‫ل الل ّهِ صلى الله عليه‬ ‫سو ُ‬ ‫ل َر ُ‬ ‫جاب ِرٍ قال ‪َ :‬قا َ‬ ‫وفي صحيح مسلم من حديث َ‬
‫ب‬ ‫شَر ُ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫دا ل ِ َ‬ ‫ل ع َهْ ً‬ ‫ج ّ‬ ‫ن ع ََلى الل ّهِ ع َّز وَ َ‬ ‫م‪ ،‬و إ ِ ّ‬ ‫حَرا ٌ‬ ‫سك ِرٍ َ‬ ‫م ْ‬ ‫ل ُ‬ ‫وسلم ‪":‬ك ُ ّ‬
‫ة ال ْ َ‬ ‫طين َةِ ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ل‪":‬‬ ‫ل ؟ َقا َ‬ ‫خَبا ِ‬ ‫طين َ ُ‬‫ما ِ‬ ‫ل " َقيل ‪ :‬وَ َ‬ ‫خَبا ِ‬ ‫ن ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫قي َ ُ‬ ‫س ِ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫سك َِر أ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫)‪(3‬‬
‫ل الّنارِ "‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫صاَرة ُ أهْ ِ‬ ‫ل الّنارِ أوْ ع ُ َ‬ ‫ع ََرقُ أهْ ِ‬
‫َ‬
‫سو َ‬
‫ل‬ ‫ن َر ُ‬ ‫ضي الّله ع َْنه أ ّ‬ ‫خد ْرِيّ َر ِ‬ ‫سِعيد ٍ ال ْ ُ‬ ‫وفي صحيح البخاري من حديث أبي َ‬
‫َ‬
‫ل ع َلى‬ ‫جا ُ‬ ‫ملَها الّر َ‬ ‫َ‬ ‫حت َ َ‬ ‫جَناَزة ُ ‪َ،‬وا ْ‬ ‫ْ‬
‫ت ال ِ‬ ‫ضعَ ِ‬ ‫ذا وُ ِ‬ ‫ل ‪ ":‬إ ِ َ‬ ‫م َقا َ‬ ‫سل ّ َ‬ ‫صّلى الّله ع َل َي ْهِ وَ َ‬ ‫الل ّهِ َ‬
‫َ‬
‫ت‬‫حةٍ ؛ َقال َ ْ‬ ‫صال ِ َ‬ ‫ت غ َي َْر َ‬ ‫كان َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫موِني ‌‪ ،‬وَإ ِ ْ‬ ‫ت ‪ :‬قَد ّ ُ‬ ‫ة َقال َ ْ‬ ‫ح ً‬ ‫صال ِ َ‬ ‫ت َ‬ ‫كان َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫م ؛ فَإ ِ ْ‬ ‫أع َْناقِهِ ْ‬
‫َ‬
‫ه‬
‫معَ ُ‬ ‫س ِ‬‫ن ‪،‬وَل َوْ َ‬ ‫سا َ‬ ‫يٍء إ ِّل اْل ِن ْ َ‬ ‫ش ْ‬ ‫ل َ‬ ‫صوْت ََها ك ُ ّ‬ ‫معُ َ‬ ‫س َ‬ ‫ن ب َِها ؟ ي َ ْ‬ ‫ن ي َذ ْهَُبو َ‬ ‫‪َ :‬يا وَي ْل ََها أي ْ َ‬
‫)‪(4‬‬
‫صعِقَ "‬ ‫َ‬
‫وفي الصحيحين عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬إن‬
‫)‪(5‬‬
‫المصورين يعذبون يوم القيامة‪ ،‬ويقال لهم‪ :‬احيوا ما خلقتم "‬
‫وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ " :‬من كانت عنده لخيه مظلمة في مال أو عرض؛ فليأته ‪،‬‬
‫فليستحلها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ول درهم ‪ :‬فإن كانت له‬
‫‪1‬‬
‫أي ‪ :‬يدخل فيها إدخالة سريعة للحظات قليلة ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أخرجه ‪ :‬مسلم )‪. (2807‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫أخرجه ‪ :‬مسلم )‪. (2002‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (1314‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري ))‪ (4951‬ومسلم )‪. (2108‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪60‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫حسنات ؛أخذ من حسناته فُأعطيها هذا ‪،‬وإل أخذ من سيئات هذا ‪ ،‬فطرحت‬
‫)‪(1‬‬
‫عليه ثم طرح في النار "‬
‫وفي الصحيحين عنه قال ‪ :‬قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬ناركم‬
‫هذه التي يوقد بنوا آدم ‪ ،‬جزء واحد من سبعين جزءا ً من نار جهنم " قالوا ‪:‬‬
‫والله ؛إن كانت الكافية‪.‬قال ‪ " :‬فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين‬
‫)‪(2‬‬
‫جزءا ً ‪،‬كلهن مثل حرها "‬
‫والحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ما ذكرنا ؛فل ينبغي لمن نصح‬
‫نفسه ‪ :‬أن يتعامى عنها ‪ ،‬ويرسل نفسه في المعاصي ‪ ،‬ويتعلق بحسن‬
‫الرجاء وحسن الظن‪ .‬قال أبو الوفاء بن عقيل‪ :‬احذره ‪،‬ول تغتر به ؛فإنه‬
‫قطع اليد في ثلثة دراهم ‪،‬وجلد الحد في مثل رأس البرة من الخمر ‪،‬وقد‬
‫ن غّلها وقد قُِتل‬ ‫دخلت امرأة النار في هرة ‪ ،‬واشتعلت الشملة نارا ً على َ‬
‫م ْ‬
‫شهيدا ً ‪.‬‬
‫] اغترار العبد بإنعام الله عليه وهو مقيم على معصيته [‬
‫وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا ‪ ،‬وأنه‬
‫ل يغير ما به ‪ ،‬ويظن أن ذلك من محبة الله له ‪ ،‬وأنه يعطيه في الخرة‬
‫أفضل من ذلك ‪ ،‬وهذا من الغرور ‪.‬‬
‫فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‪ " :‬إذا رأيت الله‬
‫عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ؛ فإنما هو استدراج "‬
‫ثم تل قوله عز وجل‪ )) :‬فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل‬
‫شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (( ]النعام ‪:‬‬
‫‪.(3) [44‬‬
‫وقال بعض السلف ‪ :‬إذا رأيت الله عز وجل يتابع عليك نعمة ‪،‬وأنت مقيم‬
‫على معاصيه ؛ فاحذره ؛ فإنما هو استدراج منه يستدرجك به ‪.‬‬
‫وقد قال تعالى )) ولول أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر‬
‫بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ‪.‬ولبيوتهم أبوابا‬
‫وسررا عليها يتكئون ‪ .‬وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والخرة‬
‫عند ربك للمتقين (( ]الزخرف ‪.[35-33:‬‬
‫وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله ‪ )) :‬فأما النسان إذا ما‬
‫ابتله ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ‪ .‬وأما إذا ما ابتله فقدر عليه‬
‫ه‬
‫رزقه فيقول ربي أهانن ‪.‬كل (( ]الفجر ‪ [17-15:‬أي ‪ :‬ليس كل من نّعمت ُ ُ‬
‫ت عليه رزَقه أكون قد أكرمته ‪ ،‬ول كل من ابتليُته وضيقت عليه رزقه‬ ‫سعْ ُ‬ ‫وو ّ‬
‫ُ‬
‫أكون قد اهنته ‪ ،‬بل أبتلي هذا بالنعم ‪ ،‬وأكرم هذا بالبتلء ‪.‬‬
‫وفي ] مسند أحمد [ عنه صلى الله عليه وسلم ‪ ":‬إن الله يعطي الدنيا من‬
‫)‪(4‬‬
‫يحب ومن ل يحب ول يعطي اليمان إل من يحب "‬
‫‪1‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪. (2449‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أخرجه ‪ :‬البخاري )‪ (3265‬ومسلم )‪. (2843‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد )‪. (4/145‬وصححه اللباني في السلسلة )‪. (1/773‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد )‪ (1/387‬قال اللباني في صحيح الدب المفرد ص ‪ : 119‬صحيح موقوف في حكم المرفوع ‪.‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪61‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ب مفتون‬ ‫ج بنعم ِ الله عليه وهو ل يعلم ‪ ،‬وُر ّ‬


‫مسَتدر ٍ‬ ‫ب ُ‬‫وقال بعض السلف ‪ُ :‬ر ّ‬
‫بثناء الناس عليه وهو ل يعلم ‪ ،‬ورب مغرور بستر الله عليه وهو ل يعلم ‪.‬‬
‫فصل‬
‫] الركون إلى الدنيا والغترار بعاجل نعيمها [‬
‫وأعظم الخلق غرورا ً من اغتر بالدنيا وعاجلها ‪ ،‬فآثرها على الخرة ‪ ،‬ورضييي‬
‫بها من الخرة ‪:‬‬
‫)‪(1‬‬
‫حتى يقول بعييض هييؤلء ‪ :‬الييدنيا نقييد ‪ ،‬والخيير نسيييئة ‪ ،‬والنقييد أنفييع ميين‬
‫النسيئة! ‌ ويقول آخر منهم ‪ :‬لييذات الييدنيا متيقنيية ‪،‬ولييذات الخييرة مشييكوك‬
‫فيها ‪ ،‬ول أدع اليقين للشك ؟!‬
‫وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله !‬
‫والبهائم العجم أعقل من هؤلء ؛ فإن البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم‬
‫ربت ‪،‬وهؤلء ُيقدم أحدهم على ما فيه عطبه وهو بين‬ ‫ض ِ‬
‫تقدم عليه ولو ُ‬
‫مصدق ومكذب ‪.‬‬
‫فهذا الضرب ‪ :‬إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء ؛ فهو من‬
‫أعظم الناس حسرة ؛ لنه أقدم على علم ‪ ،‬وإن لم يؤمن بالله ورسوله‬
‫فأبعد له‪.‬‬
‫‪ ‬وقول هذا القائل ‪ ) :‬النقد خير من النسيئة ( جوابه ‪:‬‬
‫إنه إذا تساوي النقد والنسيئة ؛ فالنقد خير ‪ ،‬وإن تفاوتا ‪ ،‬وكانت‬
‫النسيئة أكثر وأفضل فهي خير ‪.‬‬
‫فكيف والدنيا كلها من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس‬
‫الخرة ؟!‬
‫كما في ]مسلم [من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله صلى‬
‫الله عليه وسلم ‪ " :‬ما الدنيا في الخرة إل كما ُيدخل أحدكم إصبعه في اليم‬
‫؛فلينظر بم يرجع ")‪. (2‬‬
‫فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل !‬
‫وإذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الخرة !! فما مقدار عمر النسان‬
‫بالنسبة إلى الخرة ؟!!‬
‫فأيما أولى بالعاقل ‪ :‬إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير‬
‫الدائم في الخرة ؟! أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ؛ ليأخذ ما‬
‫ل قيمة له ]ول حصر له[ ول نهاية لعدده ول غاية لمده ؟!‬
‫‪ ‬وأما قول الخر ‪ ) :‬ل أترك متيقنا ً لمشكوك فيه (‬
‫فيقال له ‪ :‬إما أن تكون على شك من وعد اللييه ووعيييده وصييدق رسييله ‪،‬أو‬
‫تكون على اليقين من ذلك ‪:‬‬
‫فإن كنت على اليقين من ذلك فما تركت إل ذرة عاجلة منقطعة فانييية‬
‫عن قرب لمر متيقن ل شك فيه ول انقطاع له ‪.‬‬
‫‪1‬‬
‫)( أي ‪ :‬متأخرة ‪.‬‬
‫‪2‬‬
‫)( أخرجه ‪ :‬مسلم )‪. (2858‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪62‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وإن كنت على شك ‪ :‬فتأمل آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته‬
‫ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به عنه ‪ ،‬وتجرد ‪ ،‬وُقم لله‬
‫ناظرا ً أو مناظرا ً ؛ حتى يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله ؛ فهو‬
‫الحق الذي لشك فيه ‪ ،‬وأن خالق هذا العالم هو رب السموات والرض‬
‫يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلف ما أخبرت به رسله عنه ‪،‬ومن نسبه إلى‬
‫غير ذلك فقد شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه ‪.‬‬
‫إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملك الحق ‪:‬‬
‫عاجزا ً ‪ ،‬أو جاهل ً ل يعلم شيئا‪ ،‬ول يسمع ول يبصر ول يتكلم ‪ ،‬ول يأمر ول‬
‫ينهي ‪ ،‬ول يثيب ول يعاقب ‪ ،‬ول يعز من يشاء ول يذل من يشاء ‪ ،‬ول يرسل‬
‫رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها ‪ ،‬ول يعتني بأحوال رعيته ‪ ،‬بل يتركهم‬
‫سدى ‪ ،‬ويخليهم همل !‬
‫ملك آحاد ملوك البشر ‪ ،‬ول يليق به ؛ فكيف يجوز نسبه‬ ‫ولهذا يقدح في ُ‬
‫الملك الحق المبين إليه ؟!‬
‫وإذا تأمل النسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه‬
‫قله إلى هذه الحوال ‪ ،‬وصرفه في‬ ‫ن من ع ُِني به هذه العناية ‪ ،‬ون ّ‬ ‫تبين له أ ّ‬
‫هذه الطوار ل يليق به أن يهمله ويتركه سدى ؛ ل يأمره ‪،‬ول ينهاه ‪،‬ول‬
‫يعرفه بحقوقه عليه‪،‬ول يثيبه ‪ ،‬ول يعاقبه‪.‬‬
‫] كيف يجتمع التفريط مع تيقن الحساب [‬
‫فإن قلت ‪:‬كيف يجتمع التصديق الجييازم الييذي ل شيك فيييه بالمعياد والجنيية‬
‫والنار ويتخلف العمل ؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلييوب‬
‫غدا ً إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة ‪ ،‬أو يكرمييه أتييم كراميية ‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ل يتذكر مييوقفه بييين يييدي الملييك ‪ ،‬ول يسييتعد لييه ‪ ،‬ول‬ ‫ويبيت ساهيا ً غاف ً‬
‫يأخذ له أهبته ؟ !‬
‫قيل ‪ :‬هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق ؛ واجتماع‬
‫هذين المرين من أعجب الشياء !‬
‫وهذا التخلف له عدة أسباب ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬ضعف العلم ‪ ،‬ونقصان اليقين ‪.‬‬
‫فإذا اجتمع إلى ضعف العلم ‪ :‬عدم استحضاره ‪ ،‬أو غيبته عن القلب في‬
‫كثير من أوقاته ‪ ،‬أو أكثرها ؛ لشتغاله بما يضاده ‪،‬وانضم إلى ذلك ‪ :‬تقاضي‬
‫الطبع ‪،‬وغلبات الهوى ‪ ،‬واستيلء الشهوة ‪ ،‬وتسويل النفس‪ ،‬وغرور‬
‫الشيطان ‪ ،‬واستبطاء الوعد ‪ ،‬وطول المل ‪ ،‬ورقدة الغفلة ‪ ،‬وحب العاجلة‪،‬‬
‫ورخص التأويل ‪ ،‬وإلف العوائد ‪ ،‬فهناك ل يمسك اليمان إل الذي يمسك‬
‫السموات والرض أن تزول ‪.‬‬
‫وبهذا السبب يتفاوت الناس في اليمان والعمال‪ ،‬حتى ينتهي إلى أدنى‬
‫مثقال ذرة في القلب ‪.‬‬
‫وجماع هذه السباب ‪:‬يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر ‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪63‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين ‪ ،‬وجعلهم أئمة في الدين ‪ ،‬فقال‬
‫تعالى‪ )) :‬وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ((‬
‫]السجدة ‪.[24:‬‬
‫فصل‬
‫] بين أماني المفرطين ورجاء الصحابة والصالحين [‬
‫ومما ينبغي أن يعلم ‪ :‬أن من رجا شيئا ً ؛ استلزم رجاؤه ثلثة أمور ‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬محبة ما يرجوه ‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬خوفه من فواته ‪.‬‬
‫الثالث ‪:‬سعيه في تحصيله بحسب المكان ‪.‬‬
‫وأما رجاء ل يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الماني ‪،‬‬
‫والرجاء شيء‪ ،‬والماني شيء آخر ‪.‬‬
‫فكل راج خائف ‪ ،‬والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السي‪،‬ر‬
‫مخافة الفوات‪ .‬وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ " :‬من خاف أدلج‪ ،‬ومن أدلج)‪ (1‬بلغ‬
‫الجنة " )‪. (2‬‬ ‫المنزل ‪ ،‬إل إن سلعة الله غالية ‪،‬إل إن سلعة الله‬
‫وهو سبحانه كما جعل الرجاء لهل العمال الصالحة ‪ ،‬فكذلك جعل الخوف‬
‫لهل العمال الصالحة ‪،‬فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به‬
‫العمل ‪.‬‬
‫قال الله تعالى ))إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ‪.‬والذين هم بآيات‬
‫ربهم يؤمنون ‪.‬والذين هم بربهم ل يشركون ‪.‬والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم‬
‫وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ‪.‬أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها‬
‫سابقون(( ]المؤمنون ‪. [61-57:‬‬
‫وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت ‪:‬سألت‬
‫رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الية فقلت ‪ :‬أهم الذين يشربون‬
‫الخمر ويزنون ويسرقون ؟ فقال ‪ " :‬ل يا ابنة الصديق ! ولكنهم الذين‬
‫يصومون ويصلون ويتصدقون ‪ ،‬ويخافون أن ل يتقبل منهم ‪ ،‬أولئك‬
‫يسارعون في الخيرات ")‪. (3‬‬
‫والله سبحانه وصف أهل السعادة بالحسان مع الخوف ووصف الشقياء‬
‫بالساءة مع المن ‪.‬‬
‫ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم ؛ وجدهم في غاية‬
‫العمل مع غاية الخوف ‪،‬ونحن جمعنا بين التقصير ك بل التفريط‬
‫ك والمن !‬
‫جْنب عبد‬ ‫فهذا الصديق رضي الله عنه يقول ‪:‬وددت أني شعرة في َ‬
‫مؤمن ‪.‬ذكره أحمد عنه )‪.(4‬‬
‫‪1‬‬
‫الدلج ‪ :‬السير في أول الليل ‪ ،‬وهو كناية عن الهتمام والسعي في المر بجد ‪.‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أخرجه ‪ :‬الترمذي )‪ (2450‬وصححه اللباني في السلسلة )‪. (5/442‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫أخرجه ‪ :‬الترمذي )‪ (3175‬وقد صححه اللباني لشواهده في السلسلة )‪. (1/304‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫في الزهد ص ‪. 135‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪64‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله )) إن عذاب‬
‫ربك لواقع (( ]الطور‪ [7:‬فبكى ‪ ،‬واشتد بكاؤه ‪ ،‬حتى مرض وعادوه ‪.‬‬
‫وقال لبنه وهو في سياق الموت ‪ :‬ويحك ! ضع خدي على الرض؛ عساه‬
‫)‪(1‬‬
‫أن يرحمني ‪ .‬ثم قال‪ :‬ويل أمي إن لم يغفر الله لي ؛ ثلثا ً ثم قضى ‪.‬‬
‫وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر ؛ يبكى‬
‫حتى تبل لحيته )‪.(2‬‬
‫وقال ‪ :‬لو أنني بين الجنة والنار ‪ ،‬ل أدري إلى أيتهما يؤمر بي لخترت أن‬
‫أكون رمادا ً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير )‪.(3‬‬
‫وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه ‪ ،‬وكان يشتد‬
‫خوفه من اثنتين ‪ :‬طول المل ‪ ،‬واتباع الهوى ‪ .‬قال ‪ :‬فأما طول المل‬
‫فينسي الخرة ‪ ،‬وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ‪ ،‬أل وإن الدنيا قد ولت‬
‫مدبرة ‪،‬والخرة قد أسرعت مقبلة ‪،‬ولكل واحدة منهما بنون ‪ ،‬فكونوا من‬
‫أبناء الخرة‪ ،‬ول تكونوا من أبناء الدنيا ‪ ،‬فإن اليوم عمل ول حساب ‪ ،‬وغدا ً‬
‫حساب ول عمل )‪.(4‬‬
‫وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية فلما أتى على هذه الية ‪ )) :‬أم‬
‫حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا‬
‫الصالحات (( ]الجاثية ‪[21:‬جعل يرددها ويبكي حتى أصبح )‪.(5‬‬
‫وقال أبو عبيدة عامُر بن الجراح ‪ :‬وددت أني كبش ‪ ،‬فذبحني أهلي ‪،‬‬
‫وأكلوا لحمي وحسوا مرقي )‪. (6‬‬
‫وهذا باب يطول تتبعه ‪.‬‬
‫قال البخاري في صحيحه ) باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو ل‬
‫ت قولي على عملي ؛إل خشيت‬ ‫يشعر ( ‪ .‬وقال إبراهيم التيمي ‪ :‬ما عرض ُ‬
‫ت ثلثين من أصحاب النبي صلى‬ ‫أن أكون مكذبًا‪ .‬وقال بن أبي مليكة ‪ :‬أدرك ُ‬
‫الله عليه وسلم ؛كلهم يخاف النفاق على نفسه ‪ ،‬ما منهم أحد يقول ‪ :‬إنه‬
‫على إيمان جبريل وميكائيل !‬
‫فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن آثر‬
‫وابتغى حبه ورضاه على هواه بذلك قربه ورضاه آمين يا رب‬
‫العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين آمين ‪.‬‬
‫*‬ ‫*‬ ‫*‬
‫تم النتقاء في يوم الحد الموافق ‪9/3/1421‬هي‬
‫محمد بن عبدالله الهبدان‬
‫غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين‬

‫‪1‬‬
‫الزهد لحمد ص ‪149‬و ‪. 155‬‬ ‫)(‬
‫‪2‬‬
‫أخرجه ‪ :‬الترمذي )‪. (2308‬‬ ‫)(‬
‫‪3‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 160‬‬ ‫)(‬
‫‪4‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 163-162‬‬ ‫)(‬
‫‪5‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 227‬‬ ‫)(‬
‫‪6‬‬
‫أخرجه ‪ :‬أحمد في الزهد ص ‪. 230‬‬ ‫)(‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬
‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪65‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫فهرس الموضوعات‬
‫ي مقدمة الكتاب‬
‫ي بيان سبب تأليف الكتاب‬
‫ي بيان أن الله لم ينيزل داء إل وأنزل له دواء‬
‫ي هل لمرض الشهوة علج ؟‬
‫ي علج مرض الشهوة‬
‫ي التدابير العملية الواقية من مرض الشهوة‬
‫ي بين سلطان الشهوة وسلطان العقل واليمان‬
‫ي الطريق النفع للوصول إلى السعادة‬
‫ي عشق الصور وأضراره‬
‫ي عظم داء العشق وأقسام أصحابه‬
‫ي علج العشق‬
‫ي مقامات العاشق ومراحل العشق‬
‫ي ألوان الظلم التي يسببها العشق‬
‫ي التدابير العملية التي تقي من الصابة بداء العشق‬
‫ي العشق بين المنافع والمضار‬
‫ي أنواع المحبة ‪.‬‬
‫ي أعظم أنواع المحبة وأنفعها هي محبة الله تعالى‬
‫ي نعيم القلب والروح تبع لكمال المحبوب وكمال المحبة‬
‫ي أنواع لذات الدنيا‬
‫ي بعض أنواع المحبة التي فيها منافع العشق ومزاياه‬
‫ي ل تثريب في حب النساء إن كان بالوجه الشرعي‬
‫ي أقسام عشق النساء‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬
‫‪66‬‬ ‫المنتقى الشافي من الجواب الكافي‬

‫بيان أن خبر ‪ " :‬من عشق فعف ‪ "..‬موضوع‬ ‫ي‬


‫عظيم مفسدة اللواط وشدة فحشه‬ ‫ي‬
‫بيان عقوبة اللوطي‬ ‫ي‬
‫توبة اللوطي هل تقبل ؟‬ ‫ي‬
‫حرمة الزنى‬ ‫ي‬
‫عظيم مفسدة الزنى‬ ‫ي‬
‫التشديد والتشنيع في حد الزنى وأسبابه‬ ‫ي‬
‫آثار الذنوب والمعاصي‬ ‫ي‬
‫آثار المعاصي على العبد في دينه ودنياه وآخرته‬ ‫ي‬
‫العقوبات الشرعية موعظة لمن لم يتعظ بالقدرية‬ ‫ي‬
‫سوء الخاتمة وخشية الصالحين منها‬ ‫ي‬
‫ترتيب الله تعالى الخير والشر على أسباب‬ ‫ي‬
‫أسباب سعادة النسان وفلحه‬ ‫ي‬
‫شدة عقابه جل شأنه لمن أجترئ عليه بالمعاصي‬ ‫ي‬
‫اغترار العبد بإنعام الله عليه وهو مقيم على معصيته‬ ‫ي‬
‫الركون إلى الدنيا والغترار بعاجل نعيمها‬ ‫ي‬
‫كيف يجتمع التفريط مع تيقن الحساب ؟‬ ‫ي‬
‫بين أماني المفرطين ورجاء الصحابة والصالحين‬ ‫ي‬
‫الفهرس‬ ‫ي‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬محمد بن عبد الله الهبدان‬


‫‪www.alhabdan.islamlight.net‬‬