Você está na página 1de 9

‫عبودية الشهوات‬

‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬والصلة والسلم على رسول الله‪ ،‬وعلى آله‬
‫وصحبه ومن واله إلى يوم الدين‪ .‬وبعد‪:‬‬
‫فهذه جملة قواعد ومسائل مـسـتفادة من كلم أهل العلم في موضوع‬
‫العبودية لله ‪ -‬تعالى ‪ -‬فإن جميع الرسل ‪ -‬عليهم اللة والسلم ‪ -‬من أولهم‬
‫دوا‬
‫عبــ ُ‬ ‫إلى آخرهم دعوا إلى عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬وحده ل شريك له‪)) :‬ا ْ‬
‫ه(( ]العراف‪ [59 :‬كما أن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬قد‬ ‫ن إل َهٍ غ َي ُْر ُ‬ ‫م ْ‬ ‫كم ّ‬ ‫ما َلــ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫الل ّ َ‬
‫جعل العبودية وصفا ً لكمل خلقه وأقربهم إليه وهم النبياء والملئكة فقال ‪-‬‬
‫ن‬‫قّرُبو َ‬ ‫م َ‬ ‫ملئ ِك َ ُ‬
‫ة ال ُ‬ ‫ن ع َْبدا ً ل ّل ّهِ َول ال َ‬ ‫كو َ‬ ‫ح َأن ي َ ُ‬ ‫سي ُ‬ ‫م ِ‬ ‫ف ال َ‬ ‫سَتنك ِ َ‬ ‫سبحانه‪َ)) :‬لن ي َ ْ‬
‫ميعًا(( ]النساء‪:‬‬ ‫م إل َي ْهِ َ‬
‫ج ِ‬ ‫شُرهُ ْ‬ ‫ح ُ‬ ‫سي َ ْ‬‫ست َك ْب ِْر فَ َ‬
‫عَباد َت ِهِ وَي َ ْ‬
‫ن ِ‬ ‫ف عَ ْ‬ ‫سَتنك ِ ْ‬ ‫من ي َ ْ‬ ‫وَ َ‬
‫‪.[172‬‬
‫ووصف الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬أكرم خلقه عليه وأعلهم عنده منزلة ‪ -‬بالعبودية في‬
‫ن ع ََلى ع َب ْد ِ ِ‬
‫ه‬ ‫فْرَقا َ‬ ‫ل ال ُ‬ ‫ذي ن َّز َ‬ ‫ك ال َ ِ‬ ‫أشرف مقاماته‪ ،‬فقال ‪ -‬تعالى‪)) :‬ت ََباَر َ‬
‫ذي‬ ‫ن ال َ ِ‬ ‫حا َ‬‫سب ْ َ‬‫ذيرًا(( ]الفرقان‪ ،[1 :‬وقال ‪ -‬سبحانه‪ُ )) :‬‬ ‫ن نَ ِ‬ ‫مي َ‬ ‫ن ل ِل َْعال َ ِ‬‫كو َ‬ ‫ل ِي َ ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫حوْل َ ُ‬
‫ه‬ ‫ذي َباَرك َْنا َ‬ ‫صا ال َ ِ‬‫جد ِ القْ َ‬ ‫س ِ‬‫م ْ‬ ‫حَرام ِ إَلى ال َ‬ ‫جد ِ ال َ‬ ‫س ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ن ال َ‬ ‫م َ‬ ‫سَرى ب ِعَب ْد ِهِ ل َي ْل ً ّ‬ ‫أ ْ‬
‫صيُر(( ]السراء‪.[1 :‬‬ ‫ميعُ الب َ ِ‬ ‫س ِ‬ ‫ه هُوَ ال ّ‬ ‫ن آَيات َِنا إن ّ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫ه ِ‬ ‫ل ِن ُرِي َ ُ‬
‫وجعل النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬إحسان العبودية أعلى مراتب الدين‪،‬‬
‫وهو الحسان‪ ،‬فقال في حديث جبريل ‪ -‬وقد سأله عن الحسان‪) :‬أن تعبد‬
‫الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك( أخرجه مسلم‪.1‬‬
‫يمكن أن نخلص ‪ -‬من خلل هذه المقدمة ‪ -‬إلى قاعدة‪ ،‬وهي‪ :‬أن كمال‬
‫المخلوق في تحقيق عبوديته لله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬فأكرم ما يكون العبد عند الله ‪-‬‬
‫تعالى ‪ -‬عندما يكون أعظم عبادة وخضوعا ً لله ‪ -‬عز وجل‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪ -‬رحمه الله‪) :‬كمال المخلوق في تحقيق‬
‫عبوديته لله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬وكلما ازداد العبد تحقيقا ً للعبودية ازداد كماله وعلت‬
‫درجته(‪.2‬‬
‫ويقول في موضع آخر‪) :‬والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا ً إليه‬
‫وخضوعا ً له‪ ،‬كان أقرب إليه‪ ،‬وأعّز له‪ ،‬وأعظم لقدره‪ ،‬فأسعد الخلق‪:‬‬
‫ج إلى من شئت تكن‬ ‫أعظمهم عبودية لله‪ ،‬وأما المخلوق فكما قيل‪ :‬احت ْ‬
‫أسيره‪ ،‬واستغن عمن شئت تكن نظيره‪ ،‬وأحسن إلى من شئت تكن‬
‫أميره‪ .‬فأعظم ما يكون العبد قدرا ً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم‬
‫بوجه من الوجوه‪ ،‬فإن أحسنت إليهم مع الستغناء عنهم‪ ،‬كنت أعظم ما‬
‫يكون عندهم‪ ،‬ومتى احتجت إليهم ‪ -‬ولو في شربة ماء ‪ -‬نقص قدرك‬
‫عندهـم بقدر حاجتك إليهم‪ ،‬وهذا من حكمة الله ورحمته‪ ،‬ليكون الدين كله‬
‫لله ول ُيشَرك به شيء(‪.3‬‬
‫وها هنا قاعدة أخرى‪ ،‬وهي أن حاجة النسان وضرورته إلى عبادة الله ‪-‬‬
‫تعالى ‪ -‬فوق كل حاجة وضرورة‪.‬‬
‫انظر‪ :‬العبودية لبن تيمية‪ ،‬ص ‪ 40‬ـ ‪ ،43‬ومدارج السالكين ‪ 1/101‬ـ ‪.103‬‬ ‫‪1‬‬

‫العبودية‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫‪2‬‬

‫مجموع الفتاوى‪.1/39 ،‬‬ ‫‪3‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫يقول ابن تيمية ‪ -‬في هذا الصدد‪) :‬اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله‬
‫ل يشرك به شيئًا‪ ،‬ليس له نظير فيقاس به‪ ،‬لكن يشبه من بعض الوجوه‬
‫حاجة الجسد إلى الطعام والشراب‪ ،‬وبينهما فروق كثيرة‪.‬‬
‫فإن حقيقة العبد قلبه وروحه‪ ،‬وهي ل صلح لها إل بإلهها‪ ،‬الله الذي ل إله‬
‫إل هو فل تطمئن في الدنيا إل بذكره‪ ،‬وهي كادحة إليه كدحا ً فملقيته‪ ،‬ول‬
‫بد لها من لقائه‪ ،‬ول صلح لها إل بلقائه‪.‬‬
‫ذات أو سرور بغير الله فل يدوم ذلك‪ ،‬بل ينتقل من نوع‬ ‫ولو حصل للعبد ل ّ‬
‫إلى نوع‪ ،‬ومن شخص إلى شخص‪ ،‬وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به‬
‫والتذ به غير منعم له ول ملتذ به‪ ،‬بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه‪،‬‬
‫ويضره ذلك‪ .‬وأما إلهه فل بد له منه في كل حال وكل وقت‪ ،‬وأينما كان‬
‫فهو معه‪.4(...‬‬
‫ويقول ابن القيم ‪ -‬مقررا ً تلك الحاجة‪) :‬اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد‬
‫الله وحده ل يشرك به شيئا ً في محبته‪ ،‬ول في خوفه‪ ،‬ول في رجائه‪ ،‬ول‬
‫في التوكل عليه‪ ،‬ول في العمل له‪ ،‬ول في الحلف به‪ ،‬ول في النذر له‪ ،‬ول‬
‫في الخضوع له‪ ،‬ول في التذلل والتعظيم‪ ،‬والسجود والتقرب‪ ،‬أعظم من‬
‫حاجة الجسد إلى روحه‪ ،‬والعين إلى نورها‪ ،‬بل ليس لهذه الحاجة نظير‬
‫تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه‪ ،‬ول صلح لها إل بإلهها الذي ل إله‬
‫إل هو‪ ،‬فل تطمئن في الدنيا إل بذكره‪ ..‬ول صلح لها إل بمحبتها وعبوديتها‬
‫له‪ ،‬ورضاه وإكرامه لها(‪.5‬‬
‫ة‪ :‬من الذ ّ‬
‫ل‪ ،‬يقال‪ :‬بعير معّبد‪ ،‬أي‬ ‫وأما عن تعريف العبادة‪ ،‬فالعبادة لغ ً‬
‫مذلل‪.‬‬
‫وعت أقوال العلماء في تعريف العبادة‪:‬‬ ‫وقد تن ّ‬
‫فقال ابن جرير‪) :‬معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة‪ ،‬والتذلل له‬
‫‪7‬‬ ‫‪6‬‬
‫سر ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬العبادة بالتوحيد ‪.‬‬ ‫بالستكانة( ‪ ،‬وف ّ‬
‫وقال القاضي أبو يعلى‪) :‬حقيقة العبادة هي الفعال الواقعة لله ‪ -‬عز وجل‬
‫‪ -‬على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد(‪.8‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية‪) :‬العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله‬
‫ويرضاه من القوال والعمال الظاهرة والباطنة(‪.9‬‬
‫صل ابن القيم التعريف السابق بقوله‪) :‬وبنى )إياك نعبد( على أربع‬ ‫وف ّ‬
‫قواعد‪ :‬التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب‪،‬‬
‫وعمل القلب والجوارح‪ .‬فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الربع‪،‬‬
‫فأصحاب )إياك نعبد( حقا ً هم أصحابها‪ ،‬فقول القلب‪ :‬هو اعتقاد ما أخبر‬

‫مجموع الفتاوى‪ ،25 ،1/24 ،‬وانظر مجموع الفتاوى‪.28/32 ،‬‬ ‫‪4‬‬

‫طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫‪5‬‬

‫تفسير ابن جرير‪.1/160 ،‬‬ ‫‪6‬‬

‫انظر تفسير ابن جرير‪.1/160 ،‬‬ ‫‪7‬‬

‫المعتمد في أصول الدين‪ ،‬ص ‪.103‬‬ ‫‪8‬‬

‫العبودية‪ ،‬ص ‪.38‬‬ ‫‪9‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫الله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬به عن نفسه‪ ،‬وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملئكته ولقائه‬
‫على لسان رسله‪.‬‬
‫ب عنه وتبين بطلن‬ ‫وقول اللسان‪ :‬الخبار عنه بذلك‪ ،‬والدعوة إليه والذ ّ‬
‫البدع المخالفة له‪ ،‬والقيام بذكر وتبليغ أوامره‪.‬‬
‫وعمل القلب‪ :‬كالمحبة له‪ ،‬والتوكل عليه‪ ،‬والنابة إليه‪ ،‬والخوف منه‪،‬‬
‫والرجاء له‪ ،‬وإخلص الدين له‪ ،‬والصبر على أوامره‪ ،‬وعن نواهيه‪ ،‬وعلى‬
‫أقداره‪ ،‬وغير ذلك من أعمال القلوب‪.‬‬
‫وأعمال الجوارح‪ :‬كالصلة والجهاد‪ ،‬ومساعدة العاجز والحسان إلى الخلق‪،‬‬
‫ونحو ذلك(‪.10‬‬
‫طراد عرفي ول اقتضاء‬ ‫وقال بعضهم‪) :‬العبادة ما أمر به شرعا ً من غير ا ّ‬
‫عقلي(‪.11‬‬
‫وبالنظر إلى هذه التعريفات المتعددة نرى أن الخلف بينها يكاد أن يكون‬
‫من خلف التنوع؛ وذلك أن العبادة قائمة على أصلين كبيرين‪ ،‬وهما‪ :‬غاية‬
‫ب وكماله‪ .‬فعّرف ابن جرير وأبو يعلى العبادة‬ ‫الخضوع وكماله‪ ،‬وغاية الح ّ‬
‫بالخضوع ‪ -‬والسلف قد يعّرفون الشيء ببعض أفراده ‪ -‬ومرادهم بالخضوع‬
‫‪ -‬ها هنا ‪ -‬ما كان مقترنا ً بالمحبة والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى‬
‫في قوله‪) :‬نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع( فنهاية الخضوع وكماله ل‬
‫تتحقق إل بالمحبة والتعظيم‪.‬‬
‫وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عّرفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار‬
‫ب‪ ..‬ولذا يقول ابن تيمية‪) :‬فأصل المحبة‬ ‫أن العبادة هي أعلى مراتب الح ّ‬
‫خلقَ لجلها‪ ،‬هي ما في عبادته وحده ل‬ ‫المحمودة التي أمر الله بها‪ ،‬و َ‬
‫‪12‬‬
‫شريك له؛ إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل( ‪.‬‬
‫وأما تعريف ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬للعبادة بالتوحيد‪ ،‬فهو اعتبار‬
‫العبادة المقبولة‪ ،‬فل تقبل العبادة عند الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬إل بتحقيق التوحيد‪،‬‬
‫وأما العبادة من حيث هي فهي أعم من كونها توحيدا ً عاما ً مطلقًا‪ ،‬فكل‬
‫موحد عابد لله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬وليس كل من عبد الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬يكون موحدا ً‪.13‬‬
‫طراد عرفي ول اقتضاء‬ ‫وأما من عّرف العبادة بما أمر به شرعا ً من غير ا ّ‬
‫عقلي‪ ،‬فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها‪ ،‬فل تخضع العبادة‬
‫لطراد العرف‪ ،‬بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف‪ ،‬كما أن العبادة ل‬
‫تخضع لقتضاء العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محّيرة‬
‫للعقول‪ .14‬والله أعلم‪.‬‬

‫مدارج السالكين‪ 101 ،1/100 ،‬باختصار يسير‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫مجموعة التوحيد )رسالة في تعريف العبادة لبي بطين(‪ ،‬ص ‪.400‬‬ ‫‪11‬‬

‫قاعدة في المحبة )ضمن جامع الرسائل(‪ ،2/196 ،‬وانظر مدارج السالكين‪.3/28 ،‬‬ ‫‪12‬‬

‫انظر مجموعة التوحيد‪ ،‬ص ‪.401‬‬ ‫‪13‬‬

‫مد َْركة حكمتها للعقول‪.‬‬


‫أي غير ُ‬ ‫‪14‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫ب‬
‫ب الخلي عن ذل‪ ،‬والذل الخلي عن ح ّ‬ ‫ومن قواعد هذا الموضوع‪ :‬أن الح ّ‬
‫ب وغايته‪ ،‬وكمال‬ ‫ل يكون عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال المرين‪ :‬كمال الح ّ‬
‫ل وغايته‪.‬‬ ‫الذ ّ‬
‫يقول ابن تيمية‪) :‬من خضع لنسان مع بغضه له ل يكون عابدا ً له‪ ،‬ولو أح ّ‬
‫ب‬
‫ب الرجل ولده وصديقه‪،‬‬ ‫شيئا ً ولم يخضع له لم يكن عابدا ً له‪ ،‬كما قد يح ّ‬
‫ولهذا ل يكفي أحدهما في عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬بل يجب أن يكون الله‬
‫ب إلى العبد من كل شيء‪ ،‬وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء‪،‬‬ ‫أح ّ‬
‫‪15‬‬
‫بل ل يستحق المحبة والخضوع التام إل الله( ‪.‬‬
‫ويقول ابن القّيم‪) :‬والعبادة تجمع أصلين‪ :‬غاية الحب بغاية الذل والخضوع؛‬
‫فمن أحببته ولم تكن خاضعا ً له‪ ،‬لم تكن عابدا ً له‪ ،‬ومن خضعت له بل‬
‫محبة‪ ،‬لم تكن عابدا ً له‪ ،‬حتى تكون محبا ً خاضعًا( ‪.16‬‬
‫ومن القواعد أيضًا‪ :‬كل من استكبر عن عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬فل بد أن يعبد‬
‫غيره‪.‬‬
‫يقرر ابن تيمية ذلك بقوله‪) :‬الستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم‬
‫استكبارا ً عن عبادة الله‪ ،‬كان أعظم إشراكا ً بالله؛ لنه كلما استكبر عن‬
‫عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬ازداد فقرا ً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو‬
‫المقصود(‪.‬‬
‫فل بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته‪ ،‬فمن لم يكن الله‬
‫معبوده ومنتهى حبه من إرادته‪ ،‬بل استكبر عن ذلك‪ ،‬فل بد أن يكون له‬
‫مراد محبوب يستعبده غير الله‪ ،‬فيكون عبدا ً لذلك المراد المحبوب‪ :‬إما‬
‫المال‪ ،‬وإما الجاه‪ ،‬وإما الصور‪ ،‬وإما ما يتخذه إلها ً من دون الله(‪.17‬‬
‫ويقول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬في موضع آخر ‪) :‬وهكذا أهل البدع ل تجد‬
‫أحدا ً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إل وقع في بدعة‪ ،‬ول‬
‫تجد صاحب بدعة إل ترك شيئا ً من السنة‪ ،‬كما جاء في الحديث‪) :‬ما ابتدع‬
‫قوم بدعة إل تركوا من السنة مثلها(‪ 18‬رواه المام أحمد‪.‬‬
‫َ‬
‫داوَةَ‬ ‫م العَ َ‬‫ما ذ ُك ُّروا ب ِهِ فَأغ َْري َْنا ب َي ْن َهُ ُ‬ ‫حظا ً ّ‬
‫م ّ‬ ‫سوا َ‬ ‫وقد قال ‪ -‬تعالى‪)) :‬فَن َ ُ‬
‫ضاَء(( ]المائدة‪ ،[14 :‬فلما تركوا حظا ً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره‪،‬‬ ‫َوال ْب َغْ َ‬
‫من‬‫كم ّ‬ ‫ما ُأنزِ َ‬
‫ل إل َي ْ ُ‬ ‫فوقعت بينهم العداوة والبغضاء‪ ،‬وقال تعالى‪)) :‬ات ّب ُِعوا َ‬
‫َ‬
‫ن(( ]العراف‪ [3 :‬فأمر باتباع‬ ‫ما ت َذ َك ُّرو َ‬
‫دون ِهِ أوْل َِياَء قَِليل ً ّ‬
‫من ُ‬ ‫م َول ت َت ّب ُِعوا ِ‬ ‫ّرب ّك ُ ْ‬
‫ما أنزل‪ ،‬ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه‪ ،‬فمن لم يتبع‬
‫أحدهما اتبع الخر‪.‬‬

‫‪ 15‬العبودية‪ ،‬ص ‪ ،44‬وانظر مجموع الفتاوى‪.56 ،10/19 ،‬‬


‫‪ 16‬مدارج السالكين‪.1/74 ،‬‬
‫‪ 17‬العبودية‪ ،‬ص ‪ 112‬ـ ‪1114‬؛ بتصرف وتقديم‪.‬‬
‫‪ 18‬أخرجه أحمد‪ ،4/105 ،‬ولفظه )ما أحدث قوم بدعة إل رفع مثلها من السنة(‪.‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫وكذلك من لم يفعل المأمور‪ ،‬فعل بعض المحظور‪ ،‬ومن فعل المحظور‪ ،‬لم‬
‫يفعل جميع المأمور‪ ،‬فل يمكن لنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله‬
‫لبعض ما حظر‪ ،‬ول يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر(‪.19‬‬
‫ويقول ابن القيم ‪ -‬رحمه الله ‪) :‬كل من أعرض عن شيء من الحق‬
‫وجحده‪ ،‬وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ول بد‪،‬‬
‫حتى في العمال‪ ،‬فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتله الله بالعمل‬
‫لوجوه الخلق‪ ،‬فرغب عن العمل لمن ضّره ونفعه وموته وحياته وسعادته‬
‫بيده‪ ،‬فابتلي بالعمل لمن ل يملك له شيئا ً من ذلك‪ ،‬وكذلك من رغب عن‬
‫إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم‪ ،‬وكذلك من‬
‫د‪ ،‬وكذلك من رغب‬ ‫رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ول ب ّ‬
‫‪20‬‬
‫عن الهدى بالوحي‪ ،‬ابتلي بكناسة الراء وزبالة الذهان ووسخ الفكار( ‪.‬‬
‫ل‪) :‬لما كان من‬‫لمة عبد الرحمن السعدي هذه القاعدة قائ ً‬ ‫ويؤكد الع ّ‬
‫العوائد القدسية والحكمة اللهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن النتفاع به‬
‫ولم ينتفع‪ ،‬ابتلي بالشتغال بما يضره‪ ،‬فمن ترك عبادة الرحمن‪ ،‬ابتلي‬
‫بعبادة الوثان‪ ،‬ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه‪ ،‬ابتلي بمحبة غير الله‬
‫وخوفه ورجائه‪ ،‬ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة‬
‫ل لربه‪ ،‬ابتلي بالذل للعبيد‪ ،‬ومن ترك الحق ابتلي‬ ‫الشيطان‪ ،‬ومن ترك الذ ّ‬
‫بالباطل(‪.21‬‬
‫ومن أجل مسائل هذا الموضوع‪ :‬العبودية الباطنة والقيام بعبودية القلب؛‬
‫فإن أعمال القلب أفرض على العبد من أعمال الجوارح‪ ،‬وعبودية القلب‬
‫أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم‪ ،‬فهي واجبة في كل وقت‪.22‬‬
‫وقد غفل الكثير من المسلمين عن فقه هذه العبادات وتحقيقها‪ ،‬وكان‬
‫لشتغالهم بالرسوم والمظاهر‪ ،‬وتأثرهم بالنزعة الرجائية الكلمية أبلغ الثر‬
‫في إهمال أعمال القلوب وعبوديتها‪ ،‬فما أكثر من اسُتعبد قلبه لغير الله ‪-‬‬
‫ب المال‪ ،‬وطائفة صار‬ ‫تعالى ‪ -‬من الشهوات والملذات‪ ،‬فطائفة أشربت ح ّ‬
‫همها وشغلها المنصب والوظيفة والرياسة‪ ،‬وطائفة ثالثة تعلقت قلوبها‬
‫بالنساء‪ ،‬وطائفة أخرى صار مقصودها سفاسف المور من مطعوم أو‬
‫ملبوس أو مركوب‪ ،‬أو )كرة( أو عبث ولهو‪ ،‬أو )فن(‪....‬‬
‫مه ومقصوده المال‪ ،‬فل‬ ‫فعبد المال قد صار الدرهم والدينار هجّيراه؛ فه ّ‬
‫يصبح ول يمسي إل وهمه المال‪ ،‬فمن أجله يوالي ويعادي‪ ،‬فإن أعطي‬
‫رضي‪ ،‬وإن منع سخط‪.‬‬
‫لقد تحدث علماء السلف ‪ -‬رحمهم الله ‪ -‬عن عبودية القلب‪ ،‬فكان حديثا ً‬
‫عن علم وبصيرة وذوق وتحقيق‪.‬‬
‫‪ 19‬مجموع الفتاوى )اليمان( ‪174 ،7/173‬؛ باختصار‪ .‬وانظر اقتضاء الصراط المستقيم‪،‬‬
‫‪ ،2/617‬ومجموع الفتاوى‪.29/329 ،‬‬
‫‪ 20‬مدارج السالكين‪ ،1/165 ،‬وانظر الفوائد‪ ،‬ص ‪.27‬‬
‫‪ 21‬تفسير السعدي‪.1/18 ،‬‬
‫‪ 22‬انظر بدائع الفوائد لبن القيم‪.3/230 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫طره يراع شيخ السلم ابن تيمية إذ يقول‪) :‬إذا كان القلب‬ ‫ومن ذلك ما س ّ‬
‫‪ -‬الذي هو ملك الجسم ‪ -‬رقيقا ً مستعبدًا‪ ،‬متيما ً لغير الله‪ ،‬فهذا هو الذل‬
‫سر المحض‪ ،‬والعبودية الذليلة لما استعبد القلب‪.‬‬ ‫وال ْ‬
‫وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب‪ ..‬فمن‬
‫اسُتعبد قلبه فصار عبدا ً لغير الله‪ ،‬فهذا يضره ذلك‪ ،‬ولو كان في الظاهر‬
‫ملك الناس‪.‬‬
‫فالحرية حرية القلب‪ ،‬والعبودية عبودية القلب‪ ،‬كما أن الغنى غنى النفس‪،‬‬
‫قال النبي‪) :‬ليس الغنى عن كثرة العرض‪ ،‬وإنما الغنى غنى النفس( أخرجه‬
‫الشيخان‪.‬‬
‫وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة‪ ،‬فأما من استعبد قلبه‬
‫صورة محرمة‪ :‬امرأة‪ ،‬أو صبي؛ فهذا هو العذاب الذي ل يدانيه عذاب(‪.23‬‬
‫ويقرر ابن القيم هذه العبودية بقوله‪) :‬النابة هي عكوف القلب على الله ‪-‬‬
‫عز وجل ‪ ،-‬كاعتكاف البدن في المسجد ل يفارقه‪ ،‬وحقيقة ذلك عكوف‬
‫القلب على محبته وذكره بالجلل والتعظيم‪ ،‬وعكوف الجوارح على طاعته‬
‫بالخلص له والمتابعة لرسوله‪ ،‬ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف‬
‫ماِثي ُ‬
‫ل‬ ‫ما هَذ ِهِ الت ّ َ‬
‫على التماثيل المتنوعة‪ ،‬كما قال إمام الحنفاء لقومه‪َ )) :‬‬
‫م ل ََها َ‬ ‫َ‬
‫ن(( ]النبياء‪ [52 :‬فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف‪،‬‬ ‫فو َ‬
‫عاك ِ ُ‬ ‫ال َِتي أنت ُ ْ‬
‫ب‬‫فكان حظ قومه العكوف على التماثيل‪ ،‬وكان حظه العكوف على الر ّ‬
‫الجليل‪ .‬والتماثيل جمع تمثال‪ ،‬وهي الصور الممثلة‪ ،‬فتعلق القلب بغير الله‬
‫واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه‪ ،‬وهو‬
‫نظير العكوف على تماثيل الصنام‪ ،‬ولهذا كان شرك عباد الصنام بالعكوف‬
‫بقلوبهم وهمهم وإراداتهم على تماثيلهم‪ ،‬فإذا كان في القلب تماثيل قد‬
‫ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا ً عليها فهو نظير عكوف الصنام عليها‪،‬‬
‫ولهذا سماه النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عبدا ً لها‪ ،‬ودعا عليه بالتعس‬
‫والنكس‪ ،‬فقال‪) :‬تعس عبد الدينار‪ ،‬تعس عبد الدرهم‪ .‬تعس وانتكس‪ ،‬وإذا‬
‫شيك فل انتقش ‪.2524‬‬
‫وبسط ابن القيم الحديث عن أرباب عبودية القلب وأحوالهم فكان مما‬
‫قال‪) :‬وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلت قلوبهم من معرفة الله‪ ،‬وغمرت‬
‫بمحبته وخشيته وإجلله ومراقبته‪ ،‬فسَرت المحبة في أجزائهم فلم يبق‬
‫ب‪ ،‬قد أنساهم حّبه ذكر غيره‪،‬‬ ‫فيها عرق ول مفصل إل وقد دخله الح ّ‬
‫ب من سواه‪ ،‬وبذكره‬ ‫وأوحشهم أنسهم به ممن سواه‪ ،‬فدنفوا بحبه عن ح ّ‬
‫عن ذكر من سواه‪ ،‬وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه‪ ،‬والتوكل عليه‬
‫والنابة إليه‪ ،‬والسكون إليه والتذلل والنكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم‬
‫العبودية‪ ،‬ص ‪ ،97 ،96‬باختصار يسير‪ .‬وانظر‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫‪23‬‬

‫‪ 24‬أخرجه البخاري في الجهاد والسير حديث ‪ 2887‬والترمذي في الزهد ‪ ،2375‬وابن‬


‫ماجة في الزهد ‪.4136‬‬
‫‪ 25‬الفوائد‪ ،‬ص ‪.186‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫بغيره‪ ،‬فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه‬
‫مه عليه متذكرا ً صفاته العلى وأسمائه الحسنى‪ ،‬مشاهدا ً‬ ‫وموله‪ ،‬واجتمع ه ّ‬
‫له في أسمائه وصفاته‪ ،‬قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته‬
‫ومحبته‪ ،‬فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه‪ ،‬وقلبه قد أوى إلى‬
‫موله وحبيبه فآواه إليه‪ ،‬وأسجده بين يديه خاضعا ً ذليل ً منكسرا ً من كل‬
‫جهة من جهاته‪ .‬فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة‪ ،‬ل يرفع رأسه منها‬
‫إلى يوم اللقاء‪ ،‬وقيل لبعض العارفين‪ :‬أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال‪:‬‬
‫إي والله‪ ،‬بسجدة ل يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة(‪.26‬‬
‫ل‪) :‬إن تحقق القلب بمعنى ل إله إل‬ ‫ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائ ً‬
‫الله وصدقه فيها‪ ،‬وإخلصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأّله الله وحده‪ ،‬إجل ً‬
‫ل‪،‬‬
‫ل‪ ،‬ويمتلئ بذلك‪ ،‬وينتفي عنه‬ ‫وهيبة‪ ،‬ومخافة‪ ،‬ومحبة‪ ،‬ورجاء‪ ،‬وتعظيمًا‪ ،‬وتوك ً‬
‫تأله ما سواه من المخلوقين‪ ،‬ومتى كان كذلك‪ ،‬لم يبق فيه محبة‪ ،‬ول‬
‫إرادة‪ ،‬ول طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه‪ ،‬وينتفي بذلك من القلب‬
‫ب شيئا ً‬
‫جميع أهواء النفوس وإراداتها‪ ،‬ووساوس الشيطان‪ ،‬فمن أح ّ‬
‫ب عليه وأبغض عليه فهو إلهه‪ ،‬فمن كان ل يحب ول يبغض إل‬ ‫وأطاعة‪ ،‬وأح ّ‬
‫ب لهواه‪ ،‬وأبغض‬ ‫ً‬
‫لله‪ ،‬ول يوالي ول يعادي إل له‪ ،‬فالله إلهه حقا‪ ،‬ومن أح ّ‬
‫لهواه‪ ،‬ووالى عليه‪ ،‬وعادى عليه‪ ،‬فإلهه هواه(‪.27‬‬
‫طره الصحابي الجليل أبو عبد‬ ‫ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي س ّ‬
‫الرحمن عبد الله ابن عمر ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬حيث باع حمارا ً له‪ ،‬فقيل‬
‫له‪ :‬لو أمسكته! فقال‪ :‬لقد كان لنا موافقًا‪ ،‬ولكنه أذهب بشعبة من قلبي‪،‬‬
‫فكرهت أن أشغل قلبي بشيء‪.28‬‬
‫فما أتم عبادة ابن عمر لله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬وما أكمل توحيده وعكوف قلبه على‬
‫الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬فهو لما رأى التفاتا ً تجاه هذا الحمار‪ ،‬بادر إلى بيعه‬
‫والتخلص منه مع كونه موافقا ً له‪ ..‬فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من‬
‫تفّرق قلبه في أودية الدنيا وملذاتها‪ ،‬فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال‪،‬‬
‫أو امرأة‪ ،‬أو منصب ووظيفة‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬
‫ل قواعد هذا الموضوع‪ :‬أن عبودية الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬ملئمة لحقيقة‬ ‫ومن أج ّ‬
‫جب ِّلته‪ ،‬ومستوعبة لمقاصده وأعماله‪.‬‬ ‫النسان و ِ‬
‫وقد ورد في الحديث عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قوله‪) :‬أصدق‬
‫مام(‪ 29‬فكل إنسان همام أي مريد ومفكر‪ ،‬وكل همام‬ ‫السماء حارث وه ّ‬
‫حارث أي صاحب عمل وكسب وسعي‪ ،‬وعبودية الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬مناسبة‬
‫للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة النسان وحقيقته‪ ،‬وتستوعب كل نشاطه‬
‫وحركته هما ً وحرثا ً‪.30‬‬
‫طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪ ،207 ،206‬وانظر‪ ،‬ص ‪.305‬‬ ‫‪26‬‬

‫جامع العلوم والحكم‪.1/524 ،‬‬ ‫‪27‬‬

‫أخرجه ابن المبارك في الزهد‪ ،‬ص ‪.195‬‬ ‫‪28‬‬

‫أخرجه أحمد‪ ،4/345 ،‬وأبو داود والنسائي‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫انظر ظاهرة الرجاء‪.1/124 ،‬‬ ‫‪30‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫كد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله‪) :‬العبد‬ ‫وقد أ ّ‬
‫مجبول على أن يقصد شيئا ً ويريده‪ ،‬ويستعين بشيء ويعتمد عليه في‬
‫تحصيل مراده؛ وهذا أمر حتم لزم ضروري في حق كل إنسان(‪.‬‬
‫فإذا تدبر النسان حال نفسه وحال جميع الناس‪ ،‬وجدهم ل ينفكون عن‬
‫هذين المرين‪ :‬ل بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها‪ ،‬وهو‬
‫إلهها‪ ،‬ول بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو‬
‫مستعانها‪ ،‬سواءا ً كان ذلك هو الله أو غيره‪ ،‬وإذا كان فقد يكون عاما ً وهو‬
‫الكفر‪ ،‬كمن عبد غير الله مطلقًا‪ ،‬وسأل غير الله مطلقًا‪ ..‬وقد يكون خاصا ً‬
‫ب شخص‪ ،‬أو حب‬ ‫ب المال‪ ،‬أو ح ّ‬‫في المسلمين مثل من غلب عليه ح ّ‬
‫الرياسة حتى صار عبد ذلك‪.31‬‬
‫ونختم هذه المقالة بمسألة جليلة‪ :‬وهي أن فقه أسماء الله ‪ -‬تعالى ‪-‬‬
‫وصفاته‪ ،‬والتعّبد لله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬بها من أعظم أسباب تحقيق عبودية الله ‪-‬‬
‫تعالى‪.‬‬
‫يقول العز بن عبد السلم‪) :‬فهم معاني أسماء الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬وسيلة إلى‬
‫معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك‬
‫من ثمرات معرفة الصفات(‪.32‬‬
‫ي ابن القيم ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬بتقرير هذه المسألة في أكثر من كتاب‪،‬‬ ‫وع ُن ِ َ‬
‫ة هي من موجباتها ومقتضـيـاتـها‪،‬‬ ‫ومن ذلك قوله‪) :‬لكل صفة عبودية خاص ٌ‬
‫مطرِد ٌ في جميع‬‫ّ‬ ‫أعني‪ :‬من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها؛ وهذا ُ‬
‫ب بالضر‬ ‫أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الر ّ‬
‫والنفع والعطاء والمنع‪ ،‬والخلــق والرزق والحياء والماتة يثمر له عبودية‬
‫التوكل عليه باطنًا‪ ،‬ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا‪ ،‬وعلمه بسمعه ‪ -‬تعالى ‪-‬‬
‫وبصره وعلمه أنه ل يخفى عليه مثقال ذرة‪ ،‬وأنه يعلم السّر ويـعـلـم‬
‫خــائـنــة العين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه‬
‫وخطرات قلبه عن كل ما ل يرضــي الله‪ ..‬ومعرفته بجلل الله وعظمته‬
‫وعزه تثمر له الخضوع والستكانة والمحبة‪ ...‬فرجعـت العبودية كلها إلى‬
‫مقتضى السماء والصفات(‪.33‬‬
‫ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ‪ -‬رحمه الله ‪ -‬هذه المسألة بقوله‪:‬‬
‫)وأما توحيد الصفات‪ ،‬فل يستقيم توحيد الربوبية ول توحيد اللوهية إل‬
‫بالقرار بالصفات(‪.34‬‬
‫بل ويثبت الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن أصول العبادة الثلثة‪) :‬الحب‪،‬‬
‫والرجاء‪ ،‬والخوف( من ثمرات ولوازم التعبد بأسماء الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬وصفاته‪،‬‬
‫فيقول‪) :‬أركان الدين‪ :‬الحب‪ ،‬والرجاء‪ ،‬والخوف؛ فالحب في الولى‪ :‬وهي‬

‫شجرة المعارف والحوال‪ ،‬ص ‪ ،17‬وانظر الفوائد‪ ،‬ص ‪ 63‬ـ ‪.64‬‬ ‫‪31‬‬

‫شجرة المعارف الفوائد‪ ،‬ص ‪ 63‬ـ ‪.64‬والحوال‪ ،‬ص ‪ ،17‬وانظر‬ ‫‪32‬‬

‫مفتاح دار السعادة‪ ،2/90 ،‬باختصار‪.‬‬ ‫‪33‬‬

‫مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب‪) ،‬الفتاوى(‪.3/42 ،‬‬ ‫‪34‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬
‫عبودية الشهوات‬
‫)الحمد لله رب العالمين(‪ ،‬والرجاء في الثانية‪ :‬وهي )الرحمن الرحيم(‪،‬‬
‫والخوف في الثالثة‪ :‬وهي )مالك يوم الدين(‪.35‬‬
‫نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا وسائر إخواننا على ذكره‬
‫وشكره وحسن عبادته‬

‫تاريخ ابن غنام‪.2/360 ،‬‬ ‫‪35‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ ‪ /‬د ‪ .‬عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف‬
‫‪www.alabdullatif.islamlight.net‬‬