Você está na página 1de 47

‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪1‬‬

‫العــبوديــة‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬

‫تأليف‬
‫فضيلة الشيخ الدكتور‬
‫عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬

‫شبكة نور السلم‬


‫‪www.islamlight.net‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪2‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬


‫‪ -1‬التعبد بأسماء الله تعالى وصفاته‬
‫الحمد لله رب العالمين‪ ،‬الرحمن الرحـيـم‪ ،‬مالك يوم الدين‪ ،‬والصلة والسلم‬
‫على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه ومن تبعهم‬
‫بإحسان إلى يوم الدين‪.‬‬
‫ل المقاصد وأنفع العلوم‪ :‬العلم بمعاني أسماء الله )عز وج ّ‬
‫ل(‬ ‫وبعد‪ :‬إن أج ّ‬
‫الحسنى وصفاته العل‪ ،‬فإن التعّرف على الله )تعالى( من خلل أسمائه وصفاته‬
‫يحقق العلم الصحيح بفاطر الرض والسماوات‪ ،‬والعلم بأسماء الله وصفاته‬
‫يستلزم عبادة الله )تعالى( ومحبته وخشيته‪ ،‬ويوجب تعظيمه وإجلله‪.‬‬
‫ومع أهمية هذا الجانب وجللة قدره‪ ،‬إل أن ثمة غفلة عنه‪ ،‬فنلحظ التقصير في‬
‫فقه أسماء الله وصفاته‪ ،‬وإهمال التعّبد والدعاء بها‪ ،‬وضـعـف اللـتـفــات إلى ما‬
‫تقتضيه هذه السماء الحسنى من الثار والثمرات‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪3‬‬

‫وسأتحـدث ـ مستعينـا ً بالله )تعالى( ـ عن هذا الموضوع من خلل ما‬


‫يلي‪:‬‬
‫تظهـر أهميـة هـذا الموضـوع عبر اليـات القرآنية المتعددة التي تحض على‬
‫ك ل ّي َد ّب ُّروا‬
‫مَباَر ٌ‬ ‫ب َأنَزل َْناه ُ إل َي ْ َ‬
‫ك ُ‬ ‫كتـا ٌ‬ ‫تدبر القرآن الـكـريــــم؛ كما قال )سبحانه(‪ِ )) :‬‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫م الـقـــــرآن مـن ل يفهمه‪ ،‬فقال‬ ‫ب(( ]ص‪ ،[29 :‬وذ ّ‬ ‫آَيات ِهِ وَل ِي َت َذ َك َّر أوُْلوا الل َْبا ِ‬
‫ديثًا(( ] النساء‪ ،[78 :‬ول شك‬ ‫ح ِ‬ ‫ن َ‬ ‫قُهو َ‬ ‫ف َ‬
‫ن يَ ْ‬
‫دو َ‬ ‫قوْم ِ ل ي َ َ‬
‫كا ُ‬ ‫ؤلِء ال َ‬ ‫ل هَ ُ‬‫ما ِ‬ ‫)تعالى(‪)) :‬فَ َ‬
‫أن فقه أسماء الله )تعالى( وصفاته يدخل في ذلك دخول ً أولي ًّا‪.‬‬
‫ـ كما أن عبادة الله )تعالى( ومعرفته آكد الـفــرائض‪ ،‬ول يتحقق هذا إل بمعرفة‬
‫أسماء الله وصفاته‪.‬‬
‫يقـول قــوام السنـة الصفهاني )ت ‪ 535‬هـ(‪:‬‬
‫) وقال بعض العلماء‪ :‬أول فرض فرضه الله على خلقه‪ :‬معرفته‪ ،‬فإذا عرفه‬
‫الناس عبدوه‪ ،‬قال الله )تعالى(‪َ)) :‬فاع ْل َ َ‬
‫ه(( ]محمد‪ ،[19 :‬فينبغي‬ ‫ه إل ّ الل ّ ُ‬ ‫ه ل إل َ َ‬‫م أن ّ ُ‬‫ْ‬
‫للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته‪ ،‬ولو أراد‬
‫ل‪ :‬طلب أن يعرف اسمه وكنيته‪ ،‬واسم أبيه وجده‪ ،‬وسأل عن‬ ‫رجل أن يعامل رج ً‬
‫صغير أمره وكبيره‪ ،‬فالله الذي خلقنا ورزقنا‪،‬ونـحــن نرجو رحمته ونخاف من‬
‫سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها(‪.1‬‬
‫ـ وفقه أسماء الله تعالى وصفاته يوجب تحقيق اليمان والعبادة لله وحده‪،‬‬
‫ب والتوكل وسائر العبادات‪ ،‬كما بّين ذلك أهل‬ ‫وإفراده سبحانه )بالقصد والح ّ‬
‫العلم‪.‬‬
‫ولذا يقـول العز بن عبد السـلم‪) :‬فهـم معاني أسمـاء اللـه تعالى وسيلة إلى‬
‫معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من‬
‫ثمرات معرفة الصفات(‪.2‬‬
‫ويقول أيضًا‪) :‬ذكُر الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة‪ ،‬وبأوصاف الكمال موجب‬
‫وحد بالفعال موجب للتوكل‪ ،‬وبسعة الرحمة موجب للرجاء‪ ،‬وبشدة‬ ‫للمهابة‪ ،‬وبالت ّ‬
‫النقمة موجب للخوف‪ ،‬وبالتفّرد بالنعام موجب للشكر‪ ،‬ولذلك قال سبحانه‪:‬‬
‫كرا ً ك َِثيرًا(( [الحزاب‪]41:‬‬ ‫ه ذِ ْ‬ ‫))اذ ْك ُُروا الل ّ َ‬
‫ويقـول ابن القيـم ـ في هـذا الصدد ـ‪:‬‬
‫) ل يستقر للعبد قدم فـي المعرفــة بل ول في اليمان حتى يؤمن بصفات الّرب‬
‫ل جلله ‪ ،‬ويعرفها معرفة تخرج عن حد ّ الجهل بربه‪ ،‬فاليمان بالصفات وتعّرفها‬ ‫ج ّ‬

‫‪ 1‬الحجة في بيان المحجة‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪.122‬‬


‫‪ 2‬شجرة المعارف والحوال‪ ،‬ص ‪.1‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪4‬‬

‫هو أساس السلم‪ ،‬وقاعدة اليمان‪ ،‬وثمرة شجرة الحسان‪ ،‬فضل ً عن أن يكون‬
‫من أهل العرفان‪.3(...‬‬
‫ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي‪:‬‬
‫) إن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته وخشيته ورجائه وإخلص العمل له‪ ،‬وهذا‬
‫عين سعادة العبد‪ ،‬ول سبيل إلى معرفة الله إل بمعرفة أسمائه وصفاته‪ ،‬والتفقه‬
‫في فهم معانيها‪..‬‬
‫ب الذي يؤمن به‪ ،‬ويبذل جهده في معرفة أسمائه‬ ‫بل حقيقة اليمان أن يعرف الر ّ‬
‫وصفاته‪ ،‬حتى يبلغ درجة اليقين‪.‬‬
‫وبحسب معرفته بربه‪ ،‬يكون إيمانه‪ ،‬فكلما ازداد معرفة بربه‪ ،‬ازداد إيمانه‪ ،‬وكلما‬
‫نقص نقص‪ ،‬وأقرب طريق يوصله إلى ذلك‪ :‬تدبر صفاته وأسمائه من القرآن(‪.4‬‬
‫والمقصود بالتعبد بأسماء الله )تعالى( وصفاتـه‪ :‬تحقيـق العلـم بهـا ابتداًء‪ ،‬وفقه‬
‫معاني أسمائه وصفاته‪ ،‬وأن يعمل بها‪ ،‬فيتصف بالصفات التي يحبها الله )تعالى(‪:‬‬
‫كالعلم‪ ،‬والعدل‪ ،‬والصبر‪ ،‬والرحمة‪ ..‬ونحو ذلك‪ ،‬وينتهي عن الصفات التي يكرهها‬
‫الله )تعالى( من عبيده مما ينافي عبوديتهم لله )تعالى(‪ ،‬كالصفات التي ل يصح‬
‫للمخلوق أن يتصف بها كالكبر والجبروت‪ ...‬فيجب على العبد ـ إزاءها ـ القرار بها‬
‫والخضوع لها‪.‬‬
‫َ‬
‫ماُء‬
‫س َ‬‫ومن العمل بها‪ :‬أن يدعو الله )تعالى( بها؛ كما قال سبحانه ‪)) :‬وَل ِل ّهِ ال ْ‬
‫عوه ُ ب َِها(( ]العراف‪ ،[180 :‬كما أن من العمل بها‪ :‬تعظيمها وإجللها‪،‬‬ ‫سَنى َفاد ْ ُ‬
‫ح ْ‬
‫ال ُ‬
‫وتحقيق ما تقتضيه من فِْعل المأمورات وترك المحظورات‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية‪) :‬إن من أسماء الله تعالى وصفاته ما ُيحمد العبد على التصاف‬
‫به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك‪ ،‬ومنها ما يذم العبد على التصاف به‬
‫كاللهية والتجبر والتكبر‪ ،‬وللعبد من الصفات التي ُيحمد عليها ويؤمر بها ما يمنع‬
‫ب به كالعبودية والفتقار والحاجة والذل والسؤال ونحو ذلك(‪.5‬‬ ‫اتصاف الر ّ‬
‫ب الخلق إليه من‬ ‫ب أسماءه وصفاته كان أح ّ‬ ‫وقال ابن القيم‪) :‬لما كان سبحانه يح ّ‬
‫اتصف بالصفات التي يحبها‪ ،‬وأبغضهم إليه‪ :‬من اتصف بالصفات التي يكرهها‪،‬‬
‫فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت؛ لن اتصافه بها ظلـم‪ ،‬إذ ل‬
‫تليق به هذه الصفات ول تحسن منه؛ لمنافاتها لصفات العبيد‪ ،‬وخروج من اتصف‬
‫ده‪ ،‬وهذا خلف‬ ‫بها من ربقة العبودية‪ ،‬ومفارقته لمنصبه ومرتبته‪ ،‬وتعديه طوره وح ّ‬
‫ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والحسان والصبر والشكر‪ ،‬فإنها ل‬

‫‪ 3‬مدارج السالكين‪ ،‬جـ ‪ ،3‬ص ‪.347‬‬


‫‪ 4‬تفسير السعدي‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪.24‬‬
‫‪ 5‬الصفدية‪ ،‬جـ ‪ ،2‬ص ‪.338‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪5‬‬

‫تنافي العبودية‪ ،‬بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته‪ ،‬إذ المتصف بها من العبيد‬
‫لم يتعد طوره‪ ،‬ولم يخرج بها من دائرة العبودية(‪.6‬‬
‫وقال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث ) لله تسعة وتسعـون اسما ً ‪ -‬مائة إل‬
‫واحدا ً ‪ -‬من أحصاها دخل الجنة(‪:7‬‬
‫ل‪ ،‬سّلم جميع أوامره‪،‬‬ ‫) وقيل‪ :‬معنى أحصاها‪ :‬عمل بها‪ ،‬فإذا قال‪) :‬الحكيم(‪ ،‬مث ً‬
‫لن جميعها على مقتضى الحكمة‪ ،‬وإذا قال‪) :‬القدوس(‪ ،‬استحضر كونه منزها ً عن‬
‫طال‪ :‬طريق العمل‬ ‫جميع النقائص‪ ،‬وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل‪ .‬وقال ابن ب ّ‬
‫بها‪ :‬أن الذي يسـوغ القتـداء بـه فيها كالرحيم والكريم‪ :‬فإن الله يحب أن يرى‬
‫حلها على عبده‪ ،‬فليمًرن العبد نفسه على أن يصح له التصاف بها‪ ،‬وما كان‬
‫يختص باللـه )تعالى( كالجبار والعظيم فيجب على العبد القرار بها‪ ،‬والخضوع لها‪،‬‬
‫وعدم التحلي بصفة منها‪ ،‬وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة‪،‬‬
‫وما كان فيه معنى الوعيد‪ :‬نقف منه عند الخشية والرهبة(‪.8‬‬
‫ومما يستحق تقريره ‪ -‬هاهنا ‪ -‬أن تلزما ً وثيقا ً بين إثبات السماء والصفات لله‬
‫ققَ العبد أسماء الله وصفاته‬ ‫تعالى وبين توحيد الله تعالى بأفعال العباد‪ ،‬فكلما ح ّ‬
‫ل‪ ،‬كلما كان أعظم وأكمل توحيدًا‪ ،‬وفي المقابل فإن هناك تلزما ً وطيدا ً‬ ‫علما ً وعم ً‬
‫بين إنكار السماء أو الصفات وبين الشرك‪.‬‬
‫يقول ابن القيم ـ في تقرير هذا التلزم ـ‪) :‬كل شرك في العالم فأصله التعطيل‪،‬‬
‫فإنه لول تعطيل كماله ـ أو بعضه ـ وظن السوء به‪ ،‬لما أشرك به‪ ،‬كما قال إمـام‬
‫كم‬‫ما ظ َن ّ ُ‬
‫ن )‪ (86‬فَ َ‬
‫دو َ‬ ‫ن الّلـهِ ت ُ ِ‬
‫ري ُ‬ ‫دو َ‬
‫ة ُ‬ ‫الحنفــاء وأهـل التوحيد لقومه‪)) :‬أ َئ ِ ْ‬
‫فكا ً آل َِهـ ً‬
‫ن(( ]الصافات‪ [87 ،86 :‬أي‪ :‬فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم‬ ‫ب الَعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫ب َِر ّ‬
‫معه غيره؟‪ ،‬وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى‬
‫الشركاء والعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج‬
‫إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟‪ ،‬أم ظننتم أنه ل يقدر وحده على استقلله‬
‫س فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على‬ ‫بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قا ٍ‬
‫عباده؟‪ ...‬والمقصود أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه‪ ،‬فل تجد معطل ً إل وشركه‬
‫ل ومستكثٌر(‪.9‬‬ ‫على حسب تعطيله‪ ،‬فمستق ّ‬
‫ونورد أمثلة في توضيح هذا التلزم والصلة بين توحيد العبادة وتوحيد السماء‬
‫والصفات‪.‬‬

‫‪ 6‬طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪.129‬‬


‫‪ 7‬أخرجه البخاري‪ :‬كتاب التوحيد‪ ،‬باب ‪ ،12‬وكتاب الشروط‪ ،‬باب ‪ ،18‬وكتاب الدعوات‪ ،‬باب ‪.68‬‬
‫‪ 8‬فتح الباري‪ ،‬جـ ‪ ،11‬ص ‪.229‬‬
‫‪ 9‬مدارج السالكين‪ ،‬جـ ‪ ،3‬ص ‪ ،347‬باختصار‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪6‬‬

‫ـ فالدعاء ـ مثل ً ـ هو آكد العبادات وأعظمها‪ ,‬فالدعاء هو العبادة كما أخبر‬


‫المصطفى صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وهو ل ينفك عن إثبات وفقه أسماء الله‬
‫)تعالى( وصفاته‪.‬‬
‫ويشير ابن عقيل إلى هذه الصلة بقوله‪) :‬قد ندب الله تعالى إلى الدعاء‪ ،‬وفي‬
‫ن‪:‬‬
‫ذلك معا ٍ‬
‫أحدها‪ :‬الوجود‪ ،‬فإن من ليس بموجود ل ُيدعى‪.‬‬
‫الثاني‪ :‬الغنى‪ ،‬فإن الفقير ل ُيدعى‪.‬‬
‫الثالث‪ :‬السمع‪ ،‬فإن الصم ل ُيدعى‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬الكرم‪ ،‬فإن البخيل ل ُيدعى‪.‬‬
‫الخامس‪ :‬الرحمة‪ ،‬فإن القاسي ل ُيدعى‪.‬‬
‫‪10‬‬
‫السادس‪ :‬القــدرة‪ ،‬فإن العاجـــز ل ُيدعى( ‪.‬‬
‫والتوكل على الله تعالى وحده شرط في اليمان‪ ،‬وأج ّ‬
‫ل العبادات القلبية‪ ،‬ول‬
‫يتحقق التوكل إل بمعرفة أسماء الله تعالى وصفاته‪.‬‬
‫ب وصفاته من‬ ‫وقد وضح ذلك ابن القيم بقوله‪ ):‬ول يتم التوكل إل بمعرفة الر ّ‬
‫قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء المور إلى علمه‪ ،‬وصدورها عن مشيئته وقدرته‪،‬‬
‫قال شيخنا ‪ -‬ابن تيمية ‪) -‬رحمه الله(‪ :‬ولذلك ل يصح التوكل ول يتصور من‬
‫فيلسوف‪ ،‬ول من القدرية النفاة القائلين بأن يكون في ملكه ما ل يشاء‪ ،‬ول‬
‫ل جلله‪ ،‬ول يستقيم التوكل إل‬ ‫بج ّ‬ ‫يستقيم أيضا ً من الجهمية النفاة لصفات الر ّ‬
‫من أهل الثبات‪.‬‬
‫فأي توكل لمن يعتقد أن الله ل يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه‪ ،‬ول هو فاعل‬
‫باختياره‪ ،‬ول له إرادة ومشيئة‪ ،‬ول يقوم به صفة؟ فكل من كان بالله وصفاته أعلم‬
‫وأعرف‪ ،‬كان توكله أصح وأقوى‪ ،‬والله سبحانه وتعالى )أعلم(‪.11‬‬
‫وحسن الظن بالله والثقة به تعالى عبادة جليلة تقوم على فقه أسماء الله‬
‫وصفاته‪ ،‬كالحكمة والقدرة‪ ،..‬كما أن سوء الظن بالله من آثار إنكار أسماء الله‬
‫تعالى وصفاته‪.‬‬
‫يقول ابن القيم‪) :‬وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم‪ ،‬وفيما‬
‫يفعله بغيرهم‪ ،‬ول يسلم من ذلك إل من عرف الله‪ ،‬وأسماءه وصفاته‪ ،‬و موجب‬
‫حكمته وحمده‪.‬‬
‫در وملمة له‪ ...‬وأنه كان ينبغي‬ ‫ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده َتعنتا ً على الق َ‬
‫أن يكون كذا وكذا‪ ،‬فمستقل ومستكثر‪ ،‬وفتش نفسك هل أنت سالم ؟(‪.12‬‬

‫شرح الطحاوية‪ ،‬جـ ‪ ،2‬ص ‪.678‬‬ ‫‪10‬‬

‫‪11‬‬
‫مدارج السالكين‪ ،‬جـ ‪ ،2‬ص ‪.117‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪7‬‬

‫ـ وأشار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى أن أصول العبادة الثلثة‬
‫ب‪ ،‬والرجاء‪ ،‬والخوف( من آثار وثمرات التعبد بأسماء الله وصفاته‪ ،‬فقال ـ‬ ‫)الح ّ‬
‫في مسائل ذكرهـا في تفسيـر سورة الفاتحة ـ‪) :‬أركان الدين‪ :‬الحب‪ ،‬والرجـاء‪،‬‬
‫ن((‪ ،‬والرجاء في‬ ‫ب الَعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫مد ُ ل ِل ّهِ َر ّ‬ ‫والخوف‪ ،‬فالحب في الولى‪ ،‬وهي ))ال ْ َ‬
‫ح ْ‬
‫ك ي َوْم ِ‬
‫مال ِ ِ‬
‫م((‪ ،‬والخوف في الثالثة‪ ،‬وهي )) َ‬ ‫حي ِ‬
‫ن الّر ِ‬
‫حمـ ِ‬‫الثانية‪ ،‬وهي ))الّر ْ‬
‫ن(((‪.13‬‬
‫دي ِ‬
‫ال ّ‬
‫ـ إذا ظهر بهذه المثلة مدى التلزم الوثيق بين صفات الله )تعالى( وما تقتضيه‬
‫من العبادات الظاهرة والباطنة‪ ،‬فيمكن أن نخلص إلى ما حرره ابن القيم بقوله‪:‬‬
‫ة خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها‪ ،‬أعني‪ :‬من موجبات‬ ‫) لكل صفة عبودي ٌ‬
‫العلم بها والتحقيق بمعرفتها‪ ،‬وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على‬
‫القلب والجوارح‪ ،‬فعلم العبد بتفرد الرب )تعالى( بالضّر والنفع‪ ،‬والعطاء والمنع‪،‬‬
‫والخلق والرزق‪ ،‬والحياء والماتة‪ :‬يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا‪ ،‬ولوزام‬
‫التوكل وثمراته ظاهرًا‪ ،‬وعلمه بسمعه )تعالى( وبصره‪ ،‬وعلمه أنه ل يخفى عليه‬
‫مثقال ذرة‪ ،‬وأنه يعلم السر‪ ،‬ويعلم خائنة العين وما ُتخفي الصدور‪ :‬يثمر له حفظ‬
‫لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما ل يرضي الله‪ ،‬وأن يجعل تعلق هذه‬
‫العضاء بما يحبه الله ويرضاه‪ ،‬فيثمر له ذلك‪ :‬الحياء باطنًا‪ ،‬ويثمر له الحياء‬
‫اجتناب المحرمات والقبائح‪ ،‬ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته‬
‫توجب له سعة الرجاء‪ ...‬وكذلك معرفته بجلل الله وعظمته وعزه‪ ،‬تثمر له‬
‫الخضوع والستكانة والمحبة‪ ،‬وتثمر له تلك الحوال الباطنة أنواعا ً من العبودية‬
‫الظاهرة‪ ،‬هي موجباتها‪ ..‬فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى السماء والصفات(‪.14‬‬
‫والتعبد بأسماء الله )تعالى( وصفاته له آثاره الطيبة في حسن الخلق وسلمة‬
‫السلوك‪ ،‬كما أن تعطيل أسماء الله )تعالى( وصفاته ل ينفك عن مساوئ الخلق‬
‫ورديء السلوك‪.‬‬
‫ومثال ذلك‪ :‬أن القدرية النفاة لما كانوا ينفون علم الله تعالى المحيط بكل شيء‪،‬‬
‫خلقه ـ على‬ ‫ويزعمون أن العبد يخلق فعله نفسه‪ ،‬فالخير هو الذي أوجده العبد و َ‬
‫عجبًا‪ ،‬وكما قال أبو‬ ‫حد ّ زعمهم ـ‪ ،‬ودخوله الجنة عوض عمله‪ ،‬فأورثهم ذلك غرورا ً و ُ‬
‫سليمان الداراني‪:‬‬

‫‪12‬‬
‫غْيَر‬
‫ل َ‬
‫ن ِبا ِّ‬
‫ظّنو َ‬
‫زاد المعاد‪ ،‬جـ ‪ ،3‬ص ‪229‬ـ‪ ،235‬بتصرف‪ ،‬وانظر‪ :‬كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب‪ ،‬باب قوله)تعالى(‪َ)) :‬ي ُ‬
‫جاِهِلّيِة((‪.‬‬
‫ظنّ ال َ‬
‫ق َ‬
‫حّ‬
‫ال َ‬
‫‪13‬‬
‫تاريخ ابن غنام‪ ،‬جـ ‪ ،2‬ص ‪.360‬‬
‫‪14‬‬
‫مفتاح دار السعادة‪ ،‬جـ ‪ ،2‬ص ‪ 90‬باختصار‪ ،‬وانظر‪ :‬طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪ ،43‬ومدارج السالكين‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪ ،420‬جـ ‪ ،3‬ص ‪،351‬‬
‫والفوائد‪ ،‬ص ‪.63‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪8‬‬

‫)كيف يعجب عاقل بعمله؟ وإنما يعد ّ العمل نعمة من الله‪ ،‬إنما ينبغي له أن يشكر‬
‫ويتواضع‪ ،‬وإنما يعجب بعمله القدرية(‪.15‬‬
‫ـ والتعبد بأسماء الله )تعالى( وصفاته سبب رئيس في السلمة من الفات‪:‬‬
‫كالحسد‪ ،‬والكبر‪ ،‬كما قال ابن القيم‪) :‬لو عرف رّبه بصفات الكمال ونعوت‬
‫الجلل‪ ،‬لم يتكبر ولم يحسد أحدا ً على ما آتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع‬
‫من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله‪ ،‬ويحب زوالها عنه‬
‫والله يكره ذلك‪ ،‬فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته‪.16(...‬‬
‫ـ والتعبد بأسماء الله )تعالى( وصفاته يثمر الموقف الصحيح تجاه المكروهات‬
‫والمصائب النازلة؛ فإن النسان ظلوم جهول‪ ،‬والله )تعالى( بكل شيء عليم‪ ،‬وهو‬
‫ب ع َل َي ْك ُ ُ‬
‫م‬ ‫دل‪ ،‬ول يظلم )تعالى( أحدًا‪ ،‬قال )سبحانه( ‪)) :‬ك ُت ِ َ‬ ‫مع ْ‬ ‫حك َ ٌ‬‫)سبحانه( َ‬
‫شْيئا ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫حّبوا َ‬ ‫سى أن ت ُ ِ‬ ‫خي ٌْر ل ّك ُ ْ‬
‫م وَع َ َ‬ ‫شْيئا ً وَهُوَ َ‬
‫هوا َ‬ ‫سى أن ت َك َْر ُ‬ ‫م وَع َ َ‬ ‫ل وَهُوَ ك ُْره ٌ ل ّك ُ ْ‬ ‫قَتا ُ‬
‫ال ِ‬
‫َ‬
‫ن(( ]البقرة‪[216 :‬‬ ‫مو َ‬ ‫م ل ت َعْل َ ُ‬ ‫م وَأنت ُ ْ‬ ‫ه ي َعْل َ ُ‬ ‫م َوالل ّ ُ‬ ‫شّر ل ّك ُ ْ‬
‫وَهُوَ َ‬
‫يقول ابن القيم‪) :‬من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينا ً‬
‫أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح‬
‫والمنافع التي ل يحصيها علمه ول فكرته‪ ،‬بل مصلحة العبد فيما كره أعظم منها‬
‫فيما يحب‪.17 (...‬‬
‫ويقول أيضًا‪ ..) :‬فكل ما تراه في الوجود ـ من شر وألم وعقوبة وجدب ونقص‬
‫في نفسك وفي غيرك ـ فهو من قيام الرب )تعالى( بالقسط‪ ،‬وهو عدل الله‬
‫وقسطه‪ ،‬وإن أجـراه على يد ظالم‪ ،‬فالمسلـط له أعدل العادلين‪ ،‬كما قال‬
‫ً‬ ‫)تعالى( لمن أفسد في الرض‪)) :‬بعث ْنا ع َل َيك ُم ِ ً ّ ُ‬
‫سوا‬ ‫جا ُ‬ ‫ديد ٍ فَ َ‬ ‫ش ِ‬ ‫س َ‬ ‫عَبادا لَنا أوِْلي ب َا ٍ‬ ‫ْ ْ‬ ‫ََ َ‬
‫ل الد َّيارِ (( ]السراء‪.18[5 :‬‬ ‫خل َ‬ ‫ِ‬
‫وفي ختام هذه المقالة نسوق أمثلة من أسماء الله )تعالى(‪ ،‬وبيان معانيها وما‬
‫تقتضيه من العبادات‪ ،‬يقول قوام السنة الصفهاني ـ أثناء حديثه عن اسم الله‬
‫)تعالى( )الرزاق( ـ‪:‬‬
‫ع‬
‫س َ‬ ‫) الرزاق‪ :‬المتكفل بالرزق‪ ،‬والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها‪ ،‬وَ ِ‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫الخلقَ كلهم رزُقه‪ ،‬فلم يخص بذلك مؤمنا ً دون كافر‪ ،‬ول ولي ّا ً دون عدو‪ ،‬ويرزق َ‬
‫ن عبد غيره‪ ،‬والغلب من المخلوق أن يرزق فإذا غضب منع‪ ،‬حكي أن‬ ‫م ْ‬ ‫عبده و َ‬
‫جراية لبعض العلماء‪ ،‬فقال‪ :‬ل أريده‪ ،‬أنا في جراية‬ ‫بعض الخلفاء أراد أن يكتب ِ‬
‫َ‬
‫داب ّةٍ ل ّ‬ ‫من َ‬ ‫ي لم يقطع جرايته عني‪ ،‬قال الله )تعالى(‪)) :‬وَك َأّين ّ‬ ‫من إذا غضب عل ّ‬
‫حلية الولياء‪ ،‬لبي نعيم‪ ،‬جـ ‪ ،9‬ص ‪.263‬‬ ‫‪15‬‬

‫الفوائد‪ ،‬ص ‪.150‬‬ ‫‪16‬‬

‫السابق‪ ،‬ص ‪.85‬‬ ‫‪17‬‬

‫‪18‬‬
‫مدارج السالكين‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪.425‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪9‬‬

‫م((]العنكبوت‪ ،[60 :‬والمخلوق إذا رزق‪ ،‬فإنه يفنى‬ ‫ل رِْزقََها الل ّ ُ‬


‫ه ي َْرُزقَُها َوإّياك ُ ْ‬ ‫م ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫تَ ْ‬
‫قطعُ عطـاؤه عمــن أفضـل عليــه‪ ،‬فإن لم يفن ما عنـده فني هـو‬ ‫ما عنده في ُ ْ‬
‫‪19‬‬
‫وانقطع العطاء‪ ،‬وخزائن اللـه ل تنفــد وملكــه ل يزول‪. (..‬‬
‫جا بقوله )تعالى(‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ـ ولما ذكر القرطبي من أسماء الله )تعالى( )الحفيظ( محت ّ‬
‫َ‬
‫م(( ]الشورى‪ ،[6 :‬قال‪) :‬يجب‬ ‫ظ ع َل َي ْهِ ْ‬
‫في ٌ‬
‫ح ِ‬ ‫دون ِهِ أوْل َِياَء الل ّ ُ‬
‫ه َ‬ ‫من ُ‬ ‫ذوا ِ‬ ‫خ ُ‬‫ن ات ّ َ‬ ‫))َوال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الحافظ لجميع الممكنات‪ ،‬وأعظم الحفـــظ‪:‬‬
‫حفــظ القلوب وحراسة الدين عن الكفر والنفاق وأنواع الفتن وفنون الهواء‬
‫مُنوا‬
‫نآ َ‬ ‫ه ال َ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ت الل ّ ُ‬
‫ل عن الطريقة المثلى‪ ،‬قال )تعالى(‪)) :‬ي ُث َب ّ ُ‬ ‫والبدع؛ حتى ل يز ّ‬
‫ة(( ]ابراهيم‪.[27 :‬‬ ‫خَر ِ‬ ‫حَياةِ الد ّْنـَيـــا وَِفي ال ِ‬ ‫ت ِفي ال َ‬ ‫ل الّثاب ِ ِ‬
‫قوْ ِ‬ ‫ِبال ْ َ‬
‫ويجب علينا حفظ حدوده‪ ،‬وحفظ ما وجب علينا من حـقـوقــه‪ ،‬فـيـدخل في ذلك‪:‬‬
‫معرفة اليمان والسـلم وسائر ما يتعّين عليــنا علمه‪.20(..‬‬
‫ومـن إشـــــراقات ابن القّيم التي سطرها أثناء حديثه عن اسمي الله )تعالى(‪:‬‬
‫)الول( و)الخر( ـ مايلي‪:‬‬
‫) من عبد الله )تعالى( باسمه )الول( و )الخــــر( حصــلـت له حقيقـة هـذا‬
‫الفقر ]توجه القلب إلى الله وحده في جميع الحوال[‪ .‬فإن عبـوديـتـه باسمه‬
‫)الول( تقتضي التجرد من مطالعة السباب والوقوف أو اللتفات إليها‪ ،‬وتجريد‬
‫النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته‪ ،‬وأنه هو المبتدئ بالحسان من غير وسيلة‬
‫من العبد‪.‬‬
‫وعبوديته باسمه )الخر( تقتضي أيضا ً عدم ركونه للسـبـاب‪ ،‬فـإنـهـــا تـنـعـدم ل‬
‫محالة وتنقضي بالخرية‪ ،‬ويبقى الدائم الباقي بعدها‪ ،‬فالتعلق بها تعلق بما يعدم‬
‫ويـنـقـضــــي‪ ،‬والتعلق بـالخر( )سبحانه( تعلق بالحي الذي ل يموت ول يزول‪،‬‬
‫فالمتعّلق به حقيق أن ل ينقطع‪ ،‬بخلف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به(‪.21‬‬
‫الحجة في بيان المحجة‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪ ،138‬وانظر‪ :‬السنى للقرطبي‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪.284‬‬ ‫‪19‬‬

‫السنى‪ ،‬شرح أسماء الله الحسنى‪ ،‬جـ ‪ ،1‬ص ‪.311‬‬ ‫‪20‬‬

‫طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪ ،19‬باختصار ‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪10‬‬

‫‪ -2‬الثار السلوكية لتوحيد العبادة‬


‫توحيد العبادة أول واجب على المكلفين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلم وهو الذي خلق ال الخلق لجله‬
‫وشرع الجهاد لقامته وجعل الثواب لمن حققه والعقاب لمن تركه ‪.‬‬
‫وهذا التوحيد هو توحيد ال بأفعال العباد وذلك بأن تصرف جميع أنواع العبادة ل تعالى وحده ل شريك له‬
‫حيُم(‪.22‬‬
‫ن الّر ِ‬
‫حَم ُ‬
‫ل ُهَو الّر ْ‬
‫ل ِإَلَه ِإ ّ‬
‫حٌد ّ‬
‫قال تعالى‪َ ):‬وِإَلـُهُكْم ِإَلٌه َوا ِ‬
‫وهذه المقدمة محل اتفاق بين أهل السنة‪ ،‬فأنت ترى في واقعنا‪ -‬معشر أهل السنة‪ -‬فهمًا لهذا المعنى‬
‫السالف‪ ،‬لكن من الخطاء التي نرتكبها أثناء تعّلم أو تعليم توحيد العبادة عدم اللتفات إلى آثار ولوازم هذا‬
‫التوحيد من سلوك شرعي وخلق إسلمي‪.‬‬
‫سنة يظنون أنهم حققوا هذا التوحيد مع وقوعهم في جملة من السلوكيات‬ ‫فالكثير من إخواننا أهل ال ُ‬
‫والخلق التي تخالف لوازم هذا التوحيد‪ ،‬فيدعي أحدهم أن توحيده في غاية الصحة والكمال‪ ،‬وإن وقع في‬
‫تلك النحرافات والمخالفات‪.‬‬
‫وقد بّين أهل العلم الربانيون وجوب فعل المأمورات وترك المحظورات‪ ،‬وأن ذلك من لوازم التوحيد‬
‫ومقتضياته‪ ،‬وأن الوقوع في فعل المحرمات وترك الواجبات يؤول إلى خلل في التوحيد‪ ,‬فالمعاصي بريد‬
‫الكفر‪.‬‬
‫يقول ابن القيم رحمه ال ‪):‬التوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه‪ ،‬فأدنى شيء يخدشه ويدسنه‬
‫ويؤثر فيه‪ ،‬فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر‪ ،‬و كالمرآة الصافية جدًا أدنى شيء يؤثر فيها‪ ،‬ولهذا‬
‫تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية‪ ،‬فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الثر بضده‪ ،‬وإل استحكم وصار طبعًا‬
‫سر عليه قلعه(‪.23‬‬ ‫يتع ّ‬
‫ويقرر ابن القّيم أن من قوي توحيده فحقق معنى ل إله إل ال؛ فإنه يخلص من الشهوات والشبهات‪،‬‬
‫فيقول‪ ):‬كلما عظم نور هذه الكلمة‪ -‬ل إله إل ال ‪ -‬وأشتّد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته‪،‬‬
‫حتى أنه ربما وصل إلى حال ل يصادف معه شبة ول شهوة ول ذنبًا إل أحرقه‪ ،‬وهذا حال الصادق في‬
‫توحيده‪ ،‬الذي لم يشرك بال شيئًا‪ ،‬فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها‪ ،‬فسماء إيمانه قد‬
‫حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته‪ ،‬فل ينال منها السارق إل على غّرة وغفلة لبد منها للبشر‪ ،‬فإذا‬ ‫ُ‬

‫‪ 22‬سورة البقرة ‪ ,‬الية‪.163:‬‬


‫‪ 23‬الفوائد ص ‪.184‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪11‬‬

‫صل أضعافه بكسبه‪ ،‬فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجن‬ ‫سرق منه استنقذه من سارقه‪ ،‬أو ح ّ‬
‫استيقظ وعلم ما ُ‬
‫‪24‬‬
‫والنس‪ ،‬ليس كمن فتح لهم خزانته ووّلى الباب ظهره( ‪.‬‬
‫وعندما يصر الكثير من المسلمين على فعل المعاصي ظانين أن ذلك ل يخدش توحيدهم‪ ،‬وأنهم لم يشركوا‬
‫بال شيئًا‪ ،‬فإن ابن القيم يقول في الرد على هؤلء ‪-‬أثناء توضيحه لمعنى الحديث القدسي‪): -‬يا ابن آدم‪ ،‬لو‬
‫أتيتني بُقراب الرض خطايا ثم لقيتني ل تشرك بي شيئًا لتيتك بُقرابها مغفرة (‪.25‬‬

‫)اعلم أن هذا النفي العام للشرك‪ -‬أن ل يشرك بال شيئًا ألبتة‪ -‬ل يصدر من ُمصّر على معصية أبدًا‪ ،‬ول‬
‫يمكن مدمن الكبيرة والمصّرعلى الصغيرة أن يصفوا له التوحيد‪ ،‬حتى ل يشرك بال شيئًا‪ .‬هذا من أعظم‬
‫ظ له من أعمال القلوب‪ ،‬بل قلبه كالحجر أو أقسى‪ ،‬يقول‪ :‬وما المانع؟ وما‬ ‫ي لح ّ‬
‫المحال ‪ .‬ول ُيلتفت إلى جدل ّ‬
‫وجه الحالة؟‪.‬‬
‫فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله‪ ،‬واعلم أن الصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير ال‪،‬‬
‫و رجائه لغير ال‪ ،‬وحبه لغير ال‪ ،‬وذله لغير ال‪ ،‬وتوكله على غير ال‪ ،‬ما يصير به منغمسًا في بحار‬
‫ل المعصية لبد أن يقوم بالقلب‬‫الشرك‪ ،‬والحاكم في هذا ما يعلمه النسان من نفسه إن كان له عقل‪ ،‬فإن ذ ّ‬
‫فيورثه خوفًا من غير ال‪ ،‬وذلك شرك‪ ،‬ويورثه محبة لغير ال‪ ،‬واستعانة بغيره في السباب التي توصله إلى‬
‫غرضه‪ ،‬فيكون عمله ل بال ول ل‪ ،‬وهذا حقيقة الشرك(‪.26‬‬

‫ولعل السبب في هذه الفجوة بين التوحيد وبين لوازمه السلوكية والخلقية ما نسلكه في تعلمنا أو تعليمنا‬
‫لهذا الموضوع الجليل من الفصل بين التوحيد وبين لوازمه ومقتضياته بحجة أن هذا علم التوحيد‪ ,‬وتلك‬
‫اللوازم تتعلق بعلم السلوك والخلق ‪ ,‬مما يؤدي إلى عرض التوحيد بعيدًا عن آثاره العملية ومقتضياته‬
‫السلوكية‪.‬‬
‫إن هذا العرض الناقص أورث ‪-‬كما سبق ذكره‪ -‬جملة من الثار السلبية المشاَهدة من التهاون في فعل‬
‫المحرمات وترك الواجبات ‪ ,‬وهذا يذّكرنا بما أورثه مسلك الرجاء في باب اليمان من الجرأة على انتهاك‬
‫المحارم والتعدي على حدود ال تعالى ؛ لن اليمان عند المرجئة هو التصديق ‪ ,‬والعمل خارج مسمى‬
‫اليمان ‪ ,‬ومن ثم يتعين تقرير التلزم بين الباطن والظاهر ‪ ,‬والتوحيد والسلوك ‪ ,‬كما قال المصطفى صلى‬
‫ال عليه وسلم‪ ):‬أل وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر‬
‫الجسد ‪ ,‬أل وهي القلب(‪ , 27‬فل يكون الظاهر مستقيمًا إل مع استقامة الباطن‪.28‬‬
‫كما أن إهمال تلك الجوانب العملية وإغفالها صّير هذا التوحيد مجرد جوانب معرفية فقط ‪ ,‬مع أن توحيد‬
‫العبادة هو توحيد الرادة والطلب ‪ ,‬فهو تعلق القلب بال تعالى ‪ ,‬ومحبة ال تعالى وإجلله وتعظيمه ‪ ,‬فالله‬
‫هو الذي تألهه القلوب محبة وخضوعًَا وخوفًَا ورجاًء‪.‬‬
‫‪ 24‬مدارج السالكين ‪ , 1/330‬وانظر جامع العلوم والحكم لبن رجب ‪ , 1/524‬وكلمت الخلص لبن رجب ص ‪.26 -19‬‬
‫‪ 25‬أخرجه أحمد ‪ , 154 /5‬والترمذي )‪ ,(3534‬والدرامي )‪. (2791‬‬
‫‪ 26‬مدارج السالكين ‪.327 , 1/326‬‬
‫‪ 27‬أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬
‫‪ 28‬انظر ‪ :‬مجموع الفتاوى لبن ‪ ،7/645 ،18/272‬الصفهانية ص ‪.142‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪12‬‬

‫فكما أن اليمان ليس تصديقًا فحسب ‪ ,‬فكذا التوحيد ليس توحيدًا خبريًا علميًا فحسب ‪ ,‬فالواجب أن نحقق‬
‫التوحيد العملي – توحيد العبادة – بلوازمه ومقتضياته‪.‬‬
‫وبعد هذه التوطئة المهمة أذكر جملة من الثار السلوكية والتي تعد من لوازم توحيد العبادة‬
‫ومقتضياته ‪ ,‬وللقارئ الكّيس أن ُيعنى بها ‪ ,‬فإن كانت متحققة في واقعه فهذا هو المقصود ‪ ,‬وإن كانت‬
‫الخرى فعليه بالمجاهدة وصدق النابة إلى ال تعالى‪.‬‬

‫فمن الثار السلوكية لهذا التوحيد‪ :‬العفاف والطهاة من الفواحش والقاذورات‪.‬‬


‫يقول شيخ السلم ابن تيمية في هذا المقام‪ ) :‬ولهذا لما كان يوسف عليه الصلة والسلم محبًا ل تعالى‬
‫عَباِدَنا‬
‫ن ِ‬‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬‫حَ‬‫سوَء َواْلَف ْ‬ ‫عْنُه ال ّ‬‫ف َ‬ ‫صِر َ‬ ‫ك ِلَن ْ‬‫ل بذلك ‪ ,‬بل قال تعالى‪َ) :‬كَذِل َ‬ ‫مخلصًا له الدين لم ُيْبت َ‬
‫ن(‪ .29‬وأما امرأة العزيز فكانت مشركة هي وقومها ‪ ,‬فلهذا ابتليت بالعشق ‪ ,‬وما يبتلى بالعشق أحد‬ ‫صي َ‬ ‫خَل ِ‬
‫اْلُم ْ‬
‫‪30‬‬
‫إل لنقص توحيده وإيمانه ‪ ,‬وإل فالقلب المنيب إلى ال تعالى يصرف عن العشق( ‪.‬‬
‫ويقول العلمة عبد الرحمن السعدي‪:‬‬
‫) من دخل اليمان قلبه ‪ ,‬وكان مخلصًا ل في جميع أموره فإن ال يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلصه ‪,‬‬
‫من أنواع السوء والفحشاء ‪ ,‬وأسباب المعاصي ‪ ,‬ما هو جزاء ليمانه وإخلصه ‪ ,‬لقوله تعالى‪َ) :‬وَهّم ِبَها َلْول‬
‫ن( على قراءة من قرأها‬ ‫صي َ‬
‫خَل ِ‬ ‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬‫ن ِ‬ ‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬‫حَ‬ ‫سوَء َواْلَف ْ‬ ‫عْنُه ال ّ‬‫ف َ‬‫صِر َ‬ ‫ك ِلَن ْ‬
‫ن َرّبِه َكَذِل َ‬
‫َأن ّرَأى ُبْرَها َ‬
‫بكسر اللم‪ .31‬ومن قرأها بالفتح ‪ ,‬فإنه من إخلص ال إياه ‪ ,‬وهو متضّمن لخلصه هو بنفسه ‪ ,‬فلما أخلص‬
‫عمله ل ‪ ,‬أخلصه ال ‪ ,‬وخلصه من السوء والفحشاء(‪.32‬‬
‫يقول ابن القيم في هذا الصدد‪) :‬أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلثة ‪ :‬تعلق القلب بغير ال ‪,‬‬
‫وطاعة القوة الغضبية ‪ ,‬والقوة الشهوانية ‪ ,‬وهي الشرك والظلم والفواحش ‪ . .‬ولهذا جمع ال بين الثلثة في‬
‫ن(‪ 33‬وهذه الثلثة‬ ‫ل َيْزُنو َ‬
‫ق َو َ‬‫حّ‬ ‫ل ِباْل َ‬‫ل ِإ ّ‬
‫حّرَم ا ُّ‬ ‫س اّلِتي َ‬ ‫ن الّنْف َ‬ ‫ل َيْقُتُلو َ‬
‫خَر َو َ‬‫ل ِإَلهًا آ َ‬
‫ن َمَع ا ِّ‬‫عو َ‬ ‫ل َيْد ُ‬
‫ن َ‬‫قوله‪َ) :‬واّلِذي َ‬
‫يدعو بعضها إلى بعض ‪ ,‬فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش ‪ ,‬كما أن الخلص والتوحيد يصرفهما عن‬
‫ن(‪ 34‬فالسوء العشق ‪,‬‬ ‫صي َ‬‫خَل ِ‬‫عَباِدَنا اْلُم ْ‬
‫ن ِ‬ ‫شاء ِإّنُه ِم ْ‬ ‫حَ‬‫سوَء َواْلَف ْ‬ ‫عْنُه ال ّ‬
‫ف َ‬ ‫صِر َ‬‫ك ِلَن ْ‬ ‫صاحبه ‪ ,‬قال تعالى ‪َ) :‬كَذِل َ‬
‫والفحشاء الزنا ‪ . .‬ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيدًا وأعظم شركاً كان أكثر فاحشة وأعظم تعلقًا بالصور‬
‫وعشقًا لها(‪.35‬‬

‫سورة يوسف الية ‪.24:‬‬ ‫‪29‬‬

‫مجموع الفتاوى ‪ , 10/135‬وانظر ‪.597 – 10/593 :‬‬ ‫‪30‬‬

‫وهي قراءة ثابتة مشهورة ‪ .‬انظر‪ :‬تفسير الطبري ‪,12/191‬و تفسير ابن الجوزي ‪.4/210‬‬ ‫‪31‬‬

‫تفسير السعدي ‪.4/72‬‬ ‫‪32‬‬

‫سورة الفرقان‪ ,‬الية ‪.68:‬‬ ‫‪33‬‬

‫سورة يوسف‪ ,‬الية ‪.24:‬‬ ‫‪34‬‬

‫الفوائد ص ‪ 75 ,74‬باختصار‪.‬‬ ‫‪35‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪13‬‬

‫وقد أشار الحسن البصري رحمه ال إلى هذا التلزم ‪ ,‬فقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته ‪ :‬ما أعددت‬
‫لهذا اليوم؟ قال الفرزدق ‪ :‬شهادة أن ل اله إل ال منذ ستين سنة ‪ ,‬قال الحسن ‪ :‬نعم العدة ‪ ,‬لكن لـ )ل اله إل‬
‫ال ( شروطًا ‪ ,‬فإياك وقذف المحصنة‪.36‬‬
‫ولما سئل الجنيد رحمه ال ‪ :‬بم يستعان على غض البصر؟ فقال‪) :‬بعلمك أن نظر ال إليك أسبق من نظرك‬
‫‪37‬‬
‫إليه(‬
‫ومن الجوانب السلوكية الناشئة عن هذا التوحيد ‪ :‬سلمة الصدر من الغل والحسد ‪ ,‬كما في حديث‬
‫ب حامل فقه غير فقيه ‪ ,‬ور ّ‬
‫ب‬ ‫ضر ال امرءًا سمع مقالتي فبّلغها ‪ ,‬فُر ّ‬ ‫المصطفى صلى ال عليه وسلم ‪) :‬ن ّ‬
‫ل عليهن قلب امرئ مسلم ‪ :‬إخلص العمل ل ‪ ,‬والنصح لئمة‬ ‫حامل فقه إلى من هو أفقه منه ‪ .‬ثلث ليغ ّ‬
‫المسلمين ‪ ,‬ولزوم جماعتهم (‪.38‬‬
‫ل والحسد‪.39‬‬ ‫سك طُهر قلبه من الغ ّ‬‫فهذه الخلل يصتصلح بها القلوب فمن تم ّ‬
‫وفي المقابل فإن التوحيد سبب في دفع شر الحساد وأذاهم ‪ ,‬وكما قال ابن القّيم‪) :‬فإذا جّرد التوحيد فقد خرج‬
‫من قلبه خوف ماسواه ‪ ,‬وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع ال ‪ ,‬بل يفرد ال بالمخافة وقد أمنه منه ‪,‬‬
‫ل به عن‬ ‫ل واشتغا ً‬‫وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه ‪ ,‬وتجرد ل محبة وخشية وإنابة وتوك ً‬
‫غيره ‪ ,‬فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده ‪ ,‬وإل فلو جرد توحيده‬
‫لكان له فيه شغل شاغل ‪ ,‬وال يتولى حفظه والدفاع انه ‪ ,‬فإنه ال يدافع عن الذين آمنوا(‪.40‬‬
‫وكما قيل ‪ ) :‬من أحب ال لم يكن شيء عنده آثر من رضاه ‪ ,‬ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من‬
‫هوى نفسه(‪.41‬‬
‫إن من تعّلق قلبه بال وحده ‪ ,‬وصارت غايته مرضاة ربه تعالى ‪ ,‬وكانت الخرة همه ‪ ,‬فإنه يسلم من داء‬
‫ب الدنيا ‪ ,‬فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين ‪ ,‬وأما الخرة فل ضيق‬ ‫الحسد ‪ ,‬فإن منشأ الحسد ح ّ‬
‫فيها‪...42‬‬
‫ومن الثار السلوكية للتوحيد‪ :‬الشجاعة والقدام ‪ ,‬فكلما زاد وعظم توحيد ال تعالى في نفس العبد ‪ ,‬كلما‬
‫زاد شجاعة وإقدامًا‪ .‬ولما كان الخليلن – نبينا محمد صلى ال عليه وسلم ‪ ,‬وإبراهيم عليه السلم – أعظَم‬
‫الناس توحيدًا ‪ ,‬فكان في غاية الشجاة والقدام ‪.‬‬
‫فعن أنس بن مالك رضي ال عنه قال‪ :‬كان رسول ال صلى ال عليه وسلم أحسن الناس ‪ ,‬وكان أجود‬
‫الناس ‪ ,‬وكان أشجع الناس ‪ ,‬ولقد فزع الناس ذات ليلة ‪ ,‬فانطلق ناس قبل الصوت ‪ ,‬فتلّقاهم رسول ال صلى‬

‫‪ 36‬انظر‪ :‬آداب حسن البصري لبن الجوزي ص ‪ ,48‬وكلمة الخلص لبن رجب ص ‪. 10‬‬
‫‪ 37‬انظر‪ :‬كلمة الخلص لبن رجب ص ‪. 46‬‬
‫‪ 38‬أخرجه أحمد ‪ ,5/183‬والترمذي )‪ ,(2658‬وابن ماجه )‪ , (243‬انظر مرويات هذا الحديث في كتاب دراسة حديث ) نضر ال امرءًا سمع‬
‫مقالتي( رواية ودراية لعبدالمحسن العّباد ‪.‬‬
‫‪ 39‬انظر ‪ :‬مدارج السالكين ‪ , 2/90‬ودراسة حديث ) نضر ال امرءًا سمع مقالتي( لعبدالمحسن العّباد ص ‪.191‬‬
‫‪ 40‬بدائع الفوائد ‪ , 2/274‬وانظر ‪. 2/269‬‬
‫‪ 41‬انظر كلمة الخلص لبن رجب ص ‪.32‬‬
‫‪ 42‬مختصر منهاج القاصدين لحمد بن قدامة ص ‪.188‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪14‬‬

‫عرى ‪ ,‬في عنقه السيف ‪ ,‬وهو‬ ‫ال عليه وسلم راجعًا ‪ ,‬وقد سبقهم إلى الصوت ‪ ,‬وهو على فرس لبي طلحة ُ‬
‫يقول‪) :‬لم تراعوا ‪ ,‬لم تراعوا(‪.43‬‬
‫ف ّلُكْم‬‫حسبك من شجاعة إبراهيم الخليل عليه السلم أنه تحدى النمرود ‪ ,‬وكسر أصنام قومه ‪ ,‬وقال لهم ‪ُ ):‬أ ّ‬
‫‪44‬‬
‫ل(‬
‫ن ا ِّ‬‫ن ِمن ُدو ِ‬ ‫َوِلَما َتْعُبُدو َ‬
‫عَلْيُكْم‬
‫ل ِبِه َ‬
‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬‫شَرْكُتم ِبا ّ‬ ‫ن َأّنُكْم َأ ْ‬
‫خاُفو َ‬‫ل َت َ‬
‫شَرْكُتْم َو َ‬ ‫ف َما َأ ْ‬‫خا ُ‬ ‫ف َأ َ‬‫وقال لمناظريه من المشركين ‪َ) :‬وَكْي َ‬
‫‪45‬‬
‫ن( ‪.‬‬ ‫ن ِإن ُكنُتْم َتْعَلُمو َ‬ ‫لْم ِ‬‫ق ِبا َ‬
‫حّ‬ ‫ن َأ َ‬
‫ي اْلَفِريَقْي ِ‬
‫طانًا َفَأ ّ‬
‫سْل َ‬‫ُ‬
‫ب ِبَما‬‫ع َ‬ ‫ن َكَفُروْا الّر ْ‬ ‫ب اّلِذي َ‬
‫سُنْلِقي ِفي ُقُلو ِ‬ ‫وفي المقابل فإن الشرك سبب الرعب والخوف كما قال عز وجل‪َ ) :‬‬
‫طانًا(‪.46‬‬‫سْل َ‬‫ل ِبِه ُ‬‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬
‫شَرُكوْا ِبا ّ‬ ‫َأ ْ‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪) :‬وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ‪ ,‬ويرجوهم فيحصل له الرعب ‪ ,‬كما‬
‫طانًا(‪ .‬الخالص من‬ ‫سْل َ‬
‫ل ِبِه ُ‬ ‫ل َما َلْم ُيَنّز ْ‬‫شَرُكوْا ِبا ّ‬ ‫ب ِبَما َأ ْ‬ ‫ع َ‬ ‫ن َكَفُروْا الّر ْ‬ ‫ب اّلِذي َ‬‫سُنْلِقي ِفي ُقُلو ِ‬ ‫قال تعالى ‪َ ):‬‬
‫لْمنُ َوُهم‬ ‫ك َلُهُم ا َ‬ ‫ظْلٍم ُأْوَلـِئ َ‬
‫سوْا ِإيَماَنُهم ِب ُ‬‫ن آَمُنوْا َوَلْم َيْلِب ُ‬‫الشرك يحصل له المن كما قال تعالى‪) :‬اّلِذي َ‬
‫ن(‪ 47‬وقد فسر النبي صلى ال عليه وسلم هنا الظلم بالشرك ‪.‬‬
‫‪48‬‬
‫ّمْهَتُدو َ‬
‫وأشار الفضيل بن عياض رحمه ال إلى ذلك بقوله ‪ :‬من حاف ال لم يضره أحد ‪ ,‬ومن خاف غير ال لم‬
‫ينفعه أحد ‪.‬‬
‫‪49‬‬
‫وقال يحيى بن معاذ الرازي ‪ :‬على قدر خوفك من ال يهابك الخلق ‪.‬‬
‫وقال يوسف بن أسباط ‪) :‬من خاف ال خاف منه كل شيء (‪.50‬‬
‫والستغناء عن الناس من أعظم لوازم توحيد العبادة وآثاره ‪ ,‬فمن توجه إلى ال تعالى بصدق الفتقار إليه ‪,‬‬
‫وتمام التعلق به ‪ ,‬فلم يلتفت قلبه إلى ما سواى ال تعالى ‪ ,‬فهو في غاية الستغناء عن الناس ‪ ,‬وأعظم الناس‬
‫قدرًافي قلوبهم‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية‪:‬‬
‫) والعبد كلما كان أذل ل وأعظم افتقار إليه وخضوعًا له ‪ ,‬كان أقرب إليه ‪ ,‬وأعّز له ‪ ,‬أعظم لقدره ‪ ,‬فأسعد‬
‫الخلق أعظمهم عبودية ل ‪ ,‬وأما المخلوق فكما قيل‪ :‬احتج إلى من شئت تكن أسيره‪ ,‬واستعن عمن شئت تكن‬
‫نظيره ‪ ,‬وأحسن إلى من شئت تكن أميره‪.‬‬
‫فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه ‪ ,‬فإن أحسنت إليهم مع‬
‫الستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم ‪ ,‬ومتى احتجت إليهم – ولو في شربت ماء – نقص قدرك عندهم‬
‫بقدر حاجتك إليهم ‪ ,‬وهذا من حكمة ال ورحمته ‪ ,‬لكون الدين كله ل ‪ ,‬وليشرك به شيئًا ‪.‬‬

‫أخرجه مسلم ‪ , 2307‬وأصله في صحيح البخاري ‪.2857‬‬ ‫‪43‬‬

‫سورة النبياء‪ ,‬الية‪.67 :‬‬ ‫‪44‬‬

‫سورة النعام ‪ ,‬الية ‪.81 :‬‬ ‫‪45‬‬

‫آل عمران ‪ ,‬الية‪.151:‬‬ ‫‪46‬‬

‫سورة النعام‪ ,‬الية‪.82:‬‬ ‫‪47‬‬

‫مجموع الفتاوى ‪ , 10/257‬وانظر ‪.28/35‬‬ ‫‪48‬‬

‫حلية الولياء ‪ , 8/240‬وانظر صفة الصفوة ‪.3/208‬‬ ‫‪49‬‬

‫كشف الخفاء للعجلوني ‪.2/344‬‬ ‫‪50‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪15‬‬

‫ب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه وأفقر ما تكون إليه ‪ ,‬والخلق أهون ما يكون عليهم‬ ‫فالر ّ‬
‫‪51‬‬
‫أحوج ما يكون إليهم ( ‪.‬‬
‫ويقول أيضًا‪:‬‬
‫)إن اعتماده على المخلوق وتوكله يوجب الضرر من جهته ‪ ,‬فإنه ُيخذل من تلك الجهة ‪ ,‬وهذا معلوٌم‬
‫بالعتبار والستقراء ‪ ,‬ما عّلق العبد رجاءه وتوكله بغير ال إل خاب من تلك الجهة ‪ ,‬ول استنصر بغير ال‬
‫ن ِبِعَباَدِتِهْم َوَيُكوُنو َ‬
‫ن‬ ‫سَيْكُفُرو َ‬
‫ل َ‬
‫عّزا}‪َ {81‬ك ّ‬‫ل آِلَهًة ّلَيُكوُنوا َلُهْم ِ‬
‫ن ا ِّ‬
‫خُذوا ِمن ُدو ِ‬
‫خذل ‪ ,‬وقال تعالى‪َ) :‬واّت َ‬ ‫إل ُ‬
‫‪53 52‬‬
‫ضّدا}‪. ( {82‬‬ ‫عَلْيِهْم ِ‬
‫َ‬
‫ويقول في موضع ثالث ‪:‬‬
‫)ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إل بأن يكون ال هو موله الذي ل يعبد إل إياه‪ ,‬ول يستعين إل به ‪,‬‬
‫ول يتوكل إل عليه ‪ ,‬ول يفرح إل بما يحبه ويرضاه ‪ ,‬ول يكره إل ما يبغضه الرب ويكرهه ‪ ...‬فكل ما قوي‬
‫إخلص دينه ل كُملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات(‪.54‬‬
‫وقد بّين سلفنا الصالح أن من استغنى عن الناس ‪ ,‬فلم يحتج إليهم ‪ ,‬وصار هّمه وشغله مرضاة ربه تعالى‬
‫وحده ؛ فإن ال ُيحوج الناس إليه ‪ ,‬ويجعلهم ُيقبلون عليه ‪ ,‬فُتقضى حاجته ومطالبه ‪ ,‬وذلك فضل ال تعالى ‪,‬‬
‫وال ذو الفضل العظيم‪.‬‬
‫‪55‬‬
‫وقال مجاهد رحمه ال تعالى ‪) :‬وإن العبد إذا أقبل على ال تعالى ‪ ,‬أقبل ال بقلوب المؤمنين إليه( ‪.‬‬
‫ج ال إليه الناس(‪.56‬‬ ‫وقال سفيان بن عيينة‪) :‬من استغنى بال أحو َ‬
‫‪57‬‬
‫وقال يحيى بن معاذ الرازي‪) :‬على قدر شغلك بأمر ال تعالى تشتغل في أمرك الخلق( ‪.‬‬
‫ويقول ابن القيم‪) :‬إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إل ال وحده ‪ ,‬تحمل ال حوائجه كلها ‪ ,‬وحمل عنه‬
‫كل ما أهمه ‪ ,‬وفرغ قلبه لمحبته ‪ ,‬ولسانه لذكره‪ ,‬وجوارحه لطاعته‪.‬إن أصبح أمسى الدنيا همه ‪ ,‬حّمله ال‬
‫همومها وغمومـــها وأنكادها ‪ ,‬ووَكله إلى نفسه ‪ ,‬فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ‪ ,‬ولسانه عن ذكره‬
‫ح الوحش في خدمة غيره كالكير ينفخ بطنه‬ ‫بذكرهم ‪ ,‬وجوارح عن خدمته بخدمتهم وأشغالهم ‪ ,‬فهو يكدح َكْد َ‬
‫ويعصر أضلعه في نفع غيره ‪ .‬فكل من أعرض عن عبودية ال وطاعته ومحبته ‪ُ ,‬بلي بعبودية المخلوق‬
‫ومحبته وخدمته (‪.58‬‬

‫‪ 51‬مجموع الفتاوى ‪40 , 1/39‬باختصار ‪ ,‬وانظر ‪. 10/598 ,30 ,1/29 :‬‬


‫‪ 52‬سورة مريم ‪ ,‬اليتان ‪.81,82 :‬‬
‫‪ 53‬مجموع الفتاوى ‪ ،1/29‬وانظر ‪.10/650 ، 1/51‬‬
‫‪ 54‬مجموع الفتاوى ‪.10/198‬‬
‫‪ 55‬الزهد للمام أحمد ص ‪ ,378‬وعزاه أبو نعيم في الحلية لمحمد بن واسع ‪.2/345‬‬
‫‪ 56‬الداب الشرعية لبن مفلح ‪.2/32‬‬
‫‪ 57‬كشف الخفاء للعجلوني ‪.2/344‬‬
‫‪ 58‬الفوائد ص ‪.77‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪16‬‬

‫‪ -3‬عبودية ال تعالى‬
‫قواعد ومسائل‬

‫هذه جملة قواعد ومسائل مـسـتفادة من كلم أهل العلم في موضوع عبودية لله‬
‫تعالى‪.‬‬
‫إن جميع الرسل عليهم السلم ‪ -‬من أولهم إلى آخرهم ‪ -‬دعوا إلى عبادة الله ‪-‬‬
‫ه((‬‫ن إل َهٍ غ َي ُْر ُ‬ ‫م ْ‬‫كم ّ‬ ‫ما َلــ ُ‬ ‫ه َ‬ ‫دوا الل ّ َ‬ ‫عبــ ُ‬
‫تعالى ‪ -‬وحده ل شريك له‪)) :‬يقوم ِ ا ْ‬
‫]العراف‪ [59 :‬كما أن الله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬قد جعل العبودية وصفا ً لكمل خلقه‬
‫عـْبــــدا ً ل ّل ّهِ َول‬ ‫ن َ‬ ‫كو َ‬ ‫ح َأن ي َ ُ‬ ‫سي ُ‬ ‫م ِ‬ ‫ف ال َ‬ ‫وأقربهم إليه فقال ‪ -‬سبحانه‪َ)) :‬لن ي َ ْ‬
‫سَتنك ِ َ‬
‫م إل َي ْ ِ‬
‫ه‬ ‫شُرهُ ْ‬ ‫ح ُ‬ ‫سي َ ْ‬‫ست َك ْب ِْر فَ َ‬‫عَباد َت ِهِ وَي َ ْ‬
‫ن ِ‬ ‫ف عَ ْ‬ ‫سَتنك ِ ْ‬
‫من ي َ ْ‬ ‫ن وَ َ‬ ‫قّرُبو َ‬ ‫م َ‬‫ة ال ُ‬ ‫مـــلئ ِك َ ُ‬ ‫الـ َ‬
‫ميعًا(( ]النساء‪.[172 :‬‬ ‫ج ِ‬‫َ‬
‫ووصـــــــف الله تـعـالى أكرم خلقه عليه وأعلهم عنده منزلة صلى الله عليه‬
‫فْرَقا َ‬
‫ن‬ ‫ل ال ُ‬ ‫ذي ن َّز َ‬ ‫ك ال َ ِ‬ ‫وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته‪ ،‬فقال تـعـالـى‪)) :‬ت ََباَر َ‬
‫ذي‬‫ن ال َ ِ‬‫حا َ‬ ‫سب ْ َ‬‫ذيرًا(( ]الفرقان‪ ،[1 :‬وقال ‪ -‬سبحانه‪ُ )) :‬‬ ‫ن نَ ِ‬
‫مي َ‬ ‫ن ل ِل َْعال َ ِ‬
‫كو َ‬ ‫ع ََلى ع َب ْد ِهِ ل ِي َ ُ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫صا (( ]السراء‪.[1 :‬‬ ‫جد ِ القْ َ‬ ‫س ِ‬ ‫م ْ‬ ‫حَرام ِ إَلى ال َ‬ ‫جد ِ ال َ‬
‫س ِ‬‫م ْ‬‫ن ال َ‬ ‫م َ‬ ‫سَرى ب ِعَب ْد ِهِ ل َي ْل ً ّ‬ ‫أ ْ‬
‫وجعل النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬إحسان العبودية أعلى مراتب الدين‪ ،‬وهو‬
‫الحسان‪ ،‬فقال في حديث جبريل ‪ -‬وقــد سأله عن الحسان‪) :‬أن تعبد الله كأنك‬
‫تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك( أخرجه مسلم‪.59‬‬
‫يمكن أن نخلص من خلل هذه المقدمة إلى قاعدة‪ ،‬وهي‪ :‬أن كمال المخلوق‬
‫في تحقيق عبوديته لله تعالى ‪ ،‬فأكرم ما يكون العبد عند الله تعالى كلما كان‬
‫أعظم عبادة وخضوعا ً لله ‪ -‬عز وجل‪.‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ‪ -‬رحمه الله‪) :‬كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله‬
‫‪ -‬تعالى ‪ ،-‬وكلما ازداد العبد تحقيقا ً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته(‪.60‬‬

‫انظر‪ :‬العبودية لبن تيمية‪ ،‬ص ‪ 40‬ـ ‪ ،43‬ومدارج السالكين ‪ 1/101‬ـ ‪.103‬‬ ‫‪59‬‬

‫العبودية‪ ،‬ص ‪.80‬‬ ‫‪60‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪17‬‬

‫ويقول في موضع آخر‪) :‬والـعـبـد كـلـمـا كان أذل لله وأعظم افتقارا ً إليه وخضوعا ً‬
‫له‪ ،‬كان أقرب إليه‪ ،‬وأعّز له‪ ،‬وأعظم لقدره‪ ،‬فأسعد الخلق‪ :‬أعظمهم عبودية لله‪،‬‬
‫ج إلى من شئت تكن أسيره‪ ،‬واستغن عمن شئت‬ ‫وأما المخلوق فكما قيل‪ :‬احت ْ‬
‫تكن نظيره‪ ،‬وأحسن إلى من شئت تكن أميره‪ .‬فأعظم ما يكون العبد قدرا ً‬
‫وحــرمــــة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه‪ ،‬فإن أحسنت إليهم مع‬
‫الستغناء عـنـهـــــــم‪ ،‬كنت أعظم ما يكون عندهم‪ ،‬ومتى احتجت إليهم ‪ -‬ولو في‬
‫شربة ماء ‪ -‬نقص قدرك عـنـدهــم بقدر حاجتك إليهم‪ ،‬وهذا من حكمة الله‬
‫ورحمته‪ ،‬ليكون الدين كله لله ول ُيشَرك به شيء(‪.61‬‬
‫وها هنا قاعدة أخرى‪ ،‬وهي أن حاجة النسان وضرورته إلى عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪-‬‬
‫فوق كل حاجة وضرورة‪.‬‬
‫يقول ابن تيمية ‪ -‬في هذا الصدد‪) :‬اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله ل‬
‫يشرك به شيئًا‪ ،‬ليس له نظير فيقاس به‪ ،‬لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة‬
‫الجسد إلى الطعام والشراب‪ ،‬وبينهما فروق كثيرة‪.‬‬
‫فإن حقيقة العبد قلبه وروحه‪ ،‬وهي ل صلح لها إل بإلهها‪ ،‬الله الذي ل إله إل هو‬
‫فل تطمئن في الدنيا إل بذكره‪ ،‬وهي كادحة إليه كدحا ً فملقيته‪ ،‬ول بد لها من‬
‫لقائه‪ ،‬ول صلح لها إل بلقائه‪.‬‬
‫ذات أو سرور بغير الله فل يدوم ذلك‪ ،‬بل ينتقل من نوع إلى‬ ‫ولو حصل للعبد ل ّ‬
‫نوع‪ ،‬ومن شخص إلى شخص‪ ،‬و يتنعم بهذا في وقت وفي بعض الحوال وتارة‬
‫أخرى يكون ذلك الذي تنعم به والتذ به غير منعم له ول ملتذ به‪ ،‬بل قد يؤذيه‬
‫اتصاله به ووجوده عنه‪ ،‬ويضره ذلك‪ .‬وأما إلهه فل بد له منه في كل حال وكل‬
‫وقت‪ ،‬وأينما كان فهو معه(‪.62‬‬
‫ويقول ابن القيم ‪ -‬مقررا ً تلك الحاجة‪) :‬اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله‬
‫وحده ل يشرك به شيئا ً في محبته‪ ،‬ول في خوفه‪ ،‬ول في رجائه‪ ،‬ول في التوكل‬
‫عليه‪ ،‬ول في العمل له‪ ،‬ول في الحلف به‪ ،‬ول في النذر له‪ ،‬ول في الخضوع له‪،‬‬
‫ول في التذلل والتعظيم‪ ،‬والسجود والتقرب‪ ،‬أعظم من حاجة الجسد إلى روحه‪،‬‬
‫والعين إلى نورها‪ ،‬بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه‬
‫وقلبه‪ ،‬ول صلح لها إل بإلهها الذي ل إله إل هو‪ ،‬فل تطمئن في الدنيا إل بذكره‪..‬‬
‫ول صلح لها إل بمحبتها وعبوديتها له‪ ،‬ورضاه وإكرامه لها(‪.63‬‬
‫ل‪ ،‬يقال‪ :‬بعير معّبد‪ ،‬أي مذلل‪.‬‬ ‫ة‪ :‬من الذ ّ‬‫وأما عن تعريف العبادة‪ ،‬فالعبادة لغ ً‬
‫وعت أقوال العلماء في تعريف العبادة‪:‬‬ ‫وقد تن ّ‬
‫مجموع الفتاوى‪.1/39 ،‬‬ ‫‪61‬‬

‫مجموع الفتاوى‪ ،25 ،1/24 ،‬وانظر مجموع الفتاوى‪.28/32 ،‬‬ ‫‪62‬‬

‫طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫‪63‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪18‬‬

‫فقال ابن جرير‪) :‬معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة‪ ،‬والتذلل له بالستكانة(‪،64‬‬
‫سر ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬العبادة بالتوحيد‪.65‬‬ ‫وف ّ‬
‫وقال القاضي أبو يعلى‪) :‬حقيقة العبادة هي الفعال الواقعة لله ‪ -‬عز وجل ‪ -‬على‬
‫نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد(‪.66‬‬
‫وقال شيخ السلم ابن تيمية‪) :‬العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه‬
‫من القوال والعمال الظاهرة والباطنة(‪.67‬‬
‫صل ابن القيم التعريف السابق بقوله‪) :‬وبنى )إياك نعبد( على أربع قواعد‪:‬‬ ‫وف ّ‬
‫التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب‪ ،‬وعمل القلب‬
‫والجوارح‪ .‬فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الربع‪ ،‬فأصحاب )إياك نعبد( حقا ً‬
‫هم أصحابها‪ ،‬فقول القلب‪ :‬هو اعتقاد ما أخبر الله ‪ -‬سبحانه ‪ -‬به عن نفسه‪ ،‬وعن‬
‫أسمائه وصفاته وأفعاله وملئكته ولقائه على لسان رسله‪.‬‬
‫ب عنه وتبين بطلن البدع‬ ‫وقول اللسان‪ :‬الخبار عنه بذلك‪ ،‬والدعوة إليه والذ ّ‬
‫المخالفة له‪ ،‬والقيام بذكر وتبليغ أوامره‪.‬‬
‫وعمل القلب‪ :‬كالمحبة له‪ ،‬والتوكل عليه‪ ،‬والنابة إليه‪ ،‬والخوف منه‪ ،‬والرجاء له‪،‬‬
‫وإخلص الدين له‪ ،‬والصبر على أوامره‪ ،‬وعن نواهيه‪ ،‬وعلى أقداره‪ ،‬وغير ذلك من‬
‫أعمال القلوب‪.‬‬
‫وأعمال الجوارح‪ :‬كالصلة والجهاد‪ ،‬ومساعدة العاجز والحسان إلى الخلق‪ ،‬ونحو‬
‫ذلك(‪.68‬‬
‫طراد عرفي ول اقتضاء عقلي(‪.69‬‬ ‫وقال بعضهم‪) :‬العبادة ما أمر به شرعا ً من غير ا ّ‬
‫وبالنظر إلى هذه التعريفات المتعددة فإن الخلف بينها يكاد أن يكون من خلف‬
‫التنوع؛ وذلك أن العبادة قائمة على أصلين كبيرين‪ ،‬وهما‪ :‬غاية الخضوع وكماله‪،‬‬
‫ب وكماله‪ .‬فعّرف ابن جرير وأبو يعلى العبادة بالخضوع ‪ -‬والسلف قد‬ ‫وغاية الح ّ‬
‫يعّرفون الشيء ببعض أفراده ‪ -‬ومرادهم بالخضوع هاهنا ما كان مقترنا ً بالمحبة‬
‫والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى في قوله‪) :‬نهاية ما يمكن من التذلل‬
‫والخضوع( فنهاية الخضوع وكماله ل تتحقق إل بالمحبة والتعظيم‪.‬‬
‫وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عّرفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار أن‬
‫ب‪ ..‬ولذا يقول ابن تيمية‪) :‬فأصل المحبة المحمودة‬ ‫العبادة هي أعلى مراتب الح ّ‬

‫تفسير ابن جرير‪.1/160 ،‬‬ ‫‪64‬‬

‫انظر تفسير ابن جرير‪.1/160 ،‬‬ ‫‪65‬‬

‫المعتمد في أصول الدين‪ ،‬ص ‪.103‬‬ ‫‪66‬‬

‫العبودية‪ ،‬ص ‪.38‬‬ ‫‪67‬‬

‫مدارج السالكين‪ 101 ،1/100 ،‬باختصار يسير‪.‬‬ ‫‪68‬‬

‫مجموعة التوحيد )رسالة في تعريف العبادة لبي بطين(‪ ،‬ص ‪.400‬‬ ‫‪69‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪19‬‬

‫خلقَ خلقه لجلها‪ ،‬هي ما في عبادته وحده ل شريك له؛ إذ‬ ‫التي أمر الله بها‪ ،‬و َ‬
‫‪70‬‬
‫العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل( ‪.‬‬
‫وأما تعريف ابن عباس ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬للعبادة بالتوحيد‪ ،‬فهو اعتبار العبادة‬
‫المقبولة‪ ،‬فل تقبل العبادة عند الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬إل بتحقيق التوحيد‪ ،‬وأما العبادة من‬
‫حيث هي فهي أعم من كونها توحيدا ً عاما ً مطلقًا‪ ،‬فكل موحد عابد لله ‪ -‬تعالى ‪،-‬‬
‫وليس كل من عبد الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬يكون موحدا ً‪.71‬‬
‫طراد عرفي ول اقتضاء عقلي‪،‬‬ ‫وأما من عّرف العبادة بما أمر به شرعا ً من غير ا ّ‬
‫فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها‪ ،‬فل تخضع العبادة لطراد‬
‫العرف‪ ،‬بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف‪ ،‬كما أن العبادة ل تخضع لقتضاء‬
‫العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محّيرة للعقول ‪ ,‬والله أعلم‪.‬‬
‫ب ل يكون‬ ‫ب الخلي عن ذل‪ ،‬والذل الخلي عن ح ّ‬ ‫ومن قواعد هذا الموضوع‪ :‬الح ّ‬
‫ل وغايته‪.‬‬‫ب وغايته‪ ،‬وكمال الذ ّ‬ ‫عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال المرين‪ :‬كمال الح ّ‬
‫ب شيئا ً‬ ‫ً‬
‫يقول ابن تيمية‪) :‬من خضع لنسان مع بغضه له ل يكون عابدا له‪ ،‬ولو أح ّ‬
‫ب الرجل ولده وصديقه‪ ،‬ولهذا ل يكفي‬ ‫ولم يخضع له لم يكن عابدا ً له‪ ،‬كما قد يح ّ‬
‫ب إلى العبد من كل‬ ‫أحدهما في عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬بل يجب أن يكون الله أح ّ‬
‫شيء‪ ،‬وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء‪ ،‬بل ل يستحق المحبة والخضوع‬
‫التام إل الله(‪.72‬‬
‫ويقول ابن القّيم‪) :‬والعبادة تجمع أصلين‪ :‬غاية الحب بغاية الذل والخضوع؛ فمن‬
‫أحببته ولم تكن خاضعا ً له‪ ،‬لم تكن عابدا ً له‪ ،‬ومن خضعت له بل محبة‪ ،‬لم تكن‬
‫عابدا ً له‪ ،‬حتى تكون محبا ً خاضعًا(‪.73‬‬
‫ومن القواعد أيضًا‪ :‬كل من استكبر عن عبادة الله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬فل بد أن يعبد غيره‪.‬‬
‫يقرر ابن تيمية ذلك بقوله‪) :‬الستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم‬
‫استكبارا ً عن عبادة الله‪ ،‬كان أعظم إشراكا ً بالله؛ لنه كلما استكبر عن عبادة الله‬
‫‪ -‬تعالى ‪ ،-‬ازداد فقرا ً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود(‪.‬‬
‫فل بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته‪ ،‬فمن لم يكن الله معبوده‬
‫ومنتهى حبه من إرادته‪ ،‬بل استكبر عن ذلك‪ ،‬فل بد أن يكون له مراد محبوب‬
‫يستعبده غير الله‪ ،‬فيكون عبدا ً لذلك المراد المحبوب‪ :‬إما المال‪ ،‬وإما الجاه‪ ،‬وإما‬
‫الصور‪ ،‬وإما ما يتخذه إلها ً من دون الله(‪.74‬‬
‫‪ 70‬قاعدة في المحبة )ضمن جامع الرسائل(‪ ،2/196 ،‬وانظر مدارج السالكين‪.3/28 ،‬‬
‫‪ 71‬انظر مجموعة التوحيد‪ ،‬ص ‪.401‬‬
‫مد َْركة حكمتها للعقول‪.‬‬ ‫)*( أي غير ُ‬
‫‪ 72‬العبودية‪ ،‬ص ‪ ،44‬وانظر مجموع الفتاوى‪.56 ،10/19 ،‬‬
‫‪ 73‬مدارج السالكين‪.1/74 ،‬‬
‫‪ 74‬العبودية‪ ،‬ص ‪ 112‬ـ ‪1114‬؛ بتصرف وتقديم‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪20‬‬

‫ويقول في موضع آخر ‪) :‬وهكذا أهل البدع ل تجد أحدا ً ترك بعض السنة التي‬
‫يجب التصديق بها والعمل إل وقع في بدعة‪ ،‬ول تجد صاحب بدعة إل ترك شيئا ً‬
‫من السنة‪ ،‬كما جاء في الحديث‪) :‬ما ابتدع قوم بدعة إل تركوا من السنة مثلها(‪.75‬‬
‫َ‬
‫ضاَء((‬‫داوَة َ َوال ْب َغْ َ‬
‫م العَ َ‬ ‫ما ذ ُك ُّروا ب ِهِ فَأغ َْري َْنا ب َي ْن َهُ ُ‬
‫م ّ‬‫حظا ً ّ‬
‫سوا َ‬ ‫وقد قال ‪ -‬تعالى‪)) :‬فَن َ ُ‬
‫]المائدة‪ ،[14 :‬فلما تركوا حظا ً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره‪ ،‬فوقعت بينهم‬
‫من‬ ‫م َول ت َت ّب ُِعوا ِ‬ ‫من ّرب ّك ُ ْ‬ ‫كم ّ‬ ‫ل إل َي ْ ُ‬‫ما ُأنزِ َ‬
‫العداوة والبغضاء‪ ،‬وقال تعالى‪)) :‬ات ّب ُِعوا َ‬
‫َ‬
‫ن(( ]العراف‪ [3 :‬فأمر باتباع ما أنزل‪ ،‬ونهى عما يضاد‬ ‫ما ت َذ َك ُّرو َ‬
‫دون ِهِ أوْل َِياَء قَِليل ً ّ‬
‫ُ‬
‫ذلك وهو اتباع أولياء من دونه‪ ،‬فمن لم يتبع أحدهما اتبع الخر‪.‬‬
‫وكذلك من لم يفعل المأمور‪ ،‬فعل بعض المحظور‪ ،‬ومن فعل المحظور‪ ،‬لم يفعل‬
‫جميع المأمور‪ ،‬فل يمكن لنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما‬
‫حظر‪ ،‬ول يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر(‪.76‬‬
‫ويقول ابن القيم ‪ -‬رحمه الله ‪) :‬كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده‪ ،‬وقع‬
‫في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ول بد‪ ،‬حتى في العمال‪ ،‬فمن‬
‫رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتله الله بالعمل لوجوه الخلق‪ ،‬فرغب عن‬
‫العمل لمن ضّره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده‪ ،‬فابتلي بالعمل لمن ل يملك‬
‫له شيئا ً من ذلك‪ ،‬وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه‬
‫لغير الله وهو راغم‪ ،‬وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة‬
‫د‪ ،‬وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي‪ ،‬ابتلي بكناسة الراء وزبالة‬ ‫الخلق ول ب ّ‬
‫الذهان ووسخ الفكار(‪.77‬‬
‫ل‪) :‬لما كان من العوائد‬ ‫لمة عبد الرحمن السعدي هذه القاعدة قائ ً‬ ‫ويؤكد الع ّ‬
‫القدسية والحكمة اللهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن النتفاع به ولم ينتفع‪ ،‬ابتلي‬
‫بالشتغال بما يضره‪ ،‬فمن ترك عبادة الرحمن‪ ،‬ابتلي بعبادة الوثان‪ ،‬ومن ترك‬
‫محبة الله وخوفه ورجاءه‪ ،‬ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه‪ ،‬ومن لم ينفق‬
‫ل لربه‪ ،‬ابتلي بالذل‬ ‫ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان‪ ،‬ومن ترك الذ ّ‬
‫للعبيد‪ ،‬ومن ترك الحق ابتلي بالباطل(‪.78‬‬
‫ومن أجل مسائل هذا الموضوع‪ :‬العبودية الباطنة والقيام بعبودية القلب؛ فإن‬
‫أعمال القلب أفرض على العبد من أعمال الجوارح‪ ،‬وعبودية القلب أعظم من‬
‫عبودية الجوارح وأكثر وأدوم‪ ،‬فهي واجبة في كل وقت‪.79‬‬
‫‪ 75‬أخرجه أحمد‪ ،4/105 ،‬ولفظه )ما أحدث قوم بدعة إل رفع مثلها من السنة(‪.‬‬
‫‪ 76‬مجموع الفتاوى )اليمان( ‪174 ،7/173‬؛ باختصار‪ .‬وانظر اقتضاء الصراط المستقيم‪ ،2/617 ،‬ومجموع‬
‫الفتاوى‪.29/329 ،‬‬
‫‪ 77‬مدارج السالكين‪ ،1/165 ،‬وانظر الفوائد‪ ،‬ص ‪.27‬‬
‫‪ 78‬تفسير السعدي‪.1/18 ،‬‬
‫‪ 79‬انظر بدائع الفوائد لبن القيم‪.3/230 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪21‬‬

‫وقد غفل الكثير من المسلمين عن فقه هذه العبادات وتحقيقها‪ ،‬وكان لشتغالهم‬
‫بالرسوم والمظاهر‪ ،‬وتأثرهم بالنزعة الرجائية الكلمية أبلغ الثر في إهمال أعمال‬
‫القلوب وعبوديتها‪ ،‬فما أكثر من اسُتعبد قلبه لغير الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬من الشهوات‬
‫ب المال‪ ،‬وطائفة صار همها وشغلها المنصب‬ ‫والملذات‪ ،‬فطائفة أشربت ح ّ‬
‫والوظيفة والرياسة‪ ،‬وطائفة ثالثة تعلقت قلوبها بالنساء‪ ،‬وطائفة أخرى صار‬
‫مقصودها سفاسف المور من مطعوم أو ملبوس أو مركوب‪ ،‬أو )كرة( أو عبث‬
‫ولهو‪ ،‬أو )فن(‪.‬‬
‫مه ومقصوده المال‪ ،‬فل يصبح ول‬ ‫فعبد المال قد صار الدرهم والدينار هجّيراه؛ فه ّ‬
‫يمسي إل وهمه المال‪ ،‬فمن أجله يوالي ويعادي‪ ،‬فإن أعطي رضي‪ ،‬وإن منع‬
‫سخط‪.‬‬
‫لقد تحدث علماء السلف ‪ -‬رحمهم الله ‪ -‬عن عبودية القلب‪ ،‬فكان حديثا ً عن علم‬
‫وبصيرة وذوق وتحقيق‪.‬‬
‫طره يراع شيخ السلم ابن تيمية إذ يقول‪) :‬إذا كان القلب ‪ -‬الذي‬ ‫ومن ذلك ما س ّ‬
‫سر المحض‪،‬‬ ‫هو ملك الجسم ‪ -‬رقيقا ً مستعبدًا‪ ،‬متيما ً لغير الله‪ ،‬فهذا هو الذل وال ْ‬
‫والعبودية الذليلة لما استعبد القلب‪.‬‬
‫وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب‪ ..‬فمن اسُتعبد قلبه‬
‫فصار عبدا ً لغير الله‪ ،‬فهذا يضره ذلك‪ ،‬ولو كان في الظاهر ملك الناس‪.‬‬
‫فالحرية حرية القلب‪ ،‬والعبودية عبودية القلب‪ ،‬كما أن الغنى غنى النفس‪ ،‬قال‬
‫النبي صلى الله عليه وسلم‪) :‬ليس الغنى عن كثرة العرض‪ ،‬وإنما الغنى غنى‬
‫النفس( أخرجه الشيخان‪.‬‬
‫وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة‪ ،‬فأما من استعبد قلبه صورة‬
‫محرمة‪ :‬امرأة‪ ،‬أو صبي؛ فهذا هو العذاب الذي ل يدانيه عذاب(‪.80‬‬
‫ويقرر ابن القيم هذه العبودية بقوله‪) :‬النابة هي عكوف القلب على الله ‪ -‬عز‬
‫وجل ‪ ،-‬كاعتكاف البدن في المسجد ل يفارقه‪ ،‬وحقيقة ذلك عكوف القلب على‬
‫محبته وذكره بالجلل والتعظيم‪ ،‬وعكوف الجوارح على طاعته بالخلص له‬
‫والمتابعة لرسوله‪ ،‬ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل‬
‫م ل ََها َ‬ ‫َ‬
‫ن((‬
‫فو َ‬
‫عاك ِ ُ‬ ‫ل ال َِتي أنت ُ ْ‬
‫ماِثي ُ‬
‫ما هَذ ِهِ الت ّ َ‬
‫المتنوعة‪ ،‬كما قال إمام الحنفاء لقومه‪َ )) :‬‬
‫]النبياء‪ [52 :‬فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف‪ ،‬فكان حظ قومه العكوف على‬
‫ب الجليل‪ .‬والتماثيل جمع تمثال‪ ،‬وهي‬ ‫التماثيل‪ ،‬وكان حظه العكوف على الر ّ‬
‫الصور الممثلة‪ ،‬فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على‬
‫التماثيل التي قامت بقلبه‪ ،‬وهو نظير العكوف على تماثيل الصنام‪ ،‬ولهذا كان‬

‫العبودية‪ ،‬ص ‪ ،97 ،96‬باختصار يسير‪ .‬وانظر‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫‪80‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪22‬‬

‫شرك عباد الصنام بالعكوف بقلوبهم وهمهم وإراداتهم على تماثيلهم‪ ،‬فإذا كان‬
‫في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفا ً عليها فهو نظير عكوف‬
‫الصنام عليها‪ ،‬ولهذا سماه النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عبدا ً لها‪ ،‬ودعا عليه‬
‫بالتعس والنكس‪ ،‬فقال‪) :‬تعس عبد الدينار‪ ،‬تعس عبد الدرهم‪ .‬تعس وانتكس‪ ،‬وإذا‬
‫شيك فل انتقش‪.82(81‬‬
‫وبسط ابن القيم الحديث عن أرباب عبودية القلب وأحوالهم فكان مما قال‪:‬‬
‫)وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلت قلوبهم من معرفة الله‪ ،‬وغمرت بمحبته‬
‫وخشيته وإجلله ومراقبته‪ ،‬فسَرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ول‬
‫ب‪ ،‬قد أنساهم حّبه ذكر غيره‪ ،‬وأوحشهم أنسهم به ممن‬ ‫مفصل إل وقد دخله الح ّ‬
‫ب من سواه‪ ،‬وبذكره عن ذكر من سواه‪ ،‬وبخوفه‬ ‫سواه‪ ،‬قد فنوا بحبه عن ح ّ‬
‫ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه‪ ،‬والتوكل عليه والنابة إليه‪ ،‬والسكون إليه‬
‫والتذلل والنكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره‪ ،‬فإذا وضع أحدهم جنبه‬
‫مه عليه متذكرا ً صفاته‬ ‫على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه وموله‪ ،‬واجتمع ه ّ‬
‫العلى وأسمائه الحسنى‪ ،‬مشاهدا ً له في أسمائه وصفاته‪ ،‬قد تجلت على قلبه‬
‫أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته‪ ،‬فبات جسمه في فراشه يتجافى عن‬
‫مضجعه‪ ،‬وقلبه قد أوى إلى موله وحبيبه فآواه إليه‪ ،‬وأسجده بين يديه خاضعا ً‬
‫ذليل ً منكسرا ً من كل جهة من جهاته‪ .‬فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة‪ ،‬ل يرفع‬
‫رأسه منها إلى يوم اللقاء‪ ،‬وقيل لبعض العارفين‪ :‬أيسجد القلب بين يدي ربه؟‬
‫قال‪ :‬إي والله‪ ،‬بسجدة ل يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة(‪.83‬‬
‫ل‪) :‬إن تحقق القلب بمعنى ل إله إل الله‬ ‫ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائ ً‬
‫ل‪ ،‬وهيبة‪،‬‬ ‫وصدقه فيها‪ ،‬وإخلصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأّله الله وحده‪ ،‬إجل ً‬
‫ل‪ ،‬ويمتلئ بذلك‪ ،‬وينتفي عنه تأله ما سواه‬ ‫ومخافة‪ ،‬ومحبة‪ ،‬ورجاء‪ ،‬وتعظيمًا‪ ،‬وتوك ً‬
‫من المخلوقين‪ ،‬ومتى كان كذلك‪ ،‬لم يبق فيه محبة‪ ،‬ول إرادة‪ ،‬ول طلب لغير ما‬
‫يريده الله ويحبه ويطلبه‪ ،‬وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها‪،‬‬
‫ب عليه وأبغض عليه فهو إلهه‪،‬‬ ‫ب شيئا ً و أطاعه‪ ،‬وأح ّ‬‫ووساوس الشيطان‪ ،‬فمن أح ّ‬
‫فمن كان ل يحب ول يبغض إل لله‪ ،‬ول يوالي ول يعادي إل له‪ ،‬فالله إلهه حقًا‪،‬‬
‫ب لهواه‪ ،‬وأبغض لهواه‪ ،‬ووالى عليه‪ ،‬وعادى عليه‪ ،‬فإلهه هواه(‪.84‬‬ ‫ومن أح ّ‬
‫طره الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن‬ ‫ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي س ّ‬
‫عبد الله ابن عمر ‪ -‬رضي الله عنهما ‪ -‬حيث باع حمارا ً له‪ ،‬فقيل له‪ :‬لو أمسكته!‬
‫أخرجه البخاري في الجهاد والسير حديث ‪ 2887‬والترمذي في الزهد ‪ ،2375‬وابن ماجة في الزهد ‪.4136‬‬ ‫‪81‬‬

‫الفوائد‪ ،‬ص ‪.186‬‬ ‫‪82‬‬

‫طريق الهجرتين‪ ،‬ص ‪ ،207 ،206‬وانظر‪ ،‬ص ‪.305‬‬ ‫‪83‬‬

‫جامع العلوم والحكم‪.1/524 ،‬‬ ‫‪84‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪23‬‬

‫فقال‪ :‬لقد كان لنا موافقًا‪ ،‬ولكنه أذهب بشعبة من قلبي‪ ،‬فكرهت أن أشغل قلبي‬
‫بشيء‪.85‬‬
‫فما أتم عبادة ابن عمر لله ‪ -‬تعالى ‪ ،-‬و أكمل توحيده وعكوف قلبه على الله ‪ -‬عز‬
‫وجل ‪ -‬فهو لما رأى التفاتا ً تجاه هذا الحمار‪ ،‬بادر إلى بيعه والتخلص منه مع كونه‬
‫موافقا ً له‪ ..‬فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من تفّرق قلبه في أودية الدنيا‬
‫وملذاتها‪ ،‬فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال‪ ،‬أو امرأة‪ ،‬أو منصب ووظيفة‪،‬‬
‫والله المستعان‪.‬‬
‫ل قواعد هذا الموضوع‪ :‬أن عبودية الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬ملئمة لحقيقة النسان‬ ‫ومن أج ّ‬
‫جب ِّلته‪ ،‬ومستوعبة لمقاصده وأعماله‪.‬‬
‫و ِ‬
‫وقد ورد في الحديث عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪) : -‬أصدق السماء حارث‬
‫مام(‪ 86‬فكل إنسان همام أي مريد ومفكر‪ ،‬وكل همام حارث أي صاحب عمل‬ ‫وه ّ‬
‫وكسب وسعي‪ ،‬وعبودية الله ‪ -‬تعالى ‪ -‬مناسبة للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة‬
‫النسان وحقيقته‪ ،‬وتستوعب كل نشاطه وحركته هما ً وحرثا ً‪.87‬‬
‫كد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله‪) :‬العبد مجبول على‬ ‫وقد أ ّ‬
‫أن يقصد شيئا ً ويريده‪ ،‬ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده؛ وهذا أمر‬
‫حتم لزم ضروري في حق كل إنسان(‪.‬‬
‫فإذا تدبر النسان حال نفسه وحال جميع الناس‪ ،‬وجدهم ل ينفكون عن هذين‬
‫المرين‪ :‬ل بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها‪ ،‬وهو إلهها‪ ،‬ول بد‬
‫لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها‪ ،‬سواءا ً كان ذلك‬
‫هو الله أو غيره‪ ،‬وإذا كان فقد يكون عاما ً وهو الكفر‪ ،‬كمن عبد غير الله مطلقًا‪،‬‬
‫ب‬‫وسأل غير الله مطلقًا‪ ...‬وقد يكون خاصا ً في المسلمين مثل من غلب عليه ح ّ‬
‫ب شخص‪ ،‬أو حب الرياسة حتى صار عبد ذلك‪.88‬‬ ‫المال‪ ،‬أو ح ّ‬

‫أخرجه ابن المبارك في الزهد‪ ،‬ص ‪.195‬‬ ‫‪85‬‬

‫أخرجه أحمد‪ ،4/345 ،‬وأبو داود والنسائي‪.‬‬ ‫‪86‬‬

‫مدارج السالكين‪ ،1/165 ،‬وانظر الفوائد‪ ،‬ص ‪.27‬‬ ‫‪87‬‬

‫مجموع الفتاوى‪ ،35 ،1/34 ،‬باختصار‪ .‬وانظر ‪ ،1/21‬وجامع الرسائل )قاعدة في المحبة(‪.2/231 ،‬‬ ‫‪88‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪24‬‬

‫عبودية الشهوات‬
‫التعلق بالله ـ عز وجل ـ وقصده وإرادته هو أساس التوحيد ومعنى شهادة أن ل‬
‫إله إل الله‪ ،‬والله ـ سبحانه وتعالى ـ هو المستحق وحده أن يكون المقصود‬
‫والمدعو والمطلوب‪.‬‬
‫يقــول الـشــيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ‪) :‬إن الله هو المقصود‬
‫‪89‬‬
‫والمعتمد عليه‪ ،‬وهذا أمر هّين عند من ل يعرفه‪ ،‬كبير عظيم عند من يعرفه( ‪.‬‬
‫الدرر السنية‪ ،2/21 ،‬وانظر‪ :‬تاريخ ابن غنام ‪ ،298 ،2/52‬وانظر‪ :‬مجموع فتاوى ابن تيمية ‪.1/34‬‬ ‫‪89‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪25‬‬

‫ومن لم يكن مـقـصـــــوده وغايته الله ـ عز وجل ـ؛ فل بد أن يكون له مقصود‬


‫ضح ذلك ابن تيمية بقوله‪) :‬الستقراء يدل على أنه كلما‬ ‫ومراد آخر يستعبده‪ ،‬كما و ّ‬
‫كان الرجل أعظم استكبارا ً عن عبادة الله؛ كان أعظم إشراكا ً بالله؛ لنه كلما‬
‫استكبر عن عبادة الله ـ تعالى ـ ازداد فقرا ً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو‬
‫المقصود‪.‬‬
‫فل بد لكل عبد من مــــراد مـحـبـــوب هو منتهى حبه وإرادته؛ فمن لم يكن الله‬
‫معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك؛ فل بد أن له مرادا ً محبوبا ً‬
‫يستعبده غير الله‪ ،‬فيكون عبدا ً لذلك المراد المحبوب‪ :‬إما المال‪ ،‬وإما الجاه‪ ،‬وإما‬
‫الصور‪ ،‬وإما ما يتخذه إلها ً من دون الله(‪.90‬‬
‫والناظر إلى واقعنا الحاضر يرى أنواعــــا ً مــــن التعلــق بالشهوات والفتتان بها‪،‬‬
‫فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من الـنـســـاء والمـــــوال‪،‬‬
‫والملبوسات والمركوبات‪ ،‬والمناصب والرياسات‪ ،‬والولع باللعاب والملهي‪.‬‬
‫وهـــذه المقالة تتحدث عن جملة من تلك الشهوات التي استحكمت بأفئدة كثير‬
‫من الناس وعقولهم‪.‬‬
‫ولـعــل مــن الـمـناسب أن نتحدث ابتداًء عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات‬
‫إجمال ً قبل الحديث عن بعض أفرادها تفصي ً‬
‫ل‪.‬‬
‫إن المسلك العدل إزاء الشهوات وسط بين مسلك أهل الفجور والفواحش‪،‬‬
‫ومسلك أصحاب الرهبانية والتشدد؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلة واتبعوا‬
‫الشهوات؛ وأهل الرهبانية حّرموا ما أحل الله من الطيبات‪ .‬ودين الله ـ عز وجل ـ‬
‫يراعي أحوال الناس‪ ،‬ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ لذا فهو يبيحها‬
‫ويعترف بها‪ ،‬لكنه يضبطها ويهذبها‪.‬‬
‫يقول ابن القيم ـ مقررا ً هذه الوسطية ـ‪) :‬لما كان العبد ل ينفك عن الهوى ما دام‬
‫حيا ً ـ فإن هواه لزم له ـ كان المر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع‪ ،‬ولكن‬
‫المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عـــــن مـراتــع الهََلكة إلى مواطن المن‬
‫والسلمة؛ مثاله أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يأمره بصرف قلبه عــن هـــوى‬
‫النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى‬
‫أربع‪ ،‬ومــن الماء ما شاء‪ ،‬فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل‪ ،‬وكانت‬
‫الريح دبورا ً فاستحالت صبًا‪.91(...‬‬
‫واتباع الشهوات والنكباب عليها يؤول إلـى اسـتـيـلئـهـا على القلب‪ ،‬فيصير‬
‫القلب عبدا ً وأسيرا ً لتلك الشهوات‪ ،‬كما قال شيخ السلم ابن تيمية‪) :‬إن المتبعين‬

‫العبودية ص ‪ ،114-112‬بتصرف‪ ،‬وانظر‪ :‬مجموع الفتاوى ‪ ،187-10/185‬والفوائد لبن القيم ص ‪.186‬‬ ‫‪90‬‬

‫روضة المحبين‪ ،‬ص ‪ ،11‬وانظر‪ :‬ذم الهوى‪ ،‬لبن الجوزي‪ ،‬ص ‪.35‬‬ ‫‪91‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪26‬‬

‫لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما‬
‫يشتهيه حتى يقهره ويملكه‪ ،‬ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصّرف ذلك‬
‫المطلوب‪.‬‬
‫فـمــا يـمـثـلــه النسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره‪ ،‬فل يقدر‬
‫قلبه على المتناع منه؛ فـيـبـقـى مستغرقا ً في تلك الصورة ‪ ..‬والقلب يغرق فيما‬
‫يستولي عليه‪ :‬إما من محبوب وإما من مـخــوف‪ ،‬كما يوجد من محبة المال‬
‫والجاه والصور؛ والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقا ً كما يغرق الغريق‬
‫في الماء‪.92(...‬‬
‫وقد قال المام الشافعي ـ رحمه الله ـ‪) :‬من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء‬
‫الدنيا(‪.93‬‬
‫وإذا كان الفراط والنهـمــاك في الشهوات مذموما ً شرعًا‪ ،‬كما قال ـ عز وجل ـ‪:‬‬
‫غيًا((‬‫ن َ‬ ‫ف ي َل ْ َ‬ ‫خل ْ ٌ َ‬ ‫خل َ َ‬
‫قو ْ َ‬ ‫ت فَ َ‬
‫سو ْ َ‬ ‫وا ِ‬ ‫صلة َ َوات ّب َُعوا ال ّ‬
‫شه َ َ‬ ‫عوا ال ّ‬
‫ضا ُ‬
‫فأ َ‬ ‫م َ‬
‫ن ب َعْد ِه ِ ْ‬
‫م ْ‬
‫ف ِ‬ ‫))فَ َ‬
‫ل؛ فإن العاقل البصير ينظر في‬ ‫]مريم‪[59 :‬؛ فكذلك اتباع الشهوات مذموم عق ً‬
‫عواقب المور‪ ،‬فل ي ُؤ ْث ُِر العاجلة الفانية على الخرة الباقية‪.‬‬
‫يقول ابن الجوزي ـ رحمــه الله ـ‪) :‬اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة‬
‫ل‪ ،‬وإن‬ ‫الحاضرة من غير فكر في عاقبة‪ ،‬ويحث على نـيـل الـشـهــوات عـاجـــ ً‬
‫ذات في الجل(‪.‬‬ ‫كانت سببا ً لللم والذى في العاجل‪ ،‬ومنع ل ّ‬
‫فـأمـــا العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذةٍ يعقبها ألم‪ ،‬وشهوة ُتورث ندمًا‪ ،‬وكفى‬
‫بهذا القدر مدحا ً للعقل وذما ً للهوى‪.‬‬
‫وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبًا‪ ،‬وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم‬
‫العقل؛ فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الجلة‪ ،‬ويأمره عند وقوع الشبهة‬
‫باستعمال الحوط في كف الهوى‪ ،‬إلى أن يتيقن السلمة من الشر في العاقبة(‪.94‬‬
‫ولـيـعـلــم العبد أن الصبر عن الشهوات ـ وما فيها من الغراء والبريق والفتتان ـ‬
‫أيسر من الصبر عـلـى عــواقب الشهوات وآلمها وحسراتها‪ ،‬كما بينه ابن القيم‬
‫بقوله‪) :‬الصبر عن الشهوة أسهل مـن الصبر على ما توجبه الشهوة‪ ،‬فإنها إما أن‬
‫توجب ألما ً وعقوبة‪ ،‬وإما أن تقطع لذة أكمل مـنـهـــــا‪ ،‬وإما أن تضيع وقتا ً إضاعته‬
‫حسرة وندامة‪ ،‬وإما أن تثلم عرضا ً توفيره أنفع للعبد من ثـلـمـــه‪ ،‬وإما أن ُتذهب‬
‫مال ً بقاؤه خير له من ذهابه‪ ،‬وإما أن تضع قدرا ً وجاها ً قيامه خير من‬
‫وضـعـــــــــه‪ ،‬وإمـا أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة‪ ،‬وإما أن‬
‫تطرق لوضيع إليك طريـقــا ً لم يكن يجدها قبل ذلك‪ ،‬وإما أن تجلب هما ً وغما ً‬
‫مجموع الفتاوى‪ ،595 ،10/594 ،‬بتصرف يسير‪.‬‬ ‫‪92‬‬

‫سير أعلم النبلء ‪.10/97‬‬ ‫‪93‬‬

‫ذم الهوى‪ ،‬لبن الجوزي‪ ،‬ص ‪ ،36‬باختصار‪.‬‬ ‫‪94‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪27‬‬

‫وحزنا ً وخوفا ً ل يقارب لذة الشهوة‪ ،‬وإما أن تنـســي علما ً ذكره ألذ من نيل‬
‫الشهوة‪ ،‬وإما أن ُتشمت عدوا ً وتحزن وليًا‪ ،‬وإما أن تقطع الطريق على نعمة‬
‫مقبلة‪ ،‬وإما أن تحدث عيبا ً يبقى صفة ل تزول؛ فإن العمال تورث الصفات‬
‫والخلق(‪.95‬‬
‫ومما يحسن ذكره هاهنا أن أعرابيا ً عشق امرأة ‪ ,‬فطال به وبها المر ‪ ,‬فلما التقيا‬
‫شَعبها ‪ ,‬ذكر الدار الخرة ‪ ,‬فقال‪ :‬والله إن امرءا ً باع جنة‬
‫وتمكن منها وصار بين ُ‬
‫عرضها السماوات والرض بفْتر‪ 96‬بين رجليك لقليل البصر بالمساحة‪.97‬‬

‫الفوائد‪ ،‬ص ‪.131‬‬ ‫‪95‬‬

‫الفتر‪ :‬ما بين طرف البهام زطرف السبابة بالتفريج المعتاد‪ .‬انظر‪ :‬المصباح المنيرص ‪.552‬‬ ‫‪96‬‬

‫ذم الهوى لبن الجوزي‬ ‫‪97‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪28‬‬

‫شهوة النساء‬

‫وأما عن شهوة النساء‪ ،‬أو بالحرى شهوة الجنس ـ عموما ً ـ فإن المتأمل في‬
‫سعارا ً تجاه هذه الشهوات‪ ،‬وولوغا ً‬ ‫أحوال المسلمين ـ فضل ً عمن دونـهـم ـ يرى ُ‬
‫في مستنقعاتها السنة‪ ،‬فما أكـثـر المـسـلـمـين العاكفين على متابعة الطباق‬
‫مروا أعيـنـهـم في سبيل مــلحقة برامج‬ ‫الفضائية وشبكات )النترنت(‪ ،‬وقد س ّ‬
‫دون رحالهم إلى بلد الكفر والفجور في سبيل تلبية‬ ‫الفحش‪ ،‬وما أكثر الذين يش ّ‬
‫شهواتهم المحرمة‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬
‫مارة بالسوء على إفساد عفاف‬ ‫لقد تكالب شياطين النس والجن مع النفوس ال ّ‬
‫َ‬
‫ن‬ ‫ريد ُ ال َ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ب ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫م وَي ُ ِ‬ ‫ريد ُ أن ي َُتو َ‬ ‫المسلمين وأخلقهم‪ ،‬قال ـ سبحانه ـ‪َ)) :‬والل ّ ُ‬
‫ه يُ ِ‬
‫ظيمًا((‪] .‬النساء‪[27 :‬‬ ‫َ‬
‫مي ْل ً ع َ ِ‬‫ميُلوا َ‬
‫ت أن ت َ ِ‬
‫وا ِ‬ ‫ن ال ّ‬
‫شه َ َ‬ ‫ي َت ّب ُِعو َ‬
‫ومما يجدر ذكره أن من أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة ل حد له‬
‫ول انقضاء‪ ،‬وإذا كان الشخص المولع بالدنيا ل يشبع من المال ـ كما في الحديث‪:‬‬
‫‪98‬‬
‫)لو كان لبن آدم واديان من ذهب لبتغى ثالثًا‪ ،‬ول يمل جوف ابن آدم إل التراب(‬
‫ـ‪ ،‬فكذلك الشخص المولع بشهوة الجنس بدون ضابط أو رادع ل يقف ول يرعوي‪.‬‬
‫ت مال قارون‪ ،‬وجسد هرقل‪ ،‬وواصلتك‬ ‫يقول الشيخ علي الطنطاوي‪) :‬لو أوتي َ‬
‫عشر آلف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل وكل نوع من أنواع الجمال‪،‬‬
‫هل تظن أنك تكتفي؟ ل‪ ،‬أقولها بالصوت العالي‪ :‬ل‪ ،‬أكتبها بالقلم العريض‪ ،‬ولكن‬
‫فتم حولكم وجدتم في‬ ‫واحدة بالحلل تكفيك‪ .‬ل تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تل ّ‬
‫الحياة الدليل قائما ً ظاهرا ً مرئيًا(‪.99‬‬
‫وجاء في الدب الكبير‪ ،‬لبن المقفع‪) :100‬اعلم أن من أوقع المور في الدين‪،‬‬
‫وأنهكها للجسد‪ ،‬وأتلفها للمال‪ ،‬وأجلبها للعار‪ ،‬وأزراها للمروءة‪ ،‬وأسرعها في‬
‫ذهاب الجللة والوقار‪ :‬الغرام بالنساء‪ .‬ومن العجب أن الرجل ل بأس بلّبه ورأيه‬
‫حسن والجمال حتى‬ ‫ور لها في قلبه ال ُ‬ ‫يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها‪ ،‬فيص ّ‬
‫تعلق بها نفسه من غير رؤية ول خبر مخبر‪ ،‬ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح‪،‬‬
‫م الدمامة‪ ،‬فل يعظه ذلك؛ ول يقطعه عن أمثالها‪ ،‬ول يزال مشغوفا ً بما لم‬ ‫وأد ّ‬
‫يذق‪ ،‬حتى لو لم يبق في الرض غير امرأة واحدة‪ ،‬لظن أن لها شأنا ً غير شأن ما‬
‫ذاق‪ ،‬وهذا هو الحمق والشقاء والسفه(‪.‬‬

‫‪ 98‬أخرجه مسلم في الذكاة )‪ ،(1049‬والترمذي في المناقب )‪ (3793‬و )‪.(3898‬‬


‫‪ 99‬فتاوى علي الطنطاوي‪ ،‬ص ‪ ،146‬وانظر‪ :‬صيد الخاطر‪ ،‬لبن الجوزي‪ ،‬ص ‪.261‬‬
‫‪ 100‬ص ‪ 99-97‬باختصار‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪29‬‬

‫إن أشد الفتن وأعظمها‪ :‬الفتنـة بالنسـاء‪ ،‬كما قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪: -‬‬
‫)ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء(‪.101‬‬
‫ضِعيفًا(( ]النساء‪) ،[28 :‬إذا نظر‬ ‫ن َ‬
‫سا ُ‬
‫خل ِقَ الن َ‬
‫قال المام طاووس عند قوله‪)) :‬وَ ُ‬
‫إلى النساء لم يصبر(‪.102‬‬
‫وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ )لم يكن كفر من مضى إل من ِقبل النساء‪،‬‬
‫وهو كائن كفر من بقي من ِقبل النساء(‪.103‬‬
‫وهاك أخي القارئ حكايتين واقعيتين تكشفان أن من أسباب الكفر بالله‪ :‬عشق‬
‫النساء‪.‬‬
‫فأما الحكاية الولى‪:‬‬
‫فقد ساقها أبو الفرج ابن الجوزي بقوله‪) :‬بلغني عن رجل كان ببغداد ُيقال له‪:‬‬
‫ذن أربعين سنة‪ ،‬وكان ُيعرف بالصلح‪ ،‬أنه صعد يوما ً إلى المنارة‬ ‫صالح المؤذن‪ ،‬أ ّ‬
‫ليؤذن‪ ،‬فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد‪ ،‬فافتتن بها‪ ،‬فجاء‬
‫فطرق الباب‪ ،‬فقالت‪ :‬من؟ فقال‪ :‬أنا صالح المؤذن‪ ،‬ففتحت له‪ ،‬فلما دخل ضمها‬
‫إليه‪ ،‬فقالت‪ :‬أنتم أصحاب المانات فما هذه الخيانة؟ فقال‪ :‬إن وافقتني على ما‬
‫أريد وإل قتلتك‪ .‬فقالت‪ :‬ل؛ إل أن تترك دينك‪ ،‬فقال‪ :‬أنا بريء من السلم ومما‬
‫جاء به محمد‪ ،‬ثم دنا إليها‪ ،‬فقالت‪ :‬إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى‬
‫ب‬
‫ل من لحم الخنزير‪ ،‬فأكل‪ ،‬قالت‪ :‬فاشرب الخمر‪ ،‬فشرب‪ ،‬فلما د ّ‬ ‫دينك‪ ،‬فك ُ ْ‬
‫الشراب فيه دنا إليها‪ ،‬فدخلت بيتا ً وأغلقت الباب‪ ،‬وقالت‪ :‬اصعد إلى السطح حتى‬
‫فته في ثوب‪ ،‬فجاء‬ ‫إذا جاء أبي زّوجني منك‪ ،‬فصعد فسقط فمات‪ ،‬فخرجت فل ّ‬
‫صت عليه القصة‪ ،‬فأخرجه في الليل فرماه في السكة‪ ،‬فظهر حديثه‪،‬‬ ‫أبوها‪ ،‬فق ّ‬
‫‪104‬‬
‫فُرمي في مزبلة( ‪.‬‬
‫أما الحكاية الثانية‪:‬‬
‫ذكر الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما‬
‫يلي‪:‬‬
‫)وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم ـ قبحه الله ـ ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي‬
‫كان من المجاهدين كثيرا ً في بلد الروم‪ ،‬فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون‬
‫يحاصرون بلدة من بلد الروم‪ ،‬إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك‬
‫الحصن‪ ،‬فهويها‪ ،‬فراسلها‪ :‬ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت‪ :‬أن تتنصر وتصعد‬
‫ي‪ ،‬فأجابها إلى ذلك‪ ،‬فما راع المسلمين إل وهو عندها‪ ،‬فاغتم المسلمون بسبب‬ ‫إل ّ‬
‫أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والستغفار‪ .2741 ،274 ،‬والترمذي في الدب ‪.2780‬‬ ‫‪101‬‬

‫انظر‪ :‬ذم الهوى‪ ،‬لبن الجوزي ص ‪ ،179‬وروضة المحبين‪ ،‬ص ‪.203‬‬ ‫‪102‬‬

‫انظر‪ :‬ذم الهوى‪ ،‬لبن الجوزي‪ ،‬ص ‪ ،178‬وروضة المحبين ص ‪.197‬‬ ‫‪103‬‬

‫ذم الهوى‪ ،‬ص ‪.409‬‬ ‫‪104‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪30‬‬

‫ذلك غما ً شديدًا‪ ،‬وشق عليهم مشقة عظيمة‪ ،‬فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو‬
‫مع تلك المرأة في ذلك الحصن‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا فلن ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟‬
‫ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلتك؟ فقال‪ :‬اعلموا أني ُأنسيت‬
‫م ي َا ًك ُُلوا‬‫ن)‪(2‬ذ َْرهُ ْ‬
‫مي َ‬
‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬ ‫فُروا ل َوْ َ‬
‫كاُنوا ُ‬ ‫ن كَ َ‬ ‫ما ي َوَد ّ ال َ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ن كله إل قوله‪ّ)) :‬رب َ َ‬ ‫القرآ َ‬
‫َ‬
‫ن(( ]الحجر‪ [3 ،2 :‬وقد صار لي فيهم مال‬ ‫مو َ‬ ‫ف ي َعْل َ ُ‬‫سوْ َ‬ ‫ل فَ َ‬ ‫م ُ‬ ‫مت ُّعوا وَي ُل ْهِهِ ُ‬
‫م ال َ‬ ‫وَي َت َ َ‬
‫‪105‬‬
‫وولد( ‪.‬‬
‫إن الولوغ في الفواحش وارتكابها له وسائل متعددة وأسباب كثيرة‪ ،‬وأدناها‪:‬‬
‫سماع الغاني؛ فإن الغناء رقية الزنا‪ ،‬وداعية الفاحشة‪.‬‬
‫وقال يزيد بن الوليد‪) :‬يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء‪ ،‬ويزيد في‬
‫كر‪ ،‬فإن كنتم‬ ‫س ْ‬ ‫الشهوة‪ ،‬ويهدم المروءة‪ ،‬وإنه لينوب عن الخمر‪ ،‬ويفعل ما يفعل ال ّ‬
‫ل بد فاعلين فجّنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا(‪.106‬‬
‫قال ابن القيم‪) :‬ومن المر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على‬
‫الرجل اجتهد أن ُيسمعها صوت الغناء‪ ،‬فحينئذ ٍ تعطي الليان(؛ وهذا لن المرأة‬
‫سريعة النفعال للصوات جدًا‪ ،‬فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين‪:‬‬
‫من جهة الصوت‪ ،‬ومن جهة معناه؛ ولهذا قال النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫لنجشة حاديه‪) :‬يا أنجشة رويدك‪ ،‬رفقا ً بالقوارير(‪ 107‬يعني النساء‪.‬‬
‫دف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر‪ ،‬فلو‬ ‫)أما إذا اجتمع إلى هذه الرقية ال ّ‬
‫حبلت المرأة من صوت لحبلت من هذا الغناء‪.‬‬
‫فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا‪ ،‬وكم من حّر أصبح به عبدا ً‬
‫دل به اسما ً قبيحا ً بين البرايا‪ ،‬وكم من معافى‬ ‫للصبيان أو الصبايا‪ ،‬وكم من غيور تب ّ‬
‫تعّرض له فأمسى وقد حّلت به أنواع البليا( ‪.‬‬
‫‪108‬‬

‫ومن أشد الوسائل فتكًا‪ :‬النظر المحرم‪ ،‬فكم من نظرة إلى صورة جميلة ـ في‬
‫السوق أو في شاشة أو مجلة ـ أعقبت فواحش وآلما ً وحسرات‪ .‬قال المام أحمد‬
‫ـ رحمه الله ـ‪) :‬إذا خاف الفتنة ل ينظر‪ ،‬كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها‬
‫البلبل(‪.109‬‬
‫يقول ابن الجوزي محذرا ً من إطلق البصر‪) :‬اعلم ـ وفقك الله ـ أن البصر صاحب‬
‫خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات‪ ،‬وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر‪،‬‬
‫فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الخرة‪ .‬ولما كان إطلق البصر سببا ً‬

‫البداية‪.11/64 ،‬‬ ‫‪105‬‬

‫انظر‪ :‬إغاثة اللهفان‪.1/369 ،‬‬ ‫‪106‬‬

‫أخرجه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫‪107‬‬

‫إغاثة اللهفان‪.371 ،1/370 ،‬‬ ‫‪108‬‬

‫انظر‪ :‬ذم الهوى‪ ،‬لبن الجوزي‪ ،‬ص ‪.116‬‬ ‫‪109‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪31‬‬

‫ض البصر عما ُيخاف عواقبه‪ .‬قال الله ـ‬ ‫لوقوع الهوى في القلب‪ ،‬أمرك الشارع بغ ّ‬
‫تعالى ـ‪ُ)) :‬قل ل ّل ْمؤ ْمِنين يغُضوا م َ‬
‫ت‬‫مَنا ِ‬ ‫مؤ ْ ِ‬ ‫م(( ]النور‪)) .[30 :‬وَُقل ل ّل ْ ُ‬ ‫صارِه ِ ْ‬ ‫ن أب ْ َ‬ ‫ِ ْ‬ ‫ُ ِ َ َ ّ‬
‫مسبب هذا السبب‪ ،‬ونّبه على‬ ‫يغْضضن م َ‬
‫ن(( ]النور‪ .[31 :‬ثم أشار إلى ُ‬ ‫صارِه ِ ّ‬
‫ن أب ْ َ‬ ‫َ ُ ْ َ ِ ْ‬
‫ن‬
‫فظ َ‬‫ْ‬ ‫ح َ‬ ‫م(( ]النور‪)) ،[30 :‬وَي َ ْ‬ ‫فظوا فُُرو َ‬
‫جه ُ ْ‬ ‫ُ‬ ‫ح َ‬
‫ما يؤول إليه هذا الشر بقوله‪)) :‬وَي َ ْ‬
‫ن(( ]النور‪.110([31 :‬‬ ‫فُُرو َ‬
‫جه ُ ّ‬
‫وقد تحدث شيخ السلم ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن النظر المحرم وما يؤول إليه‬
‫من الوقوع في الفواحش‪ ..‬بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله ـ تعالى ـ‬
‫فكان مما قاله‪) :‬وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر‪ ،‬فإن‬
‫أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة‪ ،‬وقد يكون الصرار على ذلك أعظم‬
‫من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق‬
‫والمعاشرة والمباشرة أعظم بكثير من فساد زنا ل إصرار عليه؛ ولهذا قال‬
‫الفقهاء في الشاهد العدل‪ :‬أن ل يأتي كبيرة‪ ،‬ول يصر على صغيرة‪.‬‬
‫ن‬
‫م َ‬ ‫بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك‪ ،‬كما قال ـ تعالى ـ‪)) :‬وَ ِ‬
‫َ‬
‫ه(( ]البقرة‪ ،[165 :‬ولهذا ل‬ ‫ب الل ّ ِ‬‫ح ّ‬ ‫م كَ ُ‬‫حّبون َهُ ْ‬ ‫دادا ً ي ُ ِ‬‫ن الل ّهِ أن َ‬
‫دو ِ‬‫من ُ‬ ‫خذ ُ ِ‬ ‫من ي َت ّ ِ‬‫س َ‬‫الّنا ِ‬
‫يكون عشق الصور إل من ضعف محبة الله وضعف اليمان‪ .‬والله ـ تعالى ـ إنما‬
‫ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة‪ ،‬وعن قوم لوط المشركين(‪.111‬‬
‫وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ‪) :‬وقد جعل الله ـ سبحانه ـ العين مرآة القلب فإذا‬
‫ض القلب شهوته وإرادته‪ ،‬وإذا أطلق بصره أطلق القلب‬ ‫ض العبد بصره‪ ،‬غ ّ‬ ‫غ ّ‬
‫شهوته(‪.‬‬
‫ـ إلى أن قال ـ والنظرة إذا أّثرت في القلب‪ ،‬فإن عجل الحازم وحسم المادة من‬
‫قب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب‬ ‫أولها سُهل علجه‪ ،‬وإن كرر النظر ون ّ‬
‫فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة‪ ،‬وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي‬
‫الشجرة‪ ،‬فل تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما‬
‫أمر به‪ ،‬فيخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن(‪.112‬‬
‫ومن أشد الوسائل ضررا ً وشرًا‪ :‬اختلط النساء بالرجال؛ فإن هذا الختلط أنكى‬
‫وسيلة في النغماس في الفواحش والقاذورات‪ ،‬وقد كثر في هذا الزمان من‬
‫يطالب بهذا الختلط ويدعو إليه؛ حيث ينادون بمزاحمة النساء للرجال في جميع‬
‫المجالت والعمال‪ ،‬زاعمين أنهم يريدون الخير والصلح لمجتمعاتهم‪ ،‬أل أنهم هم‬
‫المفسدون ولكن ل يشعرون‪.‬‬

‫ذم الهوى‪ ،‬ص ‪.106‬‬ ‫‪110‬‬

‫مجموع الفتاوى‪.293 ،15/292 ،‬‬ ‫‪111‬‬

‫روضة المحبين‪ ،‬ص ‪ ،95 ،94 ،92‬باختصار يسير‪.‬‬ ‫‪112‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪32‬‬

‫قال ابن القيم متحدثا ً عن مفاسد الختلط‪) :‬ول ريب أن تمكين النساء من‬
‫اختلطهن بالرجال أصل كل بلية وشر‪ ،‬وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات‬
‫العامة‪ ،‬كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة‪ ..‬وهو من أسباب الموت‬
‫العام والطواعين المهلكة‪ .‬ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ـ عليه السلم ـ‬
‫وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون‬
‫ألفًا‪ ،‬والقصة مشهورة في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة‬
‫الزنا بسبب تمكين النساء من اختلطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات‬
‫متجملت(‪.113‬‬
‫وها هنا أمر مهم بنبغي التنبيه عليه‪ ،‬وهو أن الولع والنكباب على الشهوات سببه‬
‫ضعف التوحيد‪ ،‬فإن القلب كلما كان أضعف توحيدا ً وأقل إخلصا ً لله ـ تعالى ـ كان‬
‫أكثر فاحشة وشهوة‪.114‬‬
‫يقول شيخ السلم ابن تيمية ـ في هذه المسألة ـ‪) :‬وهذا ]اي العشق والشهوات[‬
‫إنما يبتلى به أهل العراض عن الخلص لله الذين فيهم نوع من الشرك‪ ،‬وإل‬
‫فأهل الخلص‪ ،‬كما قال الله ـ تعالى ـ في حق يوسف ـ عليه السلم ـ‪)) :‬ك َذ َل ِ َ‬
‫ك‬
‫ن(( ]يوسف‪ [24 :‬فامرأة‬ ‫خل َ ِ‬
‫صي َ‬ ‫م ْ‬
‫عَباد َِنا ال ُ‬
‫ن ِ‬
‫م ْ‬
‫ه ِ‬ ‫شاَء إن ّ ُ‬ ‫ح َ‬‫ف ْ‬ ‫سوَء َوال ْ َ‬ ‫ه ال ّ‬ ‫ف ع َن ْ ُ‬ ‫صرِ َ‬ ‫ل ِن َ ْ‬
‫العزيز كانت مشركة فوقعت ـ مع تزوجها ـ فيما وقعت فيه من السوء‪ ،‬ويوسف ـ‬
‫عليه السلم ـ مع عزوبته‪ ،‬ومراودتها له‪ ،‬واستعانتها عليه بالنسوة‪ ،‬وعقوبتها له‬
‫ن)‬ ‫بالحبس على العفة‪ ،‬عصمه الله بإخلصه له‪ ،‬تحقيقا ً لقوله‪)) :‬ل ُغ ْوينه َ‬
‫مِعي َ‬ ‫ج َ‬
‫مأ ْ‬ ‫َُِّ ْ‬
‫س‬ ‫َ‬
‫عَباِدي لي ْ َ‬ ‫ن ِ‬ ‫ن(( ]ص‪ ،[83 ،82 :‬قال ـ تعالى ـ‪)) :‬إ ّ‬ ‫صي َ‬‫خل َ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫م ال ُ‬ ‫من ْهُ ُ‬‫ك ِ‬‫عَباد َ َ‬ ‫‪ (82‬إل ّ ِ‬
‫ن(( ]الحجر‪ [42 :‬والغي هو اتباع‬ ‫ن الَغاِوي َ‬ ‫م َ‬
‫ك ِ‬ ‫ن ات ّب َعَ َ‬ ‫ن إل ّ َ‬ ‫سل ْ َ‬ ‫ك ع َل َي ْهِ ْ‬‫لَ َ‬
‫م ِ‬ ‫طا ٌ‬ ‫م ُ‬
‫الهوى‪.115‬‬
‫إن الفتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعا ً من العقوبات والمفاسد في الدنيا‬
‫والخرة‪.‬‬
‫وأشار ابن الجوزي إلى تنوع هذه العقوبات فقال‪) :‬اعلم أن العقوبة تختلف‪ :‬فتارة‬
‫تتعجل‪ ،‬وتارة تتأخر‪ ،‬وتارة يظهر أثرها‪ ،‬وتارة يخفى‪ .‬وأطرف العقوبات ما ل يحس‬
‫بها المعاَقب‪ ،‬وأشدها العقوبة بسلب اليمان والمعرفة‪ ،‬ودون ذلك موت القلب‬
‫ومحو لذة المناجاة منه‪ ،‬وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن‪ ،‬وإهمال‬
‫الستغفار‪ ،‬ونحو ذلك مما ضرره في الدين‪ .‬وربما دّبت العقوبة في الباطن دبيب‬
‫الظلمة‪ ،‬إلى أن يمتلئ أفق القلب‪ ،‬فتعمى البصيرة‪ ،‬وأهون العقوبة ما كان واقعا ً‬
‫بالبدن في الدنيا‪ ،‬وربما كانت عقوبة النظر في البصر‪ .‬فمن عرف لنفسه من‬
‫الطرق الحكمية‪ ،‬ص ‪.259‬‬ ‫‪113‬‬

‫الفوائد‪ ،‬لبن القيم‪ ،‬ص ‪.75‬‬ ‫‪114‬‬

‫مجموع الفتاوى‪.15/421 ،‬‬ ‫‪115‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪33‬‬

‫الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يُرد ّ ما‬
‫رد(‪.116‬‬ ‫يَ ِ‬
‫وتحدث شيخ السلم ابن تيمية عن عقوبات الشهوة المحرمة‪ ،‬فكان مما قاله‪:‬‬
‫)فأما من استعبد قلبه صورة محرمة‪ :‬امرأة أو صبي‪ ،‬فهذا هو العذاب الذي ل‬
‫َيدان فيه‪ ،‬وهؤلء من أعظم الناس عذابا ً وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا‬
‫بقي قلبه متعلقا ً بها‪ ،‬مستعَبدا ً لها‪ ،‬اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما ل يحصيه‬
‫إل رب العباد‪ .‬ومن أعظم هذا البلء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق‬
‫طعم عبادة الله والخلص له‪ ،‬لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك‪ ،‬ول ألذ ول‬
‫أطيب(‪.117‬‬
‫وقال أيضًا‪) :‬ول ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب؛ فإن الشهوة توجب‬
‫ن(( ]الحجر‪:‬‬ ‫مُهو َ‬ ‫سك َْرت ِهِ ْ‬
‫م ي َعْ َ‬ ‫م لَ ِ‬
‫في َ‬ ‫كر‪ ،‬كما قال ـ تعالى ـ عن قوم لوط‪)) :‬إن ّهُ ْ‬‫س ْ‬‫ال ّ‬
‫‪ ،[72‬وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ من حديث أبي هريرة عن النبي ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬قال‪) :‬العينان تزنيان وزناهما النظر( الحديث إلى آخره‪ .‬فكثير‬
‫من الناس يكون مقصوده بعض هذه النواع المذكورة في هذا الحديث كالنظر‬
‫والستماع والمخاطبة‪ ،‬ومنهم من يرتقي إلى اللمس والمباشرة‪ ،‬ومنهم من يقّبل‬
‫وينظر‪ ،‬وكل ذلك حرام‪ ،‬وقد نهانا الله ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم‬
‫عليهم الحد‪ ،‬فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟‬
‫بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به النسان من أنواع الزنا‬
‫المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره(‪.118‬‬
‫دث ابن القيم ـ في غير موضع ـ عن مفاسد الزنا وما يحويه من أنواع‬ ‫وتح ّ‬
‫الشرور‪ ...‬فكان مما قاله ـ رحمه الله ـ‪) :‬والزنا يجمع خلل الشر كلها من قلة‬
‫الدين وذهاب الورع‪ ،‬وفساد المروءة وقلة الغيرة‪ ،‬فل تجد زانيا ً معه ورع‪ ،‬ول وفاء‬
‫بعهد‪ ،‬ول صدق في حديث‪ ،‬ول محافظة على صديق‪ ،‬ول غيرة تامة على أهله‪...‬‬
‫ومن موجباته‪ :‬غضب الرب بإفساد حرمة عياله‪ ،‬ومنها‪ :‬سواد الوجه وظلمته وما‬
‫يعلوه من الكآبة والمقت‪ ،‬ومنها ظلمة القلب وطمس نوره‪ ...‬ومنها أنه يذهب‬
‫حرمة فاعله‪ ،‬ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده‪ ،‬ومنها أن يسلبه أحسن‬
‫السماء ويعطيه أضدادها‪ .‬ومنها ضيق الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضد ّ‬
‫قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض‬

‫ذم الهوى‪ ،‬ص ‪.217‬‬ ‫‪116‬‬

‫مجموع الفتاوى‪.10/187 ،‬‬ ‫‪117‬‬

‫مجموع الفتاوى‪.289 ،15/288 ،‬‬ ‫‪118‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪34‬‬

‫قصده؛ فإن ما عند الله ل ُينال إل بطاعته‪ ،‬ولم يجعل الله معصيته سببا ً إلى خير‬
‫قط(‪.119‬‬
‫وقال في موضع آخر‪) :‬واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب المعّلق بالحرام‪،‬‬
‫م أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه‪ ،‬ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي‬ ‫كلما ه ّ‬
‫الخرة هكذا‪...‬‬
‫مرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي ‪-‬صلى‬ ‫س ُ‬ ‫وفي بعض طرق حديث َ‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬قال‪) :‬رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما‪ ،‬فإذا‬
‫بيت مبني على مثل بناء التنور أعله ضّيق وأسفله واسع‪ ،‬يوقد تحته نار‪ ،‬فيه‬
‫رجال ونساء عراة‪ ،‬فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا‪ ،‬فإذا أخمدت‬
‫رجعوا فيها‪ ،‬فقلت‪ :‬من هؤلء؟ قال‪ :‬هم الزناة(‪ .‬فتأمل مـطـــابقة هذا الحديث‬
‫لحال قلوبهم في الدنيا؛ فإنهم كلما هموا بالتوبة والقلع والخروج من تنور‬
‫كسوا فيه وعادوا بعد أن كادوا يخرجون(‪.120‬‬ ‫ُ‬
‫الشهوة إلى فضاء التوبة أر ِ‬
‫وقال في موضع ثالث‪) :‬وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة ل‬
‫يلتذون بها وهم مع ذلك ل يستطيعون تركها؛ لنـهــا قد صارت عندهم بمنزلة‬
‫العيش الذي ل بد لهم منه‪ ،‬ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع ل يـلـتـذ بهـمــــا‬
‫عـشـــر معشار من يفعله نادرا ً في الحيان(‪.121‬‬
‫ومـمــــــا ذكره الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ في مفاسد البغاء‪) :‬في‬
‫البغاء فساد كبير‪ ،‬وشـــــر مستطير‪ :‬يفتك بالفضيلة‪ ،‬يدنس العراض‪ ،‬يعكر صفو‬
‫المن‪ ،‬يفصم رابطة الوفاق‪ ،‬يـبـعـث المـــراض القاتلة في الجسام‪ ،‬وأي حياة‬
‫لجماعة تضيع أخلقها وتتسخ أعراضها‪ ،‬ويختل أمنها‪ ،‬وتدب البغضاء في نفوسها‪،‬‬
‫وتنهك العلل أجسامها؟(‪.122‬‬
‫روضة المحبين‪ ،‬ص ‪.360‬‬ ‫‪119‬‬

‫روضة المحبين‪ ،‬ص ‪.442‬‬ ‫‪120‬‬

‫روضة المحبين‪ ،‬ص ‪.470‬‬ ‫‪121‬‬

‫رسائل الصلح‪ ،‬ص ‪.23‬‬ ‫‪122‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪35‬‬

‫وفي ختام الحديث عن هذه الشهوة نورد علجها وسبيل النجاة منها‪،‬‬
‫وقد بسط أبو الـفـرج ابــن الجوزي في )ذم الهوى( وابن القيم في )روضة‬
‫المحبين( الحديث عن العلج‪ ،‬وأطنبا في وصفه وتشخيصه‪ ،‬وتمّيز ابن الـجــوزي‬
‫بإيراد علج لكل مرحلة من مراحل هذه الشهوة‪ ،‬فجعل لـلـنظر المحرم علجًا‪،‬‬
‫وجعل للخلوة بالنساء علجا ً وهكذا‪ .‬وأما ابن القيم فقد ساق خمسين وسيلة في‬
‫علج هذه الشهوة على سبيل الجمال والعموم‪.‬‬
‫طره يراع أبي الفرج ابن الجوزي في هذا المقام‪) :‬واعلم أن أمراض‬ ‫ومـمــا س ّ‬
‫العشق تختلف‪ ،‬فينبغي لذلك أن يختلف علجها؛ فليس علج من عنده بداية المرض‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪36‬‬

‫ق‬
‫كعلج من انتهى به المرض نهايته‪ ،‬وإنـمـــا ُيعـالـج مـن هذا المرض من لم يرت ِ‬
‫‪123‬‬
‫إلى غايته؛ فإنه إذا بلغ الغاية أحدث الجنون والذهول‪ ،‬وتلك حالة ل تقبل العلج( ‪.‬‬
‫وقــال أيـضـًا‪) :‬فإن تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشا ً‬
‫متمكنًا؛ وعلمة ذلك‪ :‬امـتــلء القلب بالحبيب؛ فكأنه يراه حال ّ في الصدر‪ ،‬وكأنه‬
‫يضمه إليه عند النوم ويحادثه في الخلوة‪ ،‬فاعلم أن سبب هذا الطمع في نيل‬
‫ل أن يقع الفـســــق إل في المطموع فيه؛‬ ‫المطلوب‪ ،‬وكفى بالطمع مرضًا‪ ،‬وق ّ‬
‫فإن النسان لو رأى زوجة الملك فهويها لم يكد قلبـه يتـعـلــق بها؛ لجل اليأس‬
‫ذبه إن لم‬ ‫من مثلها‪ .‬فأما من طمع في شيء فإن الطمع يحمله على طلبه‪ ،‬ويع ّ‬
‫يدركه‪..‬‬
‫وعلج هذا المرض‪ :‬العزم القوي على البعد عن المحبوب‪ ،‬والقطع الجازم على‬
‫غض البصر عنه‪ ،‬وهجران الطمع فيه‪ ،‬وتوطين النفس على اليأس منه(‪.124‬‬
‫كر‪ ،‬فتعلم أن محبوبك‬ ‫وقـــــال في موضع ثالث‪) :‬ومما ُيداوى به الباطن أن تف ّ‬
‫و‬
‫ل؛ فإن الدمي محش ّ‬ ‫ليس كما في نفسك‪ ،‬فأعـمــل فكرك في عيوبه تس ُ‬
‫بالنجاس والقذار‪ ،‬وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال‪ ،‬ول ُيصور له‬
‫الهوى عيبًا؛ لن الحقائق ل تنكشف إل مع العتدال‪ ،‬وسـلـطــان الهوى حاكم جائر‬
‫يغطي المعايب‪ ،‬فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسنًا‪.‬‬
‫دكم امرأة ٌ فليذكر‬‫ولهذا قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ‪) :‬إذا أعجبت أح َ‬
‫مناتنها(‪.125‬‬
‫وأما مــا حّرره ابن القيم في سبيل التخلص من شراك هذه الشهوات‪ ،‬فنختار‬
‫منها بضعة حلول ومن ذلك قوله‪:‬‬
‫)التـفـكـر فـي أنه لم ُيخلق للهوى‪ ،‬وإنما هُّيئ لمر عظيم ل يناله إل بمعصيته‬
‫للهوى كما قيل‪:‬‬
‫‪126‬‬
‫ل‬
‫فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهم ِ‬ ‫قد هيؤوك لمر لو فطنت له‬
‫)أن يأنف لنفسه مــن ذل طاعة الهوى؛ فإنه ما أطاع أحد هواه قط إل وجد في‬
‫ن‪ ،‬قد‬ ‫كبرهم؛ فهم أذل الناس بواط َ‬ ‫نفسه ذ ّ‬
‫ل‪ ،‬ول يـغـتـر بصـولـة أتباع الهوى و ِ‬
‫‪127‬‬
‫جمعوا بين خصلتي الكبر والذل( ‪.‬‬
‫)أن يعـلـم أن الـهـــــوى مـــا خالط شيئا ً إل أفسده‪ ،‬فإن وقع في العلم أخرجه‬
‫إلى البدعة والضللة وصار صاحبه من جملة أهل الهواء‪ ،‬وإن وقع في الزهد‬

‫‪ 123‬ذم الهوى‪ ،‬ص ‪.498‬‬


‫‪ 124‬ذم الهوى‪ ،‬ص ‪ ،502 ،501‬باختصار يسير‪ ،‬وانظر ص ‪.537‬‬
‫‪ 125‬ذم الهوى‪ ،‬ص ‪ ،547 ،546‬باختصار يسير‪.‬‬
‫‪ 126‬روضة المحبين ص ‪.472‬‬
‫‪ 127‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.473‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪37‬‬

‫أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة‪ ،‬وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى‬
‫ده عن الحق‪ ،‬وإن وقع في الولية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله‬ ‫الظلم وص ّ‬
‫والمسلمين حيث يوّلي بهواه ويعزل بهواه( ‪.‬‬
‫‪128‬‬

‫فار فليس بدونه‪ ،‬قال رجل‬ ‫)إن جهاد الهوى إن لم يكن أعـظــم مــن جـهــاد الك ّ‬
‫للحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ‪ :‬يا أبا سعيد! أي الجهاد أفضل؟ قال‪ :‬جهادك‬
‫فار‬
‫هواك‪ .‬وسمعت شيخنا ابن تيمية يقول‪) :‬جهاد النفس أصـــــل جهاد الك ّ‬
‫والمنافقين؛‪ ،‬فإنه ل يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أول ً حتى يخرج‬
‫إليهم(‪.129‬‬
‫)إن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق‪ ،‬ويفتح عليه أبواب الخذلن‪ ،‬فتراه‬
‫يلهج بأن الله لو وّفقه لكان كذا وكذا‪ ،‬وقد سد ّ على نفسه طـــــرق الـتـوفـيــق‬
‫باتباعه هواه‪ .‬قال الفضيل بن عياض‪ :‬من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات‬
‫انقطعت عـنـــه مـــــــوارد التوفيق(‪.130‬‬
‫)إن الـتـوحـيــد واتباع الهوى متضادان‪ ،‬فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه‬
‫بحسب هواه‪ ،‬وإنما بعث الله رسله بكسر الصنام وعبادته وحده ل شريك له‪،‬‬
‫سدة وترك الصنام التي في القلب‪،‬‬ ‫وليس مراد الله ـ تعالى ـ كسر الصنام المج ّ‬
‫َ‬
‫ل الِتي‬ ‫ماِثي ُ‬
‫ما هَذ ِهِ الت ّ َ‬
‫ل‪ ..‬وتأمل قول الخليل‪َ )) :‬‬ ‫بل المراد كسرها من القلب أو ً‬
‫ن(( ]النبياء‪ ،[52 :‬كيف تجده مطابقا ً للتماثيل التي يهواها القلب‬ ‫م ل ََها َ‬ ‫َ‬
‫فو َ‬ ‫عاك ِ ُ‬ ‫أنت ُ ْ‬
‫ويعكف عليها ويعبدها من دون الله ـ تعالى ـ(‪.131‬‬
‫)إن لكل عبد بداية ونهاية‪ ،‬فمن كانت بدايته اتباع الهوى‪ ،‬كانت نهايته الذل‬
‫والصغار والحرمان والبلء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه‪ ،‬بل يصير له ذلك في‬
‫ذب به في قلبه كما قال القائل‪:‬‬ ‫نهايته عذابا ً ُيع ّ‬
‫عذابا ً‬‫عذابا ً فصارت في المشيب َ‬ ‫مآرب كانت في الشباب لهلها ِ‬
‫فلو تأملت حال كــــــل ذي حالة سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره‬
‫على عقله‪ ،‬ومن كانت بدايـتـــــه مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته‬
‫العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس‪ .‬قيل للمهلب ابن أبي صفرة‪:‬‬
‫م نلت ما نلت؟ قال‪ :‬بطاعة الحزم وعصيان الهوى‪ .‬فهذا في بداية الدنيا ونهايتها‪،‬‬ ‫بِ َ‬
‫وأما الخرة فقد جعل الله ـ سبحانه ـ الجنة نهاية من خالف هواه‪ ،‬والنار نهاية من‬
‫اتبع هواه(‪.132‬‬

‫‪ 128‬المرجع السابق ‪.474‬‬


‫‪ 129‬المرجع السابق‪.478 ،‬‬
‫‪ 130‬المرجع السابق ‪.479‬‬
‫‪ 131‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.482 ،481‬‬
‫‪ 132‬ذم الهوى‪ ،‬ص ‪.484 ،483‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪38‬‬

‫وبالجملة‪ :‬فإنه ما من داء إل ولــه دواء ع َِلمه من علمه‪َ ،‬وجِهله من جهله‪،‬‬


‫والمتعّين على من ابتلي بشيء من هذه الشهوات أن يـبـــادر إلـى أســبــاب‬
‫النجاة ووسائلها‪ ..‬بالعزيمة الصادقة‪ ،‬والصبر والمصابرة‪ ،‬وعلو الهمة والشتغال‬
‫بمعالي المور والبتعاد عن سفاسفها‪ ،‬والمجاهدة في ذات الله ـ تعالى ـ‪ ،‬ونهي‬
‫النفس عن الهوى وإصلح الخواطر والرادات‪ ،‬وصحبة الصالحين‪ ،‬ودوام التضرع‬
‫إلى الله ـ تعالى ـ والنكسار بين يديه سبحانه‪.‬‬

‫* * *‬

‫شهوة المال‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪39‬‬

‫اسـتـولـى عـلـى أفئدة كثير من الناس الولع بالمال‪ ،‬فُأشربوا حبه والتعلق به‪،‬‬
‫ل حديثهم‬ ‫جيراهم ومقصودهم وج ّ‬ ‫فاستعبدهم الدرهم والديـنــــار‪ ،‬وصار ه ِ ّ‬
‫واهتمامهم‪ ،‬فإن أحبوا فل يحبون إل لجل المال‪ ،‬وإن أبغضوا فل يبغضون إل لجل‬
‫ُ‬
‫وا إذا هم يسخطون‪.‬‬ ‫المال‪ :‬إن أعطوا رضوا‪ ،‬وإن لم ُيعط َ ْ‬
‫ما‬
‫م الله ـ تعالى ـ الدنيا في كتابه في غير موضع‪ ،‬كقوله ـ تعالى ـ‪)) :‬وَ َ‬ ‫ولقد ذ ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ما‬‫موا أن ّ َ‬ ‫مَتاع ُ الغُُروِر(( ]ال عمران‪ [185 :‬وقوله ـ سبحانه ـ‪)) :‬اع ْل ُ‬ ‫حَياة ُ الد ّن َْيا إل ّ َ‬ ‫ال َ‬
‫ة(( ]الحديد‪.[20 :‬‬ ‫ب وَل َهْوٌ وَِزين َ ٌ‬ ‫حَياة ُ الد ّن َْيا ل َعِ ٌ‬‫ال َ‬
‫وأما الحاديث في ذم الدنيا وفضل الزهد فيها فكثيرة جدًا؛ منها حديث أبي سعيد‬
‫الخدري ـ رضي الله عنه ـ قـــــــال‪ :‬جلس رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫ن مما أخاف عليكم من بعدي ما ُيفتح عليكم‬ ‫على المنبر‪ ،‬وجلسنا حوله‪ ،‬فقال‪) :‬إ ّ‬
‫من زهرة الدنيا وزينتها( متفق عليه‪.‬‬
‫وعن أبي هريرة ‪-‬رضي الله عــنـــه‪ -‬عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال‪:‬‬
‫)تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخمـيـصــــة‪ ،‬إن أعطي رضي‪ ،‬وإن لم‬
‫ض( أخرجه البخاري‪.‬‬ ‫ط لم ير َ‬ ‫ُيع َ‬
‫وعن كعب بن عيا ض ‪-‬رضي الله عنه‪ -‬قا ل‪ :‬سمعت رسول الله ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬يـقــــــول‪) :‬إن لكل أمة فتنة‪ ،‬وفتنة أمتي المال( أخرجه الترمذي‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وعن كـعــب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال‪ :‬قال رسول الله‪) :‬ما ذئبان جائعان‬
‫ُأرسل في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه( أخرجه‬
‫الترمذي‪ ،‬وقال‪ :‬حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫وقد ورد عــــــن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ‪ :‬أنه قال‪ :‬إياكم وما شغل من‬
‫الدنيا؛ فإن الدنيا كثيرة الشغال‪ ،‬ل يفتح رجل على نفسه باب شغل إل أوشك ذلك‬
‫الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب(‪.133‬‬
‫وكان يقول أيـضـــــًا‪) :‬أهينوا الدنيا فو الله لهنأ ما تكون إذا أهنتها(‪ .134‬وكان‬
‫م إل أذله الله(‪.135‬‬ ‫الحسن يحلف بالله ما أعز أحد ٌ الدره َ‬
‫ولبن القيم ـ رحـمـــــه الله ـ كـلم نفـيس في الترغـيب بالزهـد في الدنيا‪،‬‬
‫والقبال على الخـرة‪ ،‬نـورد منـه ما يلي‪:‬‬
‫)ل تتم الرغبة في الخرة إل بالزهد في الدنيا‪ ،‬ول يستقيم الزهد في الدنيا إل بعد‬
‫نظرين صحيحين‪:‬‬
‫‪ 133‬أخرجه ابن المبارك في الزهد‪ ،‬ص ‪.189‬‬
‫‪ 134‬سير أعلم النبلء‪.4/579 ،‬‬
‫‪ 135‬أخرجه أبو نعيم في الحلية‪ ،2/152 ،‬وانظر‪ :‬سير أعلم النبلء‪.4/576 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪40‬‬

‫نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحللها ونقصها وخستها‪ ،‬وألم المزاحمة‬
‫عليها والحرص عليها‪ ،‬وما في ذلك من الغصص والنغص والنكاد‪ ،‬وآخر ذلك‬
‫م‬
‫الزوال والنقطاع مع ما يعقب من الحـسـرة والسف؛ فطالبها ل ينفك من ه ّ‬
‫م في حال الظفر بها‪ ،‬وغم وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين‪.‬‬ ‫قبل حصولها‪ ،‬وه ّ‬
‫النظر الثاني‪ :‬النظر في الخرة وإقبالها ومجيئها ول بد‪ ،‬ودوامها وبقائها وشرف ما‬
‫فيها من الخيرات والمسرات‪ ،‬والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا؛ فهي كما قال الله‬
‫قى(( ]العلى‪ [17 :‬فهي خيرات كاملة دائمة‪ ،‬وهذه‬ ‫خي ٌْر وَأ َب ْ َ‬‫خَرة ُ َ‬ ‫ـ سبحانه ـ‪َ)) :‬وال ِ‬
‫خيالت ناقصة منقطعة مضمحلة(‪.‬‬
‫عـــد الله ـ سبحانه ـ أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة‬ ‫ـ إلى أن قال ـ‪) :‬وقد تو ّ‬
‫ن‬
‫جو َ‬ ‫ن ل ي َْر ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫َ‬
‫ن ال ِ‬ ‫ج لقاءه فقال‪)) :‬إ ّ‬ ‫الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم ير ُ‬
‫قاَءنا ورضوا بال ْحياة الدنيا واط ْ َ‬
‫غافُِلو َ‬
‫ن)‬ ‫ن آَيات َِنا َ‬ ‫عــــ ْ‬ ‫م َ‬ ‫ن هـــــ ْ‬ ‫مأّنوا ب َِها َوال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫َ‬ ‫ِ َ َ ِ َّْ َ‬ ‫لِ َ َ َ َ ُ‬
‫ن(( ]يونس‪ [8 ،7 :‬وعّير ـ سبحانه ـ من‬ ‫سُبو َ‬ ‫كاُنوا ي َك ْ ِ‬ ‫ما َ‬ ‫م الّناُر ب ِ َ‬ ‫ما ًَواهُ ُ‬
‫ك َ‬‫‪(7‬أ ُوْل َئ ِ َ‬
‫َ‬
‫فُروا‬ ‫م ان ِ‬ ‫ل ل َك ُ ُ‬‫ذا ِقي َ‬ ‫مإ َ‬ ‫ما ل َك ُ ْ‬ ‫مُنوا َ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬‫رضي بالدنيا من المؤمنين فقال‪َ)) :‬يا أي َّها ال َ ِ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫مَتاعُ‬‫ما َ‬ ‫خَرةِ فَ َ‬ ‫ن ال ِ‬ ‫م َ‬ ‫حَياةِ الد ّن َْيا ِ‬ ‫ضيُتم ِبال ْ َ‬ ‫ض أَر ِ‬ ‫م إلى الْر ِ‬
‫ل الل ّهِ اّثاقَل ْت ُ ْ َ‬ ‫سـبــيــ ِ‬ ‫ِفي َ‬
‫ل(( ]التوبة‪ [38 :‬وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا‬ ‫خَرةِ إل ّ قَِلي ٌ‬ ‫حَياةِ الد ّن َْيا ِفي ال ِ‬ ‫ال َ‬
‫ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الخرة‪.‬‬
‫َ َ‬
‫ن )‪ (205‬ث ُ ّ‬
‫م‬ ‫سِني َ‬ ‫م ِ‬ ‫مت ّعَْناهُ ْ‬ ‫ت إن ّ‬ ‫ويكفي في الزهد في الدنيا قوله ـ تعالى ـ‪)) :‬أفََرأي ْ َ‬
‫ما َ‬ ‫َ‬ ‫ما َ‬
‫ن(( ]الشعراء‪-205 :‬‬ ‫مت ُّعو َ‬ ‫كاُنوا ي ُ َ‬ ‫ما أغ َْنى ع َن ُْهم ّ‬ ‫ن )‪َ (206‬‬ ‫دو َ‬ ‫كاُنوا ُيوع َ ُ‬ ‫هم ّ‬ ‫جاَء ُ‬‫َ‬
‫‪136‬‬
‫‪. ([207‬‬
‫وجاء في كتاب‪) :‬عدة الصابرين( لبن القيم ما يلي‪) :‬جميع المم المكذبة لنبيائهم‬
‫إنما حملهم على كفرهم وهلكهم حب الدنيا‪ ،‬فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك‬
‫والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم؛‬
‫فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا‪ ...‬فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر‬
‫النار بأهلها‪ ،‬والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها‪ ،‬والسكر بحب‬
‫الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير‪ ،‬وصاحب هذا السكر ل يفيق منه إل‬
‫في ظلمة اللحد‪ ...‬والدنيا تسحر العقول أعظم سحر‪.‬‬
‫حارة؛ فإنها تسحر قلوب العلماء(‪.‬‬ ‫حارة‪ ،‬اتقوا الس ّ‬ ‫قال مالك بن دينار‪) :‬اتقوا الس ّ‬
‫وأقل ما في حبها أنه يلهي عن حب الله وذكره‪ ،‬ومن ألهاه ماله عن ذكر الله ـ‬
‫تعالى ـ فهو من الخاسرين‪ ،‬وإذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه‬
‫حيث أراد(‪.137‬‬

‫‪ 136‬الفوائد‪ ،‬ص ‪ ،89-87‬باختصار‪.‬‬


‫‪ 137‬عدة الصابرين‪ ،‬ص ‪ ،186 ،185‬باختصار‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪41‬‬

‫وقد بالغ العلماء في التحذير من الستمتاع بالدنيا والنكباب عليها‪ ،‬حتى جعلوا‬
‫مجرد النظـر إلى الدنيـا ـ إن كان على سبيل استحسانها والركون إليها ـ مذمومًا‪،‬‬
‫ضحه شيخ السلم ابن تيمية بقوله‪:‬‬ ‫كما و ّ‬
‫)النظر إلى الشجار والخيل والبهائم إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة‬
‫مت ّعَْنا ب ِهِ أ َْزَواجا ً‬
‫ما َ‬ ‫ك إَلى َ‬ ‫ن ع َي ْن َي ْ َ‬‫مد ّ ّ‬‫والمال فهو مذموم؛ لقول الله ـ تعالى ـ‪َ)) :‬ول ت َ ُ‬
‫قى(( ]طه‪.[131 :‬‬ ‫َ‬
‫خي ٌْر وَأب ْ َ‬‫ك َ‬ ‫م ِفيهِ وَرِْزقُ َرب ّ َ‬‫فت ِن َهُ ْ‬
‫حَياةِ الد ّن َْيا ل ِن َ ْ‬
‫م َزهَْرة َ ال َ‬‫من ْهُ ْ‬
‫ّ‬
‫وأما إذا كان على وجه ل ينقص الدين‪ ،‬وإنما فيه راحة النفس فقط‪ ،‬كالنظر إلى‬
‫الزهار‪ ،‬فهذا من الباطل الذي يستعان به على الحق(‪.138‬‬
‫إن الحرص على المال يكون على وجهين؛ كما قرر الحافظ ابن رجب بقوله‪:‬‬
‫)أحدهما‪ :‬شدة محبة المال مع طلبه من وجوه مباحة‪ ،‬والمبالغة في طلبه والجد‬
‫في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة‪...‬‬
‫ولو لم يكن في الحرص على المال إل تضييع العمر الشريف فيما ل قيمة له ـ‬
‫كن صاحبه فيه اكتساب الدرجات العلى‪ ،‬والنعيم المقيم‪ ،‬فضيعه بالحرص‬ ‫وقد ُيم ّ‬
‫در وُقسـم؛ ثم ل ينتفـع به بل‬ ‫في طلب رزق مضمون مقسوم ل يأتي منه إل ما قُ ّ‬
‫يتركـه لغيره ويرتحل عنه فيبقى حسابه عليه ونفعـه لغيـره‪ ،‬فيجمـع لمن ل‬
‫يحمـده‪ ،‬ويقـدم على من ل يعـذره لكفـاه بـذلك ذما ً للحرص؛ فالحريص يضيع‬
‫زمانه الشريف‪ ،‬ويخاطر بنفسه في السفار وركوب الخطار لجمع مال ينتفع به‬
‫غيره‪.‬‬
‫النوع الثاني‪ :‬من الحرص على المال أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الول‪،‬‬
‫حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة‪ ،‬ويمنع الحقوق الواجبة‪ ،‬فهذا من الشح‬
‫ن((‬‫حو َ‬ ‫فل ِ ُ‬‫م ْ‬
‫م ال ُ‬ ‫سهِ فَأ ُوْل َئ ِ َ‬
‫ك هُ ُ‬ ‫ف ِ‬ ‫ح نَ ْ‬‫ش ّ‬ ‫من ُيوقَ ُ‬ ‫المذموم‪ ،‬قال الله ـ تعالى ـ‪)) :‬وَ َ‬
‫]التغابن‪.[16 :‬‬
‫وفي صحيح مسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫قال‪) :‬اتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم‪ :‬حملهم على أن سفكوا‬
‫دماءهم‪ ،‬واستحلوا محارمهم(‪.139‬‬
‫وإنما يصير حب المال مذموما ً إذا كان سببا ً في ارتكاب المعاصي أو ترك‬
‫الواجبات‪ ،‬يقول شيخ السلم في هذا الصدد‪) :‬حب المال والشرف يفسد الدين‪،‬‬
‫والذي يعاقب عليه الشخص هو الحب الذي يدعو إلى المعاصي مثل الظلم‬
‫والكذب والفواحش‪ ،‬ول ريب أن فرط الحرص على المال والرياسة يوجب ذلك‪،‬‬
‫أما مجرد حب القلب إذا كان النسان يفعل ما أمر الله به ويترك ما نهى عنه‪،‬‬

‫‪ 138‬مختصر الفتاوى المصرية‪ ،‬ص ‪ ،29‬وانظر‪ :‬شجرة المعارف والحوال‪ ،‬للعز بن عبد السلم‪ ،‬ص ‪.7‬‬
‫‪ 139‬شرح حديث )ما ذئبان جائعان‪ (...‬ص ‪ ،11-7‬باختصار‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪42‬‬

‫ويخاف مقام ربه‪ ،‬وينهى النفس عن الهوى؛ فإن الله ـ تعالى ـ ل يعاقب على مثل‬
‫هذا إذا لم يكن معه عمل‪.‬‬
‫وجمع المال إذا قام فيه بالواجبات ولم يكتسبه من الحرام ل يعاقب عليه‪ ،‬لكن‬
‫إخراج الفضل والقتصار على الكفاية أفضل وأسلم‪ ،‬وأفرغ للقلب وأجمع للهم‪،‬‬
‫وأنفع للدنيا والخرة‪ ،‬وقد قال صلى الله عليه وسلم‪) :‬من أصبح والدنيا أكبر همه‬
‫شتت الله عليه شمله‪ ،‬وجعل فقره بين عينيه‪ ،‬ولم يأته من الدنيا إل ما كتب له‪،‬‬
‫ومن أصبح والخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه‪ ،‬وجمع عليه ضيعته وأتته‬
‫الدنيا وهي راغمة(‪.140‬‬
‫وينبغي التوسط إزاء المال بين الشره والنهماك عليه‪ ،‬وبين تركه والعراض عنه؛‬
‫كما في حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال‪ :‬قام رسول الله ‪-‬صلى‬
‫رج الله‬ ‫الله عليه وسلم‪ -‬فخطب الناس فقال‪) :‬ل والله ما أخشى عليكم إل ما ُيخ ِ‬
‫لكم من زهرة الدنيا(‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا رسول الله! أوَ يأتي الخير بالشر؟ فصمت‬
‫ت؟ قال‪ :‬يا رسول الله! أَو‬ ‫رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ثم قال‪ :‬كيف قل َ‬
‫يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله‪) :‬إن الخير ل يأتي إل بالخير‪ ،‬وإن مما ينبت‬
‫الربيع ما يقتل حبطًا‪ ،‬أو يلم إل آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلت خاصرتاها‬
‫استقبلت الشمس فثلطت وبالت‪ ،‬ثم اجتّرت فعادت فأكلت‪ ،‬فمن أخذ مال ً بحقه‬
‫بورك له فيه‪ ،‬ومن أخذ مال ً بغير حقه؛ فمثله كمثل الذي يأكل ول يشبع( متفق‬
‫عليه‪.‬‬
‫وقد شرح ابن القيم هذا الحديث وبّين المسلك الوسط تجاه المال فقال‪) :‬قوله‪:‬‬
‫)إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا ً أو يلم(( هذا من أحسن التمثيل المتضمن‬
‫للتحذير من الدنيا والنهماك عليها والمسرة فيها‪ ،‬وذلك أن الماشية يروقها نبت‬
‫الربيع فتأكل منه بأعينها فربما هلكت حبطًا‪) ،‬والحبط انتفاخ بطن الدابة من‬
‫ره في المال يقتله شرهه وحرصه‪ ،‬فإن لم‬ ‫المتلء أو من المرض(‪ ،‬فكذلك الش ِ‬
‫يقتله قارب أن يقتله‪ ،‬وهو قوله‪) :‬أو يلم(‪ ،‬وكثير من أرباب الموال إنما قتلهم‬
‫أموالهم؛ فإنهم شرهوا في جمعها واحتاج إليها غيرهم‪ ،‬فلم يصلوا إليها إل بقتلهم‬
‫أو ما يقاربه من إذللهم وقهرهم‪.‬‬
‫وقوله‪) :‬إل آكلة الخضر( هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته‪ ،‬مّثله بالشاة الكلة‬
‫من الخضر بقدر حاجتها‪ ،‬أكلت حتى امتلت خاصرتاها‪...‬‬
‫وفي قوله‪) :‬استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت( ثلث فوائد‪ :‬أحدها أنها لما‬
‫أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبلة الشمس لتستمرئ بذلك ما‬
‫أكلته‪ .‬الثانية‪ :‬أنها أعرضت عما يضرها من الشره في المرعى وأقبلت على ما‬
‫‪ 140‬مختصر الفتاوى المصرية‪ ،‬ص ‪ ،493‬وانظر ص ‪ ،95‬وانظر مجموع الفتاوى‪ ،190 ،10/189 ،‬ومختصر منهاج القاصدين‪ ،‬لحمد بن‬
‫قدامة‪ ،‬ص ‪.195‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪43‬‬

‫ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاح ما أكلته وإخراجه‪.‬‬
‫الثالثة‪ :‬أنها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت‬
‫بإخراجه‪ ،‬ولو بقي فيها لقتلها‪ ،‬فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت‬
‫هذه الشاة‪...‬‬
‫وفي هذا الحديث إشارة إلى العتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل‬
‫من الخبر أيضا ً إرشاد‬ ‫بكثرته‪ ،‬وبين العراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعًا‪ .‬وتض ّ‬
‫المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه وهو الخراج منه‬
‫وإنفاقه ول يحبسه فيضره حبسه(‪.141‬‬
‫وإذا تقررت هذه الوسطية تجاه المال فإن على العلماء والدعاة خصوصا ً أن ي ُعْن َ ْ‬
‫وا‬
‫وا بالزهد والتقلل من الدنيا؛ فإن‬ ‫بتحقيق الكفاف والستغناء عن الناس كما ي ُعْن َ ْ‬
‫استغناء العلماء عن الناس عموما ً والحكام خصوصا ً من أعظم السباب في حفظ‬
‫مكانة العلماء وعظم شأنهم‪.‬‬
‫ّ‬
‫يقول سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ‪) :‬لن أخلف عشرة آلف درهم أحاسب عليها‬
‫ي من أن أحتاج إلى الناس‪ ...‬ولول هذه الدراهم لتمندل بنا هؤلء‬ ‫أحب إل ّ‬
‫‪142‬‬
‫الملوك( ‪.‬‬
‫يقول ابن الجوزي حاثا على الستغناء عن الناس‪) :‬ليس في الدنيا أنفع للعلماء‬‫ً‬
‫من جمع المال للستغناء عن الناس‪ ،‬فإنه إذا ضم إلى العلم حيز الكمال‪ ،‬وإن‬
‫ل الصبر‬ ‫جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب‪ ،‬فاحتاجوا إلى ما ل بد منه‪ ،‬وق ّ‬
‫فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأّولوا فيها‪...‬‬
‫ولقد رأينا جماعة من المتصوفة والعلماء يْغشون الولة لجل نيل ما في أيديهم؛‬
‫فمنهم من يداهن ويرائي‪ ،‬ومنهم من يمدح بما ل يجوز‪ ،‬ومنهم من يسكت عن‬
‫منكرات إلى غير ذلك من المداهنات‪ ،‬وسببها الفقر‪ ،‬فعلمنا أن كمال العز وُبعد‬
‫مة‪ ،‬ولم نَر من صح له هذا إل في أحد‬ ‫الرياء إنما يكون في البعد عن العمال الظ ّل َ َ‬
‫رجلين‪:‬‬
‫أما من كان له مال كسعيد بن المسيب كان يتجر في الزيت وغيره‪ ،‬وسفيان‬
‫الثوري كانت له بضائع‪ ،‬وابن المبارك‪ .‬وأما من كان شديد الصبر قنوعا ً بما رزق ـ‬
‫وإن لم يكفه ـ كبشر الحافي وأحمد بن حنبل؛ ومتى لم يجد النسان كصبر هذين‪،‬‬
‫ول كمال أولئك‪ ،‬فالظاهر تقلبه في المحن والفات‪ ،‬وربما تلف دينه‪.‬‬
‫فعليك يا طالب العلم بالجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس؛ فإنه يجمع لك‬
‫دينك‪ ،‬فما رأينا في الغلب منافقا ً في التدين والتزهد والتخشع‪ ،‬ول آفة طرأت‬

‫‪ 141‬عدة الصابرين‪ ،‬ص ‪ ،199 ،198‬باختصار‪.‬‬


‫‪ 142‬أخرجه أبو نعيم في الحلية‪.6/381 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪44‬‬

‫ب الدنيا‪ ،‬وغالب ذلك الفقر‪ ،‬فإن كان من له ما يكفيه ثم يطلب‬ ‫على عالم إل بح ّ‬
‫‪143‬‬
‫ه‪ ،‬خارج عن حّيز العلماء( ‪.‬‬ ‫بتلك المخالطة الزيادة فذلك معدود في أهل ال ّ‬
‫شَر ِ‬
‫* والمقصود أن على العبد أن يقنع بالكفاف من هذا المال‪ ،‬مما يحتاجه في‬
‫مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه ونحو ذلك‪ ،‬وأن يطلب ذلك من الله ـ تعالى ـ‬
‫وحده ويرغب إليه فيه‪ ،‬وأن ل يكون سائل ً للمال بلسانه ـ إل لضرورة ـ أو‬
‫مستشرفا ً إليه بقلبه‪.‬‬
‫وأما ما ل يحتاج إليه العبد فل ينبغي له الشتغال به؛ لن ذلك يؤول إلى تعلق‬
‫القلب بالمال واستعباده له‪ ،‬كما يفوت عمره في تحصيل رزق مقسوم‪ ،‬وقد‬
‫يحمله الحرص على المال على اكتسابه بالحرام ومنع الحقوق الواجبة‪.‬‬
‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫شهوة الرياسة‬
‫شهوة حب الرياسة والمنصب إحدى الشهوات التي استعبدت كثيرا ً من الناس‬
‫وأحكمت على أفئدتهم‪ ،‬فصارت الوليات والمناصب وما يتبعها من الشهرة‬
‫والظهور مقصودهم ومرادهم‪.‬‬
‫وقد سبق إيراد حديث كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ‪-‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬أنه قال‪) :‬ما ذئبان جائعان ُأرسل في غنم بأفسد لهما من حرص المرء‬
‫على المال والشرف لدينه(‪.144‬‬
‫يقول الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث‪) :‬فأخبر النبي ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ -‬أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من‬
‫إفساد الذئبين لهذه الغنم‪ ،‬بل إما أن يكون مساويا ً وإما أكثر‪ ،‬يشير أنه ل يسلم‬
‫من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إل القليل‪ ،‬كما أنه ل‬
‫يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إل القليل‪ .‬فهذا المثل العظيم‬
‫يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا(‪.‬‬
‫ـ إلى أن قال ـ‪) :‬وأما حرص المرء على الشرف فهو أشد إهلكا ً من الحرص على‬
‫المال؛ فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها‪ ،‬والرياسة على الناس والعلو في‬

‫‪ 143‬شرح حديث ما )ذئبان جائعان( ص ‪ ،13 ،7‬باختصار‪.‬‬


‫‪ 144‬أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪45‬‬

‫الرض أضر على العبد من طلب المال‪ ،‬وضرره أعظم والزهد فيه أصعب؛ فإن‬
‫المال يبذل في طلب الرياسة والشرف(‪.145‬‬
‫ثم ذكر ـ رحمه الله ـ أقسام الحرص على الشرف فقال‪) :‬والحرص على الشرف‬
‫قسمان‪:‬‬
‫أحدها‪ :‬طلب الشرف بالولية والسلطان والمال‪ ،‬وهذا خطر جدًا‪ ،‬وهو في الغالب‬
‫خَرةُ‬
‫داُر ال ِ‬
‫ك ال ّ‬‫يمنع خير الخرة وشرفها وكرامتها وعزها‪ .‬قال الله ـ تعالى ـ‪)) :‬ت ِل ْ َ‬
‫َ‬
‫ن(( ]القصص‪:‬‬ ‫قي َ‬ ‫ة ل ِل ْ ُ‬
‫مت ّ ِ‬ ‫سادا ً َوال َْعاقِب َ ُ‬
‫ض َول فَ َ‬ ‫دو َ ُ ً‬
‫ن ع ُلوا ِفي الْر ِ‬ ‫ري ُ‬‫ن ل يُ ِ‬ ‫جعَل َُها ل ِل ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫نَ ْ‬
‫كل إلى‬ ‫ل من يحرص على رياسة الدنيا بطلب الوليات فيوفق بل يو َ‬ ‫‪ ،[83‬وق ّ‬
‫نفسه(‪.‬‬
‫إلى أن قال ـ‪) :‬ومن دقيق آفات حب الشرف‪ :‬طلب الوليات والحرص عليها‪ ،‬وهو‬
‫باب غامض ل يعرفه إل العلماء بالله العارفون به المحبون له‪....‬‬
‫واعلم أن حب الشرف بالحرص على نفوذ المر والنهي‪ ،‬وتدبير أمر الناس إذا‬
‫صد َ بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق‪ ،‬والتعاظم عليهم‪ ،‬وإظهار صاحب هذا‬ ‫قُ ِ‬
‫الشرف حاجة الناس وافتقارهم إليه‪ ،‬وذلهم له في طلب حوائجهم منه؛ فهذا‬
‫نفسه مزاحمة لربوبية الله وإلهيته‪.‬‬
‫القسم الثاني‪ :‬طلب الشرف والعلو على الناس بالمور الدينية كالعلم والعمل‬
‫والزهد؛ فهذا أفحش من الول‪ ،‬وأقبح وأشد فسادا ً وخطرًا؛ فإن العلم والعمل‬
‫والزهد إنما ُيطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم‪ ،‬والقربى منه‬
‫والزلفى لديه‪.146(...‬‬
‫ومما يؤكد خطر هذه الشهوة أن جنس بني آدم مولع بحب الرياسة والظهور‪ ،‬كما‬
‫بّينه شيخ السلم ابن تيمية بقوله‪) :‬إن النسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس؛‬
‫رأى الواحد يريد نفسه أن تطاع وتعلو بحسب المكان‪ ،‬والنفوس مشحونة بحب‬
‫العلو والرئاسة بحسب إمكانها‪ ،‬فتجده يوالي من يوافقه على هواه‪ ،‬ويعادي من‬
‫يخالفه في هواه‪ ،‬وإنما معبوده ما يهواه وما يريده(‪...‬‬
‫إلى أن قال ـ‪) :‬فإن كان مطاعا ً مسلما ً طلب أن يطاع في أغراضه وإن كان فيها‬
‫ما هو ذنب ومعصية لله‪ ،‬ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله‬
‫وخالف هواه‪ ،‬وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل‪.‬‬
‫وإن كان عالما ً أو شيخا ً أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره‪ ،‬وربما أبغض‬
‫نظيره حسدا ً وبغيًا‪.147(..‬‬

‫‪ 145‬شرح حديث )ما ذئبان جائعان(‪ ،‬ص ‪ ،13 ،7‬باختصار‪.‬‬


‫‪ 146‬شرح حديث )ما ذئبان جائعان( ص ‪ ،20 ،16 ،15 ،13‬باختصار‪.‬‬
‫‪ 147‬مجموع الفتاوى‪-،8/218 ،‬باختصار‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪46‬‬

‫إن حب الرئاسة وطلبها ل ينفك عن مفاسد متعددة وشرور متنوعة‪ ،‬وقد أشار ابن‬
‫رجب إلى بعضها بقوله‪) :‬واعلم أن الحرص على الشرف يستلزم ضررا ً عظيمًا‪،‬‬
‫قبل وقوعه في السعي في أسبابه‪ ،‬وبعد وقوعه بالحرص العظيم الذي يقع فيه‬
‫صاحب الولية من الظلم والتكبر‪ ،‬وغير ذلك من المفاسد(‪.148‬‬
‫وقال في موضع آخر‪) :‬إن حب المال والرئاسة والحرص عليهما يفسد دين المرء‬
‫حتى ل يبقى منه إل ما شاء الله‪ ...‬والنفس تحب الرفعة والعلو على أبناء جنسها‪،‬‬
‫ومن هنا نشأ الكبر والحسد(‪.149‬‬
‫وذكر ابن القيم ـ رحمه الله ـ بعض مفاسد هذه الشهوة‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫)إن طلب الرياسة ليسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في‬
‫الرض‪ ،‬وتعّبد القلوب لهم‪ ،‬وميلها إليهم‪ ،‬ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع‬
‫كونهم عالين عليهم قاهرين لهم‪ ،‬فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما ل‬
‫يعلمه إل الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس‬
‫قره الله‪ ،‬واحتقار من أكرمه الله‪ ،‬ول تتم الرياسة‬ ‫دون حق الله‪ ،‬وتعظيم من ح ّ‬
‫ى عن‬ ‫الدنيوية إل بذلك‪ ،‬ول ُتنال إل به وبأضعافه من المفاسد‪ ،‬والرؤساء في عم ً‬
‫شروا في‬ ‫ح ِ‬
‫كشف الغطاء تبّين لهم فساد ما كانوا عليه‪ ،‬ول سيما إذا ُ‬ ‫هذا؛ فإذا ُ‬
‫صوَرِ الذّر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتصغيرا ً كما صّغروا أمر الله‬ ‫ُ‬
‫‪150‬‬
‫وحقروا عباده( ‪.‬‬
‫وإذا تقرر ذم حب الرياسة وبيان مفاسدها‪ ،‬فإن حب المارة للدعوة إلى الله ـ‬
‫تعالى ـ يفارق حب الرياسة؛ فإن مقصود هذه المارة تعظيم الله ـ تعالى ـ وأمره‪،‬‬
‫وأما مقصود حب الرياسة فهو تعظيم النفوس والسعي في حظوظها‪ ،‬وأئمة‬
‫العدل وقضاتهم ل يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة‪ ،‬بل إلى تعظيم الله وحده‬
‫وإفراده بالعبودية‪ ،‬ومنهم من كان ل يريد الولية إل للستعانة بها على الدعوة إلى‬
‫الله وحده‪ .‬فمن سأل ربه أن يجعله للمتقين إماما ً يقتدي به المتقون‪ ،‬كما اقتدى‬
‫هو بالمتقين لم يضره ذلك‪ ،‬بل ُيحمد عليه؛ لنه داٍع إلى الله يحب أن يعبد ويطاع‪،‬‬
‫فهو يحب ما يكون عونا ً على ذلك موصل ً إليه‪.151‬‬
‫إن على أهل العلم وطلبه أن يحذروا من شهوة حب الرياسة والشهرة‪ ،‬فإنه داء‬
‫عضال ينبغي المسارعة في علجه بالتوبة إلى الله ـ تعالى ـ وتزكية النفس‬
‫ومحاسبتها‪.‬‬

‫‪ 148‬شرح حديث )ما ذئبان جائعان(‪ ،‬ص ‪.14‬‬


‫‪ 149‬المرجع السابق‪ ،‬ص ‪.29‬‬
‫‪ 150‬كتاب الروح‪ ،‬ص ‪.434 ،433‬‬
‫‪ 151‬انظر‪ :‬كتاب شرح حديث )ما ذئبان جائعان(‪ ،‬ص ‪ ،19‬وكتاب الروح‪ ،‬ص ‪.432‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫مسائل وقواعد ومباحث‬ ‫العبودية‬ ‫‪47‬‬

‫يقول سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ‪) :‬الرياسة أحب إلى القراء من الذهب‬
‫الحمر(‪.152‬‬
‫وقد تحدث أبو الفرج ابن الجوزي عن أولئك العلماء المولعين بالرياسات والشهرة‬
‫فقال‪) :‬واليوم صارت الرياسات من كل جانب‪ ،‬وما تتمكن الرياسات حتى يتمكن‬
‫من القلب‪ :‬الغفلة‪ ،‬ورؤية الخلق‪ ،‬ونسيان الحق؛ فحينئذ تطلب الرياسة على أهل‬
‫الدنيا‪.‬‬
‫ً‬
‫ولقد رأيـت مـن الناس عجبا حتى من يتزيا بالعلم‪ ،‬إن رآني أمشي وحدي أنكر‬
‫ظم ذلك‪ ،‬وإن رآني أنبسط بتبسم نقصت من‬ ‫ي‪ ،‬وإن رآني أزور فـقــيـرا ً ع ّ‬ ‫عل ّ‬
‫عينه‪ ،‬فقلت‪ :‬فوا عجبا ً هذه كانت طريق الـرسـول ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪-‬‬
‫والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ‪ ،‬فصارت أحوال الخلق نواميس لقـامـــة الجاه‪ ،‬ل‬
‫ه! سقطتم من عين الحق‪ ،‬فأسقطكم من عين الخلق‪...‬‬ ‫م والل ِ‬‫جَر َ‬
‫َ‬
‫عمدتكم‬ ‫فـتـــوا إخواني إلى إصلح النيات‪ ،‬وترك التزين للخلق‪ ،‬ولتكن ُ‬ ‫فـالت ِ‬
‫‪153‬‬
‫الستقامة مع الحق؛ فبذلك صعد السلف وسعدوا( ‪.‬‬
‫وفي ختام هـــذه المقالة نسأل الله ـ تعالى ـ أن يرزقنا الهدى والتقوى والعفاف‬
‫والغنى‪ ،‬وأن يجنبنا شهوات الغي ومضلت الهوى‪ ،‬وبالله التوفيق‪.‬‬

‫‪ 152‬كتاب الورع‪ ،‬للمام أحمد بن حنبل‪ ،‬ص ‪.91‬‬


‫‪ 153‬صيد الخاطر‪ ،‬ص ‪ ،227‬وانظر ص ‪ ،360‬وانظر‪ :‬أخلق العلماء للجري‪ ،‬ص ‪.157‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬