Você está na página 1de 513

15

‫قصة الحضارة‬
‫عصر اإليمان ‪ -‬المسيحية في عنفوانها‬
‫الحروب الصليبية ‪ -‬أسبابها‬
‫الكتاب الخامس ‪ -‬المسيحية في عنفوانها‬

‫‪1095- 1300‬‬

‫الباب الثالث والعشرون‬


‫الحروب الصليبية ‪5905- 5901 -‬‬

‫الجزء الرابع من المجلد الرابع‬

‫‪-15 -‬‬

‫‪1‬‬
‫الفصل ألاول‬

‫أسبابها‬
‫كانت الحروب الصليبية هي الفصل ألاخير من مسرحية العصور الوسطى؛ ولعلها‬
‫أجد الحوادث بالتصوير في تاريخ أوربا والشرق ألادنى‪ ،‬ففيها عمد الدينان‬
‫العظيمان ‪ -‬املسيحية وإلاسالم ‪ ، -‬آخر ألامر‪ ،‬وبعد قرون من الجدل والنقاش‪ ،‬إلى‬
‫الفيصل ألاخير فيما بين بني إلانسان من نزاع‪ ،‬ونعني به محكمة الحرب العليا؛‬
‫وفيها بلغ كل تطور في العصور الوسطى‪ ،‬وكل توسع في الشؤون التجارية والديانة‬
‫املسيحية‪ ،‬وكل تحمس في العقيدة الدينية‪ ،‬وكل ما في إلاقطاع من قوة‪ ،‬وفي‬
‫الفروسية من فتنة وبهجة‪ ،‬وبلغ هذا كله غايته في حرب دامت مائتي عام في‬
‫‪.‬سبيل البشرية وألارباح التجارية‬

‫وأول سبب مباشر للحروب الصليبية هو زحف ألاتراك السالجقة‪ .‬وكان العالم‬
‫قبل زحفهم قد كيف نفسه لقبول سيطرة املسلمين على بالد الشرق ألادنى‪ .‬وكان‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫الفاطميون حكام مصر قد حكموا فلسطين حكما سمحا رحيما ؛ استمتعت فيه‬
‫الطوائف املسيحية بحرية واسعة في ممارسة شعائر دينها إذا استثنينا بعض‬
‫فترات‬

‫قصيرة قليلة‪ .‬نعم إن الحاكم بأمر هللا‪ ،‬الخليفة املجنون ‪ ،‬دمر كنيسة الضريح‬
‫املقدس ( ‪) 5959‬؛ ولكن املسلمين أنفسهم قدموا املال الكثير إلعادة بنائها( ‪.)5‬‬
‫وقد وصفها الرحالة املسلم ناصري خسرو بأنها بناء واسع الجنبات تتسع لثمانية‬
‫آالف شخص‪ ،‬بذل في بنائها أعظم ما يستطاع من ال حذق واملهارة‪ ،‬وزين كل مكان‬

‫‪2‬‬
‫في داخلها بالنسيج الحريري البيزنطي املطرز بخيوط الذهب‪ ،‬ورسم فيها املسيح‬
‫ً‬
‫عليه السالم راكبا على ظهر حمار( ‪) 2‬؛ وكان في أورشليم كنائس أخرى كثيرة؛ وكان‬
‫في وسع الحجاج املسيحيين أن يدخلوا ألاماكن املقدسة بكامل حريتهم؛ وكان‬
‫الحج إلى فلسط ين قد أصبح من زمن بعيد إحدى شعائر العبادة أو التوبة من‬
‫الذنوب‪ ،‬فكان إلانسان أينما سار في أوربا يلتقي بحجاج يدلون على أنهم أدوا‬
‫هذه الشعيرة بأن يضعوا على أثوابهم شارة في شكل الصليب من خوص النخل‬
‫بأنه ‪ Piers Plowman‬جاءوا به من فلسطين؛ ويوصف هؤالء في كتاب بيرز بالومان‬
‫"كان من حقهم أن يكذبوا ويخادعوا ما بقي من حياتهم( ‪ .") 9‬لكن ألاتراك انتزعوا‬
‫بيت املقدس من الفاطميين في عام ‪ ، 5909‬وأخذ الحجاج املسيحيون بعد عودتهم‬
‫إلى أوطانهم يتحدثون عما يلقونه فيها من ظلم وتحقير‪ .‬وتقول قصة قديمة ال‬
‫نجد ما يؤيدها‪ ،‬إن أحد هؤالء الحجا ج وهو بطرس الناسك حمل إلى إربان الثاني‬
‫من سمعان بطريق أورشليم رسالة تصف بالتفصيل ما يعانيه املسيحيون ‪Urban‬‬
‫‪ ).‬فيها من اضطهاد وتستغيث به لينقذهم ( ‪5911‬‬

‫وكان السبب املباشر الثاني من أسباب الحرب الصليبية ما حاق باإلمبراطورية‬


‫البيزنطية من ضعف شديد الخطورة‪ .‬لقد ظلت هذه إلامبراطورية سبعة قرون‬
‫طوال تقف في ملتقى املارة بين أوربا وآسيا‪ ،‬تصد جيوش آسيا وجحافل‬

‫السهوب‪ .‬أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإن اضطراب شؤونها الداخلية‪،‬‬
‫وشيعها الخارجة على الدين‪ ،‬وانفصالها عن الغرب على أثر الانشقاق الذي حدث‬
‫في عام ‪ ، 5911‬كل هذا قد أوه نها وجعلها أضعف من أن تؤدي رسالتها التاريخية‪.‬‬
‫‪ ،‬والروس يدقون ‪ ، Comans‬والكومان‪ Patznaks‬وبينا كان البلغار‪ ،‬والبشناق‬
‫أبوابها في أوربا‪ ،‬كان ألاتراك يقطعون أوصال والياتها آلاسيوية‪ ،‬وكاد الجيش‬
‫البيزنطي أن يقض ي عليه عند مالزكرت في عام ‪ ، 5905‬واستولى السالجقة على‬

‫‪3‬‬
‫ح مص وإنطاكية ( ‪ ،) 5911‬وطرسوس‪ ،‬ونيقية ذات املاض ي التاريخي الديني‪،‬‬
‫وأخذوا يتطلعون من وراء مضيق البسفور إلى القسطنطينية نفسها‪ ،‬واستطاع‬
‫إلامبراطور ألكسيوس ألاول ( ‪ ) 5551 - 5915‬أن يحتفظ بجزء من آسيا الصغرى‬
‫بعقد صلح مذل‪ ،‬ولكنه لم تكن لديه القدرة الحربية على صد الغارا ت التي‬
‫توالت بعدئذ على أمالكه‪ .‬ولو أن القسطنطينية سقطت وقتئذ في أيدي الترك‬
‫مم‬
‫ألمكنهم الاستيالء على شرقي أوربا كله‪ ،‬ومل ا بقي ملعركة تور ( ‪ ) 092‬أثر ما‪ .‬وبعث‬
‫يستحث أوربا ‪ Piacenza‬ألكسيوس برسله إلى إربان الثاني والى مجلس بياسنزا‬
‫الالتينية لتساعده على صد هجمات ا لترك؛ وكان من أقواله "إن من الحكمة أن‬
‫يحارب ألاتراك في أرض آسيا بدل أن ننتظرهم حتى يقتحموا بجحافلهم بالد‬
‫‪.‬البلقان إلى عواصم أوربا الغربية‬

‫وثالث ألاسباب املباشرة للحروب الصليبية هو رغبة املدن إلايطالية ‪ -‬بيزا‪،‬‬


‫في توسيع ميدان سلطانها التجاري آلاخذ في ‪ Amalfi-‬وجنوي ‪ ،‬والبندقية‪ ،‬وأملفي‬
‫الازدياد‪ .‬ذلك أنه ملا استولى النورمان على صقلية من املسلمين ( ‪،) 5905- 5909‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وانتزعت الجيوش املسيحية منهم جزءا كبيرا من أسبانيا ( ‪ 5911‬وما بعدها)‪،‬‬
‫ً‬
‫أصبح البحر املتوسط الغربي حرا للتجارة املسيحية؛ وأثرت املدن إلايطالية‬
‫وقويت ألنها هي الثغور التي تخرج منها غالت إيطاليا والبالد الواقعة وراء ألالب‪،‬‬
‫وأخذت هذه املدن تعمل للقضاء على تفوق املسلمين في الجزء‬

‫الشرقي من البحر املتوسط وتفتح أسواق الشرق ألادنى لبضائع غربي أوربا‪.‬‬
‫‪ .‬ولسنا نعلم إلى أي حد كان هؤالء التجار إلايطاليون قريبين من مسامع البا با‬

‫وصدر القرار النهائي مهن إربان نفسه‪ ،‬وإن كان غيره من البابوات قد طافت‬
‫‪ ،‬حينما أصبح البابا سلفستر ‪ Gerbert‬بعقولهم هذه الفكرة‪ .‬فقد دعا جربرت‬

‫‪4‬‬
‫‪ ،‬العالم املسيحي إلنقاذ بيت املقدس‪ ،‬ونزلت حملة مخفقة في ‪ Sylvester II‬الثاني‬
‫بالد الشام (حوالي ‪) 5995‬؛ ولم يمنع النزا ع املرير القائم بين جريجوري السابع‬
‫وهنري الرابع البابا من أن يقول بأعلى صوته‪" :‬إن تعريض حياتي للخطر في سبيل‬
‫تخليص ألاماكن املقدسة ألفضل عندي من حكم العالم كله"( ‪ .) 1‬وكان هذا النزاع‬
‫على اشده حين رأس إربان مجلس بياسنزا في مارس من عام ‪ 5901‬؛ وأيد البابا في‬
‫هذا املجلس استغاثة ألكسيوس‪ ،‬ولكنه أشار تأجيل العمل حتى تعقد جمعية‬
‫ً‬
‫أكثر من هذا املجلس تمثيال للعالم املسيحي‪ ،‬وتبحث في شن الحرب على املسلمين‪.‬‬
‫ولعل الذي دعاه إلى طلب هذا التأجيل ما كان يعمله من أن النصر في مغامرة في‬
‫هذا امليدان البعيد غير مؤكد؛ وما من شك في أنه كان يدرك أن الهزيمة ستحط‬
‫من كرامة العالم املسيحي والكنيسة إلى أبعد حد؛ وأكبر الظن أنه كان يتوق إلى‬
‫توجيه ما في طبائع أمراء إلاقطاع والقراصنة النورمان من حب القتال إلى حرب‬
‫مقدسة‪ ،‬تصد جيوش املسلمين عن أوربا وبيزنطية‪ .‬ولقد كان يحلم بإعادة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الكنيسة الشرقية إلى حظيرة الحكم البابوي ‪ ،‬ويرى بعين الخيال عاملا مسيحيا‬
‫ً‬
‫عظيم القوة متحدا تحت حكم البابوات الديني‪ ،‬وروما تعود حاضرة للعالم؛‬
‫ً‬
‫‪.‬وكان هذا تفكيرا أملته رغبة في الحكم ال تعلو عليها رغبة‬

‫وظل البابا بعدئذ بين شهري مارس وأكتوبر من عام ‪ 5901‬يطوف بشمالي إيطاليا‬
‫وجنوبي فرنسا‪ ،‬يستطلع طلع الزعماء ويضمن املعونة ملا هو مقدم عليه‪ .‬واجتمع‬
‫في مقاطعة أوفرني‪ ،‬وهرع ‪ Clermont‬املجلس التاريخي بمدينة كليرمونت‬

‫إليه آالف الناس من مائة صقع وصقع لم يقف في سبيلهم برد نوفمبر القارس‪.‬‬
‫ً‬
‫ونصب القادمون خيامهم في ألاراض ي املكشوفة‪ ،‬وعقدوا اجتماعا كبير ال يتسع له‬
‫بهو‪ ،‬وامتألت قلوبهم حماسة حين وقف على منصة في وسطهم مواطنهم إربان‬

‫‪5‬‬
‫ً‬
‫الفرنس ي وألفى عليهم باللغة الفرنسية أقوى الخطب وأعظمها أثرا في تاريخ‬
‫‪:‬العصور الوسطى‬

‫يا شعب الفرنجة! شعب هللا املحبوب املختار!‪ ...‬لقد جاءت من تخوم فلسطين‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومن مدينة القسطن طينية‪ ،‬أنباء محزنة تعلن أن جنسا لعينا أبعد ما يكون عن‬
‫هللا‪ ،‬قد طغى وبغى في تلك البالد بالد املسيحيين‪ ،‬وخربها بما نشره فيها من أعمال‬
‫السلب وبالحرائق؛ ولقد ساقوا بعض ألاسرى إلى بالدهم وقتلوا آلاخر بعد أن‬
‫عذبوهم أشنع التعذيب‪ .‬وهم يهدمون املذابح في الكنائس‪ ،‬بعد أن يدنسوها‬
‫برجسهم‪ ،‬ولقد قطعوا أوصال مملكة اليونان‪ ،‬وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها‬
‫‪.‬أن املسافر فيها ال يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين‬

‫على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه املظالم‪ ،‬واستعادة تلك ألاصقاع‪ ،‬إذا لم تقع‬
‫عليكم أنتم ‪ -‬أنتم يا من حباكم هللا أكثر قوم آخرين باملجد في القتال‪ ،‬وبالبسالة‬
‫العظيمة‪ ،‬وبالقدرة على إذالل رؤوس من يقفون في وجوهكم؟ أال فليكن من‬
‫أعمال أسالفكم ما يقوى قلوبكم ‪ -‬أمجاد شا رملان وعظمته‪ ،‬وأمجاد غيره من‬
‫ملوككم وعظمتهم ‪ -‬فليثر همتكم ضريح املسيح املقدس ربنا ومنقذنا‪ ،‬الضريح‬
‫الذي تمتلكه آلان أمم نجسة‪ ،‬وغيره من ألاماكن املقدسة التي لوثت ودنست‪ ..‬ال‬
‫ً‬
‫تدعوا شيئا يقعد بكم من أمالككم أو من شئون أسركم‪ .‬ذلك بأن هذا ألارض‬
‫التي تسكنونها آلان‪ ،‬والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقلل الجبال‪،‬‬
‫ضيقة ال تتسع لسكانها الكثيرين‪ ،‬تكاد تعجز عن ا‪ ،‬تجود بما يكفي هم من الطعام‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومن اجل هذا يذبح بعضكم بعضا ‪ ،‬ويلتهم بعضكم بعضا ‪ ،‬وتتحاربون ‪ ،‬ويهلك‬
‫‪.‬الكثيرون منكم في الحروب الداخلية‬

‫‪6‬‬
‫طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد‪ ،‬واقضوا على ما بينكم من نزاع‪ ،‬واتخذوا‬
‫طريقكم إلى الضريح املقدس‪ ،‬وانتزعوا هذه ألارض من ذلك الجنس الخبيث‪،‬‬
‫وتملك وها أنتم‪ .‬إن أورشليم أرض ال نظير لها في ثمارها‪ ،‬هي فردوس املباهج‪ .‬إن‬
‫املدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا إلنقاذها‪ ،‬فقوموا‬
‫بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم‪ ،‬وثقوا بأنكم ستنالون من‬
‫ً‬
‫‪ ).‬أجل ذلك مجدا ال يفنى في ملكوت السموات( ‪1‬‬

‫‪ Dieu li volt.‬وعلت أصوات هذا الجمع الحاشد املتحمس قائلة‪" :‬تلك إدارة هللا‬
‫وردد إربان هذا النداء ودعاهم إلى أن يجعلوه نداءهم في الحرب‪ ،‬وأمر الذاهبين‬
‫إلى الحرب الصليبية أن يضعوا عالمة الصليب على جباههم أو صدورهم‪ .‬ويقول‬
‫وتقدم ب عض النبالء من فورهم‪ ،‬وخروا " ‪ William Malmsbury:‬وليم ماملزبري‬
‫راكعين بين يدي البابا‪ ،‬ووهبوا أنفسهم وأموالهم هلل"( ‪ ) 0‬وحذا حذوهم آالف من‬
‫عامة الشعب‪ ،‬وخرج الرهبان والنساك من صوامعهم ليكونوا جنود املسيح‬
‫باملعنى الحرفي لهذا اللفظ ال بمعناه املجازي ‪ .‬وانتقل البابا النشيط إلى مدن‬
‫وظل تسعة ‪ Nimes...‬أخرى ‪ -‬إلى تور‪ ،‬وبوردو‪ ،‬وطولوز (طلوشة)‪ ،‬ومنبلييه‪ ،‬ونيمز‬
‫ً‬
‫أشهر يخطب داعيا إلى الحب الصليبية‪ .‬وملا بلغ روما بعد أن غاب عنها سنتين‪،‬‬
‫استقبلته بالترحاب أقدم مدن العالم املسيحي تقوى ‪ ،‬وأخذ على عاتقه أن يحل‬
‫جميع الصليبيين من جمع القيود التي تعوقهم عن الانضمام إلى ا ملقاتلين‪ .‬ولم‬
‫يلق في عمله هذا مقاومة جدية؛ فحرر رقيق ألارض‪ ،‬وحرر التابع إلاقطاعي طوال‬
‫مدة الحرب مما عليه من الوالء لسيده؛ ومنح جميع الصليبيين ميزة املحاكمة‬
‫أمام املحاكم الكنيسة ال أمام املحاكم إلاقطاعية‪ ،‬وضمن لهم مدة غيابهم حماية‬
‫الكنيسة ألمالكهم‪ .‬وأمر‬

‫‪7‬‬
‫ب وقف جميع الحروب القائمة بين املسيحيين ‪ -‬وإن لم يقو على تنفيذ أمره هذا‪،‬‬
‫ووضع مبدأ للطاعة يعلو على قانون الوالء إلاقطاعي؛ وهكذا توحدت أوربا كما‬
‫لم تتوحد في تاريخها كله‪ ،‬ووجد إربان نفسه السيد املرتض ي ‪ -‬من الوجهة‬
‫وس رت روح الحماسة في أوربا‬‫النظرية على ألاقل ‪ -‬مللوك أوربا على بكرة أبيهم‪ .‬م‬

‫كما لم تسر فيها من قبل في أثناء هذا الاستعداد املحموم للحرب املقدسة‬

‫‪8‬‬
‫الفصل الثاني‬

‫الحرب الصليبية ألاولى‬

‫‪1095-1099‬‬

‫وانضوت جماعات ال عدد لها تحت لواء الحرب مدفوعة إلى هذا بمغريات جمة‪:‬‬
‫ً‬
‫منها أن كل من يخر صريعا في الحرب ق د وعد بأن تغفر له جميع ذنوبه‪ ،‬وأذن‬
‫ألرقاء ألارض أن يغادروا ألاراض ي التي كانوا مرتبطين بها‪ ،‬وأعفى سكان املدن من‬
‫الضرائب‪ ،‬وأجلت ديون املدينين على أن يؤدوا فائدة نظير هذا التأجيل‪ ،‬وتوسع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫البابا في سلطاته توسعا جريئا فأطلق سراح املسجونين‪ ،‬وخفف أحكام إلاعدام‬
‫ع ن املحكوم عليهم بها إذا خدموا طوال حياتهم في فلسطين‪ ،‬وانضم آالف من‬
‫املتشردين إلى القائمين بهذه الرحلة املقدسة؛ وأقبل كثيرون من ألاتقياء‬
‫املخلصين ليخلصوا ألاراض ي التي ولد فيها املسيح ومات‪ ،‬منهم رجال سئموا الفقر‬
‫الذي كانوا يعانونه‪ ،‬والذي ظنوا أن ال نجاة لهم منه‪ ،‬ومنهم املغامرون التواقون‬
‫إلى الاندفاع في مغامرات جريئة في بالد الشرق ‪ ،‬ومنهم ألابناء الصغار الذين يرجون‬
‫أن تكون لهم إقطاعيات في تلك البالد‪ ،‬ومنهم التجار الذين يبحثون عن أسواق‬
‫لبضائعهم‪ ،‬والفرسان الذين غادر أرضهم أرقاؤها فأصبحوا ال عمل لهم‪ ،‬ومنهم‬
‫ذوو الن فوس الضعيفة الذين يخشون أن يرميهم الناس بالجبن وخور العزيمة‪.‬‬
‫ونشطت الدعامة املألوفة في الحروب فأخذت تؤكد الاضطهاد الذي يلقاه‬
‫املسيحيون في فلسيطن‪ ،‬واملعامالت الوحشية التي يلقونها على أيدي املسلمين‪،‬‬
‫وألاكاذيب عما في العقيدة إلاسالمية من زيغ وضالل؛ فكان املسل مون يرصفون‬
‫ً‬
‫بأنهم يعبدون تمثاال للنبي محمد( ‪) 0‬؛ وأخذ الثرثارون "ألاتقياء" يقولون ‪ :‬إن النبي‬
‫قد‬

‫‪9‬‬
‫أصابته نوبة صرع التهمته في أثنائها الخنازير البرية( ‪ .) 1‬ورويت قصص خرافية‬
‫‪ ).‬عن ثروة الشرق ‪ ،‬وعن الغانيات السمر ينتظرن أن يأخذهن الرجال البواسل( ‪0‬‬

‫وهذه البواعث املختلف ة ال يمكن أن تجتمع من أجلها جموع متجانسة يستطاع‬


‫إخضاعها لنظام عسكري ‪ .‬وقد بلغ من أمر هذا الخليط أن النساء وألاطفال‬
‫أصروا في كثير من الحاالت على الانضمام إلى صفوف املجاهدين ليقوم النساء‬
‫بخدمة أزواجهن‪ ،‬وألابناء بخدمة آبائهن‪ ،‬ولعلهم كانوا على حق في هذا إلاصرار‬
‫ألن العاهرات سرعان ما تطوعن لخدمة املحاربين‪ .‬وكان إربان قد حدد لبدء‬
‫الرحيل شهر أغسطس من عام ‪ ، 5900‬ولكن الفالحين القلقين الذين كانوا أوائل‬
‫املتطوعين لم يستطيعوا الانتظار إلى هذا املوعد‪ ،‬فسار جحفل منهم عدته نحو‬
‫ً‬
‫أثنى عشر ألفا (لم يكن من بينهم إال ثمانية من الفرسان) وبدأ رحلته من فرنسا‬
‫‪ ، (Gautar‬وولتر املفلس‪ Peter the Hermit‬في شهر مارس بقيادة بطرس الناسك‬
‫‪ ،‬وقام جحفل آخر ‪ -‬ربما كانت عدته ‪ 199‬من ‪Sans- Avoir) Walter the penniless‬‬
‫‪ ،‬وزحف ثالث من أرض الرين بقيادة ‪ Gattschalck‬أملانيا بقيادة القس جتسشوك‬
‫وكانت هذه الجموع غير ‪ Count Emico iningen-.‬الكونت إمكو الل يننجيني‬
‫النظامية هي التي قامت بأكثر الاعتداءات على يهود أملانيا ويوهيميا‪ ،‬وأبت أن‬
‫تطيع نداء رجال الدين واملواطنين من أهل تلك البالد‪ ،‬وانحطت حتى استحالت‬
‫إلى وقت ما وحوشها كاسرة تستر تعطشها للدماء بستار من عبارات ال تقي‬
‫والصالح‪ .‬وكان املجندون قد جاءوا معهم ببعض املال‪ ،‬لكنهم لم يجيئوا إال‬
‫بالقليل الذي ال يغني من الطعام‪ ،‬وكان قادتهم تعوزهم التجارب فلم يعدوا‬
‫العدة إلطعامهم؛ وقدر كثيرون من الزاحفين املسافة بأقل من قدرها الصحيح‪،‬‬
‫وكانوا وهم يسيرون على ضفاف الرين والدانوب كل ما عرجوا على بلدة من‬

‫‪10‬‬
‫البلدان يسألهم أبناؤهم في لهفة ‪ -‬أليست هذه أورشليم؟ وملا فرغت أموالهم‪،‬‬
‫وعضهم الجوع‪ ،‬اضطروا إلى نهب من في طريقهم من الحقول والبيوت‪،‬‬

‫وسرعان ما أضافوا الفسق إلى السلب والنهب( ‪ .) 55‬وقاومهم أهل البالد مقاومة‬
‫عنيفة‪ ،‬وأغلقت بعض املدن أبوابها في وجوههم‪ ،‬وأمرهم بعضها أن يرحلوا عنها‬
‫بال مهل‪ ،‬وملا بلغوا آخر ألامر مدينة القسطنطينية‪ ،‬بعد أن نفذت أموالهم‪ ،‬وهلك‬
‫منهم من هلك بفعل الجوع والطاعون ‪ ،‬والجذام‪ ،‬والحمى‪ ،‬واملعارك التي خاضوا‬
‫غمارها في الطريق‪ ،‬رحب بهم ألكسيوس؛ ولكنه لم يقدم لهم كفايتهم من‬
‫الطعام‪ ،‬فانطلقوا في أرباض املدينة‪ ،‬ونهبوا الكنائس‪ ،‬واملنازل ‪ ،‬والقصور‪ .‬وأراد‬
‫ألكسيوس أن ينقذ عاصمته من هذه الجموع الفتاكة التي أهلكت الحرث‬
‫والنسل وكانت فيها كالجراد املنتشر‪ .‬فأمدها بالسفن التي عبرت بها البسفور‪،‬‬
‫ً‬
‫وأرسل إليها املؤن ‪ ،‬وأمرها باالنتظار حتى تصل إليها فرق أخرى أحسن منها سالحا‬
‫ً‬
‫وعتادا ‪ .‬ولكن الصليبيين لم يستمعوا إلى هذه ألاوامر‪ ،‬سواء كان ذلك لجوعهم أو‬
‫لقلقهم ونفاد صبرهم‪ ،‬فزحفوا على نيقية‪ .‬وخرجت عليهم قوة منظمة من الترك‪،‬‬
‫كلها من مهرة الرماة‪ ،‬وأبادت هذه الطليعة من فرق الحرب الصليبية ألاولى فلم‬
‫تكد تبقى على أحد منها‪ .‬وكان ولتر املفلس من بين القتلى؛ وأما بطرس الناسك‬
‫فكانت نفسه قد اشمأزت من هذه الجموع التي ال تخضع لقيادة‪ ،‬وعاد قبل‬
‫ً‬
‫‪ .‬املعركة إلى القسطنطينية‪ ،‬وأقام فيها ساملا حتى عام ‪5551‬‬

‫وبينا كانت هذه الحوادث تجري في مجراها كان الزعماء وإلاقطاعيون الذين‬
‫حملوا الص ليب قد جمع كل منهم رجاله في إقليمه‪ .‬ولم يكن من بين هؤالء‬
‫الزعماء ملوك‪ ،‬فقد كان فيلب ألاول ملك فرنسا‪ ،‬ووليم الثاني ملك إنجلترا‪،‬‬

‫‪11‬‬
‫ً‬
‫وهنري الرابع ملك أملانيا‪ ،‬كان هؤالء جميعا مطرودين من حظيرة الدين حين كان‬
‫إربان الثاني يدعو إلى الحرب الصليبية‪ ،‬ولكن كثيرين من ألاشراف انضموا إلى‬
‫ً‬
‫صفوف املقاتلين‪ ،‬وكانوا كلهم تقريبا من الفرنسيين أو الفرنجة‪ .‬وبهذا كانت‬
‫الحرب الصليبية ألاولى في ألاغلب ألاعم مغامرة فرنسية‪ ،‬ومن أجل هذا ظل‬
‫الشرق ألادنى إلى هذا اليوم إذا ذكر غربي أوربا سماه بالد الفرنجة (ألافرنج)‪،‬‬

‫وهي مقاطعة صغيرة في بلجيكا) ( ‪ Bouillon‬سيد بويون ‪ Godfrey‬الدوق جدفري‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫يجمع بين صفات الجندي والراهب ‪ -‬كان شجاعا محنكا في الحرب‪ ،‬ورعا إلى حد‬
‫ابن روبرت ‪ Taranto‬التعصب في الدين؛ وكان الكونت بوهمند من سادة ترنتو‬
‫قد ورث عن أبيه كل شجاعته وبراعته‪ ،‬وكان يحلم ‪ Robert Guiscard‬جسكارد‬
‫باقتطا ع مملكة له ولجنوده النورمان من ألامالك البيزنطية السابقة في الشرق‬
‫الذي شاءت ‪ Tancred of Hauteville‬ألادنى‪ .‬وكان معه ابن أخيه تانكرد الهوتفيلي‬
‫‪ Tasso.‬لتاسو ‪ Jeusalem Delivered‬ألاقدار أن يكون بطل رواية أورشليم املنجاة‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان بهي الطلعة‪ ،‬شجاعا ال يهاب الردي‪ ،‬شه ما ‪ ،‬كريما ‪ ،‬يحب املجد واملال‪،‬‬
‫يعجب به الناس كافة ويرونه املثل ألاعلى للفارس املسيحي‪ .‬وكان ريموند‬
‫كونت طولوز (طلوشة) قد حارب املسلمين من قبل في أسبانيا فلما ‪Reymond‬‬
‫تقدمت به السن وهب نفسه وثروته العظيمة إلى حرب أكبر وأوسع‪ ،‬ولكن‬
‫‪ .‬غطرسته أفسدت عليه نبله‪ ،‬ودنس بخله تقواه‬

‫وسارت هذه الجموع إلى القسطنطينية من طرق مختلفة؛ وعرض بوهمند على‬
‫جدفري أن يستوليا على املدينة‪ ،‬فرفض جدفري هذا العرض ألنه لم يأت‪ ،‬على‬
‫حد قوله‪ ،‬إال لقتال الكفرة( ‪ ،) 52‬ولكن هذه الفكرة لم تمت‪ .‬وكان فرسان الغرب‬
‫ألاشداء أنصاف الهمج يحتقرون سادة الشرق املثقفين املخادعين‪ ،‬ويرون أنهم‬
‫مارقون من الدين‪ ،‬مخنثون ‪ ،‬مترفون ‪ .‬وكانوا ينظرون بعين الدهشة والحسد إلى‬

‫‪12‬‬
‫الكنوز املخزونة في كنائس العاصمة البيزنطية‪ ،‬وقصورها وأسواقها‪ ،‬ويرون أن‬
‫هذا الثراء العظيم يجب أن يكون من نصيب الشجعان البواسل‪ .‬ولعل ألكسيوس‬
‫قد ترامت إليه ه ذه ألافكار التي كانت تمأل صدور منقذيه‪ ،‬وكان ما القاه في قتال‬
‫جحافل الفالحين (وقد المه الغرب على هزيمته إياهم) مما دعاه إلى اصطناع‬
‫الحذر‪ ،‬وإن شئت فقل إلى النفاق‪ .‬نعم إنه استنجد بالغرب على ألاتراك‪ ،‬ولكنه‬
‫لم يطلب أن تتجمع قوى أوربا املتحدة على أبواب عاصمته‪ ،‬ولم‬
‫ً‬
‫يكن واثقا قط من أن أولئك املقاتلين يطمعون في أورشليم بقدر ما يطمعون في‬
‫القسطنطينية‪ ،‬أو من أنهم سيعيدون إلى ملكه أي إقليم ينتزعونه من ألاتراك‪،‬‬
‫وكان قبل من أمالك الدولة البيزنطية‪ .‬ولهذا عرض على الصليبين املؤن ‪،‬‬
‫وألاموال‪ ،‬ووسائل النقل‪ ،‬واملعونة الحربية‪ ،‬وعرض على زعمائهم رشا‬
‫سخية( ‪ ،) 52‬وطلب إليهم في نظير هذا أن يقسم النبالء يمين الوالء له بوصفه‬
‫سيدهم إلاقطاعي‪ ،‬وأن تكون كل ألاراض ي التي يستولون عليها إقطاعيات لهم‬
‫‪.‬منه‪ .‬وأثرت الفضة في نفوس النبالء ورقت قلوبهم فأقسموا اليمين املطلوبة‬
‫ً‬
‫وعبرت هذه الجيوش البالغ عدد ها نحو ثالثين ألفا املضيقين في عام ‪، 5900‬‬
‫وكانت ال تزال موزعة القيادة‪ .‬وكان من حسن حظ الصليبيين أن املسلمين كانوا‬
‫ً‬
‫أشد انقساما على أنفسهم من املسيحيين‪ ،‬فقد أنهكت الحروب قوة املسلمين في‬
‫أسبانيا‪ ،‬ومزقت املنازعات الدينية وحدتهم في شمالي إفريقيا؛ وكان الخلفاء‬
‫الفاطميون في الشرق يمتلكون بالد الشام الجنوبية‪ ،‬بينما كان أعداؤهم‬
‫السالجقة يمتلكون جزأها الشمالي والقسم ألاكبر من آسيا الصغرى ‪ .‬وخرجت‬
‫أرمينيا على فاتحيها السالجقة وتحالفت مع الفرنجة‪ .‬وزحفت جيوش أوربا‬
‫يؤيدها هذا العون كله وحاصرت نيقية‪ .‬واستسلمت الحامية الترك ية في املدينة‬
‫بعد أن وعدها ألكسيوس باملحافظة على حياتها ( ‪ 50‬يونية سنة ‪ ،) 5900‬ورفع‬

‫‪13‬‬
‫إمبراطور الروم العلم إلامبراطوري على حصنها‪ ،‬وحمى املدينة من النهب‪ ،‬وأرض ى‬
‫الزعماء إلاقطاعيين بالعطايا السخية‪ ،‬ولكن الجنود املسيحيين اتهموا ألكسيوس‬
‫ً‬
‫بأنه ضالع مع ألاتراك‪ .‬واسترا ح الصليبيون في املدينة أسبوعا زحفوا بعده على‬
‫أنطاكية‪ ،‬والتقوا عند دوريليوم بجيش تركي تحت قيادة قلج أرسالن‪ ،‬وانتصروا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عليه انتصارا سفكوا فيه كثيرا من الدماء (أول يوليه سنة ‪ ،) 5900‬واخترقوا‬
‫ً‬
‫آسيا الصغرى دون أن يلقوا فيها عدوا غير قلة املاء والطعام‪ ،‬والحر ال شديد‬
‫الذي لم تكن دماء الغربيين قادرة على احتماله‪ .‬ومات الرجال والنساء‪ ،‬والخيل‬

‫والكالب‪ ،‬من العطش في أثناء هذا الزحف الشاق الذي اجتازوا فيه خمسمائة‬
‫ميل؛ فلما عبروا جبال طوروس انفصل بعض النبالء بقواتهم عن الجيش‬
‫ً‬
‫الرئيس ي ليفتحوا ألنفسهم فتوحا خاصة بهم ‪ -‬فسار ريمند‪ ،‬وبوهمند‪ ،‬وجدفري‬
‫إلى أرمينيا؛ وسار تنكرد وبولدوين (أخو جدفري ) إلى الرها حيث أسس بلدوين‬
‫بالختل والغدر( ‪ ) 51‬أولى إلامارات الالتينية في الشرق ( ‪ .) 5901‬وأخذت قوات‬
‫الصليبيين الكبرى تشكو من هذا التأخير وتتوجس منه الشر املستطير؛ فعاد‬
‫‪ .‬النبالء وواصلت القوة بأجم عها الزحف على إنطاكية‬

‫إنطاكية بأنها ‪ Gesta Francorum‬ويصف املؤرخ إلاخباري صاحب جستا فرنكورم‬


‫"مدينة ذات بهجة وجمال عظيم تمتاز عن سائر املدن"( ‪ .) 51‬وقاومت املدينة‬
‫الحصار ثمانية أشهر‪ ،‬مات في خاللها كثير من الصليبيين بسبب تعرضهم ألمطار‬
‫ً‬
‫الشتاء القارس والبرد وال جوع‪ ،‬وقد وجد بعضهم غذاء جديدا بامتصاص "أعواد‬
‫وهي كلمة مشتقة من لفظ السكر العربي)‪ ،‬ففيها ذاق ( "‪ Zucra‬حلوة سموها زكرا‬
‫"الفرنجة" طعم السكر للمرة ألاولى وعرفوا أنه يضع من عصير أحد النباتات‬

‫‪14‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املزروعة( ‪ .) 50‬وقدمت العاهرات للغزاة متعا أشد خطرا من السكر‪ ،‬من ذلك أ ن‬
‫ً‬
‫رئيسا للشمامسة قتله ألاتراك وهو مضطجع مع عاهر سوريا( ‪ .) 50‬وجاءت ألانباء‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫في شهر مايو من عام ‪ 5901‬أن جيشا إسالميا كبيرا يقوده كربوغة أمير املوصل‬
‫يقترب من أنطاكية‪ ،‬لكن هذه املدينة سقطت في أيدي الصليبيين ( ‪ 9‬يونية‬
‫‪ ) 5901‬قبل أن يصل إليها هذا الجيش ببضعة أيا م‪ .‬وخش ي كثيرون من‬
‫الصليبيين عجزهم عن مقاومة جيش كربوغة‪ ،‬فركبوا السفن في نهر العاص ي‪،‬‬
‫وفروا هاربين‪ .‬وزحف ألكسيوس بقوة من جنود الروم‪ ،‬ولكن جماعة من الفارين‬
‫غرروا به‪ ،‬فادخلوا في روعه أن املسيحيين هزموا‪ ،‬فعاد أدراجه ليدافع عن آسيا‬
‫الصغرى ‪ ،‬ولم يغفر له الصليبيون هذه الفعلة‪ .‬وأراد قسيس من مرسيليه يدعى‬
‫أن ‪ Peter Bartholomew‬بطرس بارثلميو‬

‫يبعث الشجاعة من جديد في قلوب الصليبيين‪ ،‬فادعى أنه عثر على الحربة التي‬
‫نفذت في جنب املسيح‪ ،‬وملا سار املسيحيون للقتال رفعت هذه الحربة أمامهم‬
‫كأنها علم مقدس‪ ،‬وخرج ثالثة فرسان من بيت ال تالل في ثياب بيض حين ناداهم‬
‫الرسول البابوي أدهمار وسماهم الشهداء القديسين موريس‪ ،‬وثيودور‪ ،‬وجورج‪.‬‬
‫ً‬
‫وبعث ذلك في قلوب الصليبيين روحا جديدة‪ ،‬وتولى بوهمند القيادة املوحدة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فانتصروا انتصارا حاسما ‪ .‬ثم اتهم بارثلميو بأنه ارتكب خدعة دينية‪ ،‬وعرض أن‬
‫ً‬
‫يرض ى بحكم هللا ف يجتاز نارا مشتعلة ليثبت باجتيازها صدق دعواه‪ .‬وأجيب إلى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫طلبه فاخترق نارا مشتعلة في حزم من الحطب‪ ،‬وخرج ساملا في الظاهر‪ ،‬ولكنه‬
‫توفي في اليوم الثاني من أثر الحروق أو من إلاجهاد الذي لم يحتمله قلبه‪ ،‬وأزيلت‬
‫‪ ).‬الحربة من بين أعالم الجيش الصليبي( ‪51‬‬
‫ً‬
‫وأصبح بوهمند من ذلك الحين أمير إنطاكية اعترافا بفضله‪ ،‬وكان يمتلك هذا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫إلاقليم في ظاهر ألامر بوصفه أميرا إقطاعيا خاضعا أللكسيوس‪ ،‬لكنه في الواقع‬

‫‪15‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كان يحكمه بوصفه حاكما مستقال ؛ وقال زعماء الصليبيين إن عجز ألكسيوس‬
‫عن أن يخف ملعونتهم قد أحلهم من يمين الوالء التي اقسموه ا له‪ .‬وقض ى أولئك‬
‫الزعماء ستة أشهر أعادوا فيها تنظيم قواهم وجددوا نشاطهم‪ ،‬ثم زحفوا‬
‫بجيوشهم على أورشليم‪ .‬وبعد حروب وقفوا في اليوم السابع من شهر يونية عام‬
‫‪ 5900‬وهم مبتهجون متعبون أمام أسوار املدينة‪ .‬وكان من سخريات التاريخ أن‬
‫ألاتراك الذين جاءوا ليقاتلوهم قد أ خرجوا من املدينة قبل ذلك الوقت بعام‪،‬‬
‫وكان مخرجوهم هم الفاطميين‪ .‬وعرض الخليفة الفاطمي على الصليبين أن يعقد‬
‫ً‬
‫معهم الصلح مشترطا على نفسه أن يؤمن الحجاج املسيحيين القادمين إلى‬
‫أورشليم والذين يأتونها للعبادة‪ .‬ولكن بوهمند وجدفري طلبا التسليم بغير قيد‬
‫أو شرط‪ ،‬وقا ومت حامية الفاطميين‬
‫ً‬
‫املكونة من ألف رجل الحصار مدة أربعين يوما ‪ ،‬فلما حل اليوم الخامس عشر‬
‫من شهر يولية قاد جدفري وتانكرد رجالهما وتسلقوا أسوار املدينة‪ ،‬وتم‬
‫للصليبيين الفوز بغرضهم بعد أن القوا في سبيله ألامرين‪ .‬وفي هذا يقول القس‬
‫‪:‬ريمند إلاجيلي شاهد العيان‬

‫وشاهدنا أشياء عجيبة‪ ،‬إذ قطعت رؤوس عدد كبير من املسلمين وقتل غيرهم‬
‫ً‬
‫رميا بالسهام‪ ،‬أو أرغموا على أن يلقوا أنفسهم من فوق ألابراج‪ ،‬وظل بعضهم‬
‫آلاخر يعذبون عدة أيام‪ ،‬ثم أحرقوا في النار‪ .‬وكنت ترى في الشوارع أكوام الرؤوس‬
‫وألايدي وألاقدام‪ ،‬وكان إلانسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال‬
‫‪ ).‬والخيل( ‪50‬‬

‫ويروي غيره من املعاصرين تفاصيل أدق من هذه وأوفى؛ يقولون إن النساء كن‬
‫ً‬
‫يقتلن طعنا بالسيوف والحراب‪ ،‬وألاطفال الرضع يختطفون بأرجلهم من أثداء‬

‫‪16‬‬
‫أمهاتهم( ‪ ) 29‬ويقذف بهم من فوق ألاسوار‪ ،‬أو تهشم رؤوسهم بدقها بالعمد‪ ،‬وذبح‬
‫ً‬
‫السبع ون ألفا من املسلمين الذين بقوا في املدينة‪ ،‬أما اليهود الذين بقوا أحياء‬
‫فقد سيقوا إلى كنيس لهم‪ ،‬وأشعلت فيهم النار وهم أحياء‪ .‬واحتشد املنتصرون‬
‫في كنيسة الضريح املقدس‪ ،‬وكانوا يعتقدون أن مغارة فيها احتوت في يوم ما‬
‫ً‬
‫املسيح املصلوب‪ .‬وفيها أخذ كل منهم يعانق آلاخر ابتهاجا بالنصر‪ ،‬وبتحرير‬
‫‪!.‬املدينة‪ ،‬ويحمدون الرحمن الرحيم على ما نالوا من فوز‬

‫‪17‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫مملكة أورشليم الالتينية‬

‫‪1099-1143‬‬

‫اختير جدفري البويوني الذي اعترف له آخر ألامر بالصالح‪ ،‬والتقي املنقطعي‬
‫ً‬
‫النظير حاكما على دمشق على أن يلقب بهذا اللقب املتواضع وهو "حامي الضريح‬
‫املقدس" ولم يدع الحاكم الجديد أنه خاضع أللكسيوس ألن الحكم البيزنطي‬
‫ً‬
‫لهذه املدينة كان قد انقض ى منذ ‪ 901‬عاما ‪ ،‬ولهذا أصبحت مملكة أورشليم‬
‫الالتينية من يوم إنشائها دولة مستقلة كاملة السيادة‪ .‬وحرم فيها املذهب‬
‫ألاورثوذكس ي الشرقي‪ ،‬وفر الب طريق اليوناني إلى قبرص‪ ،‬وقبلت أبرشيات اململكة‬
‫‪.‬الجديدة الشعائر الالتينية‪ ،‬واملطران إلايطالي والحكم البابوي‬

‫وبعد فإن ثمن السيادة هو القدرة على الدفاع عنها‪ .‬وهذا هو الثمن الذي كاهن‬
‫على املحررين أن يؤيده؛ فقد وصل إلى عسقالن بعد أسبوعين من هذا التحرير‬
‫جيش مصري يهدف إلى استعادة املدينة املقدسة في أديان كثيرة وهزم جدفري‬
‫هذا الجيش القادم‪ ،‬ولكنه مات بعد سنة واحدة من تلك املعركة ( ‪ ) 5599‬وخلفه‬
‫ً‬
‫أخوه بولدوين وهو أقل منه كفاية ( ‪ ،) 5551 - 5599‬واتخذ لنفسه لقبا أسمى من‬
‫كونت أنجو ‪ Fulk‬لقبه وهو لقب ملك‪ .‬وشملت اململكة الجديدة في عهد امللك فلك‬
‫( ‪ ) 5519 - 5595‬الجزء ألاكبر من فلسطين وسوريا‪ ،‬ولكن املسلمين ظلوا مالكين‬
‫حلب‪ ،‬ودمشق‪ ،‬وحمص‪ .‬وقسمت اململكة أربع إمارات إقطاعية‪ ،‬تتركز على التوالي‬
‫حول أورشليم‪ ،‬وإنطاكية والرها‪ ،‬وطرابلس؛ ثم جزئت كل إمارة إلى إقطاعيات‬

‫‪18‬‬
‫تكاد كل منها تكون مستقلة عن ألاخرى ‪ ،‬وكان سادتها املتحاسدون يشنون‬
‫الحروب بعضهم على‬

‫بعض‪ ،‬ويسكون العملة‪ ،‬ويحاكون امللوك املستقلين في هذه وغيرها من الشئون ‪.‬‬
‫وكان ألاشراف هم الذين يختارون امللك‪ ،‬وتقيده سلطة كنسية دينية ال سلطان‬
‫عليها لغير البابا نفسه‪ .‬وكان مما أضعف سلطان امللك غير هذا أنه أ سلم عدة‬
‫ثغور‪ :‬يافا‪ ،‬وصور‪ ،‬وعكا‪ ،‬وبيروت‪ ،‬وعسقالن ‪ -‬إلى البندقية‪ ،‬وبيزا‪ ،‬وجنوى ‪ ،‬نظير‬
‫ما تقدمه للمملكة الجديدة من معونة حربية وما تحمله لها بطريق البحر من‬
‫مؤن ‪ .‬أما تنظيم اململكة وقوانينها فكانت تضعها املحاكم العليا في أورشليم ‪ -‬وكان‬
‫هذا إحدى النتائج املنطقية لل حكم إلاقطاعي من الوجهة القانونية‪ .‬وادعى‬
‫ألاشراف ملكية ألارض جميعها‪ ،‬وأنزلوا مالكها السابقين ‪ -‬سواء كانوا مسيحيين أو‬
‫مسلمين ‪ -‬منزلة أرقاء ألارض‪ ،‬وفرضوا عليهم واجبات إقطاعية أشد قسوة مما كان‬
‫منها وقتئذ في أوربا‪ ،‬حتى أخذ سكان البالد املسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى‬
‫‪ ).‬حكم املسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرت بالبالد( ‪25‬‬

‫وكان في اململكة الناشئة كثير من أسباب الضعف‪ ،‬ولكنها كانت تتلقى معونة فذة‬
‫كانوا قد حصلوا من ‪ Amalfi‬من نظام من الرهبان الحربين‪ .‬ذلك أن تجار أملفي‬
‫املسلمين منذ عام ‪ 5911‬على إذن ببناء مستشفى في بيت املقدس إليواء الفقراء‬
‫موظفي هذا املعهد ‪ Raymond du Puy‬أو املرض ى من الحجاج‪ .‬ثم نظم ريمند دوبي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تنظيما جديدا فجعلهم هيئة دينية تكرس حياتها للعفة‪ ،‬والفقر‪،‬ى والطاعة‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وحماية املسيحيين في فلسطين بالدفاع عنهم دفاعا عسكريا ؛ ومن ثم أصبح‬
‫هؤالء الفرسان فرسان مستشفى القديس يوحنا من أنبل الهيئات الخيرية في‬
‫العالم املسيحي‪ .‬وحدث حوالي ذلك الوقت نفسه ( ‪ ) 5550‬أن نذر هيدوه بايان‬
‫وثمانية آخرون من فرسان الصليبيين أنفسهم للرهبنة‪ ،‬وخدمة ‪Hugh de Payans‬‬

‫‪19‬‬
‫املسيحيين العسكرية‪ ،‬وأن حصلوا من بلدوين الثاني على مسكن لهم بالقرب من‬
‫ا ملوضع الذي كان فيه هيكل سليمان‪ ،‬وسرعان ما أطلق عليهم اسم فرسان‬
‫املعبد‪ .‬ووضع‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫لهم القديس برنار نظاما صارما ‪ ،‬لم يطيعوه زمنا طويال ؛ وكان مما أثنى عليهم به‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أنهم "أكثر الناس علما بفن الحرب"‪ ،‬وأمرهم "أال يغتسلوا إال نادرا " وأن يقصوا‬
‫شعر رؤوسهم( ‪ .) 22‬وكتب برنار إلى فرسان املعبد يقول "إن على املسيحي الذي‬
‫يقتل غير املؤمن في الحرب املقدسة‪ ،‬أن يثق بما سينال من ثواب‪ ،‬وعليه أن‬
‫ً‬
‫يكون أشد وثوقا من هذا الثواب إذا قتل هو نفسه‪ ،‬وإن املسيحي ليبتهج بموت‬
‫الكافر ألن املسيح يبتهج بهذا املوت"( ‪) 29‬؛ ومن الواجب على الناس أن يقتل وا‬
‫وهم مرتاحو الضمير إذا كانوا يريدون النصر في الحروب‪ .‬وكان الواحد من فرسان‬
‫ً‬
‫املستشفى يلبس مئزرا أسود اللون ‪ ،‬على كمه ألايسر صليب‪ ،‬أما الواحد من‬
‫ً‬
‫فرسان املعبد فكان يلبس مئزرا أبيض على "حرملته" صليب أحمر‪ .‬وكانت كلتا‬
‫ً‬
‫الطائفتين تكره ألاخرى كرها مبعثه الدين‪ .‬وانتقل فرسان املستشفى وفرسان‬
‫املعبد من تمريض الحجاج إلى الهجوم على حصون املسلمين؛ ومع أن فرسان‬
‫املعبد لم يكونوا يزيدون على ثلثمائة‪ ،‬وأن فرسان املستشفى كانوا حوالي‬
‫ً‬
‫‪ ،) 21 ( 5519‬فقد كان لهم جميعا شأن ظاهر في معارك الحروب الصليبية؛ وذاعت‬
‫شهرتهم الحربية‪ .‬وقامت ال طائفتان بحملة واسعة لجمع املال‪ ،‬فتوالت عليهما‬
‫إلاعانات من الكنيسة والدولة‪ ،‬ومن ألاغنياء والفقراء على السواء؛ فلم يحل‬
‫ً‬
‫القرن الثالث عشر حتى كانت كلتاهما تمتلك في أوربا ضياعا واسعة تشمل‬
‫ً‬
‫أديرة‪ ،‬وقرى ‪ ،‬وبلدانا ‪ .‬وأدهشت كلتاهما املسيحيين واملسلمين بما أنشأت من‬
‫ا لحصون الواسعة في بالد الشام‪ ،‬حيث كانوا يستمتعون بالترف مجتمعين‪ ،‬وسط‬
‫متاعب الحروب وكدحها‪ ،‬مع أنهم قد نذروا أنفسهم فرادي للفقر( ‪ .) 21‬وفي عام‬

‫‪20‬‬
‫‪ 5509‬أنشأ أملان فلسطين طائفة الفرسان التيوتون بمعونة عدد قليل من ألاملان‬
‫‪.‬في بالدهم ألاصلية‪ ،‬وشادوا لهم مستشفى قرب عكا‬

‫وعاد معظم الصليبيين إلى أوربا بعد الاستيالء على بيت املقدس‪ ،‬فنقص بذلك‬
‫ً‬
‫عدد الرجال الذين تعتمد عليهم الحكومة املزعزعة ألاركان نقصا يعرضها‬

‫للخطر الشديد‪ .‬ووفد على البالد كثيرون من الحجاج ولكن قلما بقي فيها عدد‬
‫منهم للقتال‪ .‬وكان الروم في الشمال يترقبون فرصة تتاح لهم الستعادة إنطاكية‬
‫والرها وغيرهما من املدن التي كانوا يدعون أنها مدن بيزنطية؛ وأخذ املسلمون في‬
‫الشرق ينشطون ويضمون صفوفهم بتأثير النداءات إلاسالمية والغارات املسيحية‪.‬‬
‫وكان الالجئون املسلمون الفارون من فلسطين يقصون عليهم الحوادث املفصلة‬
‫املحزنة التي أعقبت سقوط املدينة في أيدي املسيحيين‪ .‬واقتحمت هذه الجموع‬
‫مسجد بغداد العظيم وأهابت بالجيوش إلاسالمية أن تحرر بيت املقدس وقبة‬
‫ً‬
‫الصخرة املقدسة من أيدي الكفرة النجسة( ‪ .) 20‬وكان الخليفة عاجزا ال يستطيع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تلبية النداء‪ ،‬ولكن عماد الدين زنكي أمير املوصل الذي ولد عبد ا رقيقا لبى‬
‫الدعوة‪ ،‬وزحف جيشه الحسن القيادة في عام ‪ 5511‬وانتزع من املسيحيين املعقل‬
‫الخارجي الشرقي‪ ،‬وبعد اشهر قليلة استعاد الرها وضمها إلى حظيرة إلاسالم‪.‬‬
‫واغتيل زنكي وخلفه ابنه نور الدين‪ ،‬وكان يماثله في شجاعته‪ ،‬ويفوقه في قدرته‪.‬‬
‫وكانت أخبار هذه الحوادث هي التي أثارت أوربا ودفعتها إلى الحرب الصليبية‬
‫‪.‬الثانية‬

‫‪21‬‬
‫الفصل الرابع‬
‫الحرب الصليبية الثانية‬

‫‪1146-1148‬‬

‫واستغاث القديس برنار بالبابا يوجنيوس الثالث لينادي مرة أخرى بحمل السالح‪.‬‬
‫وكان يوجنيوس وقتئذ في صراع مع الخارجين على الدين في روما نفسها‪ ،‬فطلب‬
‫إلى برنار أن يقوم هو نفسه بالدعوى ‪ .‬وكانت هذه فكرة سديدة ألن القديس كان‬
‫ً‬
‫أعظم شأنا من الرجل الذي نصبه هو بابا‪ .‬فلما أن خرج من صومعته في كليرفو‬
‫ليدعو الفرنسيين إلى الحرب خفتت أصوات الشك التي كانت مستكنة ‪Clairvaux‬‬
‫في صدور املؤمنين‪ ،‬وزالت املخاوف التي نشرتها القصص التي كانت تروي عن‬
‫الحروب الصليبية ألاولى‪ .‬واتخذ برنار سبيله مباشرة إلى امللك لويس السابع‬
‫وأقنعه بأن يحمل الصليب‪ ،‬ثم وقف وامللك إلى جانبه وأخذ يخطب الجمع‬
‫؛ ولم يكد يتم خطبته حتى تطوع الجمع كله )‪ Vezelay (1146‬الحاشد في فيزالي‬
‫ً‬
‫لحمل السالح‪ ،‬وتبين أن ما كان معدا من الصلبان ال يكفيهم؛ فمزق برنار مئزره‬
‫ليصنع منه ما يحتاجه من الشارات‪ ،‬وكتب إلى البابا يقول إن "املدائن والحصون‬
‫قد خلت من سكانها‪ ،‬ولم يبق إال رجل واحد لكل سبع نساء‪ ،‬وترى في كل مكان‬
‫أرامل ألزواج ال يزالون أحياء"‪ .‬وملا أن ضم إليه فرنسا على هذا النحو انتقل إلى‬
‫أ ملانيا‪ ،‬واستطاع بحماسته وفصاحة لسانه أن يقنع إلامبراطور كنراد الثاني بأن‬
‫الحرب الصليبية هي القضية الوحيدة التي يستطاع بها توحيد حزبي الجلف‬
‫ً‬
‫اللذين كان نزاعهما يمزق الدولة تمزيقا ‪ Hohenstaufen .‬والههنستوفن ‪Guelf‬‬

‫‪22‬‬
‫وانضوى كثيرون من النبالء تحت لواء كنراد‪ ،‬من بي نهم الشاب فردريك السوابي‬
‫الذي ‪Frederick of Swabfa‬‬

‫‪.‬والذي مات في الحرب الصليبية الثالثة ‪ Barbarossa‬أصبح فيما بعد بربروسه‬

‫وبدأ كنراد وألاملان سيرهما في يوم عيد الفصح من عام ‪ ، 5510‬وتبعهما‬


‫الفرنسيون في يوم عيد العنصرة‪ ،‬وكانوا يسيرون في حذر على مسافة منهم‪ ،‬أل نهم‬
‫ً‬
‫لم يكونوا واثقين أيهما أشد عداء لهم‪ :‬ألاملان أو ألاتراك‪ .‬وكان ألاملان أيضا‬
‫يشعرون بمثل هذه الحيرة بين ألاتراك واليونان؛ وبلغ من كثرة املدن البيزنطية‬
‫التي نهبت في طريق الزاحفين أن أغلقت كثير منها أبوابها في وجوههم‪ ،‬ولم تقدم‬
‫ً‬
‫قليال من املؤن أنزل تها في سالت من فوق ألاسوار‪ .‬وعرض عليهم مانول‬ ‫لهم إال‬
‫إمبراطور الرومان في ذلك الوقت في رقة ولطف أن ‪ Manuel Comnenus‬كمنينوس‬
‫‪ ،‬بدل أن تخترق ‪ Sestos‬تعبر الجيوش النبيلة مضيق الهلسبنت عند ستسوس‬
‫القسطنطينية‪ ،‬ولكن كنراد ولويس رفضا هذا العرض‪ ،‬وقامت طائفة في مجلس‬
‫لويس تدعوه إلى الاستيالء على القسطنطينية وضمها إلى فرنسا‪ ،‬ولكنه لم‬
‫يستجب لهذه الدعوة‪ .‬على أنه ال يبعد أن تكون أنباؤها قد ترامت إلى اليونان؛‬
‫هذا إلى أن هؤالء قد توجسوا خفية من قامة فرسان الغرب ودروعهم‪ ،‬وإن‬
‫سرتهم حاشيتهم النسائية‪ .‬فقد كانت اليانور املتعية تصاحب زوجها ل ويس‪ ،‬وكان‬
‫الشعراء يصحبون امللكة‪ ،‬ونبالء فالندرز وطلوشة يصطحبون معهم أزواجهم‪،‬‬
‫وكانت وسائل النقل التي مع الفرنسيين مثقلة بالحقائب والصناديق املآلى‬
‫بالثياب‪ ،‬ومواد التجميل‪ ،‬يراد بها املحافظة على جمال تلك السيدات في ألاجواء‬
‫املتقلبة وفي صروف الدهر والحرب‪ .‬وعجل مانويل بنقل الجيشين في مضيق‬
‫البسفور‪ ،‬وأمد اليونان بالنقود املخفضة القيمة ليتعاملوا بها مع الصليبيين‪.‬‬
‫ً‬
‫وكثيرا ما أدى نقص املؤن في آسيا‪ ،‬وارتفاع ألاثمان التي يطالب بها اليونان‪ ،‬إلى‬

‫‪23‬‬
‫النزاع بين املنقذين ومن يريدون إنقاذهم من أعدائهم‪ ،‬وكان مما أحزن فردريك ذا‬
‫ال لحية الصهباء أنه اضطر إلى أن يسفك بسيفه دماء املسيحيين ليستطيع مالقاة‬
‫"الكفار"‪ .‬وأصر كنراد على أن يسير في الطريق الذي سارت فيه الحملة‬
‫ً‬
‫الصليبية ألاولى مخالفا بذلك نصيحة مانويل‪ .‬وتخبط ألاملان في سيرهم على‬
‫ً‬
‫الرغم من مرشديهم‪ ،‬أو لعل ذلك كان بفعل مرشديهم‪ ،‬فاجت ازوا بطاحا بعد‬
‫بطاح خالية من موارد الطعام‪ ،‬ووقعوا في كمين بعد كمين نصبه لهم املسلمون ‪،‬‬
‫ودب في قلوبهم اليأس لكثرة من هلك منهم‪ .‬والتقى جيش كنراد عند دورليوم‪،‬‬
‫حيث هزمت الحملة ألاولى جيش قلج أرسالن‪ ،‬بقوة املسلمين الرئيسية‪ ،‬ومني فيها‬
‫بهزيمة ساحقة‪ ،‬لم ينج فيها م ن جيش املسيحيين أكثر من واحد من كل عشرة‪.‬‬
‫ً‬
‫وخدع الجيش الفرنس ي الذي كان متأخرا وراء ألاملان بمسافة طويلة بما جاءه‬
‫من أخبار عن انتصار ألاملان‪ ،‬فتقدم في غير حذر‪ ،‬وقض ي على الكثيرين من رجاله‬
‫الجوع وهجمات املسلمين‪ .‬وملا وصل إلى أضاليا أخذ لويس يساوم رؤساء بحارة‬
‫ا لسفن اليونانية على نقل جيشه بطريق البحر إلى طرسوس أو إنطاكية‬
‫املسيحيتين‪ ،‬وطالب أولئك الرؤساء بأجور باهظة عن كل شخص تحمله السفن‪،‬‬
‫فقبل لويس وطائفة من النبالء‪ ،‬وإليانور‪ ،‬وسرب من السيدات الانتقال‪ ،‬وتركوا‬
‫بقية الجيش الفرنس ي في أضاليا‪ ،‬وانقضت جيوش املسلمين على ا ملدينة وقتلوا‬
‫ً‬
‫‪ ).‬كل من فيها تقريبا من الجنود الفرنسيين ( ‪5511‬‬

‫ووصل لويس إلى بيت املقدس ومعه النساء وليس معه جيش‪ ،‬كما وصل إليها‬
‫كنراد بفلول الجيش الذي غادر به راتسبون ‪ .‬وحشد امللكان من هذه الفلول وممن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كان في العاصمة من الجنود جيشا مرتجال ‪ ،‬وزحفا به على دمشق ؛ وكانت قيادته‬
‫موزعة بين كنراد‪ ،‬ولويس‪ ،‬وبولدوين الثالث ( ‪ .) 5502 - 5519‬وشجر النزاع في أثناء‬
‫الحصار بين النبالء على الطائفة التي تحكم املدينة بعد سقوطها‪ ،‬وتسرب عمال‬

‫‪24‬‬
‫املسلمين إلى الجيش املسيحي‪ ،‬ورشوا بعض الزعماء باملال فجعلوهم يقعدون بال‬
‫عمل أو ينسحبون من امليد ان( ‪ .) 20‬وملا أن ترامت ألانباء بأن أميري حلب واملوصل‬
‫يزحفان بجيش كبير لفك الحصار عن دمشق تغلب دعادة الانسحاب‪ ،‬فانقسم‬
‫الجيش املسيحي إلى جماعات قليلة فرت إلى إنطاكية أو عكا‪ ،‬أو بيت‬
‫ً‬
‫املقدس‪ ..‬وهزم كنراد وأصيب باملرض ورجع مسربال بالعار إلى أملانيا‪ ،‬وعادت‬
‫ً‬
‫إليان ور وعاد معظم الفرسان إلى فرنسا‪ ،‬أما لويس فقد بقي فلي فلسطين عاما‬
‫‪.‬آخر يحج فيه إلى ألاضرحة املقدسة‬

‫وارتاعت أوربا ملا أصيبت به الحملة الصليبية الثانية من إخفاق شنيع‪ ،‬وأخذ‬
‫الناس يتساءلون كيف يرض ى هللا جل جالله أن يذل املدافعون عن دينه هذا‬
‫إلاذالل املنقطع ال نظير‪ ،‬وشرع النقاد يهاجمون القديس برنار ويصفونه بأنه خيالي‬
‫متهور‪ ،‬يرسل الناس ليالقوا حتفهم‪ ،‬وقام في أماكن متفرقة بعض املتشككة‬
‫الجريئين يجادلون في القواعد ألاساسية للدين املسيحي‪ .‬ورد عليهم برنار بقوله‬
‫إن أساليب هللا سبحانه ال تدركها عقول البشر‪ ،‬وإن الوبال ال ذي حل باملسيحيين‬
‫ً‬
‫ربما كان عقابا لهم على ما ارتكبوا من ذنوب‪ .‬ولكن الشكوك الفلسفية التي‬
‫املتوفى عام ‪ ) 5512‬أخذت من ذلك الوقت تجد من يعبر ( ‪ Abelard‬أشاعها أبالرد‬
‫عنها حتى جمهرة الشعب نفسه‪ ،‬وسرعان ما خبت جذوة التحمس للحرب‬
‫الصليبية‪ ،‬وتأهب عصر إلايمان للدفاع عن ن فسه بالسيف والنار ضد ألاديان‬
‫‪.‬الغربية أو عدم إلايمان بأديان على إلاطالق‬

‫‪25‬‬
‫الفصل الخامس‬
‫صالح الدين‬

‫وكانت حضارة جديدة عجيبة قد نشأت في سوريا وفلسطين املسيحيتين‪ .‬ذلك أن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاوربيين الذين استوطنوا هذين البلدين منذ عام ‪ 5900‬قد تزيوا شيئا فشيئا‬
‫بالزي الشرقي‪ ،‬ف لبسوا العمامة والقفطان اللذين يوائمان مناخ تلك البالد ذات‬
‫الشمس والرمال‪ .‬وزاد اتصالهم بمن يعيشون في تلك اململكة من املسلمين‪ ،‬فقل‬
‫بذلك ما بين الجنسين من تنافر وعداء‪ ،‬فأخذ التجار املسلمون يدخلون بكامل‬
‫حريتهم البلدان املسيحية ويبيعون أهلها بضاعتهم‪ ،‬وكان املرض ى من املسيحيين‬
‫يفضلون ألاطباء املسلمين واليهود على ألاطباء املسيحيين( ‪ ،) 21‬وأجاز رجال الدين‬
‫املسيحيون إلى املسلمين أن يؤموا املساجد للعبادة‪ ،‬وأخذ املسلمون يعلمون‬
‫أبناءهم القرآن في املدارس إلاسالمية القائمة في إنطاكية وطرابلس املسيحيتين‪،‬‬
‫وتعهدت الدول املسيحي ة وإلاسالمية بأن تضمن سالمة التجار واملسافرين الذين‬
‫ينتقلون من إحداهما إلى ألاخرى ‪ .‬وإذ كان الصليبيون لم يأتوا معهم إال قليل من‬
‫زوجاتهم فقد اتخذ كثيرون ممن أقاموا منهم في الدول املسيحية لهم زوجات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سوريات؛ وسرعان ما كون أبناء هذا الزواج املختلط عنصرا كبيرا من سكان‬
‫الدول الجديدة‪ ،‬وأصبحت اللغة العربية لغة التخاطب اليومي العامة للسكان‪،‬‬
‫ً‬
‫وعقد ألامراء املسيحيون أحالفا مع ألامراء املسلمين ضد منافسيهم من‬
‫املسيحيين‪ ،‬كما كان ألامراء املسلمون في بعض ألاحيان يستعينون "باملشركين" في‬
‫شئون السياسة والحرب‪ .‬ونمت صالت املودة الشخصية بين املسيحيين‬
‫واملسلمين‪ .‬وقد وصف الرحالة ابن جبير الذي طاف بسوريا املسيحية في عام‬

‫‪26‬‬
‫‪ 5519‬بنى دينه املسلمين بأنهم ينعمون بالرخاء ويلقون معاملة حسنة على يد‬
‫الفرنجة‪ .‬وكان مما‬

‫ساءه أن يرى عكا غاصة بالخنازير والصلبان‪ ،‬تفوح منها رائحة ألاوربيين الكريهة‪،‬‬
‫ولكنه يأمل أن يتحضر املسيحيون بالحضارة التي وفدوا إليها والتي هي أرقى من‬
‫‪ ).‬حضارتهم( ‪20‬‬

‫وظلت مملكة أورشليم الالتينية في سني السلم ألاربعين التي أعقبت الحملة‬
‫الصليبية الثانية تمزقها املنازعات الداخلية‪ ،‬على حين أن أعداءها املسلمين‬
‫كانوا يسيرون بخطى حثيثة نحو الوحدة‪ .‬فقد مد نور الدين سلطانه من حلب‬
‫إلى دمشق ( ‪ ،) 5501‬وملا مات أخضع صالح الدين لسلطانه مصر وسوريا إلاسالمية‬
‫( ‪) 5501‬؛ ونشر تجار جنوى ‪ ،‬والبندقية‪ ،‬وبيزا الاضطراب في الثغور الشرقية‬
‫بمنافساتهم القاتلة‪ .‬وفي أورشليم أخذ الفرسان يتنازعون لالستيالء على العرش‪.‬‬
‫وملا استطاع جاي ده لوزينان أن يشق إليه طريقه بالختل ( ‪ ،) 5510‬استاءت‬
‫ً‬
‫لذلك طبقة ألاشراف‪ ،‬حتى قال أخوه جوفري ‪" :‬إن يكن جاي هذا ملكا فأنا خليق‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نفسه أميرا ‪ Reginald of Chatillon‬بأن أكون إلها "‪ .‬ونصب ريجلند أمير شاتيون‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مستقال في قلعة الكرك العظيمة وراء نهر ألاردن‪ ،‬على حدود بالد العرب‪ ،‬وكثيرا‬
‫ما خرق اتفاق الهدنة املعقود بين امللك الالتيني وصالح الدين‪ ،‬وأعلن عزمه على‬
‫أن يغزو بالد العرب‪ ،‬ويهدم قبر النبي في املدينة‪ ،‬ويدك أبنية الكعبة في مكة( ‪.) 99‬‬
‫وأبحرت قوته الصغيرة املؤلفة من الفرسان املغامرين في البحر ألاحمر‪ ،‬واتجهت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ن حو املدينة؛ ولكن سرية مصرية باغتتها‪ ،‬وقتلتها عن آخرها إال عددا قليال فروا‬
‫مع ريجنلد‪ ،‬وبعض ألاسرى الذين سيقوا إلى مكة‪ ،‬وذبحوا في يوم عيد النحر‬
‫‪5519 ( ).‬‬

‫‪27‬‬
‫وكان صالح الدين في هذه ألاثناء قد قنع بشن الغارات الصغيرة على فلسطين؛‬
‫فلما رأى ما فعله ريجلند ثارت حميت ه الدينية‪ ،‬فأخذ ينظم من جديد جيشه‬
‫الذي فتح به دمشق‪ ،‬والتقى بقوات اململكة الالتينية في معركة غير حاسمة عند‬
‫مرج ابن عامر ذي الشهرة التاريخية ( ‪ ،) 5519‬ثم هاجم ريجلند عند‬

‫الكرك بعد بضعة أشهر من ذلك الوقت‪ ،‬ولكنه لم يستطع دخول القلعة‬
‫الحصينة‪ .‬وفي عام ‪ 5511‬وقع مع اململكة الالتينية هدنة تدوم أربع سنين؛ ولكن‬
‫ً‬
‫ريجلند مل فترة السلم الطويلة‪ ،‬فاعترض في عام ‪ 5510‬للمسلمين‪ ،‬ونهب كثيرا‬
‫ً‬
‫من متاعها وأسر عددا من أفرادها‪ ،‬ومنهم أخت صالح الدين‪ ،‬وقال ريجنلد‪" :‬إذا‬
‫كانوا يثقون بمحمد فليأت محمد لينقذهم"‪ .‬ولم يأت محمد؛ ولكن صالح الدي ن‬
‫‪.‬ثارت ثائرته‪ ،‬فأعلن الجهاد على املسيحيين‪ ،‬وأقسم ليقتلن ريجنلد بيده‬

‫ونشبت املعركة الفاصلة في الحروب الصليبية كلها عند حطين بالقرب من طبرية‬
‫ً‬
‫في اليوم الرابع من شهر يوليه سنة ‪ . 5510‬وكان صالح الدين ملما بمعالم ألارض‬
‫فاختار لجيوشه ألاماكن املشرفة على آبار امل اء؛ ودخل املسيحيون ميدان املعركة‬
‫يلهثون من الظمأ بعد أن اخترقوا السهول في حر منتصف املحرق ‪ .‬وانتهز‬
‫املسلمون فرصة هبوب الريح نحو معسكر الصليبيين‪ ،‬فأشعلوا النار في ألاعشاب‬
‫البرية‪ ،‬وحملت الريح الدخان فزاد فرسانهم‪ ،‬وقتلوا عن آخرهم؛ وبعد أن ظل‬
‫الفرسان يقاتلون ق تال اليائسين ضد السالح‪ ،‬والدخان‪ ،‬والظمأ خروا منهوكي‬
‫ً‬
‫القوى ‪ ،‬فقتل منهم من قتل وأسر الباقون ‪ .‬ولم تظهر جيوش املسلمين شيئا من‬
‫الرأفة بفرسان املعبد أو املستشفى‪ ،‬وأمر صالح الدين أن يؤتى له بامللك جاي‬
‫ً‬
‫والدوق ريجنلد‪ ،‬فلما أقبال عليه قدم الشراب إلى امللك دليال على أنه قد عفا‬
‫عنه‪ ،‬أما ريجنلد فقد خيره بين املوت وإلايمان برسالة النبي‪ ،‬فلما رفض قتله‪.‬‬
‫وكان مما غنمه املسلمون في هذه املعركة الصليب الذي كان الصليبيون يتخذونه‬

‫‪28‬‬
‫ً‬
‫علما لهم في املعركة‪ ،‬ويحمله فيها أحد القساوسة‪ ،‬وقد أرسله صالح الدين إلى‬
‫الخليفة في بغداد‪ .‬وملا رأى صالح الدين أنه لم يبق أمامه جيش يخش ى بأسه‪،‬‬
‫زحف لتحرير عكا‪ ،‬وأطلق فيها سراح أربعة آالف أسير من املسلمين‪ ،‬وكافأ جنوده‬
‫بما غنمه‬
‫ً‬
‫من ثروة هذا املرفأ الكثير املتاجر‪ ،‬وخضعت فلسطين كلها تقريبا لصالح الدين‬
‫‪.‬وبقيت في قبضة يده بضعة اشهر‬

‫وملا اقترب من بيت املقدس خ رج إليه أعيانها يعرضون عليه الصلح‪ ،‬فقال لهم‬
‫إنه يعتقد كما يعتقدون هم أن هذه املدينة بيت هللا‪ ،‬وإنه ال يرضيه أن يحاصرها‬
‫أو يهاجمها‪ .‬وعرض على أهلها أن تكون لهم الحرية الكاملة في تحصينها‪ ،‬وأن‬
‫ً‬
‫يزرعوا ما حولها من ألارض إلى ما بعد أسوارها بخمسة عشر ميال دون أن يقف‬
‫أحد في سبيلهم‪ ،‬ووعدهم بأن يسد كل ما ينقصهم من املال والطعام إلى يوم عيد‬
‫ً‬
‫العنصرة‪ ،‬فإذا حل هذا اليوم ورأوا أن هناك أمال في إنقاذهم‪ ،‬كان لهم أن‬
‫يحتفظوا باملدينة‪ ،‬ويقاوموا املحاصرين مقاومة شريفة‪ ،‬أما إذا لم يكن لهم أمل‬
‫في هذه املعونة‪ ،‬فإن عليهم أن يستسلموا من غير قتال‪ ،‬وتعهد في هذه الحال أن‬
‫يحافظ على أرواح السكان املسيحيين وأموالهم ‪ .‬ورفض املندوبون هذا العرض‪،‬‬
‫وقالوا إنهم لن يسلموا املدينة التي مات فيها املسيح منقذ الخلق( ‪ .) 95‬ولم يطل‬
‫ً‬
‫حصار املدينة أكثر من اثني عشر يوما ‪ ،‬وملا أن استسلمت بعدها فرض صالح‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الدين على أهلها فدية قدرها عشر قطع من الذهب ( ‪ 10.19‬؟ رياال أمريكيا ) عن‬
‫كل رجل‪ ،‬وخمس قطع عن كل امرأة‪ ،‬وقطعة واحدة عن كل طفل‪ ،‬أما فقراء‬
‫أهلها البالغ عددهم سبعة آالف فقد وعد بإطالق سراحهم إذا أدوا إليه الثالثين‬
‫ألف بيزانت ( ‪ 209.999‬؟ ريال أمريكي) التي بعث بها هنري ا لثاني ملك إنجلترا إلى‬
‫فرسان املستشفى‪ .‬وقبلت املدينة هذه الشروط "بالشكر والنحيب" على حد قول‬

‫‪29‬‬
‫أحد إلاخباريين املسيحيين‪ ،‬ولعل بعض العارفين من املسيحيين قد وازنوا بين‬
‫هذه الحوادث وبين ما جرى في عام ‪ . 5900‬وطلب العادل أخو صالح الدين أن‬
‫يهدي إليه ألف عبد من الفقرا ء الذين بقوا من غير فداء‪ ،‬فلما أجيب إلى طلبه‬
‫ً‬
‫زعيم املقاومين ‪ Balian‬أعتقهم جميعا ؛ وطلب بليان‬
‫ً‬
‫املسيحيين هدية مثلها‪ ،‬وأجيب إلى ما طلب‪ ،‬وأعتق ألفا آخرين‪ ،‬وحذا حذوه‬
‫املطران املسيحي وفعل ما فعل صاحبه‪ ،‬وقال صالح الدين إن أخاه قد أدى‬
‫الصدقة عن نفسه‪ ،‬وإن املطران وباليان قد تصدقا عن نفسهما‪ ،‬وإنه يفعل‬
‫فعلهما‪ ،‬ثم أعتنق كل من لم يستطع أداء الفدية من كبار السن؛ ويلوح أن نحو‬
‫ً‬
‫خمسة عشر ألفا من ألاسرى املسيحيين بقوا بعدئذ من غير فداء فكانوا أرقاء‪.‬‬
‫وكان ممن افتدوا زوجات وبنات النبالء الذين قتلوا أو أسروا في واقعة حطين‪.‬‬
‫ورق قلب صالح الدين لدموع أولئك النساء والبنات فأطلق سراح من كان في أسر‬
‫املسلمين من أزواجهم وآبائهن (ومن بينهم جاي) أما "النساء والبنات الالتي قتل‬
‫أزواجهن وآباؤهن فقد وزع عليهن منه ماله الخاص ما أطلق ألسنتهن بحمد هللا‪،‬‬
‫وبالثناء على ما عاملهن به صالح الدين م ن معاملة رحيمة نبيلة" ذلك ما يقوله‬
‫‪.‬مولى باليان ‪ Ernoul‬إرنول‬

‫وأقسم امللك والنبالء الذين أطلق سراحهم أال يحملوا السالح ضده مرة أخرى ‪،‬‬
‫ولكنهم ما كادوا يشعرون باألمن في طرابلس وإنطاكية املسيحيتين حتى أحلهما‬
‫حكم رجال الدين من يمينهما املغلظة‪ ،‬وأخذ يدبرا الخطط للثأر من صالح‬
‫الدين( ‪ .) 29‬وأجاز السلطان لليهود أن يعودوا إلى السكنى في بيت املقدس‪ ،‬وأعطى‬
‫املسيحيين حق دخولها‪ ،‬على أن يكونوا غير مسلحين‪ ،‬وساعد حجاجهم وأمنهم‬
‫على أنفسهم وأموالهم( ‪) 91‬؛ وطهرت قبة الصخرة التي حولها املسيحيون إلى‬
‫كنيسة بأن رشت بماء الورد‪ ،‬وأزيل من ها الصليب الذهبي الذي كان يعلوها‪ ،‬بين‬

‫‪30‬‬
‫تهليل املسلمين وأنين املسيحيين‪ .‬وسار صالح الدين على رأس جيشه لحصار عكا‪،‬‬
‫وملا وجدها أمنع من عقاب الجو سرح الجزء ألاكبر من جنده وانسحب وهو‬
‫‪ .‬مريض متعب إلى دمشق ( ‪ ) 5511‬في الخمسين من عمره‬

‫‪31‬‬
‫الفصل السادس‬

‫الحملة ا لصليبية الثالثة‬


‫‪1189-1192‬‬

‫وكان احتفاظ املسيحيين بمدائن صور أنطاكية‪ ،‬وطرابلس مما ترك قلوبهم إثارة‬
‫من ألامل‪ .‬وكانت ألاساطيل إلايطالية ال تزال تسيطر على مياه البحر املتوسط‪،‬‬
‫متأهبة لنقل املحاربين الصليبيين إذا أدوا لها أجورها‪ .‬وعاد وليم كبير أساقفة‬
‫صور إلى أ وربا‪ ،‬وأخذ يروي في الاجتماعات التي تعقد في إيطاليا‪ ،‬وفرنسا وأملانيا‬
‫قصة سقوط بيت املقدس‪ ،‬وملا قدم إلى أملانيا تأثر بدعوته فردريك بربروسه إلى‬
‫حد دفع إلامبراطور العظيم وهو في سن السادسة والسبعين إلى الزحف بجيشه‬
‫من فوره ( ‪ ،) 5510‬وحياه العالم املسيحي كله وخلع ع ليه اسم موس ى الثاني الذي‬
‫سيشق الطريق إلى ألارض املوعودة‪ .‬وملا عبر الجيش الجديد مضيق الهلسبنت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عند غاليبولي‪ ،‬واتخذ إلى أرض فلسطين طريقا جديدا ‪ ،‬كرر أخطاء الحملة‬
‫الصليبية ألاولى ومآسيها؛ واقتفت أثره العصابات التركية وأزعجته‪ ،‬وقطعت عنه‬
‫ً‬
‫املؤن ‪ ،‬فمات مئات من رجا له جوعا ‪ ،‬ومات فردريك ميتة غير شريفة إذ غرق في‬
‫نهر سالف الصغير في قليقية ( ‪ ،) 5509‬ولم ينج من جيشه إال جزء قليل انضم إلى‬
‫‪.‬حصار عكا‬
‫ً‬
‫وكان رتشرد ألاول (ألانكتار) امللقب "قلب ألاسد" قد توج من زمن قريب ملكا على‬
‫إنجلترا وهو في الحادية والثالثين من عمره‪ ،‬فصمم هذا امللك على أن يجرب حظه‬
‫مع املسلمين‪ .‬وإذ كان يخش ى أن يغير الفرنسيون في أثناء غيابه على ألامالك‬

‫‪32‬‬
‫إلانجليزية في فرنسا‪ ،‬فقد أصر على أن يصحبه فليب أغسطس‪ ،‬ووافق امللك‬
‫الفرنس ي‪ ،‬وكان وقتئذ شابا في الحادية والعشرين‬

‫مهن عمره‪ ،‬وتلقى امللكان الشابان الصليب من وليم كبي ر أساقفة صور باحتفال‬
‫مهيب في فيزالي‪ ،‬وأبحر رتشرد املؤنف من النورمان (ألن إلانجليز لم يشترك منهم‬
‫في الحروب الصليبية إال القليل) من مرسيليا‪ ،‬وأبحر جيش فليب من جنوى على‬
‫أن يلتقي الجيشان في صقلية ( ‪ ،) 5509‬فلما التقيا فيها شجر النزاع بينهما‬
‫واستسلما للهو وقضيا ف ي نزاعهما ولهوهما نصف عام‪ .‬وأغضب تانكرد ملك‬
‫صقلية رتشرد‪ ،‬فانتزع هذا منه مسينا "بأسرع مما يتطلبه من القس ترتيل صالة‬
‫السحر"‪ ،‬ثم ردها إليه نظير أربعين ألف أوقية من الذهب؛ فلما توفر له املال‬
‫بهذه الطريقة أبحر بجيشه إلى فلسطين‪ .‬وتحطمت بعض سفنه على ساحل جزيرة‬
‫قب رص‪ ،‬وقبض حاكمها اليوناني على بحارة السفن وزجهم في السجون ‪ ،‬فوقف‬
‫رتشرد عندها بعض الوقت‪ ،‬وفتح الجزيرة‪ ،‬وأعطاها إلى جاي ده لوزينان ملك‬
‫بيت املقدس املشرد‪ .‬وبلغ عكا في يونيه من عام ‪ 5505‬بعد عام من مغادرته‬
‫فيزالي‪ ،‬وكان فليب قد سبقه إليها‪ .‬وكان حصار املسيحيين لعكا قد دام تسعة‬
‫ً‬
‫شهرا ‪ ،‬وهلك فيه منهم عدة آالف‪ ،‬ثم استسلم املسلمون بعد أسابيع قليلة من‬
‫وصول رتشرد‪ .‬وطلب املنتصرون من املغلوبين مائتي ألف قطعة لن الذهب (نحو‬
‫ً‬
‫‪ 019.999‬ريال أمريكي)‪ ،‬وأن يسلموا إليهم ‪ 5099‬أسيرا من صفوة أهل املدينة‪،‬‬
‫وأن يردوا إليهم الصليب الحق‪ .‬ووعد هم أهل املدينة أن يجيبوهم إلى ما طلبوا؛‬
‫وأيد صالح الدين هذا الاتفاق‪ ،‬وسمح للمسلمين من سكان عكا ما عدا ألالف‬
‫والستمائة السالفي الذكر أن يغادروا املدينة ومعهم من املؤن ما يستطيعون‬
‫حمله‪ .‬ثم أصيب فليب أغسطس بالحمى فعاد إلى فرنسا وترك وراءه قوة فرنسية‬
‫‪ .‬مؤلفة من ‪ 59.199‬رجل‪ ،‬وأصبح رتشرد القائد الوحيد للحملة الصليبية الثالثة‬

‫‪33‬‬
‫وبدأت وقتئذ طائفة من الوقائع املشوشة الفذة‪ ،‬تعاقبت فيها الضربات واملعارك‬
‫مع التحيات واملجامالت؛ وأظهر فيها امللك إلانجليزي والسلطان الكردي‬

‫بعض ما تتصف به حضارتاهما وديناهما من أنبل الصفات وأظرفها‪ .‬وليس معنى‬


‫هذا أن كال الرجلين كان من أولياء هللا الصالحين‪ ،‬فقد كان في وسع صالح الدين‬
‫أن يكيل بكل ما لديه من باس الضربات املميتة لعدوه إذا بدا له أن أهدافه‬
‫الحربية تتطلب هذا؛ وكذلك سمح ذو النزعة الروائية الشعرية لنفسه أن يفعل‬
‫ما ال يتفق مع حياته النبيلة ‪ .‬من ذلك أنه ملا تباطأ زعماء عكا املحاصرة في تنفيذ‬
‫شروط الاتفاق املعقود بينهم‪ ،‬أمر رتشرد أن تضرب رؤوس ‪ 2.199‬من ألاسرى‬
‫املسلمين أمام أسوار املدينة لينبه بذلك ألاهلين إلى وجوب إلاسراع في تنفيذ‬
‫الشروط( ‪) 91‬؛ فلما بلغ هذا النبأ صالح الدين‪ ،‬أمر بأن يعدم كل من يقع بعدئذ‬
‫في ألاسر أثناء املعارك مع امللك إلانجليزي ‪ .‬ثم بدل رتشرد نغمته‪ ،‬فعرض أن ينهي‬
‫الحروب الصليبية بأن يزوج أخته جوان للعادل أخي صالح الدين‪ ،‬ولكن‬
‫‪.‬الكنيسة عارضت هذه الفكرة فتخلى رتشرد عنها‬

‫وأيقن رتشرد أن صالح الدين لن يصبر على الهزيمة‪ ،‬فأعاد تنظيم قوته‪ ،‬وت أهب‬
‫ً‬
‫للسير ستين ميال نحو الجنوب بمحاذاة شاطئ البحر ليفك الحصار عن يافا التي‬
‫كانت وقتئذ في أيدي املسيحيين ويحاصرها املسلمون ‪ ،‬ورفض كثير من النبالء أن‬
‫يسيروا معه‪ ،‬وفضلوا أن يتخلفوا في عكا‪ ،‬ويحيكوا الدسائس لالستيالء على‬
‫عرش فلسطين‪ ،‬ألنهم كانوا واثقين من أن رتش رد سيستولي عليها‪ .‬وعاد الجنود‬
‫ألاملان إلانجليزي ويفسدون عليه خططه الحربية؛ كذلك لم يكن العامة‬
‫مستعدين لبذل جهود جديدة في سبيل فلسطين‪ .‬ويقول املؤرخ إلاخباري املسيحي‬
‫‪:‬لحملة رتشرد الصليبية إن املسيحيين املنتصرين بعد هذا الحصار الطويل‬

‫‪34‬‬
‫استسلموا للخمول والترف‪ ،‬وأبوا أن يغادروا املدينة املليئة بأسباب النعيم ‪-‬‬
‫أحسن أنواع الخمور‪ ،‬وأجمل الزانيات‪ .‬وأطلق الكثيرون منهم لشهواتهم العنان‬
‫ً‬
‫فانحلت أخالقهم ودنسوا املدنية بترفهم‪ ،‬حتى أصبح العقالء يتوارون خجال من‬
‫‪ ).‬طيشهم ونهمهم( ‪90‬‬

‫وزاد الطين بلة أن رتشرد أمر أال يصحب الجيش من النساء إال الغساالت ممن ال‬
‫يغرين الجند باإلثم‪ .‬وعوض رتشرد عيوب جنوده بمقدرته الفذة على القيادة‪،‬‬
‫وحذقه في الهندسة العسكرية‪ ،‬وشجاعته امللهمة في امليدان‪ .‬وكان في هذه‬
‫ً‬
‫الصفات كلها متفوقا على صالح الدين وعلى سائر قادة الحروب الصليبية‬
‫‪.‬املسيحيين‬
‫ً‬
‫والتقى جيشه بج يش صالح الدين عند أرسوف وانتصر عليه انتصارا غير حاسم‬
‫( ‪ ،) 5505‬وطلب مواصلة القتال‪ ،‬ولكن رتشرد سحب جنوده إلى داخل أسوار‬
‫يافا‪ ،‬ثم عرض عليه صالح الدين الصلح؛ وبينا كانت املفاوضات دائرة بين‬
‫‪ ،‬الذي كان ‪ Conrad Marquls of Montferrat‬القائدين اتصل كنراد مركيز منفرات‬
‫يتولى أمر صور‪ ،‬في مفاوضات مستقلة مع صالح الدين‪ ،‬وعرض عليه أن يصبح‬
‫حليفه‪ ،‬وأن يتولى على عكا ويردها للمسلمين‪ ،‬إذا وافق صالح الدين على أن‬
‫يتملك هو صيدا وبيروت‪ .‬ولكن صالح الدين أجاز ألخيه‪ ،‬على الرغم من هذا‬
‫ً‬
‫العرض‪ ،‬أن يعقد مع رتشرد صلحا يترك للمسيحيين جميع ما كان بيدهم وقتئذ‬
‫من املدن الساحلية‪ ،‬ونصف بيت املقدس‪ .‬وبلغ من سرور رتشرد بهذه الشروط‬
‫أن خلع على ابن السفير املسلم لقب فارس ( ‪) 5502‬؛ لكنه حين سمع بعد قليل‬
‫من الوقت أن صالح الدين يواجه بعض املتاعب في الشرق ‪ ،‬رفض شروطه‪،‬‬
‫ً‬
‫وحاصر داروم واستولى عليها‪ ،‬وتقدم حتى اصبح ع لى بعد اثني عشر ميال من بيت‬

‫‪35‬‬
‫املقدس‪ .‬ودعا صالح الدين جنوده إلى حمل السالح‪ ،‬وكان قد سرحهم ليستريحوا‬
‫في فصل الشتاء‪ ،‬وحدث الشقاق في هذه ألاثناء في معسكر املسيحيين‪ ،‬وأبلغهم‬
‫كشافتهم أن آلابار التي في طريق بيت املقدس قد سممت‪ ،‬وأن الجيش الزاحف‬
‫عليها لن يجد ماء لل شرب‪،‬‬
‫ً‬
‫وعقدوا مجلسا للنظر فيما يجب أن يفعلوه‪ ،‬فقرر هذا املجلس أن يتخلوا عن‬
‫ً‬
‫بيت املقدس ويزحفوا على القاهرة البعيدة عنهم بنحو ‪ 219‬ميال ‪ .‬وكان رتشرد قد‬
‫سئمت نفسه هذه الفعال‪ ،‬وعافتها‪ ،‬ومأل اليأس قلبه‪ ،‬فانسحب إلى عكا وأخذ‬
‫‪.‬يفكر في العودة إلى إنجلترا‬

‫ولكنه ملا سمع أن صالح الدين عاود الهجوم على يافا‪ ،‬وأنه استولى عليها بعد‬
‫ً‬
‫يومين ال أكثر‪ ،‬أبى عليه كبرياؤه أن ينكص عن غرضه‪ ،‬وبعث في نفسه روحا‬
‫جديدة‪ ،‬وأقلع من فوره إلى يافا مع من استطاع أن يحشدهم من الجنود‪ .‬وملا‬
‫وصل إلى امليناء نادى بأعلى صوته "الويل للقاعد!" وقفز إلى وسطه في البحر‪،‬‬
‫وأخذ يلوح ببلطته الدنمرقية الشهيرة ويقتل كل من يقف في سبيله‪ ،‬ثم قاد‬
‫جنوده إلى داخل املدينة‪ ،‬وأخرج منها جميع الجنود املسلمين‪ .‬كل هذا ولم يكد‬
‫صالح الدين يعرف ما حصل ( ‪ .) 5502‬فلما عرفه استدعى القسم الرئيس ي من‬
‫ً‬
‫جيشه إلنقاذ املدينة‪ ،‬وكان عدد رجاله يربو كثيرا على عدد جنود رتشرد الثالثة‬
‫آلاالف‪ ،‬ولكن شجاعة امللك وجرأته أكسبتاه النصر‪ .‬وملا رأى صالح الدين أن‬
‫ً‬
‫رتشرد راجال بعث إليه بجواد من عنده‪ ،‬وقال إن من العار أن يقاتل هذا الرجل‬
‫ً‬
‫الشهم راجال ‪ .‬وغضب جنود صالح الدين من هذا العمل وأمثاله فلم يعودوا‬
‫ً‬
‫يطيقون صبرا عليه؛ وأخذوا يلومونه على أن ترك جنود حامية يافا أحياء‬
‫ليقاتلوه فيها مرة أخرى ‪ .‬ثم سار رتشرد آخر ألامر ‪ -‬إذا جاز لنا أن نصدق رواة‬

‫‪36‬‬
‫ً‬
‫القصة املسيحيين ‪ -‬أمام جيش املسلمين وحربته مدالة إلى جانبه‪ ،‬ولكن أحدا لم‬
‫‪ ).‬يجرؤ على مهاجمته( ‪90‬‬

‫ثم تبدلت الحال في اليوم الث اني‪ ،‬وجاءت إلامداد إلى صالح الدين‪ ،‬واستولى امللل‬
‫مرة أخرى على رتشرد‪ ،‬وحبس عنه فرسان عكا وصور معونتهم‪ ،‬فأرسل بطلب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الصلح من جديد‪ .‬واشتدت عليه الحمى فطلب فاكهة وشرابا باردا ‪،‬‬

‫فما كان من صالح الدين إال أن بعث إليه بالكمثرى والخوخ والثلج‪ ،‬وبطبيبه‬
‫الخاص‪ .‬وفي ا ليوم الثاني من سبتمبر ‪ 5502‬وقع البطالن شروط صلح يدوم ثالث‬
‫سنين‪ ،‬وقسمت فلسطين قسمين؛ فاحتفظ رتشرد بجميع ما فتحه من املدن‬
‫املمتدة على طول الساحل من عكا إلى يافا؛ وسمح للمسلمين واملسيحيين بحرية‬
‫الانتقال من أحد القسمين إلى آلاخر‪ ،‬وتعهد السلطان بحماية الحجاج امل سيحيين‬
‫إلى بيت املقدس على أن تبقى املدينة في أيد املسلمين (ولعل التجار إلايطاليين‬
‫الذين يهمهم قبل كل ش يء أن يسيطروا على الثغور البحرية‪ ،‬قد أقنعوا رتشرد‬
‫بالتخلي عن املدينة املقدسة نظير استيالئه على املدن الساحلية)‪ .‬وأقيمت املآدب‬
‫ً‬
‫وألالعاب احتفاال بالصلح؛ ويقول صاحب سيرة رتشرد في هذا‪" :‬واله وحده يعلم‬
‫مقدار السرور الذي مأل قلوب الشعبين‪ ،‬وهو سرور يجل عن الوصف"( ‪.) 91‬‬
‫وزالت إلى حين ألاحقاد من الصدور؛ وملا ركب سفينته إلى إنجلترا أرسل رسالته‬
‫ألاخيرة إلى صالح الدين يتحداه‪ ،‬ويتوعده بأنه سيعود بعد ثالث سنين ويستولي‬
‫عل ى بيت املقدس‪ .‬وأجابه صالح الدين بأنه إذا كان البد أن تقطع يده فإنه‬
‫‪ ).‬يفضل أن يقطعها رتشرد (ألانكتار) ال أي رجل سواه( ‪90‬‬

‫وبعد فإن اعتدال صالح الدين‪ ،‬وصبره‪ ،‬وعدله قد غلبت بهاء رتشرد‪ ،‬وشجاعته‪،‬‬
‫ومهارته الحربية؛ كما غلب املسلمون بفضل إخالص زعمائهم ووحدتهم الزعم اء‬

‫‪37‬‬
‫إلاقطاعيين املنقسمين على أنفسهم‪ ،‬والذين يعوزهم الوالء للغرض وإلاخالص في‬
‫املقصد؛ وكان قصر خط التموين من وراء املسلمين أعظم فائدة من سيطرة‬
‫املسيحيين على البحار‪ .‬وكانت الفضائل وألاخطاء املسيحية أبرز في السلطان منها‬
‫ً‬
‫في امللك املسيحي؛ فقد كان صالح الدين مستم سكا بدينه إلى أبعد حد‪ ،‬وأجاز‬
‫لنفسه أن يقسو أشد القسوة على فرسان املعبد واملستشفى؛ ولكنه كان في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العدة شفيقا على الضعفاء‪ ،‬رحيما باملغلوبين‪ ،‬يسمو على أعدائه في وفائه بوعده‬
‫سموا‬

‫جعل املؤرخين املسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين إلاسالمي "الخاطئ" في ظنهم‬
‫ً‬
‫رجال ي صل في العظمة إلى هذا الحد‪ .‬وكان يعامل خدمه أرق معاملة‪ ،‬ويستمع‬
‫بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها‪ ،‬وكانت قيمة املال عنده ال تزيد على قيمة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫التراب‪ .‬ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إال دينارا واحدا ( ‪) 19‬؛ وقد ترك‬
‫‪ :‬البنه قبل موته بزمن قليل وصية ال تسمو فوقها أية فل سفة مسيحية‬

‫أوصيك بتقوى هللا تعالى فإنها رأس كل خير؛ وآمرك بما أمر هللا به فإنه سبب "‬
‫نجاتك؛ وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم ال ينام؛ وأوصيك‬
‫بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم‪ ،‬فأنت أميني وأمين هللا عليهم؛ وأوصيك‬
‫بحفظ قلوب ألامراء وأربا ب الدولة وألاكابر‪ .‬فما بلغت ما بلغت إال بمداراة‬
‫الناس؛ وال تحقد على أحد‪ ،‬فإن املوت ال يبقى على أحد؛ وأحذر ما بينك وبين‬
‫الناس فإنه ال يغفر إال برضاهم‪ ،‬وما بينك وبين هللا يغفره اله بتوبتك إليه فإنه‬
‫‪ ".‬كريم‬

‫‪ .‬ومات في عام ‪ 5509‬ولم يتجاوز سنه الخامسة والخمسين‬

‫‪38‬‬
‫الفصل السابع‬

‫الحملة الصليبية الرابعة‬

‫‪1202-1204‬‬
‫أفلحت الحملة الصليبية الثالثة في أخذ عكا ولكنها لم تفلح في الاستيالء على بيت‬
‫املقدس‪ ،‬وكانت هذه نتيجة ضئيلة ميئسة لحملة اشترك فيها اعظم ملوك أوربا‪.‬‬
‫وكان غرق بربروسه‪ ،‬وفرار فيليب أغسطس‪ ،‬وإخفاق رتشرد‪ ،‬ودسائس ا لفرسان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املسيحيين في ألارض املقدسة التي لم يرعوا فيها واجبا أو ضميرا ‪ ،‬أو النزاع الذي‬
‫قام بين فرسان املستشفى وفرسان املعبد‪ ،‬وتجدد الحرب بين إنجلترا وفرنسا‪ ،‬كل‬
‫هذا قد حطم كبرياء أوربا‪ ،‬وأذلها‪ ،‬وأضعف ثقة العالم املسيحي بها‪ .‬ولكن موت‬
‫صالح الدين املبكر‪ ،‬وانقسا م دولته بعد وفاته‪ ،‬بعث في قلوب العالم املسيحي‬
‫ً‬
‫يجلس على عرش البابوية ‪ Innocent III‬آماال جديدة‪ ،‬فلم يكد إنوسنت الثالث‬
‫( ‪ ،) 5250 - 5501‬حتى أخذ يطالب العالم املسيحي ببذل مجهود جديد‪ ،‬وقام فلك‬
‫‪ ،‬وهو قس ساذج‪ ،‬يدعو امللوك والسوقة إلى حرب ‪ Fnlk de Neuilly‬ده نويي‬
‫صليبي ة رابعة‪ .‬وكانت نتيجة الدعوة ميئسة؛ فقد كان إلامبراطور فردريك الثاني‬
‫ً‬
‫طفال في سن الرابعة؛ وكان فليب أغسطس يرى أن حملة صليبية واحدة تكفيه‬
‫طوال حياته‪ ،‬ونس ى رتشرد كلماته ألاخيرة لصالح الدين فأخذ يسخر من دعوة‬
‫فلك‪ ،‬ويقول له‪" :‬إنك تدعوني إلى التخلي عن بناتي الثالث ‪ -‬الكبرياء‪ ،‬والبخل‪،‬‬
‫والانغماس في املالذ‪ ،‬فدونك هي ألجدر الناس بها‪ :‬كبريائي لفرسان املعبد‪ ،‬وبخلي‬
‫‪ ،‬وانغماس ي في املالذ إلى املطارنة"( ‪ .) 12‬ولكن إنوسنت ‪ Citeaux‬لرهبان سيتو‬

‫‪39‬‬
‫واصل دعوته‪ ،‬وقال إن حملة توجه إلى مصر مقدر لها الفوز بفضل سيطرة‬
‫إلايطاليين على البحر امل توسط‪ ،‬ثم تتخذ الغنية الخصبة قاعدة للزحف‬

‫على بيت املقدس‪ .‬ووافقت البندقية بعد مساومات طويلة على أن تعد ما يلزم‬
‫ً‬
‫لنقل ‪ 1199‬من الفرسان والخيول ‪ ،‬و ‪ 0999‬من أتباعهم‪ ،‬وعشرين ألفا من‬
‫املشاة‪ ،‬وما يكفي هذه القوة من املؤن تسعة شهور‪ ،‬كل هذا في نظير ‪11.999‬‬
‫ً‬
‫مارك من الفضة (نحو ‪ 1.199.999‬ريال أمريكي)‪ .‬ورضيت أيضا أن تمدهم‬
‫بخمسين سفينة حربية بشرط أن تختص جمهورية البندقية بنصف الغنائم‬
‫الحربية( ‪ .) 19‬على أن البنادقة لم يكن في عزمهم أن يهاجموا مصر‪ ،‬فقد كانوا‬
‫يكسبون منها املاليين في كل عام بما يصدرونه إليها من الخشب‪ ،‬والحديد‬
‫والسالح‪ ،‬وباستيراد العبيد؛ ولم يكونوا يريدون أن يخاطروا بضياع هذه التجارة‬
‫باالشتراك في الحرب‪ ،‬أو باقتسامها مع بيزا وجنوى ‪ .‬ولهذا فإنهم وهم يفاوضون‬
‫املؤرخ ‪ Ernoul‬بمقتضاه سالمة تلك البالد من الغزو ( ‪ .)11 () 5295‬وبقول إرنول‬
‫إلاخباري املعاصر إن البندقية حصلت على رشوة ك بيرة نظير تحويل الحملة‬
‫‪ ).‬الصليبية عن فلسطين( ‪11‬‬

‫وتجمعت الجيوش الجديدة في مدينة البندقية في صيف ‪ . 5292‬وكان من أبرز‬


‫‪ ،‬والكونت ‪ Bliois‬رجالها املركيز بنغاس من منت فرات‪ ،‬والكونت لويس من بلوا‬
‫بلدوين من فالندرز ‪ ،‬وسيمون ده منت فورت الذي يستمد شهرته من‬
‫‪ Geoffroi de‬ألالبجنسيين‪ ،‬وكان من بين أعيانها الكثيرين جيوفروا ده فيلهاردون‬
‫‪ ،‬مارشال شمبانيا الذي لم يقتصر عمله على ما )‪Villehardouin (1160-1213‬‬
‫اضطلع به من دور رئيس ي في ألاعمال السياسية والحربية املتصلة بالحرب‬
‫الصليبية‪ ،‬بل إنه سجل تاريخها املعيب في مذكرات سترت معايبها‪ ،‬وكانت بداية‬
‫النثر الفرنس ي ألادبي‪ .‬وجاء معظم الصليبيين من فرنسا كما جرت بذلك عادتها؛‬

‫‪40‬‬
‫وكان قد طلب إلى كل رجل أن يأتي معه بقدر من املال يتفق مع موارده حتى‬
‫ً‬
‫يتجمع للحملة مبلغ ا ل ـ ـ ‪ 11.999‬مارك التي البد من أدائها للبندقية تنفيذا‬
‫للشروط املتفق عليها معها‪ .‬ونقص املبلغ املتجمع عن الواجب أداؤه‬

‫الدوج ‪ Enrico Dandolo‬بأربعة وثالثين ألف مارك‪ ،‬وحينئذ عرض إنريكودندو لو‬
‫ً‬
‫الذي ال يكاد يبصر "ذو القلب العظيم"‪ ،‬مدفوعا إلى ما عرضه بكل ما أمدته به‬
‫من تقي وقداسة سنوه ألاربع والتسعون ‪ ،‬عرض هذا الدوج أن ينزل عن املبلغ‬
‫‪ ،‬وكانت ‪ Zara‬الباقي إذا س اعد الصليبيون مدينة البندقية على فتح مدينة زارا‬
‫هذه املدينة وقتئذ أهم ثغور البحر ألادرياوي بعد البندقية نفسها؛ وكانت‬
‫ً‬
‫البندقية قد استولت عليها في عام ‪ ، 001‬وكثيرا ما خرجت عليها وأخضعت لها‪،‬‬
‫وكانت في الوقت الذي نتحدث عنه من أمالك املجر‪ ،‬ومنفذها ال وحيد إلى البحر‪.‬‬
‫وكانت ثروتها وقوتها آخذتين في النماء‪ ،‬ولهذا كانت البندقية تخش ى منافستها لها‬
‫في تجارة البحر ألادرياوي ‪ .‬ووصف إنوسنت الثالث هذا الاقتراح بأنه اقتراح دنئ‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأنذر كل من يشترك فيه بالحرمان‪ ،‬غير أن أعظم البابوات شأنا وأقواهم سلطانا‬
‫لم يستطع أن يج عل صوته أعلى من رنين الذهب‪ ،‬وهاجم إلاسطوالن زارا‪،‬‬
‫واستوليا عليها بعد خمسة أيام‪ ،‬وقسم الفاتحون الغنائم فيما بينهم؛ ثم أرسل‬
‫الصليبيون بعثة إلى البابا يرجون منه املغفرة‪ ،‬فغفر لهم‪ ،‬ولكنه طلب إليهم أن‬
‫يردوا الغنيمة؛ فشكروا له غفران الخطيئة‪ ،‬واحتفظوا بالغنيمة؛ وتجاهل‬
‫البنادقة أمر الحرمان‪ ،‬وخطوا الخطوة التالية لتنفيذ القسم الثاني من‬
‫‪.‬مشروعهم وهو الاستيالء على القسطنطينية‬
‫ً‬
‫ولم تكن إلامبراطورية البيزنطية قد تعلمت شيئا من الحمالت الصليبية‪ .‬ذلك أن‬
‫هذه إلامبراطورية لم تقدم للصليبيين معونة تذكر‪ ،‬ولكنها حصلت منهم على‬
‫كس ب عظيم؛ فقد استردت الجزء ألاكبر من آسيا الصغرى ‪ ،‬وكانت تنظر بعين‬

‫‪41‬‬
‫الرضا والاطمئنان إلى ما حل من الضعف بالغرب وباإلسالم في كفاحهما‬
‫قد ألقى القبض على ‪ Manuel‬لالستيالء على فلسطين‪ .‬وكان إلامبراطور مانيول‬
‫آالف من البنادقة من القسطنطينية وألغى إلى حين ما للبندقية في تلك املدينة‬
‫‪ Jsaac Angelus‬من امتيازات تجارية ( ‪) 10 () 5505‬؛ ولم يستنكف إيزاك أنجليوس‬

‫أن يتحالف مع املسلمين( ‪) 10‬؛ وفي عام ‪ 5501‬خلعه أخوه ألكسيوس الثالث‬
‫ً‬
‫وسجنه وفقأ عينيه؛ وفر ابن اسحق واسمه أيضا ألكسيوس إلى ‪Alexius III‬‬
‫أملانيا‪ ،‬ثم جاء إلى البندقية في عام ‪ ، 5292‬واستغاث بمجلس شيوخها‬
‫وبالصليبيين أن ينقذوا أباء ويعيدوه إلى عرشه‪ ،‬ووعدهم في نظير هذا العمل أن‬
‫تساعدهم بيزنطية في حربهم على إلاسالم‪ .‬وعقد دنولو وألاشراف الفرنسيون مع‬
‫ً‬
‫ألامير الشاب اتفاقا عظيم الفائدة لهم‪ :‬فقد أقنعوه أن يتعهد بأداء مائتي ألف‬
‫ً‬
‫مارك فض ي إلى الصليبيين‪ ،‬وأن يجهز جيشا قوامه عشرة آالف رجل للخدمة في‬
‫فلسطين‪ ،‬وأن يخضع الكنيسة ألارثوذكسية اليونانية للبابا في روما( ‪ .) 11‬ولكن‬
‫البابا إنوست الثالث نهى الصليبيين على الرغم من هذه املنح السخية عن‬
‫مهاجمة القسطنطينية وأنذرهم بالحرمان إذا فعلوا؛ ورفض بعض ألاش راف أن‬
‫يشتركوا في الحملة‪ ،‬ورأى قسم من الجيش أنه في حل من يمنه التي أقسمها‬
‫باالشتراك في الحملة الصليبية وعاد إلى أوطانه‪ ،‬ولكن فكرة الاستيالء على أغنى‬
‫مدينة في أوربا ظلت مستحوذة على الكثيرين من الصليبيين يصعب عليهم‬
‫مقاومتها‪ ،‬ولهذا فإن ألاسطول العظيم املكون م ن ‪ 119‬سفينة أقلع في أول يوم‬
‫من شهر أكتوبر عام ‪ 5292‬وسط مظاهر الابتهاج والتهليل بينا كان القساوسة‬
‫‪ Veni‬الواقفون عند أبراج السفن الحربية ينشدون نشيد تعال أيها الخالق الروح‬
‫‪ ،‬ووقف هذا ألاسطول الضخم أمام القسطنطينية في )‪Creator Spilritus(49‬‬
‫‪ :‬الرابع والعشرين من ش هر يونيه عام ‪ . 5299‬ويقول فيل هاردون في وصفها‬

‫‪42‬‬
‫وأؤكد لكم أن أولئك الذين لم يروا القسطنطينية من قبل قد فتحوا عيونهم‬
‫واسعة‪ ،‬ألنهم لم يكونوا يعتقدون أن في العالم كله مدينة في مثل هذا الثراء‪،‬‬
‫حين أبصروا ألاسوار الشامخة‪ ،‬وألابراج الضخمة التي تتألف منها‪ ،‬والقصور‬
‫املنيفة‪ ،‬والكنائس العالية التي ال تحص ى عددها‪ ،‬وال يعتقد إنسان بوجودها إال‬
‫إذا كان قد رآها بعينيه‪ ،‬وعرف ما بلغته هذه املدينة سيدة املدن‬

‫كلها من الطول والعرض‪ .‬واعلموا أنه لم يكن بيننا رجل مهما بلغ من الشجاعة‪،‬‬
‫ً‬
‫إال اقشعر بدنه حين شاهدها؛ وليس في هذا ش يء من ا لعجب‪ ،‬ألن أحدا من‬
‫الناس لم يقم منذ بداية العالم بعمل يضارع في جالله هجومنا على تلك‬
‫‪ ).‬املدينة( ‪19‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأرسل املهاجمون بالغا نهائيا إلى ألكسيوس طلبوا فيه‪ :‬أن يرد إلامبراطورية إلى‬
‫ألاخ ألاعمى أو إلى ألكسيوس الصغير‪ ،‬الذي كان يصحب ألاسطول املغير؛ فلما‬
‫رفض ألكسيوس الثالث هذا إلانذار نزل الصليبيون إلى البر‪ ،‬بعد مقاومة‬
‫ضعيفة‪ ،‬أمام أسوار املدينة‪ ،‬وكان دنولو الشيخ املسن أول من وطئت قدماه‬
‫ألارض‪ .‬وفر ألكسيوس الثالث إلى تراقيا‪ ،‬وأخرج ألاشراف اليون اسحق أنجليوس‬
‫من سجنه وأجلسوه بأنفسهم على العرش‪ ،‬وأرسلوا باسمه رسالة إلى ال زعماء‬
‫ً‬
‫الالتين يقول فيها إنه ينتظر ابنه ليحييه‪ .‬وبعد أن استخلص الصليبيون وعدا‬
‫من اسحق بارتباطه بما تعهد لهم به ولده دخل ندولو وألاشراف املدينة‪ ،‬وتوج‬
‫ً‬
‫ألكسيوس الصغير إمبراطورا باالشتراك مع أبيه‪ .‬وملا عرف اليونان الثمن الذي‬
‫اشترى به هذا النصر انقلبوا عليه غا ضبين ساخرين؛ فأما العامة فقد أخذوا‬
‫يحبسون مقدار ما يجب عليهم أداؤه من الضرائب لجمع ما وعد به منقذيه من‬
‫املال‪ ،‬وأما ألاشراف فقد ساءهم وجود أرستقراطية غربية وقوة أجنبية في‬
‫املدينة‪ ،‬وأما رجال الدين فقد رفضوا في غضب وحنق أن يخضعوا لروما‪ .‬وحدث‬

‫‪43‬‬
‫في هذا ألاثناء أن رأى بعض الجنود الالتين جماعة من املسلمين يصلون في‬
‫مسجد مقام في مدينة مسيحية‪ ،‬فثارت ثائرتهم وأشعلوا النار في املسجد‪ ،‬وقتلوا‬
‫املصلين‪ .‬وظلت النار مشتعلة ثمانية أيام وامتدت إلى مسافة ثالثة أميال‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وأحالت جزءا كبيرا من القسطنطينية رمادا وأنقاضا ‪ .‬وقام أمير م ن البيت املالك‬
‫وتزعم ثورة من أهل املدينة وقتل ألكسيوس الرابع‪ ،‬وأعاد اسحق إنجليوس إلى‬
‫السجن‪ ،‬وجلس على العرش وتسمى باسم ألكسيوس الخامس دوكاس‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وأخذ يعد جيشا يطرد به الالتين من معسكرهم في غلطة‪Alexius V. Ducas .‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ولكن اليونان كانوا قد قضوا دهرا طويال وهم آم نون وراء أسوارهم‪ ،‬فلم‬
‫يحتفظوا بش يء من الفضائل املتصلة باسمهم الروماني‪ ،‬فاستسلموا بعد شهر‬
‫من الحصار؛ وفر ألكسيوس الخامس‪ ،‬وأخذ الالتين الظافرون يعيثون في‬
‫‪ ).‬العاصمة كأنهم جراد منتشر ملتهم ( ‪5291‬‬

‫وازداد نهمهم لطول ما حرموا من فريستهم املوعودة‪ ،‬فانقضوا على املد ينة‬
‫الغنية في أسبوع عيد الفصح وأتوا فيها من ضروب السلب والنهب ما لم تشهده‬
‫روما نفسها على أيدي الوندال أو القوط‪ .‬نعم إنه لم يقتل في هذه الحوادث‬
‫كثيرون من اليونان ‪ -‬فلعل عدد القتلى لم يتجاوز ألفين‪ ،‬أما السلب والنهب فلم‬
‫يقفا عند حد‪ .‬ووزع ألاشراف القصور فيما بي نهم‪ ،‬واستولوا على ما وجدوه فيها‬
‫من الكنوز؛ واقتحم الجنود البيوت‪ ،‬والكنائس‪ ،‬والحوانيت‪ ،‬واستولوا على كل ما‬
‫راقهم مما فيها؛ ولم يكتفوا بتجريد الكنائس مما تجمع فيها خالل ألف عام من‬
‫الذهب والفضة والجواهر‪ ،‬بل جردوها فوق ذلك من املخلفات املقدسة‪ ،‬ثم‬
‫بيعت هذه املخل فات بعدئذ في أوربا الغربية بأثمان عالية‪ .‬وعانت كنيسة‬
‫أياصوفيا من النهب ما لم تعانه فيما بعد على يد ألاتراك عام ‪ ،) 15 ( 5119‬فقد‬
‫ً‬
‫قطع مذبحها العظيم تقطيعا لتوزع فضته وذهبه( ‪ .) 12‬وكان البنادقة‪ ،‬وهم‬

‫‪44‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الذين يألفون املدينة التي كثيرا ما رحبت بهم تجارا ‪ ،‬يعرفون أين توجد أعظم‬
‫كنوزها‪ ،‬فاستعانوا بذكائهم الفائق على أعمال التلصص‪ ،‬وامتدت أيديهم إلى‬
‫التماثيل‪ ،‬وألاقمشة‪ ،‬وألارقاء‪ ،‬والجواهر؛ ونقلت ألاربعة الجياد البرنزية التي‬
‫‪ Piazza di San‬كانت تطل على املدينة اليونانية‪ ،‬وجمل بها ميدان القديس مرقس‬
‫وكانت هذه السرقات املن ظمة مصدر تسعة أعشار مجموعات الفنون ‪Marco.‬‬
‫والجواهر التي امتازت بها كنوز كنيسة القديس مرقس على سائر الكنائس( ‪.)19‬‬
‫وبذلت محاولة ضئيلة للحد من اغتصاب النساء‪ ،‬وقنع الكثيرون من الجنود‬
‫بالعاهرات‪ ،‬ولكن‬

‫إنوسنت الثالث أخذ يشكو من أن شهوات الالتين املكبوتة لم ينج منها الكب ار أو‬
‫الصغار‪ ،‬وال الذكور أو إلاناث‪ ،‬وال أهل الدنيا أو الدين؛ فقد أرغمت الراهبات‬
‫اليونانيات على احتضان الفالحين أو السائسين البنادقة والفرنسيين( ‪.) 11‬‬
‫وبددت في أثناء هذا السلب والنهب محتويات دور الكتب وأتلفت املخطوطات‬
‫الثمينة أو فقدت‪ ،‬واندلعت ألسنة النيران بع دئذ مرتين في املدينة فالتهمت دور‬
‫الكتب واملتاحف كما التهمت الكنائس واملنازل ‪ ،‬فضاعت مسرحيات سفكليز‬
‫ويوربديز التي ظلت حتى ذلك الوقت باقية بأكملها ولم ينج منها إال القليل‪،‬‬
‫‪.‬وسرقت آالف من روائع الفن أو شوهت أو أتلفت‬
‫ً‬
‫وملا خفت حدة الاضطراب والنهب اختار أعيان ال التين بلدوين أمير فالندرز ملكا‬
‫ململكة القسطنطينية الالتينية ( ‪ ،) 5921‬وجعلوا الفرنسية لغتها الرسمية‪.‬‬
‫ً‬
‫وقسمت إلامبراطورية البيزنطية إلى أمالك إقطاعية يحكم كال منها أمير نبيل‬
‫إقطاعي‪ .‬وكانت البندقية حريصة على السيطرة على طرق التجارة فاستولت على‬
‫‪ ،‬والجزائر ألايونية‪ ،‬وجزء من ‪ Acarnania‬هدريانويل‪ ،‬وإبي روس‪ ،‬وأكارنانيا‬
‫البلوبونيز‪ ،‬وجزيرة عوبية‪ ،‬وجزائر ألارخبيل‪ ،‬وغاليبولي‪ ،‬وثالثة أثمان‬

‫‪45‬‬
‫القسطنطينية‪ .‬وانتزعت من أهل جنوى "املصانع" البيزنطية‪ ،‬واملعاقل الخارجية‪،‬‬
‫واختار دنوولو لنفسه‪ ،‬وكان وقتئذ يترنح في ثيابه إلامبراطورية‪ ،‬ل قب "دوج‬
‫البندقية‪ ،‬وسيد ربع إلامبراطورية الرومانية وثمنها"( ‪ .) 11‬ولم يطل عمره بعد هذا‬
‫فقد مات في زهو هذا النصر الذي ناله بفعال أثيمة لم يؤنبه عليها ضميره‪.‬‬
‫واستبدل برجال الدين اليونان غيرهم من الالتين‪ ،‬رسم الكثيرون منهم قساوسة‬
‫لهذه املناسبة دون أن يكون لهم تا ريخ سابق في شئون الدين‪ ،‬ووافق إنوسنت‬
‫الثالث على الاتحاد الرسمي بين الكنيستين اليونانية والالتينية عن رضا‬

‫وطيب خاطر‪ ،‬وإن ظل يحتج على الهجوم‪ .‬وعاد معظم الصليبين إلى أوطانهم‬
‫مثقلين بالغنائم‪ ،‬وأقام بعضهم في ألامالك الجديدة‪ ،‬ولم يصل منهم إلى فلسطين‬
‫ً‬
‫إال حفنة قل يلة‪ ،‬لم تعمل فيها عمال ما‪ .‬ولعل الصليبيين قد ظنوا أن‬
‫القسطنطينية بعد استيالئهم عليها‪ ،‬ستكون قاعدة ضد ألاتراك أقوى مما كانت‬
‫ً‬
‫طوالا أنهك قوى‬ ‫ً‬
‫وهي بيزنطية‪ ،‬ولكن النزاع بين الالتين واليونان الذي دام أجياال‬
‫العالم اليوناني ولم تفق إلامبراطورية البيزنطية من هذه الضربة القاصمة‪ ،‬ومهد‬
‫استيالء الالتين على القسطنطينية إلى استيالء ألاتراك عليها بعد مائتي عام من‬
‫‪.‬ذلك الوقت‬

‫الفصل الثامن‬

‫‪46‬‬
‫إخفاق الحمالت الصليبية‬

‫‪1211-1291‬‬

‫لقد كانت فضائح الحملة الصليبية الرابعة‪ ،‬مضافة في نحو عشر سنين إلى‬
‫إخفاق الحملة الثالثة‪ ،‬مما ال يرتاح له الدين املسيحي الذي واجه بعد زمن قليل‬
‫بعث فلسفة أرسطو‪ ،‬وفلسفة ابن رشد الدقيقة القائمة على تحكيم العقل‪.‬‬
‫وأخذ املفكرون يجهدون عقولهم ليفسروا للناس كيف رض ى هللا أن يهزم ناصروه‬
‫في تلك القضية املقدسة‪ ،‬ولم يهب النصر إال للبنادقة ألادنياء‪ .‬والح ناصروه في‬
‫تلك القضية الساذجة في خالل هذه الشكوك أن ال سبيل إلى استرداد حصن‬
‫املسيح الحصين إال بالطهر والتجرد من الذنوب‪ .‬ولهذا قام في عام ‪ 5252‬شاب‬
‫‪ ،‬وأعلن أن هللا ‪ Nicholas‬أملاني ال يعرف التاريخ من ماضيه إال أن اسمه نيقوالس‬
‫قد أمره أن يقود إلى ألارض املقدسة حملة صليبية مؤلفة من ألاطفال‪ .‬وعارضه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في ذلك رجال الدين وغير رجال الدين‪ ،‬ولكن فكرته انتشرت انتشارا سريعا في‬
‫عصر تسوده أكثر مما تسود سائر العصور موجات الحماسة العاطفية‪ .‬وحاول‬
‫آلاباء بكل ما وسعهم من الجهد أن يمنعوا أبناءهم من الاستجابة لدعوته‪ ،‬ولكن‬
‫ً‬
‫آالفا من الغلمان ( وبعض البنات في ثياب الغلمان) ال يزيد متوسط أعمارهم على‬
‫الثانية عشرة تسللوا من بيوتهم وساروا وراء نيقوالس‪ ،‬ولعلهم قد سرهم أن‬
‫ينجوا من استبداد البيت إلى حرية الطريق‪ .‬وخرج القسم ألاكبر من هذا الحشد‬
‫املؤلف من ثالثين ألف طفل‪ ،‬من مدينة كولوني‪ ،‬وساروا بإزاء نهر ا لرين‪ ،‬وفوق‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جبال ألالب‪ .‬وأهلك الجوع عددا كبيرا منهم وفتكت الذئاب ببعض املتخلفين‪،‬‬
‫واختلط اللصوص بالزاحفين وسرقوا ثيابهم وطعامهم؛ ووصل من نجا منهم إلى‬

‫‪47‬‬
‫ً‬
‫جنوى حيث سخر منهم إلايطاليون عبدة املصالح الدنيوية؛ ولم يجدوا سفنا‬
‫تقلهم إلى فلسطين؛ فلما استغاثوا بإنوس نت الثالث أجابهم بلطف أن يعودوا إلى‬
‫أوطانهم‪ ،‬فمنهم من سمعوا النصيحة وقفلوا راجعين وهم حزانى مكتئبون ‪،‬‬
‫فعبروا جبال ألالب‪ ،‬ومنهم من استقروا في جنوي ‪ ،‬وتعلموا فيها أساليب العالم‬
‫‪.‬التجارية‬

‫هذا ما حدث في أملانيا‪ ،‬أما في فرنسا فقد قدم إلى فليب أغسطس في ذلك العالم‬
‫نفسه راع في الثانية عشرة من عمره يدعى استيفن‪ ،‬وقال إن املسيح ظهر له وهو‬
‫يرعى غنمه‪ ،‬وأمره أن يقود حملة من ألاطفال إلى فلسطين‪ ،‬فأمره امللك أن يعود‬
‫ً‬
‫إلى غنمه‪ ،‬ولكن عشرين ألفا من الغلمان اجتمعوا رغم هذا وساروا وراء‬
‫استيفن؛ واجتازوا فرنسا إلى مرسيليا‪ ،‬وكان است يفن قد وعدهم أن البحر‬
‫سيشنق عند هذه املدينة ليمكنهم من الوصول إلى فلسطين راجلين‪ ،‬ولم يشنق‬
‫لهم البحر‪ ،‬ولكن اثنين من أصحاب السفن عرضا عليهم أن ينقالهم إلى حيث‬
‫ً‬
‫يقصدون دون أن يتقاضوا منهم أجرا ‪ .‬فازدحم ألاطفال في سبع سفن أقلعت بهم‬
‫وهم ينشدون أناشيد النصر‪ .‬وتحط مت اثنتان من هذه السفن بالقرب من‬
‫سردانية وغرق كل من كانوا فيها‪ ،‬وجيء بالباقين من ألاطفال إلى تونس أو مصر‬
‫حيث بيعوا في أسواق الرقيق‪ ،‬وشنق صاحبا السفن التي أقلتهم بأمر فردريك‬
‫‪ ).‬الثاني( ‪10‬‬

‫وبعد ثالث سنين من ذلك الوقت وجه إنوسنت الثالث في أثناء انعقاد مجلس‬
‫الت ران الرابع دعوة أخرى إلى أوربا الستعادة ألاراض ي املقدسة‪ ،‬وعاد إلى الخطة‬
‫التي حالت البندقية دون تنفيذها ‪ -‬خطة الهجوم على مصر‪ .‬وغادرت الحملة‬
‫الصليبية الخامسة بالد أملانيا‪ ،‬والنمسا‪ ،‬واملجر في عام ‪ 5250‬بقيادة أندرو‬
‫ملك املجر‪ ،‬وأفلحت في الوصول إلى دمياط ا لواقعة على مصب النيل ‪Andrew‬‬

‫‪48‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الشرقي‪ .‬وسقطت املدينة في أيديهم بعد حصار دام عاما كامال ‪ ،‬وعرض عليهم‬
‫امللك الكامل سلطان مصر وسوريا الجديد أن يصالحهم على أن سلم لهم الجزء‬
‫الكبير من بيت املقدس‪ ،‬ويطلق سراح ألاسرى املسيحيين‪ ،‬ويعيد الصليب الحق‪.‬‬
‫وطلب‬

‫الصليبيون أن يتقاضوا باإلضافة إلى ذلك كله غرامة حربية‪ ،‬ولكن الكامل رفض‬
‫هذا الطلب‪ ،‬وبدأت الحرب من جديد‪ ،‬ولكنها لم تجر كما يشتهي الصليبيون ‪ ،‬فلم‬
‫يأتهم ما كانوا ينتظرون من املدد؛ ثم عقدت هدنة تدوم ثماني سنين رد إلى‬
‫الصليبيين بمقتضاها الصليب الحق‪ ،‬ولكن دمياط أعيدت إلى املسلمين‪ ،‬وج ال‬
‫‪.‬جميع الجنود املسيحيين عن أرض مصر‬

‫وعزا الصليبيون هذه املأساة إلى فردريك الثاني إمبراطور أملانيا وإيطاليا الشاب؛‬
‫ذلك أنه أقسم يمين الصليبيين في عام ‪ ، 5251‬ووعد أن ينضم إلى الجيوش‬
‫ً‬
‫املحاصرة لدمياط‪ ،‬ولكن املشاكل السياسية القائمة وقتئذ في إيطاليا‪ ،‬مضافا ُ‬
‫إل يها في أغلب الظن ضعف إيمانه‪ ،‬لم يمكناه من أن يبر بقسمه ووعده‪ .‬فلما كان‬
‫ً‬
‫عام ‪ 5221‬زحف فردريك‪ ،‬وهو ال يزال مطرودا من حظيرة الدين‪ ،‬على رأس‬
‫الحملة الصليبية السادسة‪ ،‬وملا وصل إلى فلسطين لم يلق أية معونة ممن فيها‬
‫من املسيحيين الصالحين‪ ،‬فقد أعرض هؤالء عن رجل مطرو د من الكنيسة‬
‫املسيحية‪ .‬فلما رأى إلامبراطور ما فعلوا أرسل رسله إلى امللك الكامل‪ ،‬وكان يقود‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جيش املسلمين في نابلس‪ ،‬ورد عليه الكامل ردا جميال ‪ ،‬وأعجب فخر الدين سفير‬
‫السلطان بما رآه من معرفة إلامبراطور بلغة العرب‪ ،‬وآدابهم‪ ،‬وعلومهم‪،‬‬
‫وفلسفتهم‪ ،‬وشرع الحاكمان يتب ادالن املجامالت وآلاراء‪ ،‬ولشد ما دهش‬
‫املسيحيون واملسلمون على السواء حين وقعا في عام ‪ 5220‬معاهدة أعطى الكامل‬
‫بمقتضاها فردريك مدن عكا‪ ،‬ويافا‪ ،‬وصيدا‪ ،‬والناصرة‪ ،‬وبيت لحم‪ ،‬وجميع مدينة‬

‫‪49‬‬
‫بيت املقدس ما عدا الفضاء املحيط بقبة الصخرة املقدسة عند املسلمين‪ .‬وأجيز‬
‫فوق ذ لك للحجاج املسيحيين أن يأتوا إلى هذا الفضاء ليؤدوا فيه صلواتهم في‬
‫موضع هيكل سليمان‪ ،‬وسمح للمسلمين بمثل هذه الحقوق في بيت لحم‪ .‬ونصت‬
‫املعاهدة فوق ذلك على إطالق جميع ألاسرى من الطرفين املتعاقدين‪ ،‬وتعهد‬
‫كالهما أن يحافظ على السلم عشر سنين وعشرة شهور( ‪ .) 10‬وهكذا افلح‬
‫إلامبراطور الطريد فيما عجز‬

‫عنه املسيحيون في مائة عام كاملة‪ ،‬والتقت الثقافتان املسيحية وإلاسالمية فترة‬
‫من الزمان وهما متفاهمتان‪ ،‬تحترم كلتاهما ألاخرى ‪ ،‬ووجدتا أن في وسعهما أن‬
‫ً‬
‫يعيشا معا في صفاء ووئام‪ .‬واغتبط سكان ألارض املقدسة املسيحيون ‪ ،‬ولكن‬
‫جريجوري ا لتاسع نادى بان تلك املعاهدة سبة للعالم املسيحي‪ ،‬وأبى أن يقرها‪.‬‬
‫وملا رجع فردريك إلى بالده استولى النبالء املسيحيون املقيمون في فلسطين على‬
‫ً‬
‫بيت املقدس‪ ،‬وعقدوا حلفا بين القوة املسيحية في آسيا‪ ،‬وبين أمير دمشق املسلم‬
‫ضد سلطان مصر املسلم ( ‪ .) 5211‬واستنجد سلطان مص ر بأتراك خوارز م‪ ،‬فخف‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫هؤالء لنجدته واستولوا على بيت املقدس ونهبوها‪ ،‬وقيلوا عددا كبيرا من أهلها‪.‬‬
‫وبعد شهرين من ذلك الوقت هزم بيبرس املسيحيين في غزة‪ ،‬وسقطت مدينة بيت‬
‫‪ ).‬املقدس مرة أخرى في أيدي املسلين (أكتوبر سنة ‪5211‬‬

‫وبينا كان إنوسنت الرابع يدعو إلى حرب صل يبية على فردريك الثاني ويعرض على‬
‫كل من يقاتلون إلامبراطور في إيطاليا نفس املنح واملزايا التي يمنحها من يخدمون‬
‫في ألاراض ي املقدسة‪ ،‬نظم لويس التاسع أو القديس لويس ملك فرنسا الحملة‬
‫الصليبية السابعة‪ .‬ذلك أنه لبس شارة الصليب بعد زمن قليل من سقوط‬
‫أورشليم‪ ،‬وأقنع نبالء بالده أن يحذوا حذوه؛ وملا حل عيد امليالد أهدى إلى بعض‬
‫ً‬
‫املسيحيين الذين ظلوا ممتنعين عن الانضمام إلى الحملة أثوابا غالية الثمن‬

‫‪50‬‬
‫نقشت عليها شارة الصليب‪ .‬وبذل امللك جهده للتوفيق بين إرنوسنت وفردريك‬
‫حتى تلقى الحملة الصليبية تأييد أوربا متحدة‪ .‬لكن إنوسنت رفض وساطته‪،‬‬
‫ً‬
‫‪ Giovanni de‬وزاد على هذا الرفض أن بعث راهبا يدعى جيوفي ده بيانو كربيني‬
‫إلى خان املغول ألاعظم يعرض عليه اتحاد املغول واملسيحيين على ‪Piano Carpini‬‬
‫ألاتراك‪ .‬ورد عليه الخان بان طلب خضوع البالد املسيحية للمغول ‪ .‬فلما حل عام‬
‫‪ 5211‬سار لويس على رأس الفرسان الفرنسيين ومعهم جان جوانفيل الذي روي‬
‫أعمال امللك في تاريخه الذائع الصيت‪ .‬ووصلت الحملة إلى دمياط‪ ،‬واستولت‬
‫عليها بعد‬

‫قليل من وصولها‪ ،‬ولكن فيضان النيل السنوي الذي لم يحسب الصليبيون‬


‫حسابه حين وضعوا خطة الحملة بدأ في وقت وصول الصليبيين‪ ،‬وغمر البالد‬
‫باملاء فأحاط بالصليبيين وحصرهم في دمياط مدة نصف عام‪ .‬على أنهم لم‬
‫يندموا ملا أصابهم ألن "ألاشراف" كما يقول جوانفيل "أخذوا يوملون الوالئم‪ ..‬كما‬
‫أخذ العامة يصاحبون النساء الفاجرات"( ‪ .) 11‬وملا وصل الجيش زحفه‪ ،‬كان‬
‫الجوع واملرض‪ ،‬والفرار‪ ،‬قد أنهكت قوته وأنقصت عدده‪ ،‬وأضعف ه اختالل‬
‫نظامه‪ ،‬فهي بهزيمة ساحقة عند املنصورة رغم استبساله في الدفاع عن نفسه‪،‬‬
‫وتبدد شمله وولى الجنود ألادبار‪ ،‬وأسر عشرة آالف من املسيحيين من بينهم‬
‫لويس نفسه‪ ،‬وقد خارت قواه من وطأة الزحار ( ‪ .) 5219‬وعالجه من مرضه طبيب‬
‫ً‬
‫عربي‪ ،‬ثم أطلق سراحه بعد أن قض ى في ألاسر ش هرا بشرط أن يسلم دمياط‬
‫ويفتدي نفسه بخمسمائة ألف جنيه فرنس ي ( ‪ 9.199.999‬ريال أمريكي)‪ .‬وملا أن‬
‫قبل لويس هذه الفدية الباهظة أنقص منها السلطان خمسها‪ ،‬وقبل نصف الباقي‬
‫ووثق بعهد قطعه امللك على نفسه أن يؤدي إليه النصف آلاخر( ‪ .) 10‬وسار امللك‬
‫على رأس فلول جيشه إلى عكا‪ ،‬وأقام فيها أربع سنين‪ ،‬يدعو فيها أوربا في غير‬

‫‪51‬‬
‫طائل إلى أن تكف عن الحروب فيما بينها وأن تنضم إليه في حرب جديدة‪ .‬وبعث‬
‫إلى خان املغول يعرض ‪ Wlliam of Rubruquois‬في هذه ألاثناء وليم الربركوازي‬
‫عليه للمرة الثانية دعوة إنوسنت ‪ -‬ولكنه لم يلق منه غير ما لقي في الد عوة‬
‫‪ .‬ألاولى‪ :‬ثم عاد في عام ‪ 5211‬إلى فرنسا‬

‫وكانت السنون التي قضاها في الشرق قد هدأت ما كان بين املسيحيين فيه من‬
‫شقاق‪ ،‬فلما غادره عاد هذا الشقاق سيرته ألاولى؛ فقامت بين أهل البندقية‬
‫وجنوى بين عامي ‪ 5210‬و ‪ 5209‬حرب داخلية في ثغور الشام‪ ،‬انضمت فيها‬

‫جميع ألاحزاب املتنافرة إلى هذا الجانب أو ذاك‪ ،‬وأنهكت قوى املسيحيين في‬
‫فلسطين‪ .‬واغتنم بيبرس أحد السالطين املماليك في مصر هذه الفرصة فزحف‬
‫بجيشه على الساحل واستولى على املدن املسيحية مدينة في إثر مدينة‪ :‬قيصرية‬
‫( ‪ ،) 5201‬وصفد ( ‪ ،) 5200‬وبافا ( ‪ ،) 5200‬وإنطاكية ( ‪ .) 5201‬وقتل من وقع في‬
‫ألاسر من املسيحيين أو استرقوا‪ ،‬وقاست إنطاكية من النهب والحرق ما لم تفق‬
‫‪.‬منه قط فيما بعد‬

‫وثارت حمية لويس من جديد في شيخوخته فلبس شارة الصليب مرة أخرى‬
‫( ‪ ،) 5200‬وحذا حذوه أبناؤه الثالثة‪ ،‬ولكن النبالء الفرنسيين لم يوافقوا على‬
‫خطته وقالوا إنها سخافة بلهاء ‪ ،‬وأبوا أن ينضموا إليه؛ وحتى جوانفيل نفسه‬
‫ً ً‬
‫رفض رفضا باتا أن يشترك في الحملة الصليبية التالية‪ .‬ونزل امللك ‪ -‬الحصيف في‬
‫حكمه‪ ،‬ألاخرق في حربه ‪ -‬بقواته القليلة في بالد تونس؛ وكان يرجو من وراء ذلك‬
‫أن يحمل أميرها على اعتناق الدين املسيحي‪ ،‬وأن يهاجم مصر من جهة الغرب‪.‬‬
‫ولكنه لم تكد تطأ قدماء أرض إفريقية حتى "أصيب بنزلة معوية شديدة"( ‪) 09‬‬

‫‪52‬‬
‫ومات وهو يردد لفظ إدوارد‪ ،‬ولي عهد إنجلترا في عكا‪ ،‬وقاد بعض هجمات جريئة‬
‫ً‬
‫‪.‬قامت بها حاميتها‪ ،‬ثم عاد مسرعا إلى إنجلترا ليضع على رأسه التاج إلانجليزي‬

‫وحلت باملسيحيين الكارثة ألاخيرة حين نه ب بعض املغامرين منهم قافلة للمسلمين‬
‫في بالد الشام‪ ،‬وشنقوا تسعة عشر من التجار املسلمين‪ ،‬ونهبوا بعض البلدان‬
‫إلاسالمية‪ .‬وطلب السلطان الترضية الكافية عن هذا الاعتداء؛ ولم يجب إلى‬
‫ً‬
‫طلبه‪ ،‬فلم يسعه إال أن يزحف عليها بعد حصار دام ثالثة وأربعين يوما ‪ .‬فلما‬
‫سقطت في‬
‫ً‬
‫يده سمح لرجاله أن يقتلوا أو يسترقوا ستين ألفا من ألاسرى ( ‪ .) 5205‬وسرعان‬
‫ما سقطت بعدئذ في أيدي املسلمين مدائن صور‪ ،‬وصيدا‪ ،‬وحيفا‪ ،‬وبيروت‪ .‬وبقي‬
‫ً‬
‫شبح مملكة أورشليم الالتينية ماثال إلى حين في ألقاب بعض الزعماء‪ ،‬وظل بعض‬
‫املغامرين أو املتحمسين قرنين من الزمان يقد مون على محاوالت متقطعة غير‬
‫مجدية "ليواصلوا السجال العظيم"‪ ،‬ولكن أوربا أدركت أن الحروب الصليبية‬
‫‪.‬قد انقض ى أجلها‬

‫‪53‬‬
‫الفصل التاسع‬

‫نتائج الحروب الصليبية‬


‫إذا نظرنا إلى الحروب الصليبية من حيث أغراضها املباشرة التي دارت رحالها من‬
‫أجلها قلنا إنها أخفقت ال محا لة‪ .‬ذلك أنه بعد أن دامت هذه الحروب قرنين من‬
‫الزمان بقيت بيت املقدس في أيدي املماليك‪ ،‬وقل عدد الحجاج املسيحيين إلى‬
‫تلك املدينة وزادت مخاوفهم‪ .‬يضاف إلى هذا أن الحكومات إلاسالمية التي كانت‬
‫من قبل تمتاز بالتسامح مع أصحاب ألاديان ألاخرى قد ذهب عنها تسامحها بسبب‬
‫الهجمات املتكررة على بالدها‪ ،‬ولم يبق في أيدي املسيحيين ثغر واحد من ثغور‬
‫فلسطين والشام التي انتزعوها من قبل لتستقبل التجارة إلايطالية‪ ،‬وأثبتت‬
‫الحضارة إلاسالمية أنها أرقى من الحضارة املسيحية في رقتها‪ ،‬وأسباب راحتها‪،‬‬
‫وتعليمها وأساليبها الحربية‪ .‬يضاف إلى هذا كله أن الجهود الكبيرة التي بذلها‬
‫البابوات لنشر لواء السلم على ربوع أوربا بتوجيهها إلى غرض واحد قد تحطمت‬
‫‪.‬بفعل املطامع القومية‪ ،‬وحروب البابوات "الصليبية" على ألاباطرة‬

‫ولم يفق إلاقطاع مما أصابه من إخفاق في الحروب الصليبية إال بأشد الصعاب‪.‬‬
‫ذلك أن الذي كان يوائم النظام إلاقطاعي هو املغامرات والبطولة الفردية في‬
‫أضيق نطاق‪ ،‬ولهذا لم تعرف كيف توفق بين أساليبها الخاصة وبين مناخ الشرق‬
‫والحرب في امليادين النائية‪ ،‬وأخطأت خطأ ال يغتفر لها في حل مشكلة التموين في‬
‫خط مواصالتها الطويل؛ ثم إنها قد استنفدت في تلك الحروب ما ل ديها من عتاد‪،‬‬
‫وفقدت روحها املعنوية حين لم تقو على فتح بيت املقدس املسلمة بل فتحت‬

‫‪54‬‬
‫بيزنطية املسيحية‪ .‬وكان كثيرون من الفرسان قد باعوا أمالكهم أو رهنوها‬
‫للمرابين‬

‫أو الكنيسة أو امللوك ليحصلوا على املال الالزم للحروب؛ وتخلوا من أجل املال‬
‫عما كان لهم من حقوق في كثير من املدن القائمة في أمالكهم‪ ،‬وأعفوا كثيرين من‬
‫الفالحين من الضرائب والالتزامات إلاقطاعية املستقبلة بأثمان عاجلة‪ ،‬وأفاد‬
‫آالف من أرقاء ألارض من الامتيازات التي هيأتها لهم الحروب الصليبية بأن تركوا‬
‫ألاراض ي التي كانوا يعملون فيها‪ ،‬ولم يرجع آالف منهم إلى ال ضياع‪ .‬وبينا كانت‬
‫الثروة إلاقطاعية وألاسلحة إلاقطاعية تتحول نحو الشرق ‪ ،‬كان سلطان امللوك‬
‫الفرنسيين يقوى وثراؤهم يزداد‪ ،‬فكانت هذه القوة والزيادة من أهم آثار الحروب‬
‫الصليبية‪ .‬وضعفت في الوقت عينه قوة إلامبراطوريتين الرومانيتين الشرقية‬
‫والغربية‪ :‬فقد ضاعت هيبة أب اطرة الغرب لعجزهم عن استرداد ألارض املقدسة‪،‬‬
‫ولنزاعهم مع البابوية التي أعلت شأنها الحروب الصليبية‪ .‬أما الدولة الشرقية‪،‬‬
‫فلم تستعد قط ما كان لها في سابق عهدها من قوة وشهرة‪ ،‬رغم مولدها الجديد‬
‫في عام ‪ . 5205‬ولكن الحروب الصليبية قد أفادت العالم الغربي هذه الفائدة ‪:‬‬
‫وهي أنه لوالها الستولى ألاتراك على القسطنطينية قبل عام ‪ 5119‬بزمن طويل‪،‬‬
‫ذلك أنها أضعفت قوة املسلمين أنفسهم وجعلتهم أقل مقاومة لتيار املغول‬
‫‪.‬الجارف‬

‫وحلت الكوارث ببعض املنظمات العسكرية‪ .‬من هذا أن فرسان املعبد الذين‬
‫نجوا من مذبحة عكا وفروا إلى قبرص‪ ،‬وانتزعوا في عام ‪ 5959‬رودس من‬
‫املسلمين‪ ،‬واستبدلوا باسمهم القديم اسم فرسان رودس‪ ،‬وظلوا يحكمون‬
‫الجزيرة حتى طردهم منها ألاتراك في عام ‪ ، 5122‬فانتقلوا منها إلى مالطة‬
‫وأصبحوا فرسان مالطة‪ ،‬وظلوا باقين حتى حل نظامهم في عام ‪ . 5000‬أما‬

‫‪55‬‬
‫الفرسان التيوتون فقد نقلوا مقرهم الرئيس ي بعد سقوط عكا إلى مارينبوج‬
‫في بروسيا التي انتزعوها من الصقالبة وضموها إلى أملانيا‪ .‬وأعاد ‪Marienburg‬‬
‫فرسان املعبد تنظيم صفوفهم في فرنسا بعد أن أخرجوا من آسيا؛ وإذ كانت لهم‬
‫أمالك واسعة غنية في جميع أنحاء‬

‫أوربا‪ ،‬فقد اخذوا يستمتعون بما تدره عليهم هذه ألامالك ؛ وإذ كانت أمالكهم‬
‫معفاة من الضرائب فقد كان في وسعهم أن يقرضوا املال بفوائد أقل من التي‬
‫يتقاضاها اللمبارد واليهود‪ ،‬وجمعوا هذا ثروة طائلة‪ .‬هذا إلى أنهم لم يكونوا‬
‫كفرسان املعبد ينشئون املستشفيات واملدارس أو يقدمون املعونة للفقراء؛‬
‫وأثارت أموالهم الطائلة املك نوزة‪ ،‬ودولتهم املسلحة في داخل الدولة‪ ،‬وعدم‬
‫خضوعهم لسلطان امللوك أثارت هذه كلها حسد فليب الرابع الجميل لهم وخوفه‬
‫منهم وغضبه عليهم؛ فقبض في الثاني عشر من شهر أكتوبر عام ‪ 5959‬على جميع‬
‫من كان في فرنسا من فرسان املعبد دون سابق إنذار لهم ووضع الخاتم امللكي‬
‫على ج ميع ممتلكاتهم‪ .‬واتهمهم فليب باللواط‪ ،‬وبأنهم فقدوا إيمانهم بالدين‬
‫املسيحي لطول اختالطهم باملسلمين‪ ،‬وبأنهم ينكرون املسيح ويبصقون على‬
‫ً‬
‫الصليب‪ ،‬ويعبدون ألاوثان‪ ،‬ويحالفون املسلمين سرا ‪ ،‬وأنهم طاملا خانوا القضية‬
‫املسيحية‪ .‬وحوكم السجناء أمام محكمة من املطارنة والرهبان املوالين للملك‪،‬‬
‫فأنكروا التهم املوجهة إليهم‪ ،‬وعذبوا لكي يعترفوا‪ ،‬فمنهم من علقوا من معاصمهم‬
‫وكانوا يرفعون وينزلون فجأة‪ ،‬ومنهم من وضعت أقدامهم عارية أمام النيران‬
‫ومنهم من دقت شظايا حادة بين أظافر أيديهم‪ ،‬ومنهم من كانت تقتلع لهم سن كل‬
‫ً‬
‫يوم‪ ،‬ومنهم من علقت أوزان ثقيلة في أعضائهم التناسلية‪ ،‬ومنهم من ماتوا موتا‬
‫ً‬
‫بطيئا من الجوع‪ .‬وكانت جميع وسائل التعذيب السالفة الذكر تستخدم مع‬
‫أولئك الفرسان في كثير من الحاالت‪ ،‬فكانت النتيجة أن الكثيرين منهم حين جيء‬

‫‪56‬‬
‫ً‬
‫بهم ليعاد استجوابهم كانوا ضعافا موشكين على املوت‪ .‬وأظهر واحد منهم العظام‬
‫التي سقطت من قدميه املحروقتين‪ .‬واعترف الكثيرون منهم بجميع التهم التي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وجهها لهم امللك‪ ،‬وقال بعضهم إنهم قد تلقوا وعدا مختوما بخاتم امللك أن‬
‫يؤمنوا على حياتهم وترد لهم أمالكهم إذا اقروا بارتكاب التهم التي توجهها لهم‬
‫الحكومة‪ ،‬ومات بعضهم في السجون ‪ ،‬وانتحر البعض آلاخر؛ وشد تسعة وخمسون‬
‫على‬

‫قوائم خشبية وأحرقوا بالنيران ( ‪ ،) 5959‬وظلوا إلى آخر لحظة من حياتهم‬


‫رئيس الطائفة ألاكبر على ‪ Du Molay‬يجهرون بأنهم بريئون ‪ .‬واعترف دوه موالي‬
‫نفسه نتيجة لهذا التعذيب‪ ،‬فسيق إلى قائمة إلاحراق‪ ،‬فعاد إلى إلانكار‪ ،‬واقترح‬
‫مح اكموه أن تعاد محاكمته؛ ولكن فليب لم يرضه هذا التأخير‪ ،‬وأمر بحرقه على‬
‫الفور‪ ،‬وشرف امللك بحضوره تنفيذ الحكم‪ .‬وصادرت الدولة جميع ما كان‬
‫لفرسان املعبد من أمالك في فرنسا‪ ،‬واحتج البابا كلمنت الخامس على هذه‬
‫ألاعمال‪ ،‬ولكن رجال الدين الفرنسيين أيدوا امللك في أعماله ‪ ،‬وامتنع البابا عن‬
‫ً‬
‫املقاومة وكان في واقع ألامر سجينا في أفنيون ‪ ،‬وأعلن بإيعاز إلغاء نظام فرسان‬
‫املعبد ( ‪ .) 5952‬وصادر إدوارد الثاني هو آلاخر أمالك فرسان املعبد في إنجلترا‬
‫ليسد بها حاجته إلى املال‪ .‬وأعطى فليب وإدوارد الكنيسة بعض هذه ألاموال‬
‫ً‬
‫املصادرة‪ ،‬ووهبا بع ضها آلاخر ألنصارهم وأحبائهم‪ ،‬فأنشئوا بها ضياعا واسعة‪،‬‬
‫‪.‬وأعانوا بها امللوك على ألاشراف إلاقطاعيين القدامى‬

‫وربما كان بعض الصليبين قد تعلموا في الشرق أن يتغاضوا من جديد عن‬


‫الشذوذ ؛ وفي وسعنا أن نضم هذا‪ ،‬والعودة إلى إنشاء الحمامات العامة‬
‫واملراحيض الخاصة في الغرب‪ ،‬إلى ما أسفرت عنه الحروب الصليبية من نتائج‬
‫وأكبر الظن أن ألاوربيين قد رجعوا إلى العادة الرومانية القديمة عادة حلق اللحى‬

‫‪57‬‬
‫نتيجة التصالهم ببالد الشرق إلاسالمية( ‪ ،) 05‬ودخلت ألف كلمة وكلمة من اللغة‬
‫العربية إلى اللغات ألاوربية‪ ،‬وانتشرت القصص الشرقية في أورب ا‪ ،‬وتهيأ لها مظهر‬
‫جديد في اللغات القومية الناشئة‪ .‬وتأثر الصليبيون بروعة الزجاج املنقوش‬
‫املصنوع في بالد إلاسالم‪ ،‬وربما كان من نتائج تأثرهم بها أنهم نقلوا من بالد‬
‫الشرق ألاسرار الفنية التي أدت إلى تحسين الزجاج امللون الذي نشاهده‬

‫في الكنائس القوطية( ‪ .) 02‬وكان ت البوصلة‪ ،‬والطباعة‪ ،‬والبارود معروفة في بالد‬


‫الشرق قبل انتهاء الحروب الصليبية‪ ،‬ولعلها انتقلت إلى أوربا في أعقاب تلك‬
‫ً‬
‫الحروب‪ .‬ويلوح أن ألاوربيين كانوا أشد جهال من أن يعنوا بالشعر‪ ،‬والعلوم‪،‬‬
‫والفلسفة "العربية"؛ ولهذا فإن تأثر الغرب بهذه املؤثرات إلاسالمية جاء عن‬
‫طريق أسبانيا وصقلية ال عن طريق اتصالهم باملسلمين أثناء هذه الحروب‪ .‬كذلك‬
‫تأثر الغرب بالثقافة اليونانية بعد استيالء ألاتراك على القسطنطينية‪ ،‬ومن‬
‫كبير أساقفة كورنثة الفلمنكي أمد تومس ‪ Moerbeke‬دالئل هذا التأثر أن موربيك‬
‫أكويناس بتراجم لكتب أرسطو عن أصولها اليونانية مباشرة‪ .‬وفي وسعنا أن نقول‬
‫بوجه عام إن ما عرفه الصليبيون من أن أتباع الدين املسيحي قد يكونون مثلهم‬
‫خالئق متحضرين‪ ،‬كريمين‪ ،‬يوثق بهم ويعتمد عليهم‪ ،‬أو يفوقونهم في هذه‬
‫الصفات‪ ،‬إن ما عرفه الصليبيون من هذا قد بعث بال ريب بعض العقول على‬
‫ً‬
‫التفكير‪ ،‬وكان سبب ا في إضعاف العقائد الدينية املقررة في القرنين الثالث عشر‬
‫والرابع عشر‪ .‬ولقد تحدث بعض املؤرخين أمثال وليم كبير أساقفة صور عن‬
‫ً‬
‫الحضارة إلاسالمية حديثا ملؤه إلاجالل بل وإلاعجاب في بعض ألاحيان‪ ،‬لو سمعه‬
‫‪ ).‬املحاربون في الحملة الصليبية ألاولى لهزمهم وصدم مشاعرهم وك برياءهم( ‪09‬‬

‫وعظم سلطان الكنيسة الرومانية وعلت مكانتها إلى أبعد حد بسبب الحملة‬
‫الصليبية ألاولى‪ ،‬ثم أخذت تضعف بالتدريج بسبب الحمالت التي تلتها‪ .‬وكان‬

‫‪58‬‬
‫منظر الشعوب املختلفة‪ ،‬وألاشراف العظام‪ ،‬والفرسان ذوي الكبرياء‪ ،‬وألاباطرة‬
‫ً‬
‫وامللوك في بعض ألاحيان‪ ،‬متحدين جميع ا للدفاع عن قضية دينية بزعامة‬
‫ً‬
‫الكنيسة‪ ،‬كان هذا املنظر سببا في رفع مكانة البابوية وعلو شأنها‪ .‬فقد كان‬
‫مندوبو البابا يدخلون كل قطر وكل أبرشية‪ ،‬يحثون الناس على التطوع للحروب‬
‫الصليبية ويجمعون لها ألاموال‪ ،‬وكان سلطانهم يزاحم سلطان رجال الدين في‬
‫تلك ألاقطار وألابرشيات ويطغى عليه في بعض ألاحيان؛ وبفضلهم أصبح‬

‫املستمسكون بدينهم خاضعين مباشرة لسلطان البابا‪ .‬وأضحى جمع املال على هذا‬
‫النحو سنة متبعة‪ ،‬وسرعان ما استخدمت ألاموال املجموعة في أغراض أخرى غير‬
‫الحمالت الصليبية؛ وأصبح من حق البابا أن يفرض الضرائب على رعايا امل لوك‪،‬‬
‫وأن يحول إلى روما مبالغ كبيرة من املال‪ ،‬لوال هذا لذهبت إلى خزائن امللوك‬
‫واستخدمت في الحاجات املحلية؛ وأثار هذا بال ريب غضب امللوك ومقاومتهم‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان توزيع صكوك الغفران على من يقوم بالخدمة في فلسطين أربعين يوما عمال‬
‫ً‬
‫مشروعا في العرف العسكري ‪ ،‬وكان منح ه ذه الصكوك الغفرانية نفسها ملن‬
‫يتكفلون بنفقات محارب من الصليبيين يبدو كذلك من ألاعمال التي يمكن‬
‫التسامح فيها‪ ،‬أما التوسع في منح تلك الصكوك‪ ،‬إلى الذين يؤدون ألاموال‬
‫ليستخدمها البابوات‪ ،‬أو الذين يحاربون حروب البابا في أوربا ضد فردريك‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكنراد فقد كان مصدرا جديدا من مصادر غضب امللوك ‪ Manfread‬ومانفرد‬
‫ً‬
‫واستيائهم‪ ،‬ومبعثا لفكاهة الناقدين وسخريتهم‪ .‬وحدث في عام ‪ 5215‬أن أمر‬
‫جريجوري التاسع مندوبه في بالد املجر أن يعفى الذين أقسموا بالتطوع في‬
‫ً‬
‫الحرب الصليبية من أيمانهم إذا أدوا إليه قدرا من املال‪ ،‬ثم استخدم ما جمعه‬
‫من ألاموال بهذه الطريقة في كفاحه املرير ضد فردريك الثاني( ‪ .) 01‬وقام الشعراء‬
‫الجوالون أهل بروفنسال ينتقدون الكنيسة لتحويلها تيار الحرب الصليبية من‬

‫‪59‬‬
‫فلسطين إلى فرنسا‪ ،‬وذلك بعرضها صكوك الغفران نفسها على من يتطوعون‬
‫في ‪ Mathew Paris‬ملحاربة املارقين ألالبجنسيين في فرنسا( ‪ .) 01‬ويقول م اثيو باربس‬
‫التعليق على هذا العمل‪" :‬ودهش املؤمنون من أن يعد البابوات بغفران جميع‬
‫خطايا من يسفكون دماء املسيحيين كما تغفر جميع خطايا من يسفكون دماء‬
‫الكفار"( ‪ .) 00‬وكان كثيرون من مالك ألاراض ي قد باعوا أرضهم للكنائس أو ألاديرة‬
‫أو رهنوها لها ليحصل وا بذلك على ما يلزمهم من املال في الحروب الصليبية‪،‬‬
‫وأصبح لألديرة بفضل هذا ضياع واسعة‪ .‬وملا أن انحطت مكانة الكنيسة بسبب‬
‫إخفاق الحروب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الصليبية أضحت ثروتها هدفا واضحا لحسد امللوك‪ ،‬وغضب الشعب وتأنيب‬
‫النقاد‪ .‬ومن الناس من كان يعزو الكوارث التي أصابت لويس التا سع في عام‬
‫‪ 5219‬إلى الحرب التي شنها في الوقت نفسه إنوسنت الرابع على فردريك الثاني‪.‬‬
‫وقام املتشككون الجريئون يقولون إن إخفاق الحروب الصليبية يدحض ما‬
‫يدعيه البابا من أنه نائب عن هللا أو ممثله في أرضه‪ .‬وملا أن قام الرهبان بعد‬
‫عام ‪ 5219‬يسألون الناس املال إلعداد حروب صليبية أخرى ‪ ،‬استدعى بعض من‬
‫كانوا يستمعون خطبهم بعض املتسولين وتصدقوا عليهم باسم محمد من قبيل‬
‫ً‬
‫السخرية بالرهبان أو الحقد عليهم‪ ،‬ألن محمدا في رأيهم قد أظهر أنه أعظم قوة‬
‫‪ ).‬من املسيح( ‪00‬‬

‫وكان أثر الحروب الصليبية الذي يلي في أهميته إضعاف العقيدة الدينية‬
‫امل سيحية هو بث روح النشاط في الحياة املدنية ألاوربية ملعرفة ألاوربيين‬
‫ً‬
‫بأساليب املسلمين التجارية والصناعية‪ .‬ذلك أن الحرب تسدى إلى الناس خيرا‬
‫ً‬
‫واحدا وهو أنها تعلمهم علم تقويم البلدان‪ .‬فقد عرف التجار إلايطاليون الذين‬
‫أثروا بفضل الحروب الصليبية كيف يرسمون خرائط للبحر املتوسط‪ ،‬وتلقى‬

‫‪60‬‬
‫املؤرخون إلاخباريون الرهبان الذين رافقوا الفرسان آراء جديدة عن اتساع بالد‬
‫آسيا واختالف أصقاعها ونقلوا هذه آلاراء إلى غيرهم من الناس‪ ،‬وبهذا تحركت في‬
‫القلوب الرغبة في الكشف والارتياد‪ ،‬وظهرت كتب في وصف ألاقاليم والبلدان‬
‫ترشد الحجاج إلى ا لبالد املقدسة والى داخل البالد املقدسة؛ وأخذ ألاطباء‬
‫املسيحيون العلم عن ألاطباء اليهود واملسلمين‪ ،‬وتقدم علم الجراحة بفضل‬
‫‪.‬الحروب الصليبية‬

‫وسارت التجارة وراء الصليب‪ ،‬أو لعل التجارة هي التي قادت الصليب‪ .‬لقد خسر‬
‫الفرسان فلسطين‪ ،‬ولكن ألاساطيل التجارية إلايطال ية لم تنتزع السيطرة على‬
‫البحر املتوسط من أيدي املسلمين وحدهم بل انتزعها كذلك من أيدي‬
‫البيزنطيين‪ .‬نعم إن مدائن البندقية‪ ،‬وجنوى ‪ ،‬وبيزا‪ ،‬وأملفي‪،‬‬

‫ومرسيليا‪ ،‬وبرشلونة كانت قبل الحروب الصليبية تتجر مع بالد الشرق إلاسالمية‪،‬‬
‫وتخترق مضيق البسفور والبحر ألاسود‪ ،‬ولكن الحروب الصليبية قد وسعن نطاق‬
‫هذه التجارة إلى أبعد حد‪ .‬وكان الستيالء البنادقة على القسطنطينية‪ ،‬ونقلهم‬
‫الحجاج واملحاربين إلى فلسطين‪ ،‬وتوريدهم املؤن إلى املسيحيين وغير املسيحيين‬
‫في بالد الشرق ‪ ،‬واستيرادهم املحاصيل الشرقية إلى أوربا ‪ -‬كان لهذا كله أكبر ألاثر‬
‫ً‬
‫في انتعاش التجارة والنقل البحري انتعاشا لم يكن له نظير منذ أيام مجد روما‬
‫إلامبراطورية‪ ،‬وجاءت إلى أوربا بكميات موفورة من ألاقمشة الحريرية والسكر‬
‫والتوابل كالفلفل‪ ،‬والزنجيل‪ ،‬والقرنفل‪ ،‬والقرفة ‪ -‬وكانت كلها من مواد الترف‬
‫النادرة في أوربا في القرن الحادي عشر‪ .‬وان تقلت من الشرق إلى الغرب بكميات‬
‫كبيرة نباتات ومحاصيل وأشجار عرفتها أوربا من قبل من بالد ألاندلس إلاسالمية‪.‬‬
‫ومن هذه الذرة‪ ،‬وألارز ‪ ،‬والسمسم‪ ،‬والخروب‪ ،‬والليمون ‪ ،‬والبطيخ‪ ،‬والخوخ‪،‬‬
‫واملشمش‪ ،‬والكرز‪ ،‬والبلح‪ .‬وسمى البصل الصغير املعروف باسم الشالوت‬

‫‪61‬‬
‫والعسقالني من اسم عسقالن الثغر الذي كان ينقل منه على ظهور السفن من‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الشرق إلى الغرب‪ ،‬وظل املشمش يسمى "برقوق دمشق" زمنا طويال ( ‪ .) 01‬وجاء‬
‫من بالد إلاسالم الدمقس‪ ،‬واملوصلين‪ ،‬والساتان‪ ،‬واملخمل‪ ،‬وألاقمشة املزركشة‪،‬‬
‫والطنافس‪ ،‬وألاصباغ‪ ،‬واملساحيق‪ ،‬والعطور‪ ،‬والجواهر لتزدان بها بيوت أمراء‬
‫إلاقطاع وأهل الطبقات الوسطى ويتحلى بها رجالهم ونساؤهم( ‪ .) 00‬وحلت املرايا‬
‫الزجاجية املطلية بغشاء معدني محل املرايا املصنوعة من البرنز أو الصلب‬
‫‪".‬املصقول ‪ ،‬وأخذت أوربا عن الشرق صناعة تكرير السكر والزجاج "البندقي‬

‫ونمت الصناعة الفلمنكية بوجود أسواق جديدة لها في بالد الشرق ‪ ،‬وساعد‬

‫هذا النماء على قيام البلدان ونشأة الطبقة الوسطى‪ ،‬وأدخلت من بالد بيزنطية‬
‫ً‬
‫وإلاسالم فنون لألعمال املصرفية أحسن مما كان موجودا فيها قبل‪ ،‬فظهرت‬
‫أشكال ووسائل جديدة لالئتمان‪ ،‬وازداد تداول النقود وآلاراء كما ازداد عدد‬
‫الرجال‪ .‬لقد بدأت ال حروب الصليبية بنظام إقطاعي زر اعي‪ ،‬نفخت فيه روح‬
‫البربرية ألاملانية املمتزجة بالعاطفة الدينية؛ واختتمت بقيام الصناعة‪ ،‬واتساع‬
‫نطاق التجارة‪ ،‬في عهد ثورة اقتصادية مهدت السبيل لعصر النهضة وأمدته‬
‫‪.‬باملال‬

‫‪62‬‬
‫الباب الرابع والعشرون‬
‫الثورة الاقتصادية‬

‫‪1066-1300‬‬

‫الفصل ألاول‬

‫‪63‬‬
‫انتعاش التجا رة‬

‫كل ازدهار التجارة يمد جذوره في اتساع نطاق التجارة والصناعية‪ ،‬ويستمد‬
‫غذاءه من هذا الاتساع‪ .‬وكان استيالء املسلمين على ثغور البالد الواقعة في شرق‬
‫البحر املتوسط وجنوبه‪ ،‬وعلى تجارة هذين القسمين‪ ،‬وغارات املسلمين وأهل‬
‫الشمال واملجر على بالد أوربا‪ ،‬وما حل بها من الاضطراب أيام خلفاء شا رملان‪،‬‬
‫ً‬
‫كان هذا كله سببا في انحطاط الحياة ألاوربية الاقتصادية والعقلية في القرنين‬
‫التاسع والعاشر إلى الدرك ألاسفل؛ فلما أن حمى إلاقطاع الزراعة وأعاد‬
‫تنظيمها‪ ،‬وروض قراصنة الشمال فأصبحوا الزراع والتجا ر النورمان‪ ،‬وصد‬
‫الهون واعتنقوا الدين املسيحي‪ ،‬واستعادت التجارة إلايطالية معظم ثغور البحر‬
‫املتوسط‪ ،‬وأعاد الصليبيون فتح البالد الواقعة في شرق هذا البحر‪ ،‬واستيقظ‬
‫الغرب في أثر اتصاله بحضارتين أرقى من حضارتا إلاسالم وبيزنطية‪ ،‬ملا حدث هذا‬
‫كله أتيحت الفرصة في الق رن الثاني عشر النتعاش أوربا‪ ،‬ووجد الحافز القوي‬
‫هذا الانتعاش‪ ،‬والوسائل املادية الزدهار الثقافة في القرن الثاني عشر‪ ،‬وواصلت‬
‫هذا الانتعاش حتى منتصف القرن الثالث عشر أي إلى بداية نهاية العصور‬
‫‪.‬الوسطى‬

‫وكان شعار الفرد واملجتمع في ذلك العهد هو‪ :‬يجب أن يتقدم الطع ام على‬
‫‪ Primum est edere, deinde philosophari.‬الفلسفة والثراء على الفن‬

‫وكانت الخطوة ألاولى في انتعاش الاقتصادي هي إزالة القيود التي كانت تعطل‬
‫التجارة الداخلية‪ .‬ذلك أن الحكومات القصيرة النظر كانت تفرض مائة ضريبة‬
‫وضريبة على نقل البضائع وبيعها ‪ -‬تفرضها على دخ ول الثغور‪ ،‬وعبور القناطر‪،‬‬
‫واستخدام الطرق أو ألانهار‪ ،‬أو القنوات‪ ،‬وعرض البضائع على املشترين في‬

‫‪64‬‬
‫ألاسواق واملوالد‪ .‬وكان سادة إلاقطاع يرون أن من حقهم أن يجبوا الضرائب على‬
‫البضائع املارة بأمالكهم كما تفعل الدول في هذه ألايام‪ ،‬وكان منهم من يبسط‬
‫حماية حقة وخدمات صادقة للتجار إذ يمدنهم بالحراسة املسلحة وكرم الضيافة‬
‫التي تيسر لهم القيام بأعمالهم ولكن تدخل الدول وسادة إلاقطاع في شئون‬
‫التجارة أدى إلى وجود اثنتين وستين محطة لجباية املكوس على طول نهر إلالب‪،‬‬
‫وسبع وسبعين على نهر الدانوب‪...‬؛ وكان التاجر يؤدي ستين في املائة من بضاعته‬
‫نظير نقلها في نهر الرين أو على شاطئيه( ‪ .) 25‬وتعرض التجار واملسافرون ألشد‬
‫ألاخطار في الطرق البرية واملسالك املائية املوبوءة بالحروب إلاقطاعية‪ ،‬والجنود‬
‫غير النظاميين‪ ،‬وألاشراف اللصوص‪ ،‬والقرصان املنتشرين في ألانهار والبحار‪ .‬غير‬
‫أن "هدنة هللا" و"سلم هللا" يسرتا التجارة البرية بتحديدهما فترات للسفر آمنة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أمانا نسبيا ؛ كما أن ازدياد قوة امللوك قلل بعض الش يء من السرقات‪ ،‬وأوجد‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫نظاما موحدا للمقاييس واملوازين‪ ،‬وحدد العوائد واملكوس ونظمها؛ ومنعها منعا‬
‫ً‬
‫‪.‬باتا من بعض الطرق وألاسواق في أيام املوالد الكبرى‬

‫وكانت هذه املوالد عصب الحياة التجارية في العصور الوسطى‪ .‬نعم إن البائعين‬
‫الجوالين كانوا بطبيعة الحال يترددون ببضائعهم الصغيرة على ألابواب‪ ،‬والصناع‬
‫يبيعون مصنوعاتهم في حوانيتهم‪ ،‬والبائعين واملشترين يجتمعون في املدن أيام‬
‫ألاسواق‪ ،‬وألاشراف يقيمون ألاسواق قريبة من قصورهم‪ ،‬والكنائس تسمح‬
‫بإقامتها في أفنينها‪ ،‬وامللوك يديرونها في مخازن في عاصمة ملكهم‪ .‬نعم إن هذا كله‬
‫كان يحدث‪ ،‬ولكن تجارة الجملة‪ ،‬والتجارة الدولية كانتا تتركزان في املواسم‬
‫‪ Stourbridge‬إلاقليمية التي كانت تقام في أوقات معينة في لندن واستوربرج‬
‫بإنجلترا؛ وف ي باريس‪ ،‬وليون ‪ ،‬وريمس‪ ،‬وإقليم شمبانيا بفرنسا؛ وفي ليل‪ ،‬وإيبر‬
‫بفالندرز ‪ ،‬وفي كولوني‪ ،‬وفرانكفورت‪ ،‬وليبزج‪ ، Bruge ،‬وبروج‪ Douai‬ودويه ‪Ypres‬‬

‫‪65‬‬
‫بأملانيا‪ ،‬وجنيفا بسويسرا؛ ونفجورود بروسيا‪ ..‬وكانت أشهر هذه ‪ Lübeck‬ولوبك‬
‫ألاسواق كلها وأحبها إلى الجماهير ما كان يقام منها بمقاطعة شمبانيا في آلني‬
‫أيام عيد ‪ ، Bar- sur- Aube‬إذا حل شهر يناير‪ ،‬وفي بار ‪ -‬على ‪ -‬ألاوب ‪Lagny‬‬
‫في شهري ‪ Troyes‬في شهري مايو وسبتمبر‪ ،‬وفي تراوي ‪ Provins‬الفصح‪ ،‬وفي بروفن‬
‫سبتمبر ونوفمبر‪ .‬وكان كل موسم من هذه املواسم يدوم ستة أسابيع أو سبعة‪،‬‬
‫وكان تعاقبها على هذا ا لنحو بمثابة سوق دولية تدوم معظم أسام السنة‪ .‬وكانت‬
‫أماكنها مما ييسر اجتماع املتاجر والتجار القادمين من فرنسا وألاراض ي الوطيئة‪،‬‬
‫ووادي نهر الرين‪ ،‬بالقادمين من بروفانس‪ ،‬وأسبانيا‪ ،‬وإيطاليا‪ ،‬وإفريقيا‪ ،‬وبالد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الشرق ؛ وكانت هذه املواسم مصدرا كبيرا للثراء والسلطان لفرنسا في القرن‬
‫الثاني عشر‪ .‬ونشأت هذه املواسم في مدينة تراوي في القرن الخامس امليالدي‪ ،‬ثم‬
‫اضمحل شأنها حين انتزع فليب الرابع ( ‪ ) 5951 - 5211‬شمبانيا من أمرائها‬
‫املستنيرين ففرض عليها من املكوس والنظم ما أفقرها؛ فلما كان القرن الثالث‬
‫‪ .‬عشر حلت محلها الثغور والتجارة البحرية‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان بناء السفن واملالحة قد تحسنا تحسنا بطيئا منذ أيام الرومان‪ ،‬فقد كان‬
‫ملئات من املدن الساحلية منارات حسنة إلرشاد السفن‪ ،‬وكان لكثير منها ‪-‬‬
‫كالقسطنطينية‪ ،‬والبندقية‪ ،‬وجنوى ‪ ،‬ومرسيليا‪ ،‬وبرشلونة ‪ -‬أحواض واسعة‪.‬‬
‫وكانت السفن في العادة ذات سطح واحد أو ال سطح لها على إلاطالق‪ ،‬وكانت‬
‫ً‬
‫حمولتها حوالي ثالثين طنا ؛ وكان في مقدورها لصغر حجمها وقلة حمولتها أن تسير‬
‫ً‬
‫صعدا في ألانهار مسافات بعيدة؛ ولهذا كان في مقدور سفن املحيطات أن تصل‬
‫‪ ،‬ورون ‪ ،‬وبروج‪ ، Nantes ،‬وبوردو‪ ،‬ونانت‪ Narbonne‬إلى أمثال مدائن نوبونة‬
‫ً‬
‫وبرمن‪ ،‬وإن كان ت بعيدة بعض البعد عن البحار؛ ولهذا أضحت هذه املدن ثغورا‬
‫ً‬
‫مزدهرة‪ .‬وكانت بعض سفائن البحر املتوسط أكبر حجما من السفن السالفة‬

‫‪66‬‬
‫الذكر‪ ،‬تحمل ستمائة طن وتتسع أللف وخمسمائة راكب( ‪ .) 2‬وأهدت البندقية‬
‫إلى لويس التاسع سفينة يبلغ طولها مائة قدم وثماني أقدام‪ ،‬وعدد بحارته ا مائة‬
‫وعشرة‪ .‬وكان الطراز السائد ال يزال هو الطراز القديم ذا الكوثل املزخرف‪،‬‬
‫والسارية أو الساريتين‪ ،‬والشراع أو الشراعين‪ ،‬والهيكل املنخفض ذي الصفين أو‬
‫الثالثة الصفوف من املجاذيف‪ ،‬وقد يصل عددها إلى مائتي مجذاف‪ .‬وكان معظم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املجذفين رجاال أحرارا متطوعين ألن ا لبحارة العبيد كانوا قليلي العدد في‬
‫ً‬
‫العصور الوسطى( ‪ .) 9‬وتقدم فن إدارة الشراع إلى الريح الذي كان معروفا في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫القرن السادس تقدما بطيئا حتى القرن الثاني عشر حين أضيفت إلى الشراع‬
‫املربع القديم أشرعة أمامية وخلفية( ‪ ،) 1‬ولكن القوة املحركة الرئيسية ظلت هي‬
‫املجاذيف كما كانت قبل‪ .‬وظهرت البوصلة البحرية‪ ،‬التي ال تعرف بدايتها على‬
‫وجه التحقيق ‪ ،‬في سفن املسيحيين حوالي عام ‪ 5299‬وجعل املالحون الصقليون‬
‫ً‬
‫استعمالها مستطاعا في املياه الهائجة بتثبيت‬

‫إلابرة املمغنطة فوق قطب متحرك( ‪ ،) 1‬ومع هذا فقد مرت مائة عام بعد هذا‬
‫الاختراع قبل أن يجرؤ املالحون ‪ -‬عدا أهل الشمال ‪ -‬على الابتعاد عن ألارض وتسيير‬
‫السفن وسط البحار الواسعة‪ .‬وكانت املالحة املحيطية من ‪ 55‬فبراير إلى ‪22‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ Hansetic‬نوفمبر عمال استثنائيا ‪ ،‬فقد كانت محرمة على سفن العصبة الهانسية‬
‫‪ ،‬وكانت سفائن البحرين املتوسط وألاسود تقف في هذه الفترة‪ .‬وظلت ‪League‬‬
‫ألاسفار البحرية بطيئة كما كانت في الزمن القديم‪ ،‬فكان اجتياز املسافة من‬
‫ً‬
‫مرسيليا إلى عكا يتطلب خمسة عشر يوما ‪ ،‬ولم تكن ألاسفار البحرية توصف‬
‫ً‬
‫لشفاء ألامراض‪ ،‬وكانت البحار موبوءة بالقرصان‪ ،‬وكثيرا ما كانت السفن تتحطم‬
‫أثناء سفرها‪ ،‬ولم تكن أقوى ا لبطون تنجو من الاضطراب؛ ويحدثنا فروسار‬
‫ظل يتخبط على ظهر ‪ Sir Herve de Leon‬أن سير هرفية دخ ليون ‪Froissart‬‬

‫‪67‬‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وأنه ‪ Harflur‬وهارفلير ‪ Southampton‬السفينة خمسة عشر يوما بين سوثمبتن‬
‫اعتل إلى حد لم يستطع بعده أن يستعيد صحته( ‪ .) 0‬وكان يعوض املسافرين عن‬
‫هذه املتاعب ب عض التعويض أن أجور السفر كانت قليلة‪ ،‬فقد كان أجر عبور‬
‫نقل القناة إلانجليزية (بحر املانش) ستة بنسات في القرن الرابع عشر‪ ،‬وكانت‬
‫أجور نقل البضائع وألاسفار البعيدة تتناسب مع هذا ألاجر القليل‪ ،‬ولهذا امتاز‬
‫ً‬
‫النقل البحري على البري امتيازا تبادلت بسببه خريطة أوربا السياسية فغي‬
‫‪.‬القرن الثالث عشر‬

‫وملا استرد الصليبيون سردانية ( ‪ ) 5922‬وقورسقة ( ‪ ) 5905‬من املسلمين فتح‬


‫مضيق مسينا‪ ،‬والبحر املتوسط للمالحة ألاوربية‪ ،‬كما استردت الحرب الصليبية‬
‫ألاولى جميع الثغور الجنوبية الواقعة على هذا البحر إال القليل منها‪ .‬فلما‬
‫تحررت التجارة من هذه القيود ربطت أوربا بشبكة من الطرق التجارية لم‬
‫تقتصر نتيجتها على اتصالها باملسيحيين في آسيا‪ ،‬بل شملت كذلك اتصالها ببالد‬
‫املسلمين في إفريقيا وآسيا‪ ،‬ثم امتدت إلى أبعد من هذا‪ ،‬إلى بالد الهند والشرق‬

‫ألاقص ى‪ .‬فقد كانت املتاجر تحمل من الصين أو الهند‪ ،‬وتجتا ز التركستان‪،‬‬


‫وفارس‪ ،‬والشام إلى موانئ سوريا وفلسطين؛ أو تخترق بالد املغول إلى بحر الخزر‬
‫ونهر الفلجا؛ أو تنقلها إلى الخليج الفارس ي‪ ،‬ثم تسير صعدا في نهر الفرات ودجلة‪.‬‬
‫ثم تجتاز الجبال والصحراوات إلى البحر ألاسود‪ ،‬أو بحر الخزر‪ ،‬أو البحر‬
‫املتوسط؛ أو تسير السفن ف ي البحر ألاحمر ثم تنقل بالقنوات أو القوافل إلى‬
‫القاهرة أو إلاسكندرية‪ .‬وكانت التجارة ‪ -‬ومعظمها في القرن الثالث تجارة مسيحية ‪-‬‬
‫تنتشر من ثغور إفريقيا إلاسالمية إلى آسيا الصغرى وبيزنطية‪ ،‬أو إلى جزائر‬
‫قبرص‪ ،‬ورودس‪ ،‬وكريت (إقريطش)؛ أو إلى ثغور سالنيك‪ ،‬وبيرية‪ ،‬وكورن ثة‪،‬‬
‫وبتراس؛ أو إلى صقلية‪ ،‬وإيطاليا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وأسبانيا‪ .‬وكانت القسطنطينية تضيف‬

‫‪68‬‬
‫بضائعها الكمالية إلى هذا التيار الجارف‪ ،‬وتغذى التجارة الصاعدة في نهر‬
‫الدانوب والدنيبر إلى أوربا الوسطى‪ ،‬والروسيا‪ ،‬ودول البحر البلطي‪ .‬واستولت‬
‫مدائن البندقية‪ ،‬وبيزا‪ ،‬وجنوى على التجا رة الغربية البيزنطية‪ ،‬وحاربت كما‬
‫‪.‬يحارب املتوحشون لكي تكون للمسيحيين السيادة على البحار‬

‫وكان مركز إيطاليا بين الشرق والغرب‪ ،‬موغلة في البحر املتوسط‪ ،‬وثغورها‬
‫املتجهة إلى البحر في ثالث جهات مختلفة‪ ،‬وبلدانها املشرفة على ممرات جبال‬
‫ألالب‪ ،‬مما يسر لها في ثالث الاستفادة أكثر من سائر ألاقطار من تجارة أوربا مع‬
‫بيزنطية‪ ،‬وفلسطين‪ ،‬وبالد املسلمين‪ .‬فقد كان لها على البحر ألادرياوي مدائن‬
‫البندقية‪ ،‬ورافنا‪ ،‬وريميني‪ ،‬وأنكونا‪ ،‬وباري ‪ ،‬وبرنديزي ‪ ،‬وتارنتو؛ وكان لها في‬
‫الجنوب كروتون (أقروطونة)؛ وكان لها على الساحل الغربي رجيو‪ ،‬وسل رنو‪،‬‬
‫وأملفي‪ ،‬ونابلي‪ ،‬وأستيا‪ ،‬وبيزا‪ ،‬ولوكا‪ ،‬وكانت هذه تنقل تجارة غنية واسعة؛ وكانت‬
‫فلورنس املركز املصرفي لهذه التجارة تسيطر على شئونها املالية‪ .‬وكان نهر ألارنو‬
‫والبو ينقالن بعض هذه التجارة في داخل البالد إلى مدائن بدوا‪،‬‬

‫وفرارا‪ ،‬وكرمونا‪ ،‬وبياسنزا‪ ،‬وبافيا‪ .‬وكانت روما تستولي على إلاتاوات والعشور من‬
‫‪ ،‬وبولونيا تقعان ‪ Siena‬سكان أوربا ألاتقياء إلى كنائسها وأضرحتها؛ وكانت سينا‬
‫عند ملتقى الطرق الداخلية الكبرى الكثيرة إلانتاج؛ وكانت ميالن‪ ،‬وكومو‪،‬‬
‫وبريشيا‪ ،‬وفيرونا‪ ،‬والبندقية تجمع في أحجارها ثمار التجارة تنتقل فوق جبال‬
‫ألالب من حوض ي الدانوب والرين؛ وكانت جنوى تسيطر على البحر الترهيني‪ ،‬كما‬
‫كانت البندقية تتحكم في البحر ألادرياوي ‪ .‬وكان أسطول جنوى التجاري يتألف من‬
‫ً‬
‫مائتي سفينة عليها عشرون ألفا من البحارة‪ ،‬وكانت ثغورها التجارية تمتد من‬
‫قورسقة إلى طربزون‪ .‬وكانت جنوى تتجر بكام ل حريتها مع بالد املسلمين كما تتجر‬
‫معها البندقية وبيزا؛ وأسبانيا إلاسالميتين؛ وكانت كثير من هذه املدن إلايطالية‬

‫‪69‬‬
‫تبيع ألاسلحة للمسلمين في أيام الحروب الصليبية‪ ،‬وكان البابوات ألاقوياء أمثال‬
‫ً‬
‫إنوسنت الثالث ينددون بالتجارة أيا كانت مع املسلمين؛ ولكن الذهب كان أقوى‬
‫ً‬
‫أثرا من الدين أو الدم املراق‪ ،‬ولهذا ظلت "التجارة املحرمة" تجري في مجراها‬
‫‪ ).‬العادي( ‪0‬‬

‫واضمحلت جنوى من جراء حروبها مع البندقية‪ ،‬وتطلعت ثغور فرنسا الجنوبية‬


‫وأسبانيا الغربية إلى نصيب من تجارة البحر املتوسط؛ واستعادت مرسيليا إلى‬
‫حين ما كان لها في سابق أيا مها من تفوق بعد أن كسدت تجارتها أيام سلطان‬
‫املسلمين‪ ،‬ولكن منبلييه أخذت في خالل القرن الثاني عشر تنافسها في أن تكون‬
‫باب فرنسا الجنوبي مدفوعة في هذه املنافسة بسكانها املختلفي ألاجناس وثقافتها‬
‫املتعددة ألاصول ‪ -‬غالية‪ ،‬وإسالمية‪ ،‬ويهودية‪ .‬وأفادت برشلونة من أهلها الذين‬
‫يتمنى بعضهم إلى ألاسر التجارية اليهودية القديمة التي بقيت فيها أن استردت من‬
‫املسلمين‪ .‬وإذا كانت جبال البرانس تفصل أسبانيا املسيحية عن سائر أوربا فقد‬
‫وجدت في هذه املدينة وفي بلنسية وسيلة‬

‫لالتصال بعالم البحر املتوسط‪ .‬وكانت ثغور قادس‪ ،‬وبوردو‪ ،‬والروشل‪ ،‬ونانت‬
‫ترسل سفنها لتسير بازاء ساحل املحيط ألاطلنطي إلى رون‪ ،‬ولندن‪ ،‬وبروج؛ كما‬
‫كانت جنوى في القرن الثالث عشر‪ ،‬والبندقية في عام ‪ 5950‬ترسالن سفنهما إلى‬
‫هذه الثغور ألاطلنطية كلها مخترقة مضيق جبل طارق ؛ وقبل أن يحل عام ‪5999‬‬
‫كانت التجارة التي تعبر جبال ألالب قد ن قصت‪ ،‬وأخذت تجارة املحيط ألاطلنطي‬
‫‪.‬تسمو بأمم هذا املحيط إلى تلك الزعامة التي ضمنها لها كوملبس فيما بعد‬

‫وأثرت فرنسا من أنهارها وهي الحبال السائلة التي تربط بها التجارة ألاقاليم‬
‫الواقعة على شطآنها وتوحدها‪ .‬وبفضل هذه ألانهار ‪ -‬الرون‪ ،‬والجارونن واللوار‪،‬‬

‫‪70‬‬
‫‪ ،‬واملوزل ازدهرت تجارتها وأخصبت حقولها‪ ،‬ولم ‪ Oise‬والساؤو ن‪ ،‬والسين‪ ،‬والواز‬
‫يكن في وسع بريطانيا وقتئذ أن تنافسها‪ ،‬ولكن الثغور الخمسة الواقعة على‬
‫القناة إلانجليزية كانت ترحب بالسفن والبضائع ألاجنبية‪ .‬وكان نهر التاميز عند‬
‫ً‬
‫لندن محاطا منذ ذلك العهد البعيد بأحواض السفن املتجاورة املمتدة على‬
‫شاطئيه‪ ،‬وكانت تصدر منها املنسوجات‪ ،‬والصوف‪ ،‬والقصدير لتستورد بأثمانها‬
‫التوابل من بالد العرب‪ ،‬والحرير من الصين‪ ،‬والفراء من الروسيا‪ ،‬والخمور من‬
‫فرنسا‪ .‬وكان أنشط من هذه كلها وأنشط من أي ثغر في أوربا الشمالية مدينة‬
‫بروج العاصمة التجارية وا ملنفذ الخارجي لبالد فالندرز بغالتها الزراعية‬
‫ً‬
‫والصناعية‪ .‬وعند هذه املدينة كان يتقاطع محورا التجارة ألاوربية املحور الشرقي‬
‫الغربي واملحور الشمالي الجنوبي‪ ،‬كما كانا يتقاطعان عند البندقية وجنوى ‪ .‬وكان‬
‫موقعها القريب من شاطئ بحر الشمال واملقابل إلنجلترا‪ ،‬مما يسرها استيراد‬
‫الصوف إلانجليزي لينسج على ألانوال الفلمنكية والفرنسية‪ .‬وكانت إلى هذا بعيدة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في الداخل بعدا يجعل ثغرها مأوى أمينا للسفن‪ .‬ولهذا اجتذبت إليها أساطيل‬
‫جنوى والبندقية وفرنسا القريبة‪ .‬وسمحت لهذه املدن بان توزع بضائعها بمائة‬
‫طريق وطريق على الثغور‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاص غر منها‪ .‬وملا أن ازداد النقل البحري أمنا ورخصا ‪ ،‬اضمحلت التجارة البرية‪،‬‬
‫وحلت بروج محل املدن ذات املواسم التجارية‪ ،‬فأضحت السوق التي تلتقي فيها‬
‫‪ ،‬والشلد‪ Meuse‬التجارة ألاوربية؛ فكانت حركة النقل الثقيل على أنهار املوز‬
‫والرين تحمل إلى بروج بضائع أملاني ا الغربية وفرنسا الشرقية لتصدر ‪Scheldt‬‬
‫منهما إلى الروسيا‪ ،‬واسكنديناوة‪ ،‬وإنجلترا‪ ،‬وأسبانيا‪ .‬وانتعشت بلدان أخرى‬
‫‪ ، Cambrai ،‬وكمبريه‪ Valencienne‬بفضل هذه التجارة النهرية نذكر منها فلنسين‬

‫‪71‬‬
‫الواقعة على نهر ‪ ،) Antwerp‬وأنتورب (أنفرس‪ ، Gnent‬وغنت‪ Tonrai‬وثورنيه‬
‫‪.‬على نهر املوز ‪ ، Maestricht‬ومسترخت‪ ، Liege‬وليبج‪ Dinant‬الشلد؛ ودينان‬

‫وكانت بروج أشهر مدائن القسم الغربي من العصبة الهانسية‪ ،‬وكان منشأ هذه‬
‫العصبة وأمثالها أن املدائن التجارية في أوربا الشمالية ألفت من بينها في القرن‬
‫ً‬
‫أي اتحادات أو ‪ Hanses‬الثاني عشر أحالفا مختلفة سماها ألاملان هانسات‬
‫نقابات‪ ،‬تهدف إلى تشيع التعاون الدولي ضد املنافسة الخارجية‪ ،‬وإقامة هيئات‬
‫متجانسة من التجار البعدين عن أوطانهم‪ ،‬وحماية أنفسهم من القراصنة‪،‬‬
‫وقطاع الطرق ‪ ،‬وتقلب العملة‪ ،‬واملدينين املمماطلين‪ ،‬وجباة الضرائب‪ ،‬واملكوس‬
‫‪.‬إلاقطاعية‬

‫وكونت لند‪ ،‬وبروج‪ ،‬وإي بر‪ ،‬وترواي‪ ،‬وعشرون مدينة أخرى "اتحاد لندن"؛‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وانضمت لوبك‪ ،‬التي أسست في عام ‪ 5511‬لتكون مرقبا خارجيا للحرب والتجارة‬
‫ألاملانيتين مع اسكنديناوة‪ ،‬إلى هامبرج ( ‪ ،) 5259‬وبروج ( ‪ ) 5212‬في اتحاد مشابه‬
‫‪ Dorpat ،‬لهذا‪ ،‬انضمت إليه فيما بعد دانزج‪ ،‬وبرمن‪ ،‬ونفجورود‪ ،‬ودوربات‬
‫‪ ، Bergen ،‬واستوكهولم‪ ،‬وبرجن‪ ، Visby‬وبرلين‪ ،‬وفزبي‪ Thorn‬ومجدبرج‪ ،‬وثورن‬
‫ولندن؛‬

‫وبلغ هذا الاتحاد عنفوانه في القرن الرابع عشر‪ ،‬وكان يضم وقتئذ اثنتين‬
‫‪ weser ،‬وخمسين بلدة‪ ،‬ويشرف على مصاب جميع ألانهار الكبرى ‪ -‬الرين‪ ،‬والويزر‬
‫وألالب‪ ،‬وألاودر‪ ،‬والفستيوال ‪ -‬التي تنقل غالت أوربا الوسطى إلى بحر الشمال‬
‫والبحر البلطي؛ وكان هذا الحلف يسيطر على تجارة أوربا الشمالية من رون إلى‬
‫نفجورود؛ وظل مدة طويلة يحتكر مصايد الرنجة في البحر البلطي وتجارة القارة‬
‫ألاوربية مع إنجلترا‪ .‬ولقد أنشأ الحلف محاكم للفصل فيما يشجر بين أعضائه‬

‫‪72‬‬
‫من نزاع‪ ،‬وا لدفاع عنهم فيما يقام عليهم من قضايا من البلدان الخارجة عنه‪،‬‬
‫وكان في بعض ألاحيان يحارب بوصفه سلطة مستقلة‪ .‬وقد سن الحلف قوانين‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لتنظيم العمليات التجارية بل والسلوك ألاخالقي بين أعضائه مدنا كانوا أو رجاال ؛‬
‫وكان يحمى التجار املنظمين إليه من الشرائع الاستبدادي ة‪ ،‬والضرائب والغرامات‬
‫غير القانونية؛ ويفرض على أعضائه مقاطعة املدن التي تس يء إليه‪ ،‬ويعاقب‬
‫املماطلين في الدفع‪ ،‬واملخلين منضمة إليه‪ ،‬واملشترين بضائع مسروقة‪ .‬وأنشأ‬
‫محطة تجارية في كل مدينة منضمة إليه‪ ،‬وجعل تجاره خاضعين لقوانينه ألاملانية‬
‫‪ .‬أينما ذهبوا‪ ،‬وحرم عليه م الزواج من ألاجنبيات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وظلت العصبة الهانسية قرنا من الزمان عامال الحضارة‪ ،‬فقد ظهرت البحر‬
‫البلطي وبحر الشمال من القراصنة‪ ،‬ونظفت املجاري املائية؛ وعدلتها فجعلتها‬
‫مستقيمة‪ ،‬ورسمت خرائط للتيارات البحرية واملد والجزر‪ ،‬وأبانت عليها موضع‬
‫القنوات‪ ،‬وأنشأت املنارا ت البحرية‪ ،‬والثغور‪ ،‬والقنوات‪ ،‬وسنت القوانين البحرية‬
‫وجمعتها في كتب؛ وجملة القول أنها أحلت النظام مكان الفوض ى في تجارة أوربا‬
‫الشمالية‪ .‬ولقد ضمت هذه العصبة طبقة التجار‪ ،‬وألفت منهم هيئة قوية‬
‫فحمت بذلك الطبقة الوسطى من ألاشراف‪ ،‬وعملت على تحرير املدن من سادة‬
‫إلا قطاع؛ وليس أدل على قوتها من أنها قاضت ملك فرنسا ألن جنوده أتلفوا‬
‫بضائع العصبة‪ ،‬وأرغمت ملك إنجلترا على أن يؤدي ما يلزم من النفقات‬
‫ً‬
‫إلقامة الصلوات طلبا لنجاة أرواح تجار العصبة الهانسية الذين أغرقهم‬
‫إلانجليز( ‪ .) 1‬ويفضل هذه العصبة انتشرت تجارة ألاملان ولغتهم وثقافتهم نحو‬
‫‪ ،‬ورفعت بلدان ‪ ، Estonia‬وإستونيا‪ Livonia‬الشرق إلى بروسيا‪ ،‬وليفونيا‬
‫إلى مصاف ‪ ، Riga‬وريجا‪ ، Memel‬وميمل‪ ، Libau‬وليباو‪ K?nigsburg‬كونجزبرج‬
‫املدن الكبرى ‪ .‬وكانت العصبة تتحكم في أثمان البضائع التي يتجر فيها أعضاؤها‬

‫‪73‬‬
‫وأوصافها‪ ،‬وبلغ اشتهار أعضائها باالست قامة أن استخدم إلانجليز لفظ‬
‫أي (رجال الشرق ) بمعنى "نقي أوصاف" وأن أضيف بهذا املعنى إلى ‪Easterlings‬‬
‫‪.‬لفظي فضة أو ذهب بمعنى موثوق به أو صادق‬
‫ً‬
‫ولكن العصبة الهانسية أضحت على مر الزمن عامال من عوامل الاستبداد‬
‫ً‬
‫والحماية معا ؛ فقد أسرفت في فرض القيود الاستبدادية على استقالل أعضائها‪،‬‬
‫وأرغمت املدن على الانضمام إليها باستخدام سالح املقاطعة تارة وبالعنف تارة‬
‫أخرى ‪ ،‬وقاومت املدن وألاحالف املنافسة لها بجميع الوسائل الطيبة منها‬
‫والخبيثة‪ ،‬ولم تتورع عن استئجار القراصنة لإلضرار بتجارة أولئك املنافسين؛‬
‫ً‬
‫وبلغ من أمرها أن نظمت ل ها جيوشا خاصة‪ ،‬وأقامت من نفسها دولة داخل كثير‬
‫من الدول ؛ وبذلت كل ما في وسعها للضغط على طبقة الصناع التي تستمد منها‬
‫بضائعها وظلم هذه الطبقة‪ ،‬ولهذا أصبح الكثيرون من العمال وغيرهم من‬
‫الناس يخشونها ويحقدون عليها‪ ،‬ويرون أنها أقوى وسيلة من وسائل الاحتكار‬
‫قيدت ب ها التجارة في أي وقت من ألاوقات‪ .‬وملا أن ثار العمال في إنجلترا عام ‪5915‬‬
‫طاردوا كل املنضمين إلى العصبة الهانسية‪ ،‬واقتفوا آثارهم في أماكن العبادة‬
‫الخبز ( ‪ Cheese Bread‬داخل الكنائس‪ ،‬وقتلوا كل من لم يستطيعوا النطق بلفظي‬
‫‪ ).‬والجبن) بلهجة إنجليزية( ‪0‬‬

‫التابعة ‪ Gotland‬واستولت العصب ة في عام ‪ 5509‬على جزيرة جتالند‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫للسويد واتخذت فزبي قاعدة وحصنا لتجارة البحر البلطي‪ ،‬وأخذت بعدئذ عقدا‬
‫بعد عقد‪ ،‬تبسط سيطرتها على تجارة الدنمرقة‪ ،‬وبولندا‪ ،‬والنرويج‪ ،‬والسويد‪،‬‬
‫‪ Adam of‬وفنلندة‪ ،‬والروسيا‪ .‬وعلى سياسة تلك البالد‪ ،‬حتى قال آدم البرمني‬
‫إن تجار العصبة الهانسية في القرن الثالث عشر "بلغوا من الكثرة مبلغ ‪Bremen:‬‬

‫‪74‬‬
‫ورث البهائم‪ ..‬وكانوا يبذلون من الجهد للحصول على جلد طير الغطاس كأن في‬
‫هذا الجلد نجاتهم إلى ابد الدهر( ‪ .) 59‬واتخذ هؤالء التجار مقرهم في نفجورود‬
‫‪ ،‬وأقاموا فيها بوصفهم حامية تجارية مسلحة‪ Volkhov ،‬القائمة على نهر فلخوف‬
‫ً‬
‫واتخذوا كنيسة القديس بطرس مخزنا لبضائعهم‪ ،‬وأحاطوا مذبحها بدنان‬
‫الخمر‪ ،‬وأقاموا على هذه املخازن حراسة أشبه بحراسة الكالب املتوحشة‪ ،‬وعنوا‬
‫‪ ).‬في أثناء ذلك بأداء جميع ما يتطلبه التقي والصالح من الشعائر الدينية( ‪55‬‬

‫ولم تقنع العص بة بهذا بل وجهت أفكارها نحو السيطرة على تجارة نهر الرين‪،‬‬
‫وأرغمت كولوني على الخضوع لها مع أنها كانت صاحبة عصبة مستقلة‪ .‬أما في‬
‫جنوب تلك املدينة فقد وقفت في وجهها عصبة الرين املؤلفة في عام ‪ 5211‬من‬
‫‪ ،‬وورمز‪ ،‬واستربرج‪ ،‬وبازل ‪ .‬وفي جنوب هذه املدائن ‪ Speyer‬كولوني‪ ،‬ومينز‪ ،‬وأسبير‬
‫تقوم بالتجارة آلاتية ‪ ، Nuremberg‬ونورمبرج‪ ، Ulm‬وألم‪ Augsburg‬كانت أجزبرج‬
‫من إيطاليا؛ وال نزال حتى اليوم نرى في البندقية مستوع هذه التجارة املسمى‬
‫‪ Regensburg‬القائم على القناة الكبرى ‪ .‬وقامت رجنزبرج ‪Fondaco de Fedeschi‬‬
‫وفينا على الطرف الغربي لنهر الدانوب‪ ،‬ذلك الشريان العظيم الذي كان يحمل‬
‫غالت ألاجزاء الداخلية من أملانيا إلى بحر إيجة عن طريق سالنيك‪ ،‬أو إلى‬
‫القسطنطينية والروسيا والبالد إلاسالمية وبالد الشرق عن طريق البحر ألاسود‪.‬‬
‫وهكذا دارت التجارة ألاوربية الداخلية دورة كاملة‪ ،‬وعمت التجارة الخارجية ف ي‬
‫‪.‬العصور الوسطى في كل مكان‬

‫ترى أي صنف من الناس كان أولئك التجار الذين كانوا يرسلون بضائعهم في هذه‬
‫الطرق مجتازة أرضين كثيرة متباينة يسكنها أقوام ذوو وجوه مرتابة ولغات غريبة‬

‫‪75‬‬
‫وعقائد متحاسدة متباغضة؟ لقد كان أولئك التجار ينتمون إلى شعوب مختلفة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ويأتون من بالد كثيرة متباينة‪ ،‬ولكن عددا كبيرا منهم كان من الشوام‪ ،‬واليهود‪،‬‬
‫ً‬
‫وألارمن‪ ،‬واليونان‪ .‬وقلما كانوا من صنف رجال ألاعمال الذين نعرفهم اليوم رجاال‬
‫آمنين جالسين خلف مكاتبهم في مدنهم؛ بل كانوا في العادة ينتقلون في البلدان مع‬
‫ً‬
‫بضائعهم؛ وكثيرا ما كانوا يقطعون مسافات طويلة ليبتاعوا بأرخص ألاثمان ما‬
‫يحتاجونه من البضائع من ألاماكن التي تكثر فيها‪ ،‬ثم يعودون ليبيعوها غالية في‬
‫‪ en‬البلدان التي يندر فيها وجودها‪ .‬وكانوا في العادة يشترون ويبيعون بالجملة‬
‫ثم ‪ grocer‬إلى ‪ grosser‬كما يقول الفرنسيون ‪ .‬وقد ترجم إلانجليز لفظ ‪gross‬‬
‫على من يبيع التوابل بالجملة( ‪ .) 52‬وكان ‪ grocer‬أطلق وا اللفظ بهذه الصيغة‬
‫التجار خالئق مغامرين‪ ،‬ومرتادين؛ وفرسان القوافل مسلحين بالخناجر والرشا‪،‬‬
‫‪.‬متأهبين للقاء قطاع الطرق ‪ ،‬والقراصنة‪ ،‬وآالف مؤلفة من الباليا واملحن‬

‫وربما كان أشد ما يضايقهم هو اختالف الشرائع وتعدد ج هات التقاض ي‪ ،‬وكان‬
‫من أهم أعمالهم وضع قانون دولي للتجارة واملالحة يتقدم على مر ألايام‪ .‬لقد كان‬
‫ً‬
‫التاجر إذا سافر برا يخضع إلى قضاء محكمة جديدة‪ ،‬وربما خضع إلى قوانين‬
‫مختلفة في أمالك كل سيد إقطاعي‪ ،‬وكان من حق هذا السيد أن يستولي على‬
‫بضائعه إذا سقطت على ألارض ف ي الطريق‪ ،‬وإذا جنحت سفينته أصبحت‬
‫بمقتض ى "قانون التحطيم" من حق السيد الذي جنحت عند ساحل أرضه؛ وكان‬
‫مما يفتخر به أحد السادة البريطانيين أن صخرة خطرة في ساحل بالده كانت‬
‫أثمن درة في تاجه( ‪ .) 59‬وظل التجار يقاومون هذا الظلم الصارخ عدة قرون حتى‬
‫ً‬
‫بدءوا يلغونه تدريجا في القرن الثاني عشر‪ .‬وكان التجار اليهود‬

‫الدوليون قد جمعوا في هذه ألاثناء طائفة من القوانين التجارية يسيرون على‬


‫هديها؛ وأصبحت هذه النظم فيما بعد أساس القانون التجاري في القرن التجاري‬

‫‪76‬‬
‫ً‬
‫في القرن الحادي عشر( ‪ .) 51‬وأخذ هذا القانون التجاري ينمو عاما بعد عام بم ا‬
‫يضاف إليه من ألاوامر التي يصدرها النبالء أو امللوك لحماية التجار أو الزوار‬
‫القادمين من الدول ألاجنبية؛ وأنشئت محاكم خاصة لتنفيذ القانون التجاري ؛‬
‫ومما هو خليق بالذكر أن هذه املحاكم قد أغلقت ضروب إلاثبات واملحاكمات‬
‫‪ .‬القديمة كالتعذيب‪ ،‬واملبارز ة‪ ،‬والتحكيم إلا لهي‬

‫وكان التجار ألاجانب قد حصلوا منذ القرن السادس امليالدي بمقتض ى قوانين‬
‫القوط الغربيين على حقهم في أن يحاكموا في املنازعات الخاصة بهم وحدهم أمام‬
‫مندوبين من بالدهم؛ وهكذا بدأ النظام القنصلي الذي تقيم ألامة التجارية حسب‬
‫نصوصه "قناصل" لها في خارج بالدها أي مستشارين لحماية مواطنيها‬
‫ومساعدتهم‪ .‬ولقد أنشأت جنوى قنصلية لها من هذا النوع في عكا عام ‪، 5519‬‬
‫وحذت املدن الفرنسية حذوها في هذا العمل في أثناء القرن الثاني عشر؛ وكان ما‬
‫عقد من الاتفاقات لتبادل هذه الحقوق القنصلية من خير املصادر التي استمد‬
‫‪ .‬منها القانون الدول ي في العصور الوسطى‬
‫ً‬
‫وكان قدر من القانون البحري قد ظل قائما من العهود القديمة؛ فلم يمح هذا‬
‫القانون قط بين تجار رودس املستنيرين‪ ،‬بل كان من أقدم الشرائع البحرية‬
‫‪" Lois‬قانون أهل رودس" الصادر في عام ‪ . 5500‬وأصدرت قوانين أوليرون‬
‫في أواخر القرن الثاني ع شر جزيرة في البحر قرب ساحل بوردو لتنظيم ‪d'Oleron‬‬
‫تجارة الخمور ثم أخذتها عنها فرنسا وفالندرز ‪ ،‬وإنجلترا‪ .‬ونشرت العصبة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الهانسية قانونا مفصال في القواعد والنظم البحرية يسير عليه أعضائها‪ :‬وقد‬
‫نص فيه على ما يجب اتخاذه من الاحتياطات لضمان سالمة الركاب والبضائع‪،‬‬
‫وعلى الح قوق التي يتمتع بها الناجمون ومن ينجونهم وواجبات ربابنة السفن‬
‫ومالحيها‬

‫‪77‬‬
‫وأجورهم‪ ،‬والشروط التي يصح للسفينة التجارية أو يجب عليها بمقتضاها أن‬
‫تتحول إلى سفينة حربية‪ .‬وكانت العقوبات املقررة في هذه القوانين صارمة‪ ،‬ولكن‬
‫يلوح أن هذه الصرامة كانت واجبة لتثبيت التقا ليد والعادات الخاصة باألنظمة‬
‫البحرية‪ ،‬وبث الثقة بها والاعتماد عليها في قلوب الخاضعين لها‪ .‬ذلك أن العصور‬
‫الوسطى قد ظلت تؤدب الناس عشرة قرون ليظل أهل هذا الزمن الحديث‬
‫ً‬
‫‪.‬أحرارا أربعمائة عام‬

‫الفصل الثاني‬

‫تقدم الصناعة‬
‫تقدمت الصناعة بنفس الخط التي اتسع بها التجارة؛ ذلك أن اتساع ألاسواق زاد‬
‫‪.‬إلانتاج‪ ،‬وزيادة إلانتاج أنعشت التجارة‬

‫‪78‬‬
‫ً‬
‫غير أن وسائل النقل كانت أقل العوامل تقدما ‪ ،‬فقد كانت معظم الطرق‬
‫الرئيسية في العصور الوسطى مليئة باألتربة‪ ،‬وألاقذار‪ ،‬وألاوحال‪ ،‬ولم تكن هناك‬
‫قنوات أو برابخ تنقل املاء من الطرق ‪ ،‬وله ذا كثرت فيها الحفر والبرك؛ وكانت‬
‫املخاضات كثيرة والقناطر قليلة‪ .‬وكانت ألاحمال تنقل على ظهور البغال أو الخيل‬
‫وال تنقل في العربات ألن العربات يصعب عليها تجنب الحفر كما تتجنبها دواب‬
‫الحمل‪ .‬وكانت عربات الركوب كبيرة سمجة عجالتها ذات إطار من حديد غير ذات‬
‫مرونة( ‪) 51‬؛ ولهذا كانت هذه العربات غير مريحة مهما تكن زينتها‪ ،‬ومن أجل ذلك‬
‫ً‬
‫فإن الناس رجاال كانوا أو نساء كانوا يفضلون ركوب الخيل منفرجة سيقانهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ذكورا وإناثا على الجانبين‪ .‬وقد ظلت العناية بالطرق حتى القرن الثاني عشر‬
‫موكولة إلى أصحاب ألامالك املجاورة لها‪ ،‬ولم يكن هؤالء املالك يدركون كيف‬
‫يطلب إليهم أن ينفقوا املال على إصالح الطرق التي ينتفع املارون بها أكثر مما‬
‫ينتفع بها سواهم‪ .‬وحذا فردريك الثاني في القرن الثالث عشر حذو املسلمين‬
‫والبيزنطيين فأمر بإصالح طرق صقلية وجنوبي إيطاليا‪ ،‬وأنشئت في هذا الوقت‬
‫عينه أولى "الطرق ا لكبرى امللكية" بتثبيت مكعبات حجرية في الثرى املفكك أو‬
‫الرمال‪ ،‬وشرعت في هذا القرن نفسه ترصف شوارعها الرئيسية‪ ،‬وأنشأت مدائن‬
‫فلورنس‪ ،‬وباريس‪ ،‬ولندن‪ ،‬واملدن الفلمنكية قناطر غاية في الجودة‪ ،‬كذلك‬
‫نظمت الكنيسة في القرن الثاني عشر هيئات أخوية دينية إلصالح‬

‫القناطر وتشييدها‪ ،‬وعرضت على من يشتركون في هذا العمل الغفران من‬


‫هم الذين أنشئوا جسر أفنيون ‪ Freres Pontifs‬الذنوب‪ .‬وكان إخوان الجسور‬
‫ً‬
‫الذي ال يزال محتفظا بأربع عقود من صنع أيديهم‪ .‬وبذلت بعض طوائف الرهبان‬
‫ً‬
‫ال سيما الرهبان البندكتيين جهودا كبيرة للمحافظة على الطرق وال جسور؛ وظل‬
‫ملك إنجلترا ورجال الدين فيها ومواطنوها فيما بين عامي ‪ 5500‬و ‪ 5290‬يقدمون‬

‫‪79‬‬
‫أموالهم أو جهودهم الجسيمة إلنشاء جسر لندن‪ ،‬وقامت فوق هذا الجسر بيوت‬
‫ً‬
‫وكنيسة صغيرة‪ ،‬وكان الجسر يقوم فوق عشرين عقدا من الحجر يعبر عليها نهر‬
‫التاميز؛ وأقيمت في بداية القرن الثالث أولى القناطر املعلقة املعروفة فوق خانق‬
‫‪.‬بجبال ألالب ‪ Gothard St.‬في ممر سان جوتار‬

‫وكانت املسالك املائية أكثر ما يستخدمه الناس في النقل‪ ،‬فأصبحت لذلك ذات‬
‫شأن عظيم في نقل البضائع ألن الطرق البرية كانت كثيرة املتاعب‪ ،‬فقد كانت‬
‫السفينة الواحدة تحمل ما تحمله خمسم ائة دابة‪ ،‬وكانت إلى هذا أقل نفقة من‬
‫إلى الفلجا ‪ Tagus‬الدواب‪ ،‬ومن أجل ذلك كانت أنهار أوربا املنتشرة من نهر التاجه‬
‫من أهم مسالكها العامة‪ ،‬وكان اتجاه هذه ألانهار ومصابها العامل الرئيس ي ‪Volga‬‬
‫في انتشار السكان‪ ،‬ونمو املدن‪ ،‬بل والسياسية العسكرية لألمم في كثير ألاحيان‪.‬‬
‫‪.‬وكانت القنوات ال حصر لها وإن كانت ألاحواض غير معروفة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان السفر بالبر والبحر على السواء شاقا بطيئا ‪ ،‬فكان انتقال ألاسقف من كنتر‬
‫ً‬
‫بري إلى روما يتطلب تسعة وعشرين يوما ‪ .‬وكان في وسع حملة الرسائل إذا‬
‫استبدلوا الخيل في مراحل الطريق أن يجتازوا مائة عام في اليوم الواحد؛ لكن‬
‫ً‬
‫الرسل الخصوصيين كانوا يكلفون كثيرا ‪ ،‬ولهذا كان البريد (الذي أعيد في إيطاليا‬
‫ً‬
‫في القرن الثاني عشر) مقصورا في العادة على ألاعمال الحكومية‪ ،‬وكانت عربات‬
‫عامة حافلة تسير بانتظام في أماكن متفرقة من القارة كالعربات التي كانت تسير‬
‫بين لندن وون شستر‪ .‬وكانت ألاخبار بطيئة الانتقال شأنها في هذا‬

‫شأن الرجال؛ مثال ذلك أن نبأ موت بربروسه في قليقية لم يصل إلى أملانيا إال‬
‫بعد أربعة أشهر( ‪ .) 50‬ولهذا كان في وسع الرجل في العصور الوسطى أن يتناول‬
‫فطوره من غير أن تزعجه مصائب العالم التي يجد الناس في جمعها؛ وكان من‬

‫‪80‬‬
‫ً‬
‫حسن حظه أن ما يصله من أخبار هذه املصائب قد بلغ من قدم العهد حدا ال‬
‫‪.‬يستطاع معه عالجه‬

‫وخطا الناس بعض خطوات في تسخير القوى الطبيعية واستخداماتها ملنفعتهم‪.‬‬


‫وشاهد ذلك أن "كتاب يوم الحشر" يسجل وجود خمسة آالف طاحونة مائية في‬
‫إنجلترا في عام ‪ ، 5910‬وثمة رسم ب اق من عام ‪ 5500‬يصور عجلة مائية يضاعف‬
‫دوراتها البطيئة ويزيد سرعتها عدد من التروس املتعاقبة املدرجة في الصغر( ‪.) 50‬‬
‫وبفضل هذا الازدياد في السرعة أضحت العجلة املائية أداة رئيسية من أدوات‬
‫الصناعة؛ وأخذت تنتشر في بالد أوربا املختلفة‪ ،‬فظهرت في أملانيا عام ‪ 5211‬آلة‬
‫)‪ Douoi (1313‬مائية لنشر الخشب تدار باملاء( ‪) 51‬؛ وكانت آلة أخرى في دويه‬
‫تستخدم لصنع آلاالت الحادة؛ وانتشرت الطواحين الهوائية‪ ،‬التي عرفت ألول مرة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في أوربا الغربية عام ‪ ، 5591‬انتشارا سريعا بعد أن شاهد املسيحيون سعة‬
‫وحدها مائة وعشرون من ‪ Ypres‬انتشارها في بالد إلاسالم( ‪ ،) 50‬فقد كان في أي بر‬
‫‪.‬هذه الطواحين في القرن الثالث عشر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان تحسن أدوات العمل وازدياد حاجات الناس عامال هاما في تشجيع أعمال‬
‫التعدين التي نهضت وقتئذ نهضة فجائية عظيمة‪ .‬من ذلك أن حاجة التجارة إلى‬
‫عملة ذهبية موثوق بها‪ ،‬وقدرة الناس املتزايدة على إشب اع شهوتهم في لبس الحلي‬
‫قد أديا إلى تجدد العمل في استخراج التبر بغسل طين ألانهار‪ ،‬ومن العروق‬
‫املعدنية في إيطاليا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وإنجلترا‪ ،‬واملجر‪ ،‬ومن أملانيا بنوع خاص‪ .‬وكشف‬
‫حوالي عام ‪ 5501‬عروق غنية للنحاس ألاحمر‪ ،‬والفضة‪ ،‬والذهب في إرز جبيرج‬
‫أي جبال ا ملعدن)؛ وعلى أثر هذا الكشف هرع الناس ( ‪Erz Gebirge‬‬

‫‪81‬‬
‫كما هرعوا إلى أمريكا ‪ ، Annaberg‬وأنابرج‪ ، Goslar‬وجسالر‪ Freiberg‬إلى فرايبرج‬
‫الصغيرة على النقود ‪ Joachimsthaler‬بعد كشفها؛ وأطلق اسم بلدة يوقيمثالر‬
‫ً‬
‫التي تسك فيها‪ ،‬ثم اختصر هذا اللفظ اختصارا تحتمه كثرة الاستعمال واشتق‬
‫إلانجليزية( ‪) 29‬؛ وأضحت أملانيا ‪ Dollar‬ألاملانية وكلمة دوالر ‪ thaler‬منه كلمة ثالر‬
‫بعدئذ أكبر مورد للمعادن الثمينة إلى أوربا‪ ،‬وكانت مناجمها هي ألاساس الذي‬
‫قامت عليه قوتها السياسية‪ ،‬كما كانت تجارتها هي إلاطار الذي حدد هذه القوة‪.‬‬
‫‪ Westphalia ،‬ومن وستفاليا ‪ Harz‬فقد كان الحديد يستخرج من جبال هارز‬
‫وألاراض ي الوطيئة‪ ،‬وإنجلترا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وأسبانيا‪ ،‬وصقلية‪ ،‬وعاد الناس مرة أخرى‬
‫‪ Derbyshire ،‬إلى استخراجه من جزيرة إلبا‪ .‬وكان الرصاص يستخرج من دبي شير‬
‫والقصدير من ديفون ‪ ،‬وكورنوول‪ ،‬وبوهيميا؛ والزئبق والفضة من أسبانيا‪،‬‬
‫من طبقاتها امللحية ‪ Salzburg‬والكبريت والشب من إيطاليا‪ ،‬واشتق اسم سلزبرج‬
‫العظيمة‪ .‬وعاد إلانجليز في القرن الثاني عشر إلى استخراج الفحم الذي كان‬
‫يستخدم في بالدهم أيام الرمان ثم أهمل ‪ -‬كما يلوح ‪ -‬في عهد السكسون ‪ ،‬ومما‬
‫يدل على كثرة استخراجه أن امللكة إليانور غادرت قصر نتنجهام في عام ‪5290‬‬
‫لكثرة الدخان املتصاعد من الفحم ألن الدخان كان يسمم املدينة ‪ -‬ذلك مثل من‬
‫العصور الوسطى إلحدى املصائب التي يظن الناس أنها من مصائب العصر‬
‫‪ ).‬الحديث( ‪25‬‬

‫وكان امتالك الرواسب املعدنية منشأ كثير من الاضطراب في القوانين‪ .‬فلما أن‬
‫كانت يد إلاقطاع قوية في الب الد كان السيد إلاقطاعي يدعى أن املعادن املوجودة‬
‫في أرضه من حقه وحده‪ ،‬وكان يستخرج رواسبها بأيدي رقيق أرضه‪ .‬وكانت‬
‫الهيئات الكنيسة تدعى لنفسها مثل هذه الدعوى ‪ ،‬وتستخدم أرقاء ألارض‪ ،‬أو‬
‫العمال املأجورين في استخراج الرواسب القيمة من أرضيها‪ .‬وأصدر‬

‫‪82‬‬
‫ً‬
‫فردريك بربروسه قرارا ينص على أن امللك وحده صاحب جميع املعادن التي في‬
‫بالده‪ ،‬وأن هذه املعادن ال يمكن استخراجها إال على أيدي شركات تعمل تحت‬
‫ً‬
‫إشراف الدولة( ‪ .) 22‬فلما عاد هذا الحق امللكي الذي كان متبعا أيام أباطرة‬
‫الرومان أصبح هو القانون السائد في أملانيا في العصور الوسطى؛ وسار على هذه‬
‫السنة نفسها ملوك إنجلترا فادعى امللك لنفسه ملكية جميع رواسب الفضة‬
‫والذهب‪ ،‬أما املعادن الدنيئة فكان في استطاعة صاحب ألارض أن يستخرجها‬
‫‪ ).‬بشرط أن يدفع عن ذلك إتاوة للملك( ‪29‬‬

‫وكان فحم الخشب هو الذي يستعمل في صهر املعادن‪ ،‬وكان كثير من الخشب في‬
‫أفران ظلت حتى ذلك الوقت بحالتها البدائية؛ ولكن النحاسين كانوا على الرغم‬
‫من هذا يخرجون أدوات جميلة من الشبه‪ ،‬كما كان صناع ألادوات الحديدية في‬
‫لييج‪ ،‬ونورمبرج‪ ،‬وميالن‪ ،‬وبرشلونة‪ ،‬وطليطية يصنعون أسلحة وأدوات حديدية‬
‫ممتازة‪ .‬واشتهرت أشبيلية بصلبها الجيد‪ ،‬وأخذ الحديد ا لزهر (املصهور في درجة‬
‫‪ ° 5191‬مئوية) يحل محل الحديد املطاوع امللين في درجة ‪ 199‬مئوية)‪ .‬وكانت‬
‫ً‬
‫ومن ‪"- Smiting‬ألادوات الحديدية كلها تقريبا تصنع قبل هذا التغيير "بالطرق‬
‫السكسوني أي الطارق للحداد‪ .‬وكان صب ‪ smith‬هذا الفظ اشتق لفظ اسمث‬
‫ألاجراس من الصناعات الهامة ألن الكنائس الكبرى وأبراج املدن كانت تتنافس في‬
‫أوزان أجراسها‪ ،‬وارتفاع أصواتها‪ ،‬وحسن نغماتها‪ .‬وكان النحاسون يصنعون‬
‫التي يضعها الناس على نيرانهم إذا )‪ (Couvre feus‬أي ‪ Curfews‬أغطية النيران‬
‫واشتهرت بالد سكسونيا بما فيها من مصاهر البرنز‪ Curfew. ،‬دقت أجراس املساء‬
‫وهو مزيج من النحاس‪ ،‬والبزمزت‪ " Pewter ،‬ك ما اشتهرت إنجلترا "بالتنك‬
‫وألانتيمون (إلاتمد) والقصدير‪ .‬وكان الحديد املطاوع يستخدم في صنع قوائم‬
‫حديدية رشيقة للنوافذ‪ ،‬وأخرى من الحديد املشغول ألمكنة املرتلين في الكنائس‪،‬‬

‫‪83‬‬
‫واملفصالت الضخمة ذات ألاشكال املختلفة التي كانت تنتشر على ألابواب لتقويتها‬
‫وتزينها‪ .‬وكان الحدادون والصائغون كثيري العدد؛ وذلك ألن الذهب والفضة لم‬
‫يكن يستخدمها الناس للمباهات أو إلخفائها فحسب‪ ،‬بل كانا يستخدمان فوق‬
‫ً‬
‫ذلك لوقاية صاحبهما من العملة املنتقصة‪ ،‬وإعطائه في ألازمات نوعا من الثروة‬
‫‪ .‬يستطيع تحويله إل ى طعام أو سلع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫واتسع نطاق صناعة املنسوجات في القرن الثالث عشر اتساعا عظيما في فالندرز‬
‫ً‬
‫وإيطاليا‪ ،‬وكانت مؤسسات شبه رأسمالية ينتج فيها آالف من الصناع سلعا‬
‫للسوق العامة ويجمعون املكاسب للمستثمرين الذين ال تقع عليهم أعينهم؛ وكان‬
‫لنقابة الصوف في فلورنس مصانع كبيرة يشتغل فيها نحت سقف واحد غسالون ‪،‬‬
‫وقصارون‪ ،‬وقزازن ‪ ،‬وغزالون ‪ ،‬وناسجون ‪ ،‬ومفتشون وكتبة يعملون بأدوات‪،‬‬
‫‪ ).‬وآالت‪ ،‬وأنوال ال يمتلكونها وليست لهم أية سيطرة عليها( ‪21‬‬

‫وكان املتجرون بالجملة في ألاقمشة ينظمون املصانع‪ ،‬ويقدمون ما يلزمها من‬


‫ألادوات‪ ،‬ويمدونها بالعما ل ورؤوس ألاموال‪ ،‬ويحددون ألاجور وألاثمان‪ ،‬وينظمون‬
‫عمليتي التوزيع والبيع‪ ،‬ويتحملون أخطار املغامرة‪ ،‬وما ينتج عن إلاخفاق من‬
‫خسائر‪ ،‬ويجنون ما يثمره النجاح من مكاسب( ‪ .) 21‬وكان غيرهم من أصحاب‬
‫ألاعمال يفضلون أن يحصلوا على املواد الغفل التي يحتاجها ألافراد أو ألاسر ‪ ،‬ثم‬
‫توزعها تلك ألاسر أو هؤالء ألافراد على التجار نظير أجر أو ثمن‪ ،‬وبهذه الطريقة‬
‫انضم آالف من الرجال والنساء في إيطاليا‪ ،‬وفالندرز ‪ ،‬وفرنسا إلى املهن‬
‫الصناعية( ‪) 20‬؛ ولهذا أصبحت مدائن أمين‪ ،‬وبوفيه‪ ،‬وليل‪ ،‬والون ‪ ،‬وسان كنتان‪،‬‬
‫‪ ، Louvain‬وريمس‪ ،‬وتراوي ‪ ،‬وكمبري ه‪ ،‬وتورنيه‪ ،‬ولييج‪ ،‬ولوفان ‪ Provins‬وبروفن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مركزا عظيما ألعمال الوساطة السالفة الذكر ‪ -‬وفاقتها في ذلك غنت‪ ،‬وبروج‪،‬‬

‫‪84‬‬
‫وإيبر‪ ،‬ودويه واشتهرت كلها بأذواقها الفنية وثوراتها‪ ،‬وأعارت الؤن اسمها إلى‬
‫كلما أعارت كمبريه اسمها إلى التيل ‪ Lawn‬شاش البطانات‬

‫من اسم ‪ diaper‬واشتق الطراز املضلع في النسيج ‪" Cambric‬الرفيع "الكمبريك‬


‫مدينة إيبر( ‪ .) 20‬وكان في غنت ‪ 2999‬نساج يعملون على ألانوال؛ وكان في بروفن‬
‫في القرن الثالث عشر ثالثة آالف ومائتان( ‪ .) 21‬وكانت ألكثر من عشر مدائن في‬
‫إيطالية صناعاتها الخاصة في النسيج‪ .‬وتخصصت نقابة الصوف في فلورنس في‬
‫القرن الثاني عشر في إنتاج البضائع الصوفية املصبوغة‪ ،‬كما نظمت نقابة‬
‫ً‬
‫ألاقمشة في بداية القرن الثالث عشر أعماال واسعة النطاق الستيراد الصوف‬
‫وتصدير منسوجاته‪ ،‬وقبل أن يحل عام ‪ 5990‬كان في فلورنس ‪ 999‬مصنع للنسيج‬
‫كما كان فيها عام ‪ 5990‬ألف نساج( ‪ .) 20‬وكانت جنوى تنس ج املخمل اللطيف‬
‫والحرير ذا الخيوط الذهبية‪ .‬وأخذت فينا في أواخر القرن الثالث عشر تستورد‬
‫النساجين الفلمنكيين‪ ،‬وسرعان ما نشأت فيها صناعة للنسيج خاصة بها‪ .‬وكادت‬
‫إنجلترا تحتكر إنتاج الصوف في شمالي أوربا؛ وكانت ترسل معظم منسوجاتها منه‬
‫إلى فالندرز ‪ .‬ومن أجل هذا ارتبطت هذه البالد بعجلتها في شئون السياسة‬
‫أسماء ألنواع مختلفة من ألاقمشة ‪ Worstead‬والحرب واشتقت من اسم وورستد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الصوفية‪ .‬وكانت أسبانيا تنتج نوعا جيدا من الصوف‪ ،‬وكانت أغنام املرينو التي‬
‫ً‬
‫‪.‬بها مصدرا من مصادر دخلها القومي‬

‫وكان العرب قد أدخلوا إنتاج الحرير ونسج ه في أسبانيا في القرن الثامن كما‬
‫أدخلوها في إيطاليا في القرن التاسع‪ ،‬وواصلت مدائن بلنسية‪ ،‬وقرطاجنة‪،‬‬
‫ً‬
‫وأشبيلية‪ ،‬ولشبونة‪ ،‬وبالرمة‪ ،‬ذلك الفن بعد أن أضحت بالدا مسيحية‪،‬‬
‫واستقدم روجر الثاني النساجين اليونان واليهود من كورنثة وطيبة اليونانيتين‬
‫إلى بالرمه في عام ‪ ، 5510‬وأسكنها أحد قصورها‪ ،‬وبفضل هؤالء الرجال وأبنائهم‬

‫‪85‬‬
‫انتشرت تربية دودة القز في جميع أنحاء إيطاليا؛ ونظمت لوكا صناعة الحرير على‬
‫نطاق رأسمالي واسع‪ ،‬كانت تنافسها فيها مدائن فلورنس‪ ،‬وميالن‪ ،‬وجنوى ‪،‬‬
‫ومودينا‪،‬‬
‫ً‬
‫وبولونيا‪ ،‬والبندقية؛ وتخطت هذه الصناعة جبال ألالب وأن تجت صناعا مهرة في‬
‫‪.‬زيورخ‪ ،‬وباريس‪ ،‬وكولوني‬

‫وكان في ميدان صناعات العصور الوسطى مئات من مختلف الحرف ألاخرى منها‬
‫حرفة طالء آلانية الخزفية بطبقة زجاجية وذلك برش سطوحها وهي مبللة‬
‫بالرصاص ثم حرقها في نار غير شديدة؛ فإذا أرادوا أن يكون لون سطحها ألاملس‬
‫البراق أخ ضر ال أصفر أضافوا النحاس أو البرنز إلى الرصاص‪ .‬وملا أضحت املباني‬
‫والنيران كثيرة ألاكالف في مدن القرن الثالث عشر املطردة النماء حلت قطع‬
‫القرميد محل السقف املصنوعة من القش‪ ،‬وفرضت مدينة لندن هذا التغيير‬
‫على سكانها في عام ‪ . 5252‬وما من شك في أن الحرف املتصلة با لبناء كانت‬
‫متقدمة ألن طائفة من أمتن املباني الباقية في أوربا آلان يرجع تاريخها إلى هذا‬
‫العهد‪ .‬وكان الزجاج يصنع للمرايا‪ ،‬والنوافذ‪ ،‬وألاواني‪ ،‬ولكنه كان يصنع في نطاق‬
‫ضيق إذا قيس إلى غيره من املصنوعات‪ ،‬وكانت الكنائس تحتوي على أحسن ما‬
‫صنع من أنواع الزجاج أما ال بيوت فلم يكن فيها ش يء منه‪ .‬وكانت صناعة الزجاج‬
‫بالنفخ معروفة في أوربا الغربية منذ القرن الحادي عشر إن لم يكن قبله‪ ،‬ولعل‬
‫هذا الفن لم يختف قط من إيطاليا منذ أن بلغ ذروة مجده في أيام الدولة‬
‫الرومانية‪ .‬أما الورق فقد ظل حتى القرن الثاني عشر يستورد من بالد الشرق‬
‫ً‬
‫‪ Ravensburg‬إلاسالمية أو من أسبانيا‪ ،‬ولكن مصنعا للورق افتتح في رافنزيرج‬
‫بأملانيا في عام ‪ ، 5509‬وبدأت أوربا في القرن الثالث عشر تصنع الورق من النيل‪.‬‬
‫ً‬
‫وكانت الجلود من أهم السلع في التجارة الدولية‪ ،‬كما كان دبغها منتشرا في كافة‬

‫‪86‬‬
‫ألانحاء‪ .‬وكان صناع القفازات والسروج‪ ،‬وأكياس النقود‪ ،‬وألاحذية وألاساكفة من‬
‫ً‬
‫أبرز الناس وأكثرهم تنافسا ‪ .‬وكانت الفراء تستورد إلى داخل أوربا من الشمال‬
‫والشرق ‪ ،‬وكانت من مالبس امللوك وألاشراف والطبقة الوسطى‪ .‬وكانت الخمر‬
‫والجعة تستخدمان بدل وسائل التدفئة املركزية‪ ،‬وكانت‬
‫ً‬
‫كثير من املدن أرباحا طا ئلة من احتكار البلديات لصناعة الخمور‪ ،‬وكانت أملانيا‬
‫‪.‬في ذلك العهد قد تزعمت العالم في الصناعة القديمة‬

‫ويرجع معظم رخاء مدينة همبورج في القرن الرابع عشر إلى معاصرها الخمسمائة‬
‫والى بيع منتجاتها‪ ،‬وبقيت الصناعات بوجه عام‪ ،‬إذا استثنينا منها صناعة‬
‫النسيج‪ ،‬في مرحل ة الصناعات اليدوية‪ ،‬فكان الصناع الذين يعملون للسوق‬
‫املحلية ‪ -‬كالخبازين‪ ،‬وألاساكفة‪ ،‬والحدادين‪ ،‬والنجارين ومن إليهم ‪ -‬هم املالكين‬
‫ً‬
‫ألدواتهم وثمار عملهم‪ ،‬وظلوا أحرارا من الناحية الفردية‪ .‬وكانت معظم‬
‫الصناعات ال تزال تقوم في بيوت العمال أو الحوانيت املالصقة لبيوت هم؛ وكانت‬
‫ً‬
‫كثير من ألاسر تؤدي لنفسها كثيرا من ألاعمال التي توكل آلان للحوانيت أو‬
‫املصانع ‪ -‬كانت تصنع خبزها‪ ،‬وتنسج ثيابها‪ ،‬وتخصف نعالها‪ .‬وكانت خطى التقدم‬
‫في هذه الصناعة املنزلية بطيئة؛ وكانت ألادوات ساذجة‪ ،‬وآلاالت قليلة‪ ،‬ولم تكن‬
‫دوافع املنافسة والكسب مما يحف ز الناس على إلانتاج أو على استبدال القوة‬
‫آلالية باملهارة البشرية؛ ومع هذا فلربما كان هذا النظام هو أحسن صورة من‬
‫ً‬
‫التنظيم الصناعي في التاريخ كله‪ .‬نعم إن إنتاجه كان بطيئا ‪ ،‬ولكن أكبر الظن أن‬
‫ً‬
‫ما كان يبعثه في نفوس الصناع من رضا وقناعة كان عاليا إذا قيس بغيره م ن‬
‫ً‬
‫العصور‪ .‬فقد بقي العامل قريبا من أسرته‪ ،‬وكان هو الذي يحدد ساعات عمله‬
‫ويحدد بقدر ما ثمن ما يصنع؛ وكان إعجابه بمهارته يسمو بخلقه ويبعث فيه‬

‫‪87‬‬
‫ً ً‬ ‫ً‬
‫الثقة بنفسه؛ وكان فنانا وصانعا معا ؛ وكان يغتبط اغتباط الفنان حين يرى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ .‬الش ي الكامل الذي يصنعه يتشكل شيئا فشيئا بين يديه‬

‫الفصل الثالث‬

‫النقود‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأحدث هذا التوسع العظيم في التجارة والصناعة انقالبا كبيرا في ألاعمال‬
‫املالية‪ ،‬فأما التجارة فلم يكن في مقدورها أن تتقدم ما دامت قائمة على‬
‫ً‬
‫املبادلة‪ ،‬بل أضحت تتطلب مستوى ثابتا للقيم‪ ،‬وواسطة للتبادل سهلة‪ ،‬ووسيلة‬
‫‪ .‬ميسرة مف توحة الستثمار ألاموال‬

‫‪88‬‬
‫وكان من حق سادة إلاقطاع وكبار رجال الدين في القارة ألاوربية في عهد إلاقطاع‬
‫أن يسكوا النقود‪ ،‬ولهذا عانى الاقتصاد ألاوربي ألامرين من جراء الفوض ى‬
‫النقدية التي كانت أسوأ من فوض ى هذه ألايام؛ وزادت هذه الفوض ى النقدية‬
‫بفعل مزيفي العملة وقا رضيها‪ ،‬وكان امللوك يأمرون بأن تقطع أطراف من‬
‫يرتكبون هذه ألاعمال أو أعضاؤهم التناسلية أو أن تقلى أجسامهم وهم‬
‫ً‬
‫أحياء( ‪ ،) 99‬ولكن امللوك أنفسهم كثيرا ما كانوا يخفضون قيمة نقدهم ‪ .‬وقل‬
‫وجود الذهب بعد أن فتح املسلمون بالد الشرق ‪ ،‬فكان النقد بأجمعه بين القرنين‬
‫الثان ي والثالث عشر يصنع من الفضة أو املعادن الخسيسة‪ ،‬ذلك أن الذهب‬
‫‪ .‬والحضارة يتالزمان كثرة وقلة‬

‫على أن العملة الذهبية ظلت تضرب في إلامبراطورية البيزنطية طوال العصور‬


‫الوسطى؛ وملا أن كثر الاتصال بين الغرب والشرق أخذت النقود البيزنطية‬
‫في بالد الغرب‪ ،‬أخذت هذه النقود يتعامل ‪ Bezants‬الذهبية املعروفة بالبيزان ط‬
‫بها في كافة أنحاء أوربا‪ ،‬وكان لها من الاحترام في العالم املسيحي أكثر ما لسائر‬
‫النقود‪ .‬وملا رأى فردريك الثاني ما للعملة الذهبية املستقرة في بالد الشرق ألادنى‬
‫من أثر طيب في تلك البالد سك في إيطاليا أولى العمالت الذهبية في أوربا‬
‫ً‬
‫مقلدا بهذا في صراحة نقد ‪ Augustales‬الغربية‪ .‬وسمي هذه العملة أوغسطالس‬
‫ً‬
‫أغسطس ومكانته‪ .‬والحق أنها كانت خليقة بهذه التسمية‪ ،‬ألنها‪ ،‬وإن كانت تقليدا‬
‫لعملة الشرق ‪ ،‬كانت ذات طابع فخم‪ .‬وسمت من فورها إلى أعلى مستوى في فن‬

‫‪89‬‬
‫املسكوكات في العصور الوسطى ؛ وأصدرت جنوى وفلورنس في عام ‪5219‬‬
‫مسكوكات ذهبية؛ وكان الفلورين الفلورنس ي‪ ،‬الذي تعادل قيمته زنة رطل من‬
‫الفضة أجمل وأبقى هذه املسكوكات‪ ،‬وكان يقبل في جميع أنحاء أوربا؛ ولم يحل‬
‫عام ‪ 5211‬حتى كان لجميع دول أوربا الكبرى ‪ ،‬ما عدا إنجلترا‪ ،‬عملة ذهبية يوثق‬
‫بها ‪ -‬وذلك جهد عظيم مشكور ضحى به في الفوض ى الضاربة أطنابها في القرن‬
‫‪.‬العشرين‬

‫وقبل أن يختتم القرن الثالث عشر كان ملوك فرنسا قد ابتاعوا أو صادروا كل‬
‫ما لسادة إلاقطاع من حقوق تخول لهم سك العملة إال القليل الذي ال يكاد‬
‫يستحق الذكر من هذه الحقوق ‪ ،‬وظل نظام النقد الفرنس ي ح تى عام ‪5010‬‬
‫ً‬
‫محتفظا باملصطلحات التي وضعها له شا رملان‪ ،‬وإن لم يحافظ على قيمتها؛ فكان‬
‫من الجنيه‪ slash30 ،‬وهو ‪ (sou) 5‬أو الجنيه الفض ي‪ ،‬والصلدي )‪ (Livra‬فيه الليرا‬
‫من الصلدي‪ .‬وأدخلت غارة الرومان هذا النظام ‪ slash12‬وهو ‪ (denier) 2‬والدينار‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫النقدي في إنجلترا‪ ،‬وفيها أيضا كان الجنيه إلانجليزي يقسم عشرين قسما يسمى‬
‫واحدها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫شلنا ‪ ،‬ويقسم كل منها اثنى عشر قسما ‪ -‬هي البنسات‪ .‬وأخذ إلانجليز ألفاظ‬
‫ولكنهم ‪ pfenning, schilling, pfund‬من ألاسماء ألاملانية ‪penny, shilling, pound‬‬
‫من سليدس ‪ Libra ،S‬من لبرا ‪ L‬أخذوا الرموز الدالة عليها من اللغة الالتينية‬
‫‪ ،‬ولم يكن إلنجلترا عملة ذهبية إال في عام ‪ denarius‬من ديناريوس ‪solidus ،d‬‬
‫‪ ، 5919‬غير أن عملتها الفضية التي قررها هنري الثاني ( ‪ ) 5510 - 5511‬ظلت أكثر‬
‫ً‬
‫العمالت استقرارا في أوربا‪ .‬وضرب املارك الفض ي في أملانيا في القرن العاشر‪،‬‬
‫‪ .‬وجعلت قيمته نصف قي مة الجنيه الفرنس ي أو البريطاني‬

‫‪90‬‬
‫ولكن النقد في العصور‪ ،‬رغم هذا التطور كله‪ ،‬قد القى ألامرين من جزاء تقلب‬
‫قيمته‪ ،‬وعدم ثبات نسبة الفضة إلى الذهب‪ ،‬وحق امللوك واملدن ‪ -‬وألاشراف‬
‫ورجال الدين في بعض ألاحيان ‪ -‬في جمع النقود كلها في أي وقت‪ ،‬وتقاض ى أجر‬
‫على إعادة سكها‪ ،‬وإصدار عملة جديدة مخفضة تزداد فيها نسبة املعدن‬
‫الخسيس‪ .‬وتأثر النقد ألاوربي كله ملا أصابه من انحطاط في فترات غير منتظمة‬
‫لعدم أمانة دور الضرب‪ ،‬وازدياد مقدار الذهب أسرع من ازدياد مقدار السلع‪،‬‬
‫ً‬
‫وسهولة أداء الديون الوطنية بالعملة املخفضة‪ .‬ولنضرب لذلك مثال الجني ه‬
‫الفرنس ي فلم تكن قيمته في عام ‪ 5010‬تزيد على ‪ 5.2‬في املائة مما كانت عليه أيام‬
‫شا رملان( ‪ .) 92‬وفي وسعنا أن نحكم على مقدار انخفاض قيمة النقد من ذكر أثمان‬
‫ً‬
‫بعض السلع التي تعد نموذجا لغيرها‪ :‬من ذلك أن الاثنتي عشرة بيضة كان ثمنها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في رافنا عام ‪" 5210‬بنسا " واحدا ؛ وكان ثمن الخنزير في لندن عام ‪ 5921‬أربعة‬
‫ً‬
‫شلنات‪ ،‬وثمن الثور خمسة عشر شلنا ( ‪) 99‬؛ وكان رأس الضأن في فرنسا في القرن‬
‫الثالث عشر يشتري بثالثة فرنكات‪ ،‬والخنزير‬
‫ً‬
‫‪ .‬يشتري بستة( ‪) 91‬؛ فالنقد يزداد تضخما على مر العصور‬

‫بقي أن نعرف مصدر النقود الالزمة لتمويل التجارة وا لصناعة وتوسيع نطاقها‪.‬‬
‫لقد كان أهم مصدر منفرد لهذا املال هو الكنيسة‪ ،‬وذلك بفضل ما كان لها في‬
‫جمع املال من نظام ال يدانيه نظام سواه‪ ،‬وكان لديها على الدوام رأس مال سائل‬
‫تستطيع توجيهه في جميع ألاوقات ألي غرض تشاء‪ .‬وكانت الكنيسة أعظم قوة‬
‫مالية في العالم املسيحي ‪ ،‬ويضاف إلى هذا أن كثيرين من ألافراد كانوا يودعون‬
‫أموالهم أمانات في الكنائس وألاديرة‪ .‬وكانت الكنيسة تقرض من أموالها ألافراد‬
‫والهيئات في أوقات الشدة‪ ،‬وكان أكثر من يقترضون املال هم القرويين الذين‬
‫يرغبون في إصالح ضياعهم‪ ،‬وكانت الكنائس وألاديرة بمثابة مصارف عق ارية‪،‬‬

‫‪91‬‬
‫وكان لها فضل في تكوين طبقة الزراع ألاحرار( ‪ ،) 90‬وكانت منذ عام ‪ 5909‬تقرض‬
‫املال للمالك املجاورين لها نظير حصة من ريع أمالكهم( ‪ ،) 90‬وقد أصبحت ألاديرة‬
‫بهذه الفروض املضمونة برهون أولى هيئات إلافراض في العصور الوسطى‪ .‬وكان‬
‫في فرنسا ي قوم بعمل مصرفي بلغ من اتساع نطاقه أن ‪ St. Andre‬دير سانت أندريه‬
‫كان يستأجر املرابين اليهود ليؤدوا للملوك وألامراء‪ ،‬وألاشراف‪ ،‬والفرسان‪،‬‬
‫والكنائس‪ ،‬واملطارنة؛ وربما كانت أعمال الرهن التي يقوم بها هؤالء الفرسان‬
‫‪.‬أوسع ألاعمال املالية التي من هذا النوع في القرن الثالث عشر‬

‫غير أن هذه القروض التي تقدمها الهيئات الكنسية كانت في العادة تستخدم‬

‫في الاستهالك أو في ألاغراض السياسية‪ ،‬وقلما كانت تستخدم في تمويل الصناعة‬


‫ً‬
‫أو التجارة‪ .‬وبدأ الائتمان التجاري حينما كان الفرد أو ألاسرة يستودع التاجر ماال‬
‫أو يعهد إليه به يستخدمه في رحلة بحرية معينة أو مشروع معين على أن ينال في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نظير هذا جزءا من املكسب‪ ،‬وكان هذا العمل يسمى في العالم املسيحي إيداعا‬
‫وكان هذه النظام ‪ -‬نظام الشريك "املوص ي" طريقة رومانية قديمة ‪Commenda.‬‬
‫أكبر الظن أن العالم املسيحي الغربي عاد فتعلمها من الشرق البيزنطي‪ .‬وكان من‬
‫شأن هذه الطريقة النافعة ‪ -‬طريقة الاشتراك في املكسب دون مخالفة أوامر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الكنيسة التي تحرم الربا ‪ -‬أن تنتشر انتشارا واسعا ؛ وبذلك استحالت‬
‫أي الاشتراك في الخبز‪ ،‬أو الاستثمار في داخل نطاق )‪"" (Com-panis‬الكمبانية‬

‫‪92‬‬
‫تضم عدة أشخاص ال يتحتم أن يكونوا كلهم من ذوي ‪ soietas‬ألاسرة شركة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الق ربى ويمولون طائفة أو سلسة من ألاعمال بدل أن يمولوا عمال واحدا ‪ .‬وظهر‬
‫هذا النوع من املنظمات املالية في جنوى والبندقية في أواخر القرن العاشر‪،‬‬
‫ووصل إلى درجة عليا من الرقي في القرن الثامن عشر‪ ،‬وكان من أسباب نمو‬
‫ً‬
‫التجارة إلايطالية السريع‪ .‬وكثيرا ما كانت طوائف الاستثمار هذه توزع ما تتعرض‬
‫ً‬
‫له من ألاخطار بأن تشتري "أجزاء" أي أسهما في عدد من السفن أو املشروعات في‬
‫في القرن الرابع عشر قابلة )‪ (partes‬وقت واحد‪ ،‬وملا أن أصبحت هذه ألاسهم‬
‫وكان أعظم ‪ joint stock company.‬لالنتقال‪ ،‬نشأت من هذه الشركة املحاصة‬
‫مصدر فردي لرأس ا ملال ‪ -‬أي املال الذي تؤخذ منه نفقات مشروع ما قبل أن يدر‬
‫ً‬
‫دخال ‪ -‬هو املالي املحترف‪ .‬وقد بدأ هذا املالي عمله في الزمن القديم بأن كان‬
‫ً‬
‫صرافا يبدل النقود ثم استحال من زمن بعيد إلى مراب يستثمر ماله ومال غيره‬
‫في املشروعات التجارية أو في إقراضها إلى الكنائس‪ ،‬أو ألاديرة‪ ،‬أو ألاشراف أو‬
‫امللوك‪ .‬ومما يجدر التنبيه إليه في هذا املقام أن الدور الذي كان يضطلع به‬
‫ً‬
‫اليهود في إقراض املال قد بولغ فيه كثيرا ‪ .‬لقد كان اليهودي ذوي حول‬
‫ً‬
‫وطول في أسبانيا‪ ،‬ولكنهم ظلوا زمنا ما ضعفاء في أملانيا‪ ،‬وكان يفوقهم املاليون‬
‫املسيحيون في إيطاليا وفرنسا( ‪ .) 90‬وكان أكبر مقرض مللوك إنجلترا هو وليم كيد‬
‫؛ كما كان أكبر املقرضين في فرنسا وفالندرز في القرن الثالث عشر ‪William Cade‬‬
‫في أراس( ‪) 19‬؛ وقد وصف وليم ‪ Crespin‬وكرسبان ‪ Louchard‬أسرتي لوشار‬
‫أراس في ذلك الوقت بأنها "مكتظة باملرابين"( ‪ William the Breton .) 15‬البريطوني‬
‫وكان من مراكز املال في شمالي أوربا غير املراكز السالفة الذكر مصفق أو بورصة‬
‫أي كيس) أي سوق املال في بروج‪ .‬وكان من طوائف املرابين املسيحيين ‪( bussa‬من‬

‫‪93‬‬
‫ً‬
‫إحدى مدن فرنسا الجنوبية ‪ Cahors‬طائفة أكبر من هؤالء جميعا نشأت في كاهور‬
‫‪:‬يقول ماثيو باريس في وصفها‬
‫ً‬
‫البغيض انتشارا ‪ Cohorisians‬وفي تلك ألايام ( ‪ ) 5291‬انتشر وباء الكهوريين‬
‫ً‬
‫مروعا لم يكد يبقي معه إنسان في إنجلترا كلها وبخاصة بين املطارنة إال وقع في‬
‫ً‬
‫شباكهم‪ ،‬ولقد كان امللك نفسه مدينا لهم بمبالغ ال تحص ى‪ ،‬وكانوا يخادعون‬
‫املعوزين ويحتالون عليهم في حاجاتهم‪ ،‬ويغشون ما يقومون به من أعمال الربا‬
‫‪ ).‬بستار الاتجار( ‪12‬‬

‫وعهدت البابوية شئونها املالية في إنجلترا إلى رجال املصارف الكهوريين فترة من‬
‫الزمان‪ ،‬ولكن قسوتهم أثارت غضب إلانجليز إلى حد جعلهم يقتلون أحد أفراد‬
‫تلك الطائفة في أكسفورد‪ ،‬ولعنهم روجر أسقف لندن‪ ،‬ثم نفاهم هنري الثالث من‬
‫أسقف لنكلن وهو على فراش ‪ Robert Groseteste‬إنجلترا‪ ،‬وندد ربرت جروستست‬
‫ً‬
‫املوت بابتزاز "التجار والصيارفة من رجال موالنا البابا" الذين هم "أغلظ أكيادا‬
‫‪ ).‬من اليهود"( ‪19‬‬

‫وكان إلايطاليون هم الذين ارتقوا باألعمال املصرفية في القرن الثالث عشر إلى‬
‫درج ة لم يكن لها مثيل من قبل‪ .‬فقد نشأت أسر مصرفية عظيمة لتمد التجارة‬

‫إلايطالية الواسعة النطاق باملال وهو عصب حياتها‪ :‬ومن هؤالء أسرتا‬
‫وأسر فرسكوبلدي ‪ Siena‬في سينا ‪ Gallerani‬وجلراني ‪ Buonsignori‬بونسنيوري‬
‫‪ Pisani‬في فلورنس‪ ،‬وأسرتا بيزاني‪ ، Peruzzi ،‬وبروزي ‪ ، Bardi‬وباردي‪Frescobaldi‬‬
‫في البندقية‪ ..‬وقد مدت هذه ألاسر أعمالها املالية إلى ما وراء ‪ Tiepoli‬وتيبولي‬
‫جبال ألالب‪ ،‬وكانوا يقرضون ملوك إنجلترا وفرنسا الذين ال تنقطع حاجتهم إلى‬
‫املال مبالغ طائلة‪ ،‬كما كانوا يقرضون ألاشراف‪ ،‬وألاساقفة‪ ،‬ورؤساء ألاديرة‪،‬‬

‫‪94‬‬
‫واملدن‪ .‬وكان الباب وات وامللوك يستخدمون أولئك املرابين لتحصيل إيرادهم‪،‬‬
‫وإلاشراف على دور الضرب والشئون املالية‪ ،‬والاستعانة بآرائهم في السياسة‪.‬‬
‫وكانوا يشترون الصوف‪ ،‬والتوابل‪ ،‬والحلي‪ ،‬والحرير جملة‪ ،‬ويمتلكون السفن‬
‫والنزل في أقص ى أوربا وأدناها( ‪ .) 11‬وقبل أن ينتصف القرن الثالث عشر كان‬
‫هؤالء "اللمبارد"‪ ،‬كما كان أهل الشمال يسمون جميع رجال املصارف إلايطاليين‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أعظم رجال املال في املال قوة ونشاطا ‪ .‬وكانوا قوما مكروهين من أجل ثرائهم؛ ألن‬
‫الناس في كل جيل يقترضون املال وينددون بمن يقرضونه‪ .‬وكان قيام هذه‬
‫الطائفة ضربة قاصمة وجهت إلى رجال امل صارف الدوليين اليهود‪ ،‬ولم يتورع‬
‫أفرادها عن أن يشيروا بنفي منافسيهم ذوي الصبر والجلد( ‪ .)11‬وكان أقوى‬
‫ً‬
‫"اللمبارد" جميعا هم شركات املصارف الفلورنسية‪ ،‬وفي وسعنا أن نعد منها‬
‫ثمانين شركة بين عامي ‪ 5209‬و ‪ . 5910‬وكانت هذه الشركات تمول عملها الحمالت‬
‫ً‬
‫السياسية والحربية ا لتي يقوم بها البابوات وتجنى من وراء عملها هذا أرباحا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫طائلة‪ ،‬وكانت من حيث هي املصارف التي تمد البابوات باملال ستارا نافعا لتلك‬
‫العمليات التي قلما كانت تتفق مع آراء الكنيسة عن الربا‪ .‬وكانت تجنى من ألارباح‬
‫ما ال يكاد يقل عن أرباح املصارف في هذه ألايام؛ مثا ل ذلك أن شركة بروزي‬
‫ً‬
‫‪ ).‬وزعت على املساهمين فيها أرباحا قدرها أربعون في املائة في عام ‪10 ( 5991‬‬

‫ولكن هذه الشركات إلايطالية كادت تكفر عن نهمها بما كانت تؤديه من الخدمات‬
‫الحيوية للتجارة والصناعة‪ .‬وملا أخذ نجمها في ألافول خلفت وراءها في جميع‬
‫ً‬
‫‪ banco, credito, debito,‬اللغات ألاوربية تقري با بعض مصطلحاتها وهي ألفاظ‬
‫ومعناها ‪cassa, conto, disconto, conto corrente, netto, bilanza, banca rotta‬‬
‫على التوالي املصرف‪ ،‬والدائن‪ ،‬واملدين‪ ،‬وصندوق النقد أي الخزانة‪ ،‬والحساب‪،‬‬
‫‪ ).‬والخصم‪ ،‬والحساب الجاري ‪ ،‬والرصيد‪ ،‬وامليزان الحسابي‪ ،‬وإلاف الس( ‪11‬‬

‫‪95‬‬
‫وكانت الشركات املصرفية الكبرى في البندقية وفلورنس‪ ،‬وجنوى في أثناء القرن‬
‫الثالث عشر أو قبله تقوم بجميع ألاعمال التي تقوم بها املصارف في هذه ألايام‬
‫كما تدل على ذلك ألالفاظ السالفة الذكر‪ .‬فكانت تقبل الودائع‪ ،‬وتفتح‬
‫الحسابات الجارية بين الجماعات التي تقوم بسلسلة من ألاعمال املالية لم تصل‬
‫بعد إلى نهايتها‪ ،‬وكان مصرف البندقية منذ عام ‪ 5505‬ينظم تبادل الحسابات بين‬
‫عمالئه بعمليات مقصورة على عمليات إمساك الدفاتر( ‪ .) 10‬وكانت تقرض املال‪،‬‬
‫ً‬
‫وتقبل ضمانا له الحلي‪ ،‬والدروع الغالية الثمن‪ ،‬والقراطيس املالية الحكومية‪،‬‬
‫أ و حق جباية الضرائب أو تدبير شئون إلايرادات‪ .‬وكانت تخزن البضائع املعدة‬
‫للنقل إلى خارج البالد‪ .‬وكان في مقدورها بفضل عالقاتها الدولية أن تصدر‬
‫خطابات الاعتماد التي يستطاع بها تسليم املال املودع في بلد ما إلى مودعه أو من‬
‫ً‬
‫ينيبه عنه في بلد آخر ‪ -‬وهي وسيلة مصرفية ا ملعبد( ‪ .) 19‬وكانت تقوم أيضا بعكس‬
‫ً‬
‫هذه العملية فتكتب السفاتج‪ :‬فكان التاجر إذا أخذ بضاعة أو قرضا ‪ ،‬يكتب على‬
‫ً‬
‫نفسه صكا بأن يسدد ما عليه إلى الدائن قبل وقت معين في إحدى ألاسواق‬
‫املوسمية الكبرى أو في إحدى املصارف الدولية‪ .‬وكانت هذه الصكوك تسوى‬
‫ً‬
‫بعضها مع بعض في ال سوق املوسمية أو املصرف بحيث ال يؤدي نقدا إال صافي‬

‫الحساب بعد التسوية‪ .‬وبهذه الطريقة أصبحت مئات العمليات املالية والتجارية‬
‫تسوى من غير أن يكلف املتعاملون أنفسهم مشقة حمل مبالغ طائلة وأثقال‬
‫كبيرة من النقد أو تبادلها‪ .‬وملا أصبحت املراكز املصرفية بيوت مقاصة‪ ،‬وفر رجال‬
‫املصارف على أنفسهم عناء الذهاب إلى ألاسواق املوسمية‪ ،‬فكان في وسع التجار‬
‫املقيمين في سائر أنحاء أوربا أن يسحبوا ألاموال من حساباتهم في مصارف‬
‫إيطاليا ثم تسوى حساباتهم بعمليات إمساك الدفاتر بين املصارف املختلفة‪.‬‬
‫وبهذه الطريقة زادت فائدة النقود وزاد تداولها عشرة أضعاف ما كانت عليه‬

‫‪96‬‬
‫قبل‪ .‬ولم يكن "نظام الائتمان" ‪ -‬الذي قام على أساس الثقة املتبادلة أقل مظاهر‬
‫ً‬
‫‪.‬الثورة الاقتصادية شأنا أو أقلها داللة على الشرف وألامانة‬

‫كذلك كانت بداية نظام التأمين في القرن الثالث عشر‪ ،‬فكانت نقابات التجار‬
‫تؤمن أعضاءها من حواد ث الحريق‪ ،‬وغرق السفن‪ ،‬وغيرهما من الكوارث‬
‫وألاضرار‪ ،‬بل تعدت هذا النوع إلى تأمينهم من القضايا التي تقام عليهم لجرائم‬
‫ارتكبوها ‪ -‬سواء كان هؤالء ألاعضاء مذنبين أو بريئين( ‪ .) 15‬وكانت أديرة كثيرة‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫تعطى املؤمن مرتبا سنويا طوال حياته‪ .‬فإذا قدم لها الشخص مبلغا معين ا من‬
‫ً‬
‫املال تعهدت بأن تمده بالطعام‪ ،‬والشراب‪ ،‬وبالثياب‪ ،‬واملسكن أحيانا ‪ ،‬طوال‬
‫حياته الباقية( ‪ .) 19‬وقام أحد مصارف بروج منذ القرن الثاني عشر بالتأمين على‬
‫البضائع‪ ،‬ويبدو أن شركة قانونية للتأمين قد أسست في هذا البلد عام‬
‫‪ .) 11 ( 5959‬وكان آل باردي في فلورنس يؤمنون ألا قمشة التي تنقل بطريق البر من‬
‫‪.‬ألاخطار التي تتعرض لها في الطريق‬

‫وأصدرت مدينة البندقية أولى السندات الحكومية في عام ‪ ، 5510‬وكان سبب‬


‫ً‬
‫إصدارها أن مطالب الحرب اضطرت هذه الجمهورية أن تطلب قروضا إجبارية‬
‫من أهلها‪ - ،‬وأنشئت إدارة خاصة لتسليم هذه القروض ‪ ، -‬ثم تعطى م ن يقدمونها‬
‫شهادات تكون بمثابة ضمان من الحكومة بسداد هذه القروض‬
‫ً‬
‫مضافا إليها فائدة‪ .‬وأصبحت هذه السندات الحكومية بعد عام ‪ 5290‬قابلة‬
‫للتحويل والانتقال من يد إلى يد‪ ،‬وكان من املستطاع بيعها أو شراؤها أو اتخاذها‬
‫ً‬
‫ضمانا للديون ‪ .‬وكانت شهادات مثلها منصوص فيها على مديونية البلدية في كومو‬
‫عام ‪ 5219‬على أنها مساومة لقدر معين من النقود املعدنية‪ .‬وغذ لم تكن ‪Como‬‬

‫‪97‬‬
‫ً‬
‫أوراق النقد إال وعدا من الحكومة بالدفع‪ ،‬فإن هذه الشهادات الذهبية القابلة‬
‫‪ ).‬للتحويل تعد بداية أوراق النقد في أوربا( ‪11‬‬

‫وتطلبت العمليات املعقدة الخاصة بأصحاب املصا رف‪ ،‬والبابوات‪ ،‬وامللوك‪،‬‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫نظاما دقيقا إلمساك الدفاتر‪ .‬ولذلك امتألت املحفوظات‪ ،‬ودفاتر الحسابات‪،‬‬
‫وبسجالت إلايجار‪ ،‬والضرائب‪ ،‬وألاموال الواردة واملنصرفة‪ ،‬والديون التي‬
‫ألصحابها أو عليهم‪ .‬وقد بقيت طرق املحاسبة‪ ،‬التي كانت متبعة في روما في عهد‬
‫إلامبراطورية‪ ،‬متبعة في القسطنطينية بعد أن ضاعت منذ القرن السابع في أوربا‬
‫الغربية؛ ومن هذه املدينة أخذها العرب‪ ،‬ثم عادت إلى الوجود في إيطاليا أثناء‬
‫الحروب الصليبية‪ :‬وإنا لنجد في الحسابات العامة ملدينة حنوي في عام ‪5919‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نظاما كامال لطريقة الدوبيا ‪ -‬القيد املزدوج ‪ -‬وإن ضياع سجالت جنوى الخاصة‬
‫ً‬
‫باألعوام املحصورة بين ‪ 5201‬و ‪ 5919‬ليترك لدينا مجاال للترجيح على أن هذا‬
‫ً‬
‫‪ ).‬التقدم كان أيضا من ألاعمال املجيدة التي ظهرت في القرن الثالث عشر( ‪10‬‬

‫الفصل الرابع‬

‫الربا‬
‫كانت العقيدة الدينية املسيحية في الربا أكبر العقبات في نمو النظام املصرفي‬
‫وتقدمه ‪ .‬وكان لهذه العقيدة عند املسيحيين ثالثة مصادر‪ :‬طعن أرسطو على الربا‬
‫وقوله إنه عمل غير طبيعي إذ هو توليد املال للمال( ‪ ،) 10‬وطعن املسيح على‬
‫الربا( ‪ ،) 11‬ومعارضة آباء الكنسية لألعمال التجارية وللربا في روما‪ .‬أما القانون‬

‫‪98‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الروماني فقد شرع الربا وكان "رجال شرفاء" أم ثال بروتس يتقاضون ربا فاحشا‬
‫قد عارض النظرية القائلة إن من حق ‪ Ambrouse‬على أوالهم‪ .‬وكان أمبروز‬
‫‪:‬إلانسان أن يفعل بماله ما يشاء إذ قال‬

‫أتقول "إنه ملكي"؟ أال فقل لي ماذا تملك؟ أي ثروة جئت بها معك حين خرجت‬
‫من بطن أمك؟ إن ما تأخذه فوق كفايتك إنما تأخذه بالعنف ‪ .‬فهل هللا ظالم إذ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لم يوزع وسائل العيش بيننا بالتساوي فتنال أنت منها حظا موفورا ويبقى غيرك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫محتاجا فقيرا ؟ أو هل ألاصح من هذا أنه أراد أن يحبوك بدالئل حنوه عليك‪ ،‬في‬
‫الوقت الذي وهب الذي وهب غيرك من الناس فضيلة الصبر؟ وإذن فهل تظن‬
‫أنت يا من وهبك هللا نعمته أنك ال ترتكب الظلم حين تحتفظ لنفسك أنت‬
‫وحدك بما يمنك أن يكون مصدر الحياة لكثير من الناس؟ إن الذي تقبض عليه‬
‫بيدك هو خبز الجياع‪ ،‬وإن ما تخزنه هو كساء العرايا‪ ،‬وإن املال الذي تكتنزه لهو‬
‫‪ ).‬الذي ينقذ الفقراء من بؤسهم( ‪10‬‬

‫واقترب غير أمبروز من آباء الكنسية من ا لشيوعية؛ فها هو ذا كلمنت إلاسكندري‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫يقول ‪" :‬إن الانتفاع بكل ما في العالم يجب أن يكون حقا مشاعا للناس جميعا ‪.‬‬
‫ً‬
‫ولكن الناس يظلم بعضهم بعضا إذ يقول واحد منهم إن هذه الش يء ملكه‪،‬‬
‫ويقول آلاخر إن ذاك له‪ ،‬وهكذا حدث الانقسام بين الناس"( ‪ .) 09‬وكان جيروم‬
‫يرى أن الكسب كله حرام‪ ،‬كما كان أوغسطين يرى أن جميع "ألاعمال" املالية إثم‬
‫ألنها تصرف الناس عن السعي للراحة الحقة‪ ،‬أعني هللا"( ‪ .) 05‬وكان البابا ليو‬
‫ألاول قد رفض هذه العقائد املتطرفة‪ ،‬ولكن الكنسية ظلت ال تعطف على‬
‫التجارة‪ ،‬وترتاب في جميع أنواع املضاربات واملكاسب‪ ،‬وتعارض جمي ع صنوف‬

‫‪99‬‬
‫"الاحتكار" و"الجبء" و"الربا"‪ .‬وكان هذه اللفظ ألاخير يطلق في العصور الوسطى‬
‫ً‬
‫على فائدة املال أيا كان قدرها‪ ،‬وفي ذلك يقول أمبروز‪" :‬الربا هو كل مال يضاف‬
‫هذا التعريف الجامد في ‪ Gratian‬إلى رأس املال"( ‪ ،) 02‬وقد أدخل جراتيان‬
‫‪ .‬القانون الكهنوتي الذي تسير عليه ا لكنيسة‬

‫‪ ،‬وكليش ي ( ‪ Macon ) 020‬وكانت مجامع نيقية ( ‪ ،) 921‬وأورليان ( ‪ ،) 191‬وماسون‬


‫وقد حرمت على رجال الدين أن يقرضوا املال ليكسبوا بإقراضه‪ ،‬وتوسعت‬
‫قوانين شا رملان الصادرة في عام ‪ 010‬ومجالس الكنيسة التي عقدت في القرن‬
‫التاسع‪ ،‬في هذا التحريم حتى شمل غير رجال الدين؛ فلما أن عاد القانون‬
‫‪ Irnerius‬الروماني إلى الوجود في القرن الثاني عشر شجعت عودته إرنريوس‬
‫و"الشراح" في بولونيا على الدفاع عن الربا‪ .‬وكان في وسعهم أن يؤيدوا حججهم‬
‫بما جاء في قانون جستنيان‪ ،‬ولكن مجلس التران الثالث ( ‪ ) 5500‬جدد هذا‬
‫التحريم وقرر "أن الذين يجهرون ب الربا ال يقبلون في العشاء الرباني‪ ،‬وإذا ماتوا‬
‫وهو على إثمهم ال يدفنون دفن املسيحيين‪ ،‬وليس لقسيس أن يقبل‬
‫صدقاتهم"( ‪ .) 09‬وما من شك في أن إنوسنت الثالث كان يرى‬
‫ً‬
‫رأيا أقل صرامة من هذا‪ ،‬ألنه أشار في عام ‪ 5290‬بأن "يعهد ببائنة الزوجة في‬
‫بعض الحاالت إلى تاجر من ال تجار" لكي تحصل منها على دخل بطريق الكسب‬
‫الشريف"( ‪ .) 01‬غير أن جريجوري التاسع عاد إلى القول بأن الربا هو كل ما يناله‬
‫إلانسان من كسب نظير قرض( ‪ ،) 01‬وظل هذا الرأي قانون الكنيسة الرومانية‬
‫‪ .‬حتى عام ‪5050‬‬

‫وكانت ثروة الكنيسة في ألارض ال في التجارة‪ ،‬فقد كانت تزدري ال تجار كما يزدريهم‬
‫سادة إلاقطاع‪ ،‬أما ألارض والعمل (وتدخل فيه إلادارة) فكان يبدو لها أنهما‬

‫‪100‬‬
‫وحدهما مصدر كل الثروة وكل القيم‪ ،‬وكانت تنظر بعين السخط إلى سلطان‬
‫طبقة التجار وثرائها املتزايدين ألن هذه الطبقة لم تكن تميل إلى املالك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إلاقطاعيين وال إلى الكنيسة؛ وقد ظل ت قرونا طوالا تظن أن جميع املرابين يهود‪،‬‬
‫وترى من حقها أن تبدي سخطها على الشروط الصارمة التي يفرضها املرابون‬
‫على الهيئات واملعاهد الدينية التي تحتاج إلى املال‪ .‬ويمكن القول بوجه عام إن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ما بذلته الكنيسة من جهود لإلشراف على طرق الكسب كان عمال مقرونا‬
‫بالشجا عة يهدف إلى تثبيت قواعد ألاخالق املسيحية‪ ،‬ويسمو على ما كان يدنس‬
‫الحياة والشرائع اليونانية والرومانية من سجن املدين أو استرقاقه‪ ،‬ولسنا‬
‫ً‬
‫واثقين من أن الناس في هذه ألايام أسعد حاال مما عساهم أن يكونوا لو عملوا‬
‫‪.‬برأي الكنيسة في الربا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وظل تشريع الحكومات زمنا طويال يؤيد موقف الكنيسة في هذه الناحية‪ ،‬وكانت‬
‫ً‬
‫املحاكم املدنية نفسها تحرم الربا( ‪ ،) 00‬ولكن تبين أن حاجات التجارة أقوى أثرا‬
‫من خشية السجن أو الجحيم‪ .‬ذلك أن اتساع نطاق التجارة والصناعة تطلب‬
‫استخدام املال املتعطل في املشروعات النشيطة‪ ،‬ووجدت الدول في أثناء الح رب‬
‫أو ألازمات الطارئة أن الاقتراض أيسر من فرض الضرائب؛ وكانت النقابات تقرض‬
‫املال وتقرضه بالربا‪ ،‬وكان املالك الذين يرغبون‬

‫في توسيع أمالكهم‪ ،‬أو يسافرون لالشتراك في الحروب الصليبية يرحبون باملرابي‪،‬‬
‫بل إن الكنائس نفسها وألاديرة كانت تتغلب على أزماتها‪ ،‬أو نفقا تها املتزايدة‪ ،‬أو‬
‫‪.‬حاجتها للمال بااللتجاء إلى "اللمبارد" أو الكهوريين أو اليهود‬

‫واستطاع الناس أن يجدوا بذكائهم منافذ لهم في هذا القانون ‪ ،‬من ذلك أن‬
‫املقترض كان يبيع ألارض رخيصة للمقرض‪ ،‬ويترك له حق الانتفاع بريعها نظير‬

‫‪101‬‬
‫فائدة ماله‪ ،‬ثم يعود بعدئذ فيشتري ألارض منه (البيع الوفائي)‪ .‬أو كان املالك‬
‫ً‬
‫يبيع للدائن جزءا من ريع أرضه أو دخلها‪ ،‬أو ريعها أو دخلها كلهما‪ .‬مثال ذلك أنه‬
‫إذا باع أ إلى ب ريع جزء من أرضه يغل عشر جنيهات بمبلغ مائة جنيه‪ ،‬فإن ب في‬
‫واقع ألامر يقرض أ مائة جنيه بفائدة قدرها عشرة في املائة‪ .‬وكانت أديرة كثيرة‬
‫تستثمر أموالها بهذه الطريقة ‪ -‬وبخاصة في أملانيا حيث اشتق اللفظ املقابل‬
‫من اللفظ الالتيني الذي كان يطلق في العصور الوسطى على الريع ‪ Zins‬للفائدة‬
‫ً‬
‫كذلك كانت املدن تقرض املال بأن تبيع املقرض جزءا من ‪Census(67).‬‬
‫دخلها( ‪ .) 01‬وكان ألافراد والهيئات ومنها ألادي رة تقرض املال نظير عطايا تنالها‬
‫ً‬
‫سرا أو بيوع صورية( ‪ ،) 00‬حتى لقد شكا البابا ألكسندر الثالث في عام ‪ 5509‬من‬
‫أن "كثيرين من رجال الدين (وبخاصة في ألاديرة)" يقرضون املال ملن هم في حاجة‬
‫ً‬
‫إليه‪ ،‬ويرتهنون أمالكهم ضمانا له‪ ،‬ثم يحصلون على ثمار هذه ألامالك املرتهنة‬
‫مضا فة إلى رأس املال املقرض‪ ،‬وإن كانوا يحجمون عن الربا املألوف ألنه محرم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تحريما صريحا "( ‪ .) 05‬وكان بعض املدينين يتعهدون بدفع "تعويضات" تزيد زيادة‬
‫مطردة عن كل يوم أو شهر يتأخرون فيه عن أداء الدين‪ ،‬وكان يوم السداد يحدد‬
‫ً‬
‫عمدا في أجل قريب حتى تصبح هذه الفائدة الخف ية محققة ال مفر من‬
‫أدائها( ‪ .) 05‬وكان الكهوريون يقرضون بعض ألاديرة املال على هذا ألاساس‬

‫بشروط ترفع سعر الفائدة إلى ستين في املائة في السنة ‪ .‬وكانت بعض الشركات‬
‫املصرفية تقرض املال جهرة بالربا وتدعى الحصانة من القانون ‪ ،‬ألنه في رأيها ال‬
‫ينطبق إال على ألافراد‪ ،‬ولم تكن مدن إيطاليا ترى أية غضاضة في دفع فوائد عن‬
‫ً‬
‫سنداتها الحكومية‪ ،‬وبلغ انتشار الربا حدا جعل إنوسنت الثالث يجهر في عام‬
‫‪ 5291‬بأنه لو طرد جميع املرابين من الكنيسة كما يتطلب ذلك القانون الكنس ي‪،‬‬
‫‪ ).‬لوجب إغالق الكنائس جميعها( ‪09‬‬

‫‪102‬‬
‫واضطرت الكنيسة على كره منها أن تكيف نفسها وفق الظروف الواقعية‪ ،‬فتقدم‬
‫القديس تومس أكويناس حوالي عام ‪ 5219‬بجرأة عظيمة بمبدأ كهنوتي جديد عن‬
‫ً‬
‫الربا قال فيه إن من يستثمر ماله في مشروع تجاري يحق له شرعا أن ينال‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نصيبا من ربحه إذا شارك فعال في التعرض للخسارة( ‪ ،) 01‬وفسرت الخسارة بأنها‬
‫تشمل التأ خر في أداء الدين عن تاريخ معين مشروط( ‪ .) 01‬وارتض ى القديس‬
‫ً‬
‫والبابا إنوسنت الرابع هذا املبدأ وتوسعا فيه حتى ‪ St. Bonaventura‬بونافنتورا‬
‫قاال بشرعية أداء عوض للدائن نظير ما يصيبه من الخسارة لعدم انتفاعه براس‬
‫الخامس في عام ‪ 5121‬شرعية بيع الريع‪ ،‬ثم ‪ Martin‬ماله( ‪ .)00‬وأقر البابا مارتن‬
‫ألغت معظم الدول ألاوربية بعد عام ‪ 5199‬ما وضعته من القوانين لتحريم الربا‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ولم يكن تحريم الكنيسة إال كامال مهمال يتفق جميعا على‬
‫ً‬
‫إغفاله‪ .‬وحاولت الكنيسة أن تجد حال للمسألة بتشجيعها القديس برنردينو‬
‫وغيره من رجال الدين على أن ينشئوا ابتداء من عام ‪ St. Bernardino‬الفلتري‬
‫حيث كان في وسع املحتاجين ‪ 5215 " -montes pietattis-‬ما يسمى "تالل الحب‬
‫ً‬
‫املوثوق بأمانتهم أن يحصلوا على قروض من غير فائدة إذا أودعوا شيئا لهذا‬
‫القرض‪ .‬ولكن هذه "التالل" التي كانت متقدمة ملحال الرهون الحاضرة لم تعالج‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إال جانبا صغيرا من املشكلة‪ ،‬وبقيت حاجات التجارة والصناعة كما كانت من‬
‫‪.‬قبل‪ ،‬ووجدت رؤوس ألاموال للوفاء بهذه الحاجات‬

‫وكان املرابون املحترفون يتقاضون فوائد باهضة‪ ،‬ولم يكن هذا ألنهم شياطين ال‬
‫ضمير لهم‪ ،‬بل كان سببه أنهم يتعرضون لخسارة مالهم وفقد حياتهم؛ ذلك أنهم‬
‫لم يكن في مقدورهم على الدوام أن يلزموا مدينيهم بأن يوفوا بالتزاماتهم‬
‫بالتجائهم إلى القانون ‪ ،‬وكانت مكاسبهم عرضة ألن يستولي عليها امللوك أو‬
‫ألاباطرة‪ ،‬وكانوا معرضين في أي وقت من ألاوقات لخطر النفي من البالد‪ ،‬وكانوا‬

‫‪103‬‬
‫في كل حين مكروهين ملعونين‪ .‬وما أكثر القروض التي لم ترد ألصحابها؛ وما أكثر‬
‫املدينين الذين ماتوا مفلسين‪ ،‬أو انضموا إلى جيوش الصليبيين‪ ،‬وأعفوا من أداء‬
‫ً‬
‫الفوائد‪ ،‬ثم لم يعودوا منها أبدا ‪ .‬وإذا عجز املدينون عن الوفاء‪ ،‬لم يكن في وسع‬
‫الدائنين إال أن يرفعوا سعر الفائدة على الديون ألاخرى ؛ إذ ينبغي أن تتحمل‬
‫الديون ال رابحة خسائر الديون الخاسرة كما تتحمل أثمان السلع التي تستريها‬
‫نفقات السلع التي تتلف قبل بيعها‪ .‬وكان السعر في فرنسا وإنجلترا في القرن‬
‫الثاني عشر يتراوح بين ‪ % 99‬و ‪ ،) 00 ( % 19‬وكان يبلغ في بعض ألاحيان ‪% 10‬؛ وقد‬
‫انخفض في إيطاليا في عهد الرخاء إلى ‪ % 52.1‬والى ‪ .)01 (% 29‬وحاول فردريك‬
‫الثاني حوالي عام ‪ 5219‬أن يخفض هذا السعر‬
‫ً‬
‫إلى ‪ ،% 59‬ولكنه سرعان ما أدى سعرا أعلى من هذا لدائنيه املسيحيين‪ .‬وكانت‬
‫حكومة نابلي تجيز أن يكون أعلى سعر قانوني للفائدة ‪ .) 00 (% 19‬وكان السعر‬
‫ينخفض كلما زاد ضمان القروض‪ ،‬وزادت املنافسة بين املقرضين؛ وب عد أن‬
‫تخبط الناس في ألف من التجارب وألاخطار عرفوا كيف يستخدمون ألادوات‬
‫املالية الجديدة‪ ،‬أدوات الاقتصاد التقدمي‪ ،‬وبدأ بذلك عصر املال في أثناء عصر‬
‫‪.‬إلايمان‬

‫‪104‬‬
‫الفصل الخامس‬

‫النقابات الطائفية‬
‫كان في روما عدد ال حصر له من الجماعات تطلق عليها أسماء مختلفة‪ :‬ط وائف‪،‬‬
‫وهيئات‪ ،‬واتحادات‪ ،‬ونقابات‪ .‬كانت فيها جماعات للصناع‪ ،‬والتجار واملقاولين‪،‬‬
‫وألاندية السياسية‪ ،‬وإلاخوة السرية‪ ،‬وإلاخوة الدينية‪ .‬ترى هل بقيت جماعة من‬
‫هذه الجماعات فنشأت عنها النقابات الطائفية التي كانت قائمة في العصور‬
‫‪.‬الوسطى؟‬

‫لدينا رسالتان من رسائل جريج وري ألاول ( ‪ ) 091- 109‬تشيران إلى وجود هيئة من‬
‫صناعي الصابون في نابولي‪ ،‬وأخرى من الخبازين في أترانتو؛ ونقرأ في كتاب قوانين‬
‫اللمباردي ( ‪ ) 012 - 090‬عن "الرؤساء الكوموسيين"‪ ،‬ويلوح ‪ Botharis‬امللك بوثارس‬
‫ً‬
‫ويسمي بعضهم بعضا الزمالء ‪ Como‬أن هؤالء كانوا كبار البنائين من كرمو‬
‫ً‬
‫أي الذين يزامل بعضهم بعضا في جماعة واحدة( ‪ .) 19‬وقد ورد ذكر ‪Collegantes-‬‬
‫جماعات لعمال النقل كانت قائمة في روما في القرن السابع وفي ورمز في القرن‬
‫العاشر( ‪ .) 15‬وظلت النقابات القديمة قائمة في إلامبراطورية البيزنطية ‪ -‬إلى‬
‫جماعة الخبازين في القرن السادس‪ ،‬والى هيئات املوثقين والتجار في القرن‬
‫التاسع‪ ،‬والسماكين في القرن العاشر‪ ،‬والى موردي ألاطعمة في القرن الحادي‬
‫عشر‪ .‬ونسمع عن جماعات الصناع في البندقية في القرن التاسع‪ ،‬وبجماعة‬
‫للبستانيين بروما في القرن الحادي عشر( ‪ .) 12‬وما من شك في أي أن الكثرة‬
‫الغالبة من النقابات والاتحادات في الغرب قد قضت عليها غارات القبائل‬
‫املتبربرة‪ ،‬وما أعقبها من فاقة‪ ،‬ومن عودة العمال إلى ألاعمال الزراعية‬

‫‪105‬‬
‫ولكن يبدو أن بعضها قد بقي في ملباردي؛ وملا أن عادت التجارة والصناعة إلى‬
‫الانتعاش في القرن الحادي عشر‪ ،‬كانت الظروف التي أوجدت الجماعات القديم ة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬هي التي بعثت النقابات الطائفية بعثا جديدا‬

‫ومن أجل هذا كانت النقابات الطائفية أقوى ما تكون في إيطاليا‪ ،‬حيث بقيت‬
‫الهيئات وألانظمة الرومانية القديمة حافظة لكيانها على خير وجه‪ .‬ففي فلورنس‬
‫ً‬
‫مثال نجد في القرن الثاني عشر اتحادات للحرف ‪ -‬كاملوثقين‪ ،‬وصناع املال بس‪،‬‬
‫وتجار الصدف‪ ،‬وأصحاب املصارف‪ ،‬وألاطباء‪ ،‬والصيادلة‪ ،‬والبزازين‪ ،‬وتجار‬
‫الفراء‪ ،‬والدابغين‪ ،‬وصانعي ألاسلحة‪ ،‬وأصحاب النزل ‪ ) 19 (...‬ويلوح أن هذه‬
‫النقابات الطائفية قد أنشئت على غرار نظائرها في القسطنطينية( ‪ .) 11‬ويبدو أن‬
‫تدمير الاتحادات الطائفية القديمة كان في شما ل جبال ألالب أتم منه في إيطاليا‪،‬‬
‫ً‬
‫ألاول ( ‪ ،) 099‬وشرائع ‪ Dagobert‬ولكننا مع ذلك نجد لها ذكرا في شرائع دجوبرت‬
‫شا رملان ( ‪ ،) 010 - 000‬وأوامر هنكمار كبير أساقفة ريمس ( ‪ .) 112‬وعادت النقابات‬
‫الطائفية إلى الظهور في فرنسا وفالندرز في القرن الحادي عشر‪ ،‬وسرعان ما‬
‫تضاعف عدد ها وأطلق عددها وأطلق عليها اسم "املتصدقين" أو "إلاخوة" أو‬
‫"الشركات"‪ .‬وتفرعت النقابات الطائفية (الهانز) في أملانيا من الجماعات‬
‫وهي هيئات محلية لتبادل املعونة‪ ،‬وأداء ‪ markgenossenschaften-‬القديمة‬
‫الشعائر الدينية‪ ،‬والاحتفال باألعياد‪ .‬واستحال كثير من هذه الجما عات قبل أن‬
‫يحل القرن الثاني عشر إلى اتحادات للصناعات والحرف‪ ،‬وقبل أن يحل القرن‬
‫الثالث عشر بلغت هذه الاتحادات من القوة درجة أمكنها بها أن تنازع املجالس‬
‫البلدية سلطتها السياسية والاقتصادية( ‪ ،) 11‬ولم تكن العصبة الهانسية إال‬
‫واحدة من هذه الاتحادات‪ .‬وورد ذكر الن قابات الطائفية إلانجليزية ألول مرة في‬

‫‪106‬‬
‫وهي ‪" Gegilan-‬فقد ذكر فيها لفظ "ججلدان )‪ Ine ،(688-726‬قوانين امللك أين‬
‫ً‬
‫جماعات كان ي ساعد بعضها بعضا‬

‫إلانجليسكسونية (التي ‪ gild‬فيما يفرض عليهم من مال "الفداء"‪ .‬وكانت كلمة جلد‬
‫أي النقابة الطائفية في العصور الوسطى وهي قريبة في ‪ guild‬اشتقت منها كلمة‬
‫إلانجليزيتين) تعني في أول ألامر ‪yield‬و ‪ gold‬ألاملانية وكلمتي ‪ geld‬أصلها من كلمة‬
‫الاشتراك في مال عام‪ ،‬ثم أصبحت تعني فيما بعد الاشتراك في الجماعة التي‬
‫تشرف على هذا املال‪ .‬ووردت أقدم إشارة إلى النقابات الطائفية إلانجليزية في‬
‫عام ‪ ، 5909‬ولم يحل القرن الثالث عشر حتى كان لكل مدينة مهمة في إنجلترا‬
‫ً‬
‫تقريبا نقابة طائفية أو أكثر من نقابة‪ ،‬وحتى كان نوع من "الاشتراكية النقابية"‬
‫‪.‬البلدية يسيطر على أحوال الناس في إنجلترا وأملانيا‬
‫ً‬
‫وكانت نقابات القرن الحادي عشر الطائفية جميعها تقريبا نقابات ل لتجار‪ ،‬ولم‬
‫تكن تضم إال التجار املستقلين ورؤساء العمال‪ ،‬وكانت تحرم من الانضمام إليها‬
‫جميع من يعتمدون على غيرهم‪ ،‬وكانت هيئات تعمل صراحة لفرض قيود على‬
‫التجارة‪ ،‬فكانت عادة تحمل املدن التي توجد فيها على أن تمنع بالضرائب‬
‫الجمركية الحامية املرتفعة أو بغيرها من ال وسائل دخول السلع التي تنافس ما‬
‫تصنعه هي؛ وإذا ما سمح لهذه البضائع ألاجنبية بدخول املدينة بيعت بأثمان‬
‫ً‬
‫تحددها النقابة التي تؤثر دخولها في بضائعها هي‪ .‬وكثيرا ما كانت إحدى نقابات‬
‫التجار الطائفية تحصل من املقاطعة أو امللك على ترخيص باحتكار سلعة أو سلع‬
‫في إلاقل يم الذي تعمل فيه أو الدولة كلها‪ .‬مثال ذلك أن الشركة الباريسية للنقل‬
‫التجاري املائي كادت تملك نهر السين كله‪ .‬وكانت النقابة الطائفية ترغم الصناع‬
‫عادة بأوامر تصدرها املدينة أو بالضغط الاقتصادي على أال تعمل معها أو‬
‫‪ .‬برضاها وأال تبيع ما تنتجه إال للنقابة أو عن ط ريقها‬

‫‪107‬‬
‫وأصبحت أكبر هذه النقابات على مر الزمن هيئات متحدة قوية‪ ،‬تتجر في أنواع‬
‫مختلفة من البضائع‪ ،‬وتشتري املواد الغفل جملة‪ ،‬وتؤمن التجارة من الخسائر‪،‬‬
‫وتنظم توريد الطعام ملدنها ونقل فضالتها‪ ،‬وترصف الشوارع‪ ،‬وتنش ئ‬

‫الطرق وألاحواض وتعمق املرافئ‪ ،‬وتؤمن الطرق الرئيسية بتعيين الشرطة فيها‪،‬‬
‫وتشرف على ألاسواق‪ ،‬وتنظيم ألاجور‪ ،‬وساعات العمل وظروفه‪ ،‬وشروط التمرن‬
‫على الصناعات‪ ،‬وطرق إلانتاج والبيع‪ ،‬وأثمان املواد الخام واملصنوعات( ‪.) 10‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وكانت تحدد للسلع أربع مرات أو خمس مرات في كل عام "ثمنا عادال " تراه حافزا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫قويا لإلنتاج ومجزيا لجميع املهتمين بها‪ .‬وكانت تزن وتختبر وتعد جميع ما يشتري‬
‫ويباع من الحاصالت املتصلة بحرفتها وفي الدائرة التي تعمل فيها‪ ،‬وتبذل كل ما‬
‫في وسعها لتمنع البضائع املغشوشة أو املنحطة من دخول السوق ( ‪ .) 11‬وكانت‬
‫النقابات تتحد ملقاومة اللصوص‪ ،‬وسادة إلاقطاع‪ ،‬واملكوس‪ ،‬والعمال‬
‫املشاكسين‪ ،‬والحكومات التي تفرض الضرائب الفادحة‪ .‬وكان لها شأن كبير في‬
‫ً‬
‫السياسة‪ ،‬وكانت تسيطر على كثير من املجالس البلدية‪ ،‬وكثيرا ما أمدت ألاقاليم‬
‫بتأييد قوى في كفاحها ضد ألاشراف وألاساقفة وامللوك‪ ،‬ثم تطورت هي آخر ألامر‬
‫‪ .‬فأصبحت هيئة ألجركية من التجا ر واملاليين‬

‫وكان لكل نقابة طائفية في العادة غرفتها الخاصة‪ ،‬وكان بعض هذه الغرف في‬
‫ً‬
‫العصور الوسطى صروحا مزخرفة أحسن زخرف‪ .‬وكان لها طائفة من املوظفين‬
‫الكبار‪ ،‬ومسجلين‪ ،‬وخزنة لألموال‪ ،‬ومأمورين‪ ،‬وشرطة‪ ...‬وكانت لها محاكمها‬
‫الخاصة يحاكم فيها أعضاؤها‪ ،‬وكانت تحتم على أعضائها أن يعرضوا منازعاتهم‬
‫على محكمة النقابة الطائفية قبل أن يلجئوا إلى قانون الدولة‪ .‬وكانت تفرض‬
‫على أعضائها أن يمدوا باملعونة زمالئهم النقابيين في حاالت املرض والكوارث‪ ،‬وأن‬
‫تنقذهم أو تفتديهم إذا هوجموا أو سجنوا( ‪ .) 10‬وكانت تشرف على أخالق‬

‫‪108‬‬
‫أعضائها وآداب هم‪ ،‬وثيابهم‪ ،‬وتفرض عقوبة على كل من يحضر اجتماعاتها بغير‬
‫في تالكم ‪ Leicester‬جورب‪ .‬وحدث أن اشتبك عضوان من نقابة التجار في ليستر‬
‫فما كان من زمالئهما إال أن فرضوا عليهما غرامة قدرها ‪ Boston‬في سوق بسطن‬
‫برميل من الجعة‪ ،‬يشربه أعضاء النقابة( ‪ .) 09‬وكان لكل نقابة‬

‫طا ئفية عيد سنوي تمجد فيه شفيعها القديس‪ ،‬يبدأ بصالة قصيرة يقضون‬
‫بعدها اليوم كله في يدمنون الشراب‪ .‬وكانت النقابة تشترك في تمويل كنائس‬
‫املدينة صغيرها وكبيرها وتزيينها‪ ،‬وفي إعداد التمثيليات الدينية التي نشأت منها‬
‫املسرحيات الحديثة وفي تمثيلها‪ .‬وكان كبار رجالها ي مشون الاستعراضات البلدية‬
‫بأثوابهم الزاهية‪ ،‬رافعين أعالم حرفهم في مواكب فخمة‪ .‬وكانت تؤمن أعضاءها‬
‫من الحريق‪ ،‬والفيضان‪ ،‬والسرقة‪ ،‬والسجن‪ ،‬والعجز‪ ،‬والشيخوخة( ‪ .) 05‬وكانت‬
‫تنش ئ املستشفيات‪ ،‬وبيوت الصدقات‪ ،‬ومالجئ ألايتام واملدارس؛ وتتحمل نفقات‬
‫جنازات املوتى والصلوات التي تنجي أرواحهم من العذاب في املطهر‪ ،‬وقلما كان‬
‫‪.‬ألاغنياء من أعضائها ينسونها في وصاياهم‬

‫وكان أرباب الحرف في كل صناعة ممنوعين عادة من الانضمام إلى نقابات التجار‬
‫الطائفية‪ ،‬وإن كانوا خاضعين لنظمها الاقتصادية وسلطانها السياس ي‪ ،‬ولهذا‬
‫أخذوا في القرن الثاني عشر يؤلفون في كل بلدة نقابات طائفية خاصة بهم‪ ،‬فنجد‬
‫في ‪ 5900‬نقابات لطوائف النساجين في لندن ولنكلن‪ ،‬وأكسفورد‪ ،‬وحذا حذوهم‬
‫بعد قليل من ذلك الوقت القصارون ودابغو الجلود‪ ،‬والقصابون ‪ ،‬والصياغ‪...‬‬
‫وانتشرت هذه النقابات الطائفية في القرن الثالث عشر في جميع أنحاء أوربا‬
‫وس ميت فيها بأسماء مختلفة كأرباب الحرف‪ ،‬والجمات‪ ،‬فكان في مدينة البندقية‬
‫منها ثمان وخمسون ‪ ،‬وفي جنوى ثالث وثالثون ‪ ،‬وفي فلورنس إحدى وعشرون‪ ،‬وفي‬
‫‪ Etienne‬كولوني ست وعشرون‪ ،‬وفي باريس مائة‪ .‬وفي عام ‪ 5211‬أصدر إتين بوالو‬

‫‪109‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫شهبندر التجار" في أيان لويس التاسع "كت ابا للحرف" رسميا أثبت فيه " ‪Boileau‬‬
‫القواعد والنظم الخاصة بمائة نقابة طائفية ونقابة قائمة في باريس‪ .‬ومما يثير‬
‫ً‬
‫الدهشة ما يحتويه هذا التثبت من تقسيم للعمل‪ :‬فكانت في صناعة الجلد مثال‬
‫اتحادات خاصة بعمال السلخ‪ ،‬والدباغة‪ ،‬وألاساكفة‪ ،‬وصناع عدد الخيل‪،‬‬
‫وصناع السروج‪ ،‬وصناع ألادوات‬

‫الجلدية الدقيقة‪ .‬وكان في النجارة اتحادات خاصة بكل من عمال الصناديق‪،‬‬


‫وألاثاث‪ ،‬وبناء السفن‪ ،‬وصناع العجالت‪ ،‬والبراميل‪ ،‬وفاتلي الحبال‪ .‬وكانت كل‬
‫نقابة طائفية تحرص على أسرار حرفتها‪ ،‬وتحيط ميدان عملها بسياج يصد عنه‬
‫من ال ينتمي إليه‪ ،‬وتشغل نفسها بكثير من املنازعات القضائية الخاصة بهذه‬
‫‪ ).‬الحرفة( ‪02‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وكانت نقابة الحرف الطائفية تتخذ لها شكال دينيا ‪ ،‬وقديسا شفيعا ‪ ،‬وتنزع إلى‬
‫الاحتكار؛ وكانت في هذا كله تساير روح العصر الذي تعيش فيه‪ .‬ولم يكن في وسع‬
‫ً‬
‫أحد عادة أن يشتغل بحرفة إال إذا كان عضوا في النقابة الخاصة به ا( ‪ ) 09‬وكان‬
‫جميع املنتمين إلى الحرفة هم الذين يختارون زعماءها مرة في كل عام‪ ،‬ولكنهم‬
‫ً‬
‫كانوا كثيرا ما يختارون ألقدميتهم في النقابة أو لثروتهم‪ .‬وكانت أنظمة النقابة ‪-‬‬
‫بالقدر الذي تسمح به نقابات التجار‪ ،‬وأوامر البلديات‪ ،‬والقوانين الاقتصادية ‪-‬‬
‫تعين ألاحوال التي يعم ل فيها أعضاؤها‪ ،‬وألاجور التي يتقاضونها‪ ،‬وألاثمان التي‬
‫يحددونها‪ .‬وكانت قواعد النقابات تحدد عدد الرؤساء في كل منطقة‪ ،‬وعدد‬
‫الصبيان الذين يدربون عند كل رئيس‪ ،‬وتحرم استخدام نساء في الصناعات عدا‬
‫زوجة الرئيس؛ كما كانت تحرم استخدام الرجال بعد الساعة السادسة مساء‪،‬‬
‫وتعاقب ألاعضاء ملا يطلبونه من أثمان عالية‪ ،‬وما عساهم يقدمون عليه من‬
‫معامالت غير شريفة أو يصنعونه من سلع يستخدمون فيها مواد بالية‪ .‬وكانت‬

‫‪110‬‬
‫النقابة في كثير من ألاحيان تدمغ منتجاتها بطابعها أو عالمتها التجارية ليكون هذا‬
‫شهادة منها بجودة نوعها‪ ،‬وكان هذا العمل موضع فخر لها( ‪) 01‬؛ وقد أخرجت‬
‫ً‬
‫نقابة النسيج في بروج من املدينة عضوا من أعضاء النقابة زور طابع مدينة‬
‫بروج على بضاعة رديئة( ‪ .) 01‬وكانت النقابة تعارض في قيام املناقشة بين‬
‫الرؤساء في زيادة مقدار إلانتاج أو خفض ثمنه‪ ،‬خشية أن يتمكن أعظم الرؤساء‬
‫ً‬
‫مهارة أو أكثرهم جدا م ن أن يزيدوا ثروتهم على حساب غيرهم من الرؤساء‪،‬‬

‫ولكنها كانت تشجع املنافسة التي قوم بين الرؤساء أو بين املدن لتحسين نوع‬
‫املنتجات‪ .‬وكانت نقابات الحرف تقوم بما تقوم به نقابات التجار من بناء‬
‫املستشفيات واملدارس‪ ،‬وتقوم بالتأمين املختلف ألانواع‪ ،‬وتقدم املعونة إلى‬
‫الفقراء من أعضائها‪ ،‬والبائنات إلى بناتهم‪ ،‬وتدفن موتاهم‪ ،‬وتعني بأراملهم‪،‬‬
‫وتتبرع بالعمال واملال لبناء الكنائس الصغير والكبيرة‪ ،‬وتصور العمليات التي‬
‫‪.‬تؤديها‪ ،‬وتنقش شاراتها على زجاج الكنائس‬

‫ولم تمنع النزعة ألاخوية بين رؤساء نقابات الحرف أن يكون فيها درجات متف اوتة‬
‫في العضوية والسلطان‪ ،‬فكان في الدرجة السفلى منها صبي التمرين الذي يبلغ‬
‫العاشرة أو الثانية عشرة من العمر‪ ،‬يرسله والداه ليعيش مع صانع متمرن مدة‬
‫من الزمن تتراوح بين ثالث سنين واثنتي عشرة سنة‪ ،‬ويقوم بخدمته في حانوته‬
‫ومنزله‪ .‬وكان يمنح في نظير هذه الخدمة الط عام‪ ،‬والكساء‪ ،‬واملأوى ‪ ،‬وتعلم‬
‫ً‬
‫الحرفة‪ ،‬ويعطى في السين ألاخيرة من الخدمة أجرا وأدوات؛ فإذا ما قض ي مدة‬
‫ً‬
‫التمرين أعطى منحة من املال يبدأ بها عمله مستقال ‪ ،‬فإذا هرب من معلمه أعيد‬
‫إليه وعوقب على هربه‪ ،‬فإذا داوم على الهرب حرم عليه الاشتغال بالحرفة‪ .‬وإذا‬
‫ً‬
‫أتم خدمته عين عامال باملياومة‪ ،‬ينتقل من رئيس إلى رئيس ويعمل بأجر يومي‪.‬‬
‫فإذا مر عليه وهو بهذه الحال عامان أو ثالثة أعوام‪ ،‬وكان لديه من املال ما‬

‫‪111‬‬
‫يستطيع به فتح حانوت مستقل امتحن ملعرفة كفايته الفنية أمام لجنة من‬
‫ً‬
‫أعضاء نقابته الطائفية‪ ،‬فإذا اجتاز الامتحان أصبح رئيسا ‪ .‬وكان يطلب إلى‬
‫ً‬
‫الرئيس أحيانا ‪ -‬ولم يكن هذا إال في أواخر العصور الوسطى ‪ -‬أن يعرض على‬
‫‪.‬رؤساء النقابة عينة من صنعه يرضون عنها‬

‫وكان الصائغ الذي تخرج على هذا النحو ‪ -‬أو الرئيس كما كانوا يسمونه ‪ -‬يمتلك‬
‫أدواته‪ ،‬وكان في العادة ينتج سلع الاستهالك التي يطلبها املستهلك مباشرة‪ ،‬وكان‬
‫هذا املستهلك في بعض ألاحيان يقدم له املادة الغفل‪ ،‬وكان يحق له أن يأتي‬

‫أي وقت ليراقب سير العمل‪ .‬ولم يكن الوسيط في هذا النظام هو الذي يسيطر‬
‫على املسالك القائمة بين صانع السلعة واملنتفع بها‪ .‬وكانت السوق التي ينتج لها‬
‫الصانع هي التي تحدد ما ينتجه ‪ ،‬وكانت هذه السوق عامة أو ألهواء املستثمرين‬
‫أو املشترين البعيدين عنه؛ ولم يكن يعرف ما يطرأ على السوق من تقلبات‬
‫اقتصادية جنونية بين رخاء تارة وكساد تارة أخرى ‪ .‬وكانت ساعات عمله كثيرة‬
‫تختلف من ثمان إلى ثالث عشرة ساعة ‪ -‬ولكنه كان يختارها بنفسه‪ ،‬ويعمل على‬
‫مهل‪ ،‬ويستمتع بكثير من ألاعياد الدينية‪ ،‬وكان يأكل الطعام املغذي املفيد‪،‬‬
‫ويبتاع ألاثاث املتين ويلبس الثياب البسيطة الطويلة ألاجل‪ ،‬وكانت له حياة‬
‫ً‬
‫ثقافية ال تقل عن حياة الصانع في هذه ألايام إن لم يكن خيرا منها‪ .‬نعم إنه لم‬
‫ً‬
‫يقرأ كثيرا ‪ ،‬وكان لهذا ينجو من كثير من السخف الباطل املضل‪ ،‬ولكنه كان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يشترك اشتراكا فعليا في املغاني‪ ،‬واملراقص‪ ،‬والتمثيليات‪ ،‬والشعائر الدينية التي‬
‫‪.‬تقام في بيئته‬

‫وظلت النقابات الطائفية طوال القرن الثالث عشر يزداد عددها‪ ،‬ويعظم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سلطانها‪ ،‬وكانت قيدا ديمقراطيا يحد من سلطان نقابات التجار ألالجركية‪ .‬غي ر‬

‫‪112‬‬
‫أن نقابات الصناع الطائفية أصبحت على مر الزمن أرستقراطية عمال‪ ،‬تنزع إلى‬
‫قصر رؤساء الصناع على أبناء الصناع أنفسهم‪ ،‬وخفض أجور عمال املياومة‬
‫الذين ثاروا عليها في القرن الرابع عشر ثورات كثيرة أضعفت سلطانها‪ ،‬وتضع‬
‫العقبات املطردة الزيادة في سبيل من يريدون الانض مام إليها‪ ،‬أو الدخول في‬
‫ً‬
‫البلدان التي تقوم فيها( ‪ .) 00‬على أنها كانت منظمات ممتازة لعصر صناعي‪ ،‬كثيرا‬
‫ما ضيقت صعاب النقل فيه ألاسواق التي تصرف فيها السلع وجعلتها مقصورة‬
‫على املشترين املحليين‪ ،‬ولم تكن رؤوس ألاموال املتجمعة من الكثرة والسيولة‬
‫بحيث تكفي‬

‫لتمويل ألاعمال التجارية والصناعية الواسعة النطاق‪ .‬فلما ظهرت ألاموال‬


‫املتجمعة فقدت النقابات‪ ،‬سواء كانت نقابات تجار أو أرباب حرف‪ ،‬ما كان لها‬
‫من إشراف على السوق ‪ ،‬ومن ثم فقدت ما كان لها من إشراف على ظروف‬
‫العمل‪ .‬وقضت الثورة الصناعية على هذه النقابات في إنجلترا بسبب ما حل بها‬
‫من نكبات ناشئة من تغير ألاحوال الاقتصادية؛ ثم ألغتها الثورة الفرنسية إلغاء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فجائيا تاما ‪ ،‬ألنها كانت في نظر القائمين بهذه الثورة ال تتفق مع حرية العمل‬
‫‪ .‬وكرامته‪ ،‬وهما الحرية والكرامة اللتان كلفتهما قبل في ساعة من أملع الساعات‬

‫‪113‬‬
‫الفصل السادس‬
‫الحك ومات املحلية ‪ -‬القومونات‬

‫أحدثت الثورة الاقتصادية التي تمخض عنها القرنان الثاني عشر والثالث عشر‬
‫ثورة أخرى في املجتمع ونظم الحكم‪ ،‬شأنها شأن الثورتين اللتين تمخض عنهما‬
‫القرنان الثامن عشر والعشرون‪ .‬ذلك أن طبقات جديدة نشأت في عالم‬
‫السلطتين الاقتصادية والسياسية ‪ ،‬وحققت للمدينة في العصور الوسطى ذلك‬
‫الاستقالل القوي الذي نشأ عنه كثير من النزاع والخصام‪ ،‬والذي بلغ غايته في‬
‫‪.‬عصر النهضة‬

‫هذا وإن الجدل الثائر حول الوراثة والبيئة ليمتد أثره إلى نشأة مدن أوربا كما‬
‫يمتد إلى نشأة نقاباتها؛ ترى هل نشأت هذه املدن من البلديات ا لرومانية‪ ،‬أو أنها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أثر من آثار التطور الاقتصادي الذي ظل يجري في مجراه زمنا طويال ؟ الحق أن‬
‫ً‬
‫كثيرا من املدن الرومانية قد حافظت على وجودها املستمر خالل قرون الفوض ى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والفقر والانحالل؛ ولكن عددا قليال منها في إيطاليا وفرنسا الجنوبية الشرقية هي‬
‫التي احتفظت بال نظم الرومانية القديمة‪ ،‬ولم يحتفظ بالقانون الروماني القديم‬
‫إال أقل من هذا العدد القليل‪ .‬وأما في شمال ألالب فإن قوانين القبائل الهمجية‬
‫طغت على التراث الروماني‪ ،‬وتسربت بعض العادات السياسية السائدة في‬
‫القبيلة والقرية ألاملانية إلى البلديات القديمة‪ .‬وكانت الكثرة الغالبة من املدن‬
‫القائمة في شمال جبال ألالب تابعة لألمالك إلاقطاعية يحكمها موظفون معينون‬
‫من قبل سادة إلاقطاع وتتحكم إرادتهم في شئونها‪ ،‬ذلك أن النظم البلدية كانت‬
‫غريبة غير مألوفة عند الفاتحين التيوتون ‪ ،‬أما النظم إلاقطاعية فكانت هي‬
‫الطبيعية‬

‫‪114‬‬
‫املألوفة عندهم ‪ ،‬ولهذا نشأت مدينة العصور الوسطى خارج إيطاليا من تطور‬
‫‪.‬املراكز والطبقات والسلطات التجارية‬

‫وقامت املدينة إلاقطاعية عادة على ربوات عالية‪ ،‬عند ملتقى الطرق ‪ ،‬أو على‬
‫ضفاف املجاري املائية الحيوية‪ ،‬أو عند الحدود‪ .‬وكانت الصناعات والحرف‬
‫املتواضعة التي تشغل بها سكان املدن قد نشأت ببطيء حول أسوار القصر‬
‫إلاقطاعي أو الدير املحصن؛ وملا خفت وطأة غارات الشماليين واملجر اتسع نطاق‬
‫هذا النشاط القائم خارج ألاسوار‪ ،‬وتكاثر عدد الحوانيت‪ ،‬واستقر التجار‬
‫ً‬
‫والصناع الذين كانوا من قبل أشخاصا عابرين وأصبحوا من أهل املدن املقيمين‬
‫الدائمي ن‪ .‬غير أن الخوف وعدم ألامان عادا في أيام الحرب إلى ما كانا عليه من‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫قبل‪ ،‬فأنشأ ألاهلون املقيمون خارج السور سورا ثانيا أطول محيطا من الخندق‬
‫إلاقطاعي ليحتموا في داخله هم وحوانيتهم وبضائعهم‪ .‬وظل السيد إلاقطاعي أو‬
‫ً‬
‫ألاسقف يملك ويحكم هذه املدينة التي اتسعت رقع تها بوصفها جزءا من أمالكه‪،‬‬
‫ولكن سكانها املتزايدين كان يزاد بينهم العنصر التجاري والدنيوي ‪ ،‬فأخذوا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يتبرمون من الفروض والسيطرة إلاقطاعية‪ ،‬ويعملون سرا وعلنا ليستخلصوا‬
‫‪.‬للمدينة حريتها‬

‫ونشأت من التقاليد السياسية القديمة والحاجات إلادارية الجديدة جمعية من‬


‫امل واطنين وطائفة من املوظفين؛ وشرعت هذه الحكومة املحلية ‪ -‬الهيئة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السياسية ‪ -‬تأخذ على عاتقها شيئا فشيئا تنظيم شئون املدينة ‪ -‬البقعة‬
‫الجغرافية‪ .‬واستخدم أفراد هذه الهيئة الذكاء الذي هو من طبيعتهم ليثروا سيد‬
‫على سيد ‪ -‬الشريف على ألاسقف‪ ،‬والفارس على الشريف‪ ،‬وامللك ع لى كل واحد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫من هؤالء الثالثة أو عليهم جميعا ‪ .‬وسلك أهل املدن سبال كثيرة مختلفة ليحصلوا‬
‫بها على حريتهم‪ :‬منها أن يقسموا أغلظ ألايمان أن يمتنعوا عن أداء املكوس‬

‫‪115‬‬
‫والضرائب التي يفرضها عليهم الشريف أو ألاسقف‪ ،‬ويقاوموا من يريد جباتها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫منهم؛ ومنها أن يعرضوا على السي د إلاقطاعي مبلغا محدودا من املال جملة‬
‫واحدة‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أو قسطا سنويا يشترون به ميثاقا ينص على حريتهم‪ .‬ونال أهل املدن التي تدخل‬
‫في أمالك امللك الخاصة استقاللهم الذاتي بهبات من املال يؤدونها له أو خدمات‬
‫يقومون بها في الحرب‪ .‬ومن املدن ما أعلنت استقاللها دون مباالة ‪ ،‬وثارت ثورات‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عنيفة دفاعا عن هذا الاستقالل‪ .‬فقد حاربت مدينة تور مثال اثنتي عشرة حربا‬
‫قبل أن تنال حريتها‪ .‬وباع عدد من سادة إلاقطاع املدينين أو املحتاجين‪ ،‬وبخاصة‬
‫من كان يستعد منهم للحروب الصليبية‪ ،‬مواثيق بالحكم الذاتي للمدن التي‬
‫ً‬
‫يسيطرون عليها إقطاعيا ؛ وك انت هذه هي الطريقة التي نالت بها كثير من املدن‬
‫إلانجليزية الحكم الذاتي من رتشرد ألاول ‪ .‬ومن سادة إلاقطاع‪ ،‬وبخاصة في‬
‫فالندرز ‪ ،‬من أعطوا مواثيق بالحرية الناقصة للمدن التي كان نماؤها الاقتصادي‬
‫ً‬
‫سببا في زيادة دخلهم‪ .‬وقاوم رؤساء ألاديرة وألاساقفة هذه النزعة الاست قاللية‬
‫أطول من غيرهم ألن يمينهم التي اقسموها حين تولوا مناصبهم كانت تحتم عليهم‬
‫أال ينقصوا موارد أديرتهم أو كراسيهم ألاسقفية‪ ،‬وهي املوارد التي كانوا يعتمدون‬
‫عليها في أداء واجباتهم الكثيرة‪ ،‬ومن اجل هذا كان كفاح املدن ضد حاكميها من‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ .‬رجال الدين شاقا مريرا إلى أقص ى حد‬
‫ً‬
‫وكان ملوك أسبانيا يبسطون رعايتهم على الحكومات املحلية ليتخذوها معوال‬
‫لتقويض سلطان ألاشراف املشاكسين‪ ،‬ولهذا كانت املواثيق التي منحوها للمدن‬
‫عهدها من ملك ‪ Leon‬كثيرة بعيدة املدى في الحرية‪ ،‬وعلى هذا ألاساس نالت ليون‬
‫في ‪ Nagera‬في عام ‪ ، 5909‬وناجيرا ‪ Burgos‬قشتالة في عام ‪ 5929‬ونالته برغوس‬
‫عام ‪ ، 5900‬وطليطلة في عام ‪ ، 5911‬ونالته بعدها بزمن قليل‪ ،‬كمبستيال‬

‫‪116‬‬
‫‪ ،‬وقادس‪ ،‬وبلنسية‪ ،‬وبرشلونة‪ .‬وأفاد إلاقطاع في أملانيا‪ ،‬وأفادت ‪Compostela‬‬
‫املدن في إيطاليا‪ ،‬من الضعف الذي حل باإلمبراطورية والبابوية كلتيهما أثناء‬
‫الحروب الت ي شبت بينهما بسبب التنازع على املناصب والسلطان وغير ذلك من‬
‫أسباب الخصام بين الكنيسة والدولة‪ ،‬وكان للمدن القائمة في شمالي‬

‫إيطاليا من السلطان السياس ي ما ال يكاد يعرف له نظير قبل ذلك الوقت او‬
‫بعده؛ وكما كانت املجاري املتدفقة من جبال ألالب تمد بمائها ألانهار العظيمة في‬
‫ملبارديا وتسكانيا‪ ،‬فتحمل املتاجر وتخصب السهول ‪ ،‬كذلك كانت تجارة أقاليم‬
‫أوربا الواقعة في شمال ألالب وتجارة آسيا الغربية اللتان تلتقيان في شمالي‬
‫ً‬
‫إيطاليا سببا في نشأة طبقة تجارية وسطى استخدمت ثروتها في تجديد املدن‬
‫القديمة‪ ،‬وتشييد مدن جديدة‪ ،‬وتشجيع آلاداب والفنون باملال الوفير‪ ،‬وبث روح‬
‫‪.‬العزة وإلاباء التي حطمت بها أغالل إلاقطاع‬
‫ً‬
‫وأخذ ألاشراف يشنون من قصورهم الحصينة في الريف حربا خاسرة على حركة‬
‫استقالل املدن والحكم الذاتي فيها؛ فلما خضعوا ملا البد من الخضوع له‪،‬‬
‫انتقلوا إلى إلاقامة في املدن الكبيرة وأ قسموا يمين الوالء لحكوماتهم املحلية‪ .‬أما‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاساقفة‪ ،‬الذين ظلوا قرونا طوالا الحكام الحقيقيين والحكام القادرين الحازمين‬
‫لبلدان ملبارديا‪ ،‬فقد خضعوا لهذه الحكومات بمساعدة البابوات‪ ،‬وكانوا قد‬
‫تجاهلوا هذه السلطة من زمن بعيد‪ .‬فأخذنا نسمع منذ عام ‪ 5919‬عن "قناصل"‬
‫‪ ،‬ثم نجدهم في عام ‪ 5911‬في بيزا‪ ،‬وفي عام ‪ 5901‬في أرز و ‪ Lucca‬يحكمون لوقا‬
‫‪ ،‬وفي عام ‪ 5900‬في جنوى ‪ ،‬وفي عام ‪ 5591‬في بافيا‪ ،‬وفي عام ‪ 5591‬في ‪Arezzo‬‬
‫فلورنس‪ .‬وظلت مدائن شمالي إيطاليا حتى القرن الخامس عشر تعترف بسيادة‬
‫إلامبراطورية الرسمية وتصدر أوراقها الحكومية باسمها ( ‪) 00‬؛ ولكنها كانت من‬

‫‪117‬‬
‫الوجهة العملية الواقعية حرة مستقلة‪ ،‬وقد عاد إليها العهد القديم عهد‬
‫‪ .‬املدينة ‪ -‬الدولة بكل ما فيه من فوض ى ومن حافز‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وتطلب تحرير املدن في فرنسا كفاحا عنيفا في كثير من ألاحيان؛ فقد أفلح‬
‫‪ ،‬وكمبرية ( ‪ ) 5900‬وريمس )‪ Le Mans (1069‬ألاساقفة الحاكمون في له مان‬
‫( ‪ ،) 5590‬بما كانوا يصدرونه من أحكام الحرمان تارة وبالقوة تارة أخرى ‪ ،‬أفلحوا‬
‫في القضاء على الحكومات املحلية التي أقامها ألاهلون ؛ أما في‬
‫ً‬
‫فقد منح ألاسقف البلدة عهدا بحريتها من تلقاء نفسه ( ‪) 5591‬؛ ‪ Noyon‬نوايون‬
‫نفسها في عا م ‪ ، 5919‬وبوفيه في ‪ ، 5900‬ومرسيليا ‪ St. Quentin‬وحررت سان كنتن‬
‫غياب أسقفهم الفاسد ‪ Laon‬في ‪ ، 559‬واغتنم أهل الؤن ‪ Amiens‬في ‪ ، 5599‬وأمين‬
‫في عام ‪ 5551‬فأنشأوا حكومة ذاتية؛ فلما عاد رشوه باملال حتى أقسم أن يحميها‪،‬‬
‫ثم أغرى امللك لويس السادس بعد عام من ذلك الوقت بأن يقض ي عليها‪ .‬ونرى‬
‫ً‬
‫ملا حدث بعدئذ مثال من عنف ‪ Guibert of‬في وصف الرا هب جويبرت النوجنتي‬
‫‪:‬ثورة املدن في سبيل الحكم الذاتي‬

‫في اليوم الخامس من أسبوع عيد الفصح‪ ...‬عال صخب مضطرب في جميع أنحاء‬
‫املدينة‪ ،‬وأخذ الناس ينادون بأعلى أصواتهم "الحكم الذاتي املحلي"!‪ ...‬ودخل‬
‫أهل املدينة وقتئذ فناء ألاس قف‪ ،‬مشرعة سيوفهم‪ ،‬وبلطهم الحربية الصغيرة‬
‫والكبيرة‪ ،‬وأقواسهم‪ ،‬وعصيهم الضخمة‪ ،‬وحرابهم‪ ،‬وكانوا جماعة جد كبيرة‪..‬‬
‫وهرع ألاشراف من كل فج ليساعدوا ألاسقف‪ ..‬فقاوم هو وبعض أعوانه ألاهلين‬
‫ً‬
‫بالحجارة والسهام‪ ...‬وخبأ نفسه في برميل‪ ...‬وأخذ يتوسل إليهم توسال يبعث‬
‫الرحمة وألاس ى في النفوس‪ ،‬ويعدهم بأنه لن يكون أسقفهم بعد ذلك اليوم‪ ،‬وأنه‬
‫سيهبهم ثروة ال حد لها‪ ،‬ويغادر البالد‪ .‬وبينا كانوا هم يسخرون منه بقلوبهم‬

‫‪118‬‬
‫املتحجرة‪ ،‬إذ رفع رجل منهم يدعى برنار بلطته الحربية‪ ،‬وأطار بها مخ ذلك الرأس‬
‫املقدس آلاثم؛ وانفلت هو من ألايدي املمسكة به ‪ ،‬ومات قبل أن يصل إلى ألارض‬
‫إذ عالجته ضربة أخرى تحت وقب عينه وفوق أنفه‪ .‬فلما قض ي نحبه قطعت‬
‫ً‬
‫في إصبع ألاسقف خاتما لم يقو ‪ Thibaut‬ساقاه‪ ،‬وأثحن بالجراح؛ وابصر ثيبوت‬
‫‪ ).‬على انتزاعه منها‪ ،‬فقطعها( ‪01‬‬

‫أرنود )‪ Vezelay (1106‬ودام هذا الكفاح مائة عام؛ وقتل ألاهلون في فيزالي‬
‫رئيس الدير‪ ،‬وأقاموا فيها حكومة محلية؛ وثارت أورليان في عام ‪Arnaud ، 5590‬‬
‫ً‬
‫عهدا ‪ Sens‬ولكن ثروتها لم تفلح‪ .‬ومنح لويس السابع مدينة سان‬

‫بحريتها في عام ‪ ، 5510‬ولكنه ألغي هذا العهد بعد ثالث سنين بناء على طلب من‬
‫رئيس الدير الذي كانت تلك البلدة ضمن أمالكه؛ ث م قتل أهل املدينة رئيس الدير‬
‫وابن أخيه‪ ،‬ولكنهم عجزوا عن إعادة الحكومة املحلية‪ .‬وواصل أسقف تورناي‬
‫الحرب ألاهلية ست سنين ( ‪ ) 5500- 5509‬ليقض ي على حكومتها املحلية‪ ،‬وأصدر‬
‫البابا قرار بحرمان جميع أهل املدينة من الكنيسة؛ وثار أهل رون في يوم أحد‬
‫الفصح من عام ‪ 5501‬ون هبوا بيوت قساوسة كنيستها الكبرى ‪ ،‬وفي عام ‪5290‬‬
‫ً‬
‫أصدر البابا قرارا الحرمان على املدينة‪ .‬وفي عام ‪ 5291‬استولى العامة على‬
‫الحجارة التي جيء بها إلى املدينة لبناء كنيستها‪ ،‬واتخذوها قذائف ومتاريس في‬
‫الثورة التي قاوما بها على أكبر رئيس ديني في غالة‪ ،‬وولى هو ومن معه من رجال‬
‫الدين ألادبار‪ ،‬ولم يعودوا إال بعد عامين من ذلك الوقت‪ ،‬ملا أن حمل البابا‬
‫لويس السابع على إلغاء الحكومة املحلية‪ .‬وعجزت كثير من مدن فرنسا على نيل‬
‫حريتها إلى أن قامت الثورة الكبرى ‪ ،‬ولكن الكثرة الغالبة من املدن الفرنسية نالت‬
‫حريتها بين عامي ‪ 5919‬و ‪ ، 5299‬وبدأت أزهى عصورها بفضل ما بعثته فيها الحرية‬

‫‪119‬‬
‫من روح دافعة قوية‪ .‬وكانت الحكومات املحلية هي التي أنشأت الكنائس القوطية‬
‫‪.‬الكبرى‬

‫وضم امللوك في إنجلترا املدن إليهم في كفاحهم ضد ألاشراف بأن منحوا هذه املدن‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عهودا تحقق لها قسطا محدودا من الحكم الذاتي‪ .‬فقد منح وليم الفاتح مدينة‬
‫ً‬
‫لندن عهدا من هذه العهود؛ ومنح هنري الثاني مدائن لنكلن‪ ،‬ودرهام‪ ،‬وكارليل‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وبرستل‪ ،‬وأكسفورد‪ ،‬وسلزبري ‪ ،‬وسوثمبتن عهودا شبيهة بهذا العهد؛ ‪Carlisle‬‬
‫وابتاعت كمبردج في عام ‪ 5295‬لنفسها حقوق الحكم املحلي من امللك يوحنا‪.‬‬
‫ونزل ألاشراف الحاكمون في فالندرز عن كثير من الحقوق ملدائن غنت‪ ،‬وبروج‪،‬‬
‫ودويه‪ ،‬وتورناي‪ ،‬وليل‪ ...‬ولكنهم تغلبوا على جميع ما بذلته املدن من محاوالت‬
‫‪ Lyden‬للحصول على الاستقالل البلدي العام‪ .‬وحصلت مدائن ليدن‬

‫وغيرها من ‪ ، Delft‬ودلفت‪ ، Drodrecht‬ورتردام‪ ،‬ودرودرخت‪ Haarlem‬وهارليم‬


‫املدن الهولندي ة في القرن الثالث عشر على عهود بالحكم الذاتي املحلي‪ .‬أما في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املانيا فقد تطلب تحرير مدنها زمنا طويال ‪ ،‬وكان هذا التحرير في الغالب بطريق‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السلم؛ فقد منح ألاساقفة الذين ظلوا عدة قرون يحكمون املدن حكما إقطاعيا‬
‫‪ ،‬ومتز‪ ،‬ومينز‪ ،‬واسبير‪ Trier ،‬من قبل ألاباطرة‪ ،‬إلى مدائن كولوني‪ ،‬وتريير‬
‫‪.‬واسترسبورج‪ ،‬وورمز‪ ،‬ومنحوا هذه املدن حق اختيار موظفيها وسن قوانينها‬

‫ولم تطو صحفية القرن الثالث عشر حتى كانت الثورة القائمة في سبيل الحكم‬
‫املحلي قد تم لها النصر في أوربا الغربية‪ ،‬فقد خلعت املدن عن عاتقها نير سادتها‬
‫إلاقطاعيين‪ ،‬وتخلصت من الضرائب واملكوس إلاقطاعية أو خفضتها‪ ،‬وحددت‬
‫حقوق رجال الدين في أضيق نطاق‪ ،‬وإن كانت كثرتها الغالبة لم تنل حريتها كاملة‪.‬‬
‫وحرمت املدن الفلمنكية إنشاء أديرة جديدة‪ ،‬وإلايصاء باألرض إلى الكنائس؛‬

‫‪120‬‬
‫وضيقت نطاق ما كان لرجال الدين من حق في أن يحاكموا أمام املحاكم‬
‫ال كنسية‪ ،‬ونازعتهم حقهم في أن يشرفوا على املدارس الابتدائية( ‪ .) 00‬وكان رجال‬
‫الطبقة الوسطى من التجار هم املسيطرين على الحياة البلدية والاقتصادية‪،‬‬
‫ً‬
‫واعترف بنقابات التجار الطائفية في كل الحكومات املحلية تقريبا بأنها هيئات‬
‫ذات حكم ذاتي‪ .‬وكانت الحكومة املحلية هي ون قابة التجار الطائفية؛ وليس أدل‬
‫‪ Lord Manor‬على هذا من أن نقابات املدينة الطائفية هي التي كانت تختار عمدة‬
‫لندن؛ ذلك أن امتالك املال قد أصبح وقتئذ وألول مرة في مدى ألف عام آلاخذ في‬
‫الازدياد يتحدى سلطان ألاشراف ورجال الدين‪ .‬ووجهت طبقة التجار الوسطى‬
‫ثروتها‪ ،‬ونش اطها‪ ،‬وقدرتها للحصول على املنافع السياسية ووجهتها بدرجة أعظم‬
‫مما كانت‬
‫ً‬
‫توجه في الزمن القديم‪ ،‬وإن كان في ذلك عظيما في ذلك الوقت نفسه؛ فقد‬
‫حرمت الفقراء في معظم املدن من املجالس والوظائف العامة‪ ،‬واستبدت بالفالح‬
‫والصانع‪ ،‬واحتكرت مكاسب التجارة‪ ،‬وأرهقت ألاهلين بالضرائب الفادحة‪،‬‬
‫وأنفقت معظم إيراد الحكومة املحلية في املنازعات الداخلية أو الحروب‬
‫الخارجية التي تبغي بها الاستحواذ على ألاسواق والقضاء على املنافسين‪ .‬وحاولت‬
‫أن تقض ي على هيئات الصناع‪ ،‬وحرمت عليهم حق إلاضراب‪ ،‬وإال تعرضوا لإلعدام‬
‫أو النفي‪ ،‬وكان ما تضعه من ا لقواعد لتحديد ألاثمان وألاجور يهدف إلى‬
‫مصالحها هي‪ ،‬والى إلحاق ألاذى الشديد بالطبقة العاملة( ‪ .) 599‬وحدث وقتئذ ما‬
‫ً‬
‫حدث في أيام الثورة الفرنسية‪ ،‬فكانت هزيمة سادة إلاقطاع نصرا لطبقة رجال‬
‫‪.‬ألاعمال أكثر مما كانت لسائر الطبقات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫غير أن الحكومات املحلية للمدن كانت ع لى الرغم من هذه املساوئ تأكيدا جليال‬
‫للحرية إلانسانية؛ فقد كان سكان املدينة إذا سمعوا دقات الجرس من برجها‬

‫‪121‬‬
‫يسارعون إلى الاجتماع ليختاروا حكامها‪ ،‬وكان للمدن جيشها إلاقليمي الخاص‬
‫بها‪ ،‬تدافع به عن نفسها أقوى الدفاع‪ ،‬حتى استطاعت أن تهزم به جيوش‬
‫إلامبراطور امل دربة في لنيانو ( ‪ ،) 5500‬وحاربت به بعضها البعض حتى أنهكت قواها‬
‫ً‬
‫جميعا ‪ .‬نعم إن مجالسها إلادارية لم تلبث أن ضعف نظامها حتى أضحت‬
‫أرستقراطية من التجار‪ ،‬ولكن الجمعيات البلدية كانت أولى الحكومات النيابية‬
‫مبدأ ‪ Magns Carta‬منذ عهد تيبيريوس‪ ،‬وكانت هي ال العهد إلانجليزي ألاعظم‬
‫الديمقراطية الحديثة( ‪) 595‬؛ وهي التي أحلت مناقشة الشهود مناقشة قانونية‬
‫منظمة محل البقايا الرجعية للقوانين والقبلية ‪ -‬ألايمان‪ ،‬واملبارز ة‪ ،‬والتحكيم‬
‫إلالهي ‪ -‬واستبدلت بالفداء أو ثمن الدم الغرامات أو السجن‪ ،‬أو العقاب البدني‪،‬‬
‫وهي التي قللت من املماطلة وال تأجيل في تطبيق القانون ‪ ،‬وأحلت التعاقد‬
‫القانوني محل العالقات إلاقطاعية والوالء إلاقطاعي‪ ،‬ونشأت فيها‬

‫مجموعة كاملة جديدة من القوانين املنظمة لشئون املال والتجارة قامت على‬
‫‪.‬أساسها حياة جديدة في أوربا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وسرعان ما استحالت هذه الديمقراطية الفتية نظاما اقتصاديا شبه اشتراكي‬
‫تحت إشراف الدولة‪ .‬فكانت الحكومة املحلية للمدينة تسك عملتها‪ ،‬وتنظم‬
‫ألاشغال العامة وتشرف عليها‪ ،‬وتنش ئ الطرق ‪ ،‬والقناطر‪ ،‬وتشق القنوات‪،‬‬
‫وترصف بعض شوارع املدينة‪ ،‬وتنظم توريد املؤن لها‪ ،‬وتحرم إلاجباء ‪ ،‬والاحتكار‪،‬‬
‫وابتياع السلعة كلها من السوق ‪ ،‬وأوجدت الا تصال املباشر بين البائع واملشتري في‬
‫ألاسواق واملواسم التجارية؛ وفحصت عن املكاييل واملقاييس‪ ،‬وفتشت السلع‪،‬‬
‫وعاقبت من يغش فيها‪ ،‬وفرضت الرقابة على الصادرات والواردات‪ ،‬وخزنت‬
‫الحبوب للسنين العجاف‪ ،‬وأمدت السكان بالحبوب بأثمان معتدلة في أوقات‬
‫ألازمات‪ ،‬ونظمت أثما ن ألاطعمة ألاساسية والجعة‪ .‬وكانت إذا وجدت أن الثمن‬

‫‪122‬‬
‫ً‬
‫الذي حددته لسلعة مرغوب فيها منخفض انخفاضا يقلل إنتاجها‪ ،‬أجازت لبعض‬
‫أثمان الجملة أن توازن نفسها بطريق املنافسة‪ ،‬ولكنها أنشأت محاكم أو‬
‫"جلسات" للخبز والجعة تعمل على بقاء أثمان ألاشتات في هاتين السلعتين‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متنا سبة تناسبا دائما مع أثمان القمح أو الشعير( ‪ .) 592‬وكانت بين الفينة‬
‫والفينة تنشر قوائم باألثمان املعتدلة‪ ،‬مفترضة أنه البد أن يكون لكل سلعة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫"ثمنا عادال " يتضمن ثمن املادة املصنوعة منها وأجر العمل الالزم إلنتاجها‪ ،‬وقد‬
‫أغفلت هذه النظرية عامل العرض والطلب وما يطرأ على قيمة النقد من تقلبات‪.‬‬
‫وجنوى تجارة امللح‪ Basel ،‬واحتكرت بعض الحكومات املحلية ‪ -‬مثل حكومة بال‬
‫كما احتكرت غيرها مثل حكومة نورمبرج صنع خمورها‪ ،‬ومنها ما كانت تخزن‬
‫الحبوب في مخازن البلدية( ‪ .) 599‬وكانت الضرائب الجمركية الحامية التي‬

‫تفرضها البلديات تحول دون تداول البضائع( ‪ ،) 591‬كما كان يعطل هذا التداول‬
‫ً‬
‫أحيانا إرغام أصحاب التجارة العابرة على أن يعرضوا بضاعتهم للبيع في املدينة‬
‫قبل أن تخرج منها( ‪ .) 591‬وكان يحدث في تلك ألايام ما يحدث في أيامنا هذه‬
‫فيحتال بعض املواطنين املتمردين للخروج على هذه القواعد؛ كما كانت ألاسواق‬
‫السوداء كثيرة العدد( ‪ ،) 590‬وكانت ألاضرار الناشئة من بعض هذه القيود أكثر‬
‫‪.‬من نفعها‪ ،‬ولهذا أهملت بعد زمن قليل‬

‫غير أننا يحق لنا نقول بوجه عام أن قامت بها الحكومات املحلية ملدائن العصور‬
‫الوسطى من أعمال ينطق بمهارة رجال ألاعمال الذين كانوا يشرفون عليها‬
‫وبشجاعتهم‪ .‬فقد استعملت أوربا بفضل توجيههم الحكيم في القرنين الثاني عشر‬
‫ً‬
‫والثالث عشر برخاء لم تعرف له مثيال منذ سقوط روما‪ .‬وتكاثر سكان أوربا في‬
‫ً‬
‫عهد هذا النظام تكاثرا لم يكن له نظير منذ ألف عام على الرغم من انتشار‬
‫ألاوبئة واملجاعات والحروب‪ .‬وكان أولئك السكان قد أخذوا يتناقصون في القرن‬

‫‪123‬‬
‫الثاني‪ ،‬وأكبر الظن أنهم وصلوا إلى الحد ألادنى في القرن التاسع؛ ثم أخذ عددهم‬
‫يزداد مرة أخرى في الفترة الواقعة بين القرن الحادي عشر واملوت ألاسواد‬
‫( ‪ ) 5910‬بفضل انتعاش التجارة والصناعة؛ ويغلب على الظن أن أهل إلاقليم‬
‫املحصور بين املوزل والرين قد تضاعفوا عشرة أضعاف‪ ،‬ولعلهم بلغوا في فرنسا‬
‫ً‬
‫عشرين مليونا ‪ ،‬أي أنهم ال يكادون يقلون عما كانوا عليه في القرن الثاني‬
‫عشر( ‪ .) 590‬وقد كان من آثار الثورة الاقتصادية أن أخذ السكان يهاجرون من‬
‫القرى إلى املدن‪ .‬نعم إن القسطنطينية البالغ عدد سكانها ‪ ، 199.999‬وقرطبة‬
‫وبالرم البالغ عدد سكانهما نصف مليون كانتا مزدحمتين بالسكان من زمن بعيد؛‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ولكن عددا قليال من املدن القائمة في شمال جبال ألالب هي التي كان يسكنها‬
‫‪ ).‬قبل عام ‪ 5599‬أكثر من ثالثة آالف نسمة( ‪591‬‬

‫وقبل أن يحل عام ‪ 5299‬كان في باريس نحو مائة ألف‪ ،‬وفي كل من د ويه‪ ،‬وليل‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وإيبر‪ ،‬وغنت‪ ،‬وبروج نحو خمسين ألفا ؛ وكان في لندن عشرون ألفا ‪ .‬وقبل أن‬
‫ً‬
‫يحل عام ‪ 5999‬كان في باريس ‪ 519.999‬ألفا ‪ ،‬وفي البندقية‪ ،‬وميالن‪ ،‬وفلورنس‬
‫ومودينا ‪ ،) 559 ( 99.999‬وفي لوبك‪ ،‬ونورمبرج‪ Siene ،‬مائة ألف( ‪ ،) 590‬وفي سينا‬
‫وكولوني ‪ ، 29.999‬وفي فرانكفورت‪ ،‬وب ال‪ ،‬وهمبرج‪ ،‬ونوروك‪ ،‬ويورك ‪. 59.999‬‬
‫‪.‬وغني عن البيان أن هذه ألارقام تقريبية وأنها عرضة إلى الخطأ الكبير‬
‫ً‬
‫وكان ازدياد السكان نتيجة من نتائج التطور الاقتصادي وسببا من أسبابه في آن‬
‫واحد‪ :‬فأما أنه نتيجة من نتائج هذا التطور فألن الناس أصبحوا يأمنون على‬
‫أنفسهم وأم والهم أكثر من ذي قبل‪ ،‬وأنهم صاروا أقدر مما كانوا على استغالل‬
‫مصادر الثروة الطبيعية بفضل تقدم الصناعة‪ ،‬وأن ألاطعمة والسلع قد زاد‬
‫ً‬
‫انتشارها بفضل رواج التجارة وازدياد الثروة‪ .‬وأما أنه كان سببا من أسبابه فألنه‬
‫ً‬
‫أوجد أسواقا مطردة الاتساع للتجارة والصناعة‪ ،‬لألدب ‪ ،‬والتمثيل‪ ،‬واملوسيقى‪،‬‬

‫‪124‬‬
‫ً‬
‫والفن‪ ،‬وكان تنافس الحكومات املحلية وتفاخرها سببا في توجيه ثروتها إلى بنا‬
‫الكنائس‪ ،‬وأبهاء املدن‪ ،‬وأبراج النواقيس‪ ،‬والفساقي‪ ،‬واملدارس‪ ،‬والجامعات؛‬
‫وعبرت الحضارة البحار والجبال في إثر التجارة؛ فانتقلت من بالد إلاسالم‬
‫وبيزنطية إلى إيطالي ا‪ ،‬وأسبانيا‪ ،‬وتخطت جبال ألالب إلى أملانيا‪ ،‬وفرنسا‪،‬‬
‫وفالندرز ‪ ،‬وبريطانيا‪ .‬وأصبحت العصور املظلمة إحدى الذكريات املاضية‪،‬‬
‫‪.‬وتمخضت أوربا مرة أخرى عن حياة فنية نشيطة‬

‫وليس من حقنا أن ندعي أن مدينة العصور الوسطى هي ألامثل ألاعلى ملا يجب أن‬
‫م ًّ‬
‫تكون عليه املدن‪ .‬نعم إنه ا تبدو للناس في هذه ألايام في صورة جميلة‪ ،‬يتوج ت ال‬
‫فيها قصر منيع‪ ،‬ويحيط بها سور ذو أبراج‪ ،‬فيها بيوت وأكواخ‪ ،‬وحوانيت ذات‬
‫سقف من القش أو القرميد تزدحم حول الكنيسة أو القصر الحصين‬

‫أو امليدان العام‪ .‬ولكننا يجب أن نضيف إلى هذه الصورة أن شوارعها كانت أزقة‬
‫ضي قة ملتوية‪( ،‬وتلك أحسن وسيلة للدفاع ومنع وهج الشمس) يسير فيها الناس‬
‫واملاشية على وقع حوافر الدواب وطقطقة ألاحذية الخشبية‪ ،‬وأصوات املارة وهم‬
‫سائرون فيها على مهل في ذلك العصر الذي لم تكن فيه آالت تريح عضالتهم وتبلي‬
‫أعصابهم‪ .‬وكانت تحيط بكثير من مساكن املدينة ح دائق‪ ،‬وأخنان الدجاج‪،‬‬
‫وحظائر الخنازير‪ ،‬ومراعي البقر‪ ،‬وأكوام الروث‪ .‬وكانت لندن من املدن الشديدة‬
‫ً‬
‫على أهلها‪ ،‬فأمرت "كل من يربي خنزيرا أن يحتفظ به في بيته"‪ ،‬أما في غيرها فقد‬
‫كانت الخنازير تجوس بملء حريتها خالل أكوام الفضالت املكشوفة( ‪ .) 555‬وكانت‬
‫ألامطار تمأل ألا نهار من حين إلى حين فتطفي على الحقول واملدن‪ ،‬حتى كان الناس‬
‫يسيرون بالقوارب تدفعها املجاذيف إلى قصر وستمنستر( ‪ .) 552‬وكانت الشوارع‬
‫تظل بعد املطر مليئة بالوحل عدة أيام؛ وكان للرجال وقتئذ يحتذون أحذية‬
‫طويلة‪ ،‬وأما النساء فكن يحملن في عربات وكراس ي تتقلب من حفرة إلى حفرة‪.‬‬

‫‪125‬‬
‫وقد رصفت بعض املدن شوارعها الرئيسية بالحجارة في القرن الثالث عشر‪ ،‬أما‬
‫الكثرة الغالبة منها فقد ظلت شوارعها غير مرصوفة‪ ،‬تتعثر فيها ألاقدام وتنبعث‬
‫منها الروائح الكريهة‪ .‬وكانت لألديرة والقصور الحصينة وسائل صالحة لصرف‬
‫الفضالت( ‪ ،) 559‬أما ألاكواخ فلم يكن لها من هذا‪ ،‬وكانت في أماكن متفرقة من‬
‫م‬
‫املدينة ميادين ك ِل ئة‪ ،‬بها مضخة يستقي منها الناس وحوض ترتوي منه الحيوانات‬
‫‪.‬املارة‬
‫ً‬
‫وكانت بيوت املدن القائمة في شمالي ألالب تقريبا من الخشب‪ ،‬ولم يكن فيها‬
‫بيوت من آلاجر أو الحجارة إال بيوت أغنى ألاشراف والتجار‪ ،‬وكانت ال حرائق كثيرة‪،‬‬
‫وإذا شبت انتشرت في معظم ألاحيان في جميع املدينة ال يعوقها‬
‫ً‬
‫عائق‪ .‬ولنضرب لذلك مثال مدائن ر مو ن‪ ،‬وبوفيه‪ ،‬وأراس‪ ،‬وتراوي ‪ ،‬وبروفن‪،‬‬
‫فقد دمرتها كلها الحرائق في عام ‪ ، 5511‬ودمرت رون ‪ Moissac‬وبواتيه‪ ،‬ومواساك‬
‫النارست مرات بين عامي ‪ 5299‬و ‪ ،) 551 ( 5221‬ولم يع تد الناس صنع السقف من‬
‫القرميد إال في القرن الرابع عشر‪ ،‬وكانت النار تكافح بالدالء تستخدمها فرق‬
‫باسلة عاجزة‪ ،‬وكان في املدينة خفراء مسلحون بخطاطيف طويلة يهدمون بها‬
‫ً‬
‫البيت املحترق إذا كان وجوده خطرا على غيره من البيوت‪ .‬وإذ كان ألاهلون‬
‫ً‬
‫جميعا يرغبون في السكنى ب جوار القصر الحصين ليأمنوا بذلك على أنفسهم‬
‫ً‬
‫وأموالهم‪ ،‬فقد كانت املباني ترتفع عدة أطباق تصل أحيانا إلى ستة‪ ،‬وكانت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاطباق العليا تبرز في الشارع بروزا يكسيها روعة ويجعلها خطرا يهدد املارة‪.‬‬
‫‪.‬وكانت املدن تصدر قرارات تحدد بها ارتفاع املباني‬

‫وكان في وسع ألاهلي ن أن يستمتعوا بالحياة في مدينة العصور الوسطى على الرغم‬
‫ً‬
‫من هذه الصعاب التي قلما كان يحس بها الناس‪ ،‬ألنها كانت تعمهم كلهم تقريبا ‪،‬‬

‫‪126‬‬
‫ً‬
‫فقد كانت ألاسواق مزدحمة بالناس‪ ،‬وكان حديثهم كثيرا ‪ ،‬وأثوابهم وبضائعهم‬
‫زاهية جذابة‪ ،‬وكان البائعون الجائلون ينادون على سلعهم بأعل ى أصواتهم‪،‬‬
‫والصناع ال ينقطعون بتمثيل مسرحية دينية في أحذ امليادين‪ ،‬أو موكب ديني يسير‬
‫ً‬
‫أحيانا في أحد الشوارع يشترك فيه التجار املزهوون‪ ،‬والصناع ألاقوياء‪ ،‬ورجال‬
‫الدين بأثوابهم الوقورة‪ ،‬ورجال الدنيا بثيابهم الزاهية‪ ،‬وترتل فيها ألاناشيد‪ .‬أو‬
‫تكون كنيسة فخمة تشا د في املدينة‪ ،‬أو تطل فتاة حسناء من شرفة منزل ‪ ،‬أو تدق‬
‫نواقيس برج املدينة تدعو املواطنين إلى الاجتماع أو إلى امتشاق الحسام‪ .‬وفي‬
‫ً‬
‫املساء تدق ألاجراس تهيب باألهلين أن يعودوا سراعا إلى بيوتهم‪،‬‬

‫ألن الشوارع كانت محرومة من ألاضواء‪ ،‬ما عدا ضوء الشموع يتراءى من نوا فذ‬
‫البيوت وضوء مصباح هنا وهنا أمام ضريح‪ .‬فإذا أراد كبير من أهل املدينة أن‬
‫ً‬
‫يسير فيها ليال سبقه خدمه يحملون املشاعل أو الفوانيس والسالح ألن رجال‬
‫ً‬
‫الشرطة قلما كان لهم وجود‪ .‬وكان املواطن الحكيم يبكر في العودة إلى داره فرارا‬
‫ً‬
‫من ملل الليالي الظلماء‪ ،‬وعلما منه بأن الديكة سوف توقظه بصياحها في مطلع‬
‫‪.‬الفجر‪ ،‬وأن العمل في انتظاره يطلب إليه أن ينجزه‬

‫‪127‬‬
‫الفصل السابع‬

‫الثورة الزراعية‬
‫وبدل نمو الصناعة والتجارة‪ ،‬وانتشار الاقتصاد النقدي‪ ،‬وازدياد الطلب على‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العمال في املدن‪ ،‬بدل هذا كله نظام الزراعة تبديال كبيرا ‪ .‬ذلك أن البلديات‬
‫ً‬
‫لحرصها على أن تظفر بعمال جدد أعلنت أن أي شخص يقيم في مدينة ‪ 900‬يوما‬
‫دون أن يطلبه سيد إقطاعي‪ ،‬ويتحقق من شخصيته‪ ،‬ويستولي عليه ألنه من أرقاء‬
‫ً‬
‫أرضه‪ ،‬أي شخص تنطبق من هذه الشروط يصبح من تلقاء نفسه حرا ‪ ،‬يتمتع‬
‫بحماية قوانين حكومة املدينة وسلطانها‪ .‬وذهبت فلورنس إلى أبعد من هذا‬
‫فدعت في عام ‪ 5590‬جميع الفالحين املقيمين في القرى املجاورة لها للمجيء إليها‬
‫ً‬
‫وغيرها من املدن املال إلى سادة ‪ Bologna‬وإلاقامة فيها أحرارا ؛ ودفعت بولونيا‬
‫إلاقطاع لكي يسمحوا ألرقاء أراضيهم بأن ينتقلوا إلى املدن‪ .‬وفر عدد كبير من‬
‫أرقاء ألارض أودعوا ليفلحوا أرضين جديدة في شرق نهر إلالب‪ ،‬وأصبحوا فيها‬
‫ً‬
‫‪.‬أحرارا من تلقاء أنفسهم‬

‫أما الذين بقوا في ضياع سادة إلاقطاع فقد أخذوا يعارضون في أداء الضرائب‬
‫والرسوم إلاقطاعية التي أضحت لطول العهد بأدائها مقررة واجبة ألاداء؛ ونشأت‬
‫من هذه املعارضة متاعب جمة‪ .‬وحذا كثير من أرقاء ألارض حذو عمال املدن‬
‫فأنشئوا لهم جمعيات ريفية‪ ،‬وأقسموا أن يعملوا مجتمعين لالمتناع عن أداء‬
‫الرسوم والضرائب إلاقطاعية‪ ،‬ثم سرقوا أو أتلفوا ما عند سادتهم من وثائق‬
‫تسجيل استرقاقهم أو التزاماتهم‪ ،‬وأحرقوا قصور املعاندين من أولئك السادة‪،‬‬

‫‪128‬‬
‫وأنذره م بأنهم سيغادرون أمالكهم إذا لم يجيبوا مطالبهم‪ .‬وفي عام ‪ 5599‬أعلن‬
‫أرقاء ألارض في سانت ميشيل ‪ -‬ده ‪ -‬بوفيه أنهم سيتزوجون من تلك الساعة‬

‫بأية امرأة يرغبون في زواجها‪ ،‬وسيتزوجون بناتهم من أي شخص يرغبون فيه‪.‬‬


‫‪ St. Arnoul de Crepy‬وفي عام ‪ 5292‬رفض أرقاء ألارض في سانت أرنول ‪ -‬ده ‪ -‬كريبي‬
‫أن يؤدوا إلى سيدهم رئيس الدير ضريبة ألاموات التقليدية أو الغرامة التي تفرض‬
‫عليهم إذا زوجوا بناتهم خارج أمالك سيدهم‪ .‬وشبت فتن أخرى من هذا النوع في‬
‫أكثر من عشر مدن منتشرة من فالندرز إلى أسبانيا‪ ،‬حتى وجد سادة إلاقطاع أن‬
‫من العسير عليهم أن يح صلوا على ربح من استخدام أرقاء ألارض‪ ،‬وزادت هذه‬
‫الصعوبة أمامهم على مر ألايام‪ .‬ذلك أ ضروب املقاومة املتزايدة كانت تتطلب منهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إشرافا مستمرا كثير النفقة في كل مرحلة من مراحل العمل؛ وكان عمل هؤالء‬
‫ألارقاء في حوانيت الضيعة أكثر نفقة وأقل جودة من العمل الحر الذ ي يخرج‬
‫‪.‬السلع نفسها في املدن‬
‫ً‬
‫وأراد سادة إلاقطاع أن يستبقوا الفالحين في أرضهم‪ ،‬ويجعلوا عملهم مربحا‬
‫ألولئك السادة‪ ،‬فاستبدلوا بالقروض إلاقطاعية القديمة مقادير من املال تؤدي‬
‫دفعة واحدة‪ ،‬وباعوا أرقاء ألارض حريتهم بأثمان يؤدونها من مدخراتهم‪ ،‬وأجروا‬
‫ً‬
‫مساحات متزا يدة من أرضهم إلى الفالحين ألاحرار بأجر نقدي‪ ،‬واستأجروا عماال‬
‫ً‬
‫أحرارا يعملون في حوانيت ضياعهم‪ .‬وحذت أوربا الغربية حذو بالد الشرق‬
‫ً‬
‫إلاسالمية والبيزنطية فشرعت من بداية القرن الحادي عشر تنتقل انتقاال يزداد‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عاما بعد عام من الدفع عينا في أكثر ألاحوال إلى الدف ع نقدا في معظمها‪.‬‬
‫واشتدت رغبة مالك ألاراض ي إلاقطاعيين في الحصول على السلع املصنوعة التي‬
‫يعرضها التجار عليهم‪ ،‬فزادت في املال يبتاعون به هذه السلع؛ وملا ساروا إلى‬
‫قتال املسلمين في الحروب الصليبية كانوا أحوج إلى املال منهم إلى الطعام‬

‫‪129‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والبضائع‪ .‬كذلك كانت الحك ومات تطالب بأداء الضرائب نقدا ال عينا ؛ فلم ير‬
‫ً‬
‫املالك بدا من الخضوع إلى مقتضيات الظروف‪ ،‬فباعوا محصوالتهم بالنقود‬
‫العاجلة بدل أن يستهلكوها بالهجرة الشاقة‬

‫املتعبة من قصر ريفي إلى قصر آخر مثله‪ .‬وكان هذا الانتقال إلى الاقتصاد النقدي‬
‫كثير النفقة على املالك إلاقطاعيين‪ .‬ذلك أن إيجار أرضهم وألاموال التي كانوا‬
‫يحصلون عليها من الزراع نظير الرسوم املفروضة عليهم قد أصبح لها من الثبات‬
‫في العصور الوسطى ما للعادات املألوفة‪ ،‬ولم يكن في مقدورهم أن يزيدوها‬
‫بنفس السرعة التي تنخفض بها قيمة النقد؛ ولذلك اضطر كثيرون من ألاشرا ف‬
‫ً‬
‫إلى بيع أرضهم ‪ -‬وباعوها عادة إلى رجال الطبقة الوسطى الناشئة‪ .‬وحسبنا دليال‬
‫على هذا أن بعض النبالء قد ماتوا من زمن بعيد أي منذ عام ‪ 5219‬وهو ال‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫يملكون أرضا ‪ ،‬ومنهم من مات فقيرا معدما ( ‪ .) 551‬وكان من نتيجة هذه ألاحوال‬
‫أن أعتق فليب الجميل ملك فرنسا جميع أرقاء ألاراض ي امللكية في أوائل القرن‬
‫الرابع عشر‪ ،‬وأن أمر ابنه لويس العاشر في عام ‪ 5951‬بتحرير جميع أرقاء ألارض‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫"بشروط عادلة صالحة"( ‪ .) 500‬وأخذ نظام رقيق ألارض يتالش ى شيئا فشيئا في‬
‫عدد من البالد املختلفة الواقعة غرب نهر إلالب وذلك في أوقات مختلفة من‬
‫بداية القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن السادس عشر‪ ،‬وحلت محلها ملكية‬
‫الفالحين ألرضهم‪ ،‬وتقسمت ضياع إلاقطاع الكبرى إلى مزارع صغيرة‪ ،‬وحصل‬
‫الفالحون في القرن الثالث عشر على درجة من الحرية والرخاء لم يستمتعوا‬
‫بمثلها مدى ألف عام‪ .‬وفقدت القرى املحاكم إلاقطاعية ما كان لها من سل طان‬
‫على الفالحين‪ ،‬وأخذ سكان القرى يختارون حكامهم‪ ،‬ولم يكن هؤالء يقسمون‬
‫يمين الوالء لسيد إلاقطاع املالك ألرضهم بل للملك نفسه‪ .‬على أن تحرير رقيق‬
‫ألارض في أوربا الغربية لم يتم كله قبل عام ‪ ، 5010‬فقد ظل عدد كبير من سادة‬

‫‪130‬‬
‫إلاقطاع يطالبون بحقوقهم القديمة من الوجهة القانونية‪ ،‬ولقد حاولوا في القرن‬
‫الرابع عشر أن يستعيدوها من الوجهة العملية؛ غير أن الحركة التي تهدف إلى‬
‫العمل الحر املنتقل لم يكن يستطاع وقفها طاملا كانت التجارة والصناعة آخذتين‬
‫‪.‬في النماء‬
‫ً‬
‫وكان الحافز الجديد للحرية‪ ،‬مضافا إلى اتساع ألاسواق الزراعية‪ ،‬من أ سباب‬
‫تحسن أساليب الزراعة‪ ،‬وأدواتها‪ ،‬ومحصوالتها‪ ،‬كما كان تكاثر سكان املدن‪،‬‬
‫وازدياد الثراء‪ ،‬وأساليب الجديدة التي يسرت ألاعمال التجارية واملالية ÷ كل هذا‬
‫ً‬
‫كان سببا في اتساع نطاق الاقتصاد الريفي وزيادة غناه‪ .‬وتطلبت الصناعات‬
‫الجديدة محصوالت صناعية غير التي كانت موجودة من قبل ‪ -‬قصب السكر‪ ،‬وبذر‬
‫اليانسون ‪ ،‬والكمون ‪ ،‬والكتان‪ ،‬والعنب الهندي‪ ،‬والزيوت النباتية وألاصباغ‪ .‬وكان‬
‫ً‬
‫قرب املدن املزدحمة بالسكان مشجعا على تربية املاشية‪ ،‬وصناعة منتجات‬
‫ألالبان‪ ،‬وغرس حدائق الخضر‪ .‬وجرت السفن بالخمور في ألانهار وفي البر والبحر‬
‫من آالف ال كروم املنتشرة في أودية التيبر‪ ،‬وآلارنو‪ ،‬والبو‪ ،‬والوادي الكبير‪،‬‬
‫والتاجه‪ ،‬وإلابرة‪ ،‬والرون‪ ،‬والجروند‪ ،‬والجارون‪ ،‬واللوار‪ ،‬والسين‪ ،‬واملوزل‪،‬‬
‫واملوز‪ ،‬والرين‪ ،‬والدانوب‪ ،‬وجرت السفن بهذه الخمور لتفرج كرب العمال‬
‫الكادحين في حقول أوربا‪ ،‬حوانيتها‪ ،‬وغرف الحاسبين فيها؛ وحتى إنجلترا نفسها‬
‫كانت تعصر الخمر في الفترة املمتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس‬
‫عشر‪ .‬وخرجت ألاساطيل الضخمة في البحر البلطي‪ ،‬وبحر الشمال لتصيد منهما‬
‫الرنكة وغيرها من أنواع السمك لتطعم املدن الجائعة التي تكثر فيها أيام‬
‫مدينة بحياتها إلى ‪ Yarmouth‬الصوم‪ ،‬ويرتفع فيها ثمن اللحم؛ فكانت يارموث‬
‫تجارة الرنكة‪ ،‬وأقر تجار لوبك بفضلها عليهم بأن نقشوا الرنكة على مقاعدهم في‬

‫‪131‬‬
‫الكنيسة( ‪ ،) 550‬واعترف الهولنديون الشرفاء بأنهم "شادوا على الرنكة" مدينة‬
‫‪ ).‬أمستردام الشامخة( ‪551‬‬

‫وتحسنت أساليب الزراعة الفنية على مهل‪ ،‬فلقد تعلم املسيحيون من العرب في‬
‫أسبانيا‪ ،‬وصقلية‪ ،‬وبالد الشرق ‪ ،‬وأدخل الرهبان البندكتيون والسسترسيون‬
‫ألاساليب الرومانية القديمة وإلايطالية الحديثة الخاصة بالزراعة‪Cistercians ،‬‬

‫وتربية املاشية‪ ،‬والاحتفاظ بخصب التربة في ألاقطار الواقعة شمال جبال ألالب؛‬
‫وترك الزراع في ا لضياع الجديدة يبتكرون ويغامرون كما يشاءون ولم يفرض‬
‫عليهم تقسيم أراضيهم بين املزروعات املختلفة‪ .‬وكان الزراع الذين يفلحون في‬
‫القرن الثالث عشر حقول فالندرز املستحصلة من املستنقعات يتبعون الدورة‬
‫الزراعية الثالثية‪ ،‬فكانت ألارض تزرع كل عام ولكن خصبها كان يجدد مرة كل‬
‫ثالث سنين بزرع الكأل الذي يتخذ غذاء للحيوان أو البقول ‪ .‬وكان زوجان من‬
‫الثيران القوية يجران املحاريث ذات السهام الحديدية تتعمق ألارض أكثر من ذي‬
‫قبل‪ .‬غير أن الكثرة الغالبة من املحاريث ظلت مع ذلك تصنع من الخشب‬
‫( ‪ .) 5999‬ولم يكن يعرف التسميد إال أصقاع قليلة‪ ،‬وقلما كانت عجالت العربات‬
‫تطوق بإطار من حديد‪ .‬وكانت تربية املاشية من ألاعمال الشاقة لطول فترات‬
‫الجفاف؛ ولكن القرن الثالث عشر شهد التجارب ألاولى في تهجين السالالت‬
‫وأقلمتها‪ .‬ولم تتقدم صناعة مستخرجات ألالبان‪ ،‬فلم تكن البقرة العادية في‬
‫ً‬
‫القرن الثالث عشر تدر إال قليال من اللبن‪ ،‬وقلما كان يصل إلى رطل واحد في‬
‫ً‬
‫ألاسبوع (مع أن البقرة الحسنة التربية تنتج آلان ما بين عشرة أرطال وثالثين رطال‬
‫‪).‬من الزبد في ألاسبوع الواحد‬

‫‪132‬‬
‫ً‬
‫وبينما كان السادة في أوربا يقاتل بعضهم بعضا ‪ ،‬كان فالحوها يخوضون معارك‬
‫ً‬
‫أعظم شأنا ‪ ،‬وتتطلب من الشجاع ة والبطولة ما يسمو على املعارك الحربية‪ ،‬وال‬
‫يتغنى بمديحهم إنسان؛ تلك هي معارك إلانسان مع الطبيعة‪ .‬فقد طغى البحر بين‬
‫ً‬
‫القرنين الحادي عشر والثالث عشر خمسا وثالثين مرة على الجسور‪ ،‬وأغرق‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاراض ي الوطيئة‪ ،‬وشق خلجانا وأجوانا جديدة في البقاع التي كانت من قبل‬
‫ً‬
‫أرضا صلبة‪ ،‬وأهلك مائة ألف من السكان في مائة عام‪ .‬ونقل الفالحون أهل هذه‬
‫ألاقاليم في خالل الفترة املمتدة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر‬
‫بإشراف أمرائهم ورؤساء أديرتهم جالميد الصخر من اسكنديناوة وأملانيا‬

‫وشادوا بها "السور الذهبي" الذي أنشأ البلجيكيون والهولنديون وراءه دولتين‬
‫من أعظم دول التاريخ كله حضارة‪ ،‬وانتزعت بذلك آالف ألافدنة من البحر‪ ،‬ولم‬
‫يستهل القرن الثالث عشر حتى كانت شبكة من القنوات تشق ألاراض ي الوطيئة‪.‬‬
‫بين ‪ Naviglio Grande‬واحتفر إلايطاليون بين عامي ‪ 5500‬و ‪ 5210‬القناة العظمى‬
‫ً‬
‫بحيرة مجيوري ونهر ا لبو فأخصبوا بها ‪ 10.111‬فدانا ‪ ،‬وأحال املهاجرون القادمون‬
‫‪ ، Mooren‬وسكسونيا‪ ،‬وأرض الرين مناقع املورن‪ Frisia‬من فالندرز ‪ ،‬وفريزيا‬
‫ً‬
‫الواقعة بين نهر إلالب وألاودر حقوال غنية‪ .‬وقطعت غابات فرنسا الزائدة على‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الحاجة شيئا فشيئا وحلت مكانها الضياع التي ظلت تطعم فرنسا خالل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الاضطراب السياس ي الذي دام قرونا طوالا ‪ .‬ولعل هذه البطولة الجماعية التي‬
‫بذلت في تقطيع الغابات‪ ،‬وتجفيف املستنقعات‪ ،‬وإرواء ألارض وزراعتها‪ ،‬ال‬
‫الانتصارات الحربية أو التجارية‪ ،‬هي العامل ألاساس ي الذي أدى آخر ألامر إلى‬
‫‪ .‬انتصار الحضارة ألاوربية في ألاعوام ال سبعمائة ألاخيرة‬

‫‪133‬‬
‫الفصل الثامن‬

‫حرب الطبقات‬
‫لم يكن في أوربا الغربية في بداية العصور الوسطى إال طبقتان‪ :‬طبقة ألاملان‬
‫الغالبين وطبقة ألاهلين املغلوبين‪ .‬وكانت الكثرة الغالبة من ألاشراف الذين وجدوا‬
‫فيما بعد في إنجلترا‪ ،‬وفرنسا‪ ،‬وأملانيا‪ ،‬وشمالي إيطاليا من أبنا ء الفالحين‪ ،‬وظلوا‬
‫يعتزون بهذه العالقة العنصرية حتى في أثناء حروبهم‪ .‬وكانت الطبقات في القرن‬
‫ً‬
‫الحادي عشر ثالثا ‪ :‬هي ألاشراف الذين يحاربون ‪ ،‬ورجال الدين الذين يصلون ‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والفالحون الذين يشتغلون ‪ .‬وأصبح هذا التقسيم تقليدا ثابتا إلى حد ظن الناس‬
‫معه أنه منزل من عند هللا ‪ .‬وكان معظم الفالحين‪ ،‬كما كان معظم النبالء‪ ،‬يرون‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬من واجب إلانسان أن يبقى في الطبقة التي ولد فيها قانعا بها البقاء صابرا عليه‬

‫وأضافت الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثاني عشر طبقة جديدة إلى‬
‫هذه الطبقات الثالث ‪ -‬أهل املدن أو الطبقة الوسطى العاملة ‪ -‬وقوامها الخبازون‬
‫والتجار‪ ،‬ورؤساء أرباب الحرف من أهل املدن‪ ،‬ولم تكن هذه الطبقة قد ضمنت‬
‫وقتئذ أرباب املهن‪ ،‬وكانت تسمى في فرنسا الطبقة الثالثة‪ .‬وقد سيطرت هذه‬
‫الطبقة على الشئون البلدية‪ ،‬واستطاعت أن تصل إلى مقاعد الب رملان إلانجليزي ‪،‬‬
‫‪ States‬ألاسباني‪ ،‬والى الجمعية العامة ‪ Cortes‬ألاملاني‪ ،‬والك ورتز ‪ Diet‬والديت‬
‫ً‬
‫للطبقات وهي مجلس فرنسا القومي النيابي الذي لم يجتمع إال نادرا ؛ ‪General‬‬
‫ولكن هذه الطبقة الجديدة قلما كان لها أثر في السياسة القومية قبل القرن‬
‫الثامن عشر‪ ،‬فقد ظل ألاشراف يحكمون الدولة ويصرفون شئونها إلادارية‪ ،‬وإن‬
‫ً‬
‫أصبحوا في ذلك الوقت أقل من غيرهم سلطانا في املدن؛ ذلك‬

‫‪134‬‬
‫أنهم كانوا يعيشون في الريف (إال في إيطاليا)‪ ،‬ويحتقرون سكان املدن‪ ،‬ويخرجون‬
‫من طبقتهم كل من تزوج من أفراد الطبقة الوسطى‪ ،‬وال يشكون في أن حكم‬
‫ألاشراف ال بديل منه‪ ،‬إال حكم رجال ألاعمال ألاثرياء‪ ،‬أو رجال الدين أصحاب‬
‫‪.‬ألاساطير‪ ،‬أو رجال الحرب الطغاة‬

‫وكان التجار ألاغنياء يبرمون من غطرسة ألاشراف‪ ،‬ويحتقرون ويستغلون طبقة‬


‫الصناع‪ ،‬ويقيمون في بيوت مزخرفة‪ ،‬ويبتاعون ألاثاث الجميل‪ ،‬ويتغذون‬
‫باألطعمة املجلوبة من خارج البالد‪ ،‬ويلبسون الثياب الغالية‪ .‬وكانت نساؤهم‬
‫يغط ين أجسامهن الكبيرة بالحرير والفراء واملخمل والجواهر؛ وكان مما آلم جين‬
‫ملكة فرنسا وحز في نفسها أن وجدت ستمائة من ‪ Jenne of Navarre‬النافارية‬
‫نساء الطبقة الثالثة في بروج قد خرجن من هذا الستقبالها في ثياب ال تقل‬
‫فخامة عن ثيابها هي‪ .‬وشكا ألاشراف من هذا وأخذوا ي طالبون بأن تسن القوانين‬
‫لوقف تيار هذا التظاهر الوقح؛ وسنت من حين إلى حين قوانين لهذا الغرض‪،‬‬
‫ولكن امللوك كانوا في حاجة إلى تأييد هذه الطبقة والى أموالها‪ ،‬ولهذا لم تنفذ‬
‫‪.‬هذه القوانين إال في أوقات قليلة متفرقة‬

‫وأفادت الطبقة الجديدة املالكة للعقار في املدن فا ئدة كبيرة من زيادة عامرها‪،‬‬
‫ويسر لها التعطل الناش ئ من هذه الزيادة املسيطرة على طبقة العمال اليدويين‪.‬‬
‫ذلك أن صعاليك املدن من الخدم‪ ،‬وتالميذ الصناعة‪ ،‬وعمال املياومة لم يكن‬
‫لهم إال حظ قليل من التربية‪ ،‬ولم يكن لهم ش يء من القوة السياسية‪ ،‬وكانوا‬
‫يعيشون في درجة من الفاقة أشد في بعض ألاحيان مما كان يعانيه أرقاء ألارض‪.‬‬
‫فقد كان أجر عامل املياومة في إنجلترا في القرن الثالث عشر نحو بنسين في‬
‫اليوم ‪ -‬وتعادل القيمة الشرائية لهذا ألاجر حوالي دوالرين من نقد الواليات‬

‫‪135‬‬
‫املتحدة ألامريكية في عام ‪ 5011‬؛ وكان التجار يتقاض ى أربعة بنسا ت وثمن بنس في‬
‫ً‬
‫اليوم ( ‪ 1.52‬دوالرات) والبناء ‪ 9‬دوالرات‪ ،‬واملهندس املعماري اثني عشر بنسا‬

‫يضاف إليها بدل انتقال وهبات في بعض ألاحيان( ‪ .) 550‬لكن ألاثمان كانت‬
‫منخفضة بهذه النسبة عينها‪ :‬فقد كان الرطل من لحم البقر يباع في إنجلترا‬
‫من الدوالر)؛ وكانت الدجاجة تباع ببنس واحد ‪ slash100‬بفارذبج ‪95‬‬
‫من الدوالر)‪ ،‬وكان ثمن الكوارتر من القمح خمسة شلنات وتسعة ‪11 ( slash100‬‬
‫ً‬
‫شلنات ونصف بنس ( ‪ 10.09‬دوالرا )( ‪ .) 529‬وكان العامل يبدأ عمله في مطلع‬
‫الفجر وينتهي منه في غسق الليل ‪ -‬إال في مساء السبت أو أيام ألاعياد فكان ينتهي‬
‫ً‬
‫قبل ذلك‪ .‬وكان في السنة ما يقرب من ثالثين يوما من أيام ألاعياد‪ ،‬لكن ألايام‬
‫التي كان يستريح فيها العامل من الكدح في إنجلترا لم تكن تزيد على ستة‪ .‬وكانت‬
‫ً‬
‫ساعات العمل تزيد قليال على مثيالتها في إنجلترا في القرن الثامن عشر أو التاسع‬
‫عشر‪ ،‬ولم تكن ألاجور الحقيقية أسوأ منها في تل ك الفترة‪ ،‬بل إن بعضهم ليقول‬
‫‪ ).‬إنها كانت أعلى منها( ‪525‬‬
‫ً‬
‫وتطور النزاع بين الطبقات في أواخر القرن الثالث عشر فأصبح حربا مسلحة‬
‫بينها؛ فكان كل جيل يشهد ثورة يقوم بها الفالحون وبخاصة في فرنسا؛ ففي عام‬
‫‪ 5215‬ثار الفالحون في فرنسا وفالندرز على من كانوا يستبدون بهم من املالك‬
‫سواء كانوا من رجال الدين أو الدنيا‪ .‬وأطلق هؤالء على أنفسهم اسم الرعاة‬
‫ً‬
‫وشنوا حربا ثورية شبيهة بالحروب الصليبية بقيادة واعظ غير ‪Pastoureux‬‬
‫مرخص معروف بلقب "سيد بالد املجر"‪ .‬وزحفوا من فالندرز واخترقوا أمين إلى‬
‫باريس‪ ،‬وانضم إليهم في طريقهم املتذمرو ن من الفالحين وصعاليك املدن حتى بلغ‬

‫‪136‬‬
‫ً‬
‫عددهم مائة ألف رجل أو يزيدون ؛ وكانوا يحملون أعالما دينية‪ ،‬وينادون بوالئهم‬
‫ً‬
‫للويس التاسع‪ ،‬وكان وقتئذ سجينا عند املسلمين في مصر؛ ولكنهم كانوا مسلحين‬
‫بالهروات‪ ،‬والخناجر‪ ،‬والفؤوس‪ ،‬والحراب‪ ،‬والسيوف‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فكانوا بذلك جميعا خطرا يخش ى بأسه‪ .‬وكانوا ينددون بفساد الحكم‪ ،‬واستبداد‬
‫ألاغنياء بالفقراء‪ ،‬ونفاق القساوسة وشرههم؛ وكان العامة يهتفون لهم حين‬
‫يسمعون منهم هذه ألاقوال‪ .‬وانتحلوا ألنفسهم حق الوعظ الديني‪ ،‬وأخذوا‬
‫يغفرون للناس ذنوبهم‪ ،‬ويعتقدون عقود الزواج‪ ،‬وبلغ من أمرهم أن ذبحوا بعض‬
‫من ع ارضوهم من القساوسة‪ .‬وملا واصلوا في زحفهم إلى أورليان ذبحوا فيها‬
‫عشرات من رجال الدين وطلبة الجامعة‪ ،‬ولكن رجال الشرطة تغلبوا عليهم في‬
‫تلك املدينة وفي بوردو‪ ،‬فقبض على زعمائهم وأعدموا‪ ،‬ثم صيد البائسون‬
‫ً‬
‫الباقون أحياء كما تصاد الكالب في هذا الزحف العديم النفع‪ ،‬وش تتوا تشتيتا‬
‫أدى بهم إلى ضروب من البؤس مختلفة‪ .‬وفر بعضهم إلى إنجلترا‪ ،‬وقاموا فيها‬
‫ً‬
‫‪.‬بفتنة صغرى أثارها الفالحون قلمت أظفارها هي أيضا‬

‫وثارت نقابات الحرف في املدن الصناعية الفرنسية فتكرر إضرابها عن العمل‬


‫وقيامها بثورات مسلحة على احتكار طبقة التجار السياس ي والا قتصادي‪،‬‬
‫وتحكمها فيهم‪ .‬ففي بوفيه هاجم ‪ 5199‬من الغوغاء عمدة املدينة وبعض رجال‬
‫املصارف وأساءوا معاملتهم ( ‪ .) 5299‬وتمرد عمال النسيج في رون على تجر‬
‫ألاقمشة وقتلوا عمدة املدينة حين تدخل في النزاع ( ‪) 5215‬؛ وفي باريس حل امللك‬
‫فيليب الجميل اتحادات العمال بحجة أنها تدبر الثورة ( ‪) 5201،5990‬؛ غير أن‬
‫نقابات الحرف الطائفية استطاعت مع ذلك أن تكسب حق الاشتراك في‬
‫الجمعيات البلدية وفي الوظائف العامة في مدينة مرسيليا ( ‪ ،) 5259‬وأفنيون وآرل‬
‫وكان أحد رجال الدين ينحاز ‪ ، Nimes...‬وأمين‪ ،‬ومنبلييه‪ ،‬ونيمز)‪Arles (1225‬‬

‫‪137‬‬
‫ً‬
‫أحيانا إلى جانب ا لثائرين‪ ،‬ويمدهم بالعبارات التي تلوكها ألسنتهم‪ .‬ومع ذلك ما‬
‫قاله أحد أساقفة القرن الثالث عشر‪" :‬كل الغنى مصدره السرقة‪ ،‬وكل غنى لص‬
‫أو وارث لص"( ‪ .) 529‬وقامت فتن من هذا النوع اضطربت بها مدن فالندرز ‪ ،‬فثار‬
‫عام ‪ ، 5211‬والنساجون في تورناي عام ‪ Dinant ، 5215‬النحاسون في دينان‬

‫عام ‪ ، 5202‬على الرغم أن إلاعدام أو ‪ Hinault‬وفي غنت عام ‪ ، 5201‬وفي هينولت‬


‫النفي كان هو العقوبة التي تحكم بها على زعماء حركة الاضطراب‪ .‬وقام عمال‬
‫ً‬
‫‪ ،‬ودويه‪ ،‬وغنت‪ ،‬وليل‪ ،‬وبروج‪ ،‬بفتنة جامعة عام ‪ ، 5992‬وهزموا جيشا ‪ Ypres‬إيبر‬
‫ً‬
‫فرنسيا عند كورتريه‪ ،‬وحصلوا على حق قبول ممثليهم في مجالس الحكومات‬
‫البلدية ووظائفها‪ ،‬وألغوا القوانين الاستبدادية التي كانت ألجركية التجار تضايق‬
‫ً‬
‫بها أرباب الحرف‪ .‬وملا أن نال النساجون شيئا من السلطة إلى حين‪ ،‬حاولوا أن‬
‫يحددوا أجور القصارين ‪ -‬بل أن ينقصوها ‪ -‬فانحاز هؤالء إلى جانب التجار‬
‫‪ ).‬ألاغنياء( ‪521‬‬

‫وسيطرت نقابات التجار الطائفية على لندن في عام ‪ ، 5505‬وسرعان ما عرضوا‬


‫بعد ذلك على امللك يوحنا أن يمدوه بقدر من املال في كل عام؛ إذا ما ألغى‬
‫نقابات النساجين‪ ،‬ووافق امللك على هذا العرض ( ‪ .) 521 () 5299‬وفي عام ‪5501‬‬
‫أو ذو اللحية الطويلة‪ ،‬وأخذ يخطب في ‪ Fitzobert‬قام رجل يدعى وليم فتزوبرت‬
‫ً‬
‫الفقراء من أهل لندن مناديا بضرورة الثورة‪ ،‬وأصغى آالف من الناس إلى ندائه‬
‫هذا‪ ،‬وحاول اثنان من أثرياء املدن أن يقتلوه‪ ،‬ففر منهم إلى إحدى الكنائس‪،‬‬
‫ولكنه أخرج منها بعد أن سلط عليه الدخان‪ ،‬وانتحر بأن بقر بطنه بطريقة ال‬
‫تكاد تفترق ف ي ش يء عن الطريقة اليابانية‪ .‬وعده أتباعه من القديسين الشهداء‬
‫وعبدوه‪ ،‬وقدسوا التراب الذي جرى عليه دمه‪ ،‬واحتفظوا به( ‪ .) 520‬وإن حب‬
‫الناس لربن هود الذي يسرق أموال ألاشراف ورجال الدين ولكنه يشفق على‬

‫‪138‬‬
‫الفقراء‪ ،‬وانتشار قصته‪ ،‬ليوحيان إلينا بما كان عليه شعور الطبقات ب عضها نحو‬
‫‪.‬بعض في بريطانيا خالل القرن الثاني عشر‬

‫وكان أشد املنازعات إثارة لألحقاد ما قام منها في إيطاليا‪ .‬فقد حدث في أول ألامر‬
‫ً‬
‫أن انضم العمال إلى نقابات التجار الطائفية وقاموا معا بسلسلة من‬
‫الاضطرابات الدموية العنيفة املوجهة ضد ألاشراف؛ وتم النصر للمتحالف ين في‬
‫هذا‬

‫الطبقات‬

‫الكفاح قبل أن يختتم القرن الثالث عشر؛ واشترك عمال الصناعات في حكم‬
‫فلورنس إلى حين‪ ،‬غير أن كبار التجار ورجال املشروعات سرعان ما أصبحت لهم‬
‫ً‬
‫السيطرة في مجلس املدينة‪ ،‬ففرضوا على املوظفين نظما استبدادية متعسفة‪،‬‬
‫أدت في القرن الرابع عشر إلى دخول النزاع في مرحلته الثانية ‪ -‬مرحلة الحروب‬
‫املتقطعة املتباعدة بين رجال الصناعة ألاغنياء وعمال املصانع‪ .‬وكانت هذه‬
‫املشاهد ‪ -‬مشاهد النزاع الداخلي ‪ -‬هي التي قام فيها القديس فرانسس ينادي‬
‫ً‬
‫بإنجيل الفقر‪ ،‬ويذكر ألاغنياء ألاشرار بأن املسيح لم يكن له قط ملكا‬
‫ً‬
‫‪ ).‬خاصا ( ‪520‬‬

‫واضمحلت الحكومات املحلية كما اضمحلت النقابات الطائفية في القرن الرابع‬


‫عشر بسبب نطاق اتساع اقتصاد البلديات وتحوله إلى اقتصاد قومي وأسواق‬
‫وقفت قواعدهما واحتكارهما حجر عثرة في سبيل تقدم الاختراع‪ ،‬والصناعة‪،‬‬
‫والتجارة‪ .‬وكان من أسباب اضمحاللها فوق ذلك ما كان في ها من منازعات داخلية‬
‫أشاعت فيها الفوض ى‪ ،‬واستغالل قاس شديد الوطأة للريف املحيط بها‪،‬‬
‫ووطنيتها الضيقة املقصورة على حدود املدينة‪ ،‬وسياستها‪ ،‬وعملتها املضطربة غير‬

‫‪139‬‬
‫املستقرة‪ ،‬وحروبها التافهة الحقيرة بعضها على بعض في فالندرز وإيطاليا‪،‬‬
‫وعجزها عن أن تنتظم في اتحاد يش مل عدة مدائن ذات حكم ذاتي‪ ،‬كان يمكن أن‬
‫يبقى بعد أن قوى سلطان امللوك‪ .‬وليس أدل على ضعف هذه الحكومات املحلية‬
‫ً‬
‫‪ .‬من أن عددا منها في فرنسا التمس من امللك في عام ‪ 5999‬أن يتولى هو حكمها‬

‫ومع هذا كله فإن الثورة الاقتصادية التي قامت في القرن الثالث عشر هي التي‬
‫خلقت أوربا الحديثة‪ ،‬فهي التي قضت آخر ألامر على إلاقطاع الذي أدى مهمة‬
‫الحماية الزراعية والتنظيم الزراعي‪ ،‬وأصبح حجر عثرة في سبيل اتساع نطاق‬
‫املشروعات الاقتصادية‪ .‬وهي التي حولت ثروة إلاقطاع الجامدة إلى موارد سائلة‬
‫متداولة يستخدمها الاقتصاد العاملي‪ .‬وهي التي أمدت ألاعمال الصناعية‬
‫والتجارية باآلالت الالزمة لتقدمها‪ ،‬وما نشأ عن هذا التقدم من زيادة كبيرة في‬
‫سلطان‬

‫الرجل ألاوربي‪ ،‬ووسائل راحته‪ ،‬وفي معلوماته‪ .‬وبفضلها عم أوربا رخاء استطاعت‬
‫به أن تبني في قرنين من الزمان مائة كنيسة كبرى تتطلب كل واحدة منها وفرة‬
‫عجيبة من امل هارات وألاموال‪ .‬وكان ما تنتجه لألسواق املطردة الاتساع هو الذي‬
‫هيأ السبيل للنظم الاقتصادية القومية التي قامت عليها الدول الحديثة‪ ،‬ولعل‬
‫حرب الطبقات نفسها التي أطلقتها الثورة الاقتصادية من عقالها كانت هي ألاخرى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫حافزا إضافيا لعقول الناس ونشاطهم‪ .‬وملا هدأت عا صفة الانتقال كان صرح‬
‫أوربا الاقتصادي والسياس ي قد تبدل‪ ،‬وكان تيار الصناعة والتجارة الجارف قد‬
‫اكتسح العقبات املتأصلة من طريق التطور البشري ‪ ،‬ودفع الناس إلى ألامام من‬
‫مجد الكنائس الكبرى املشتت إلى مراحل النهضة الشامل‬

‫‪140‬‬
‫‪.‬‬

‫الباب الخامس والعشرون‬


‫أوربا تفيق من رقدتها‬

‫‪1095-1300‬‬

‫‪141‬‬
‫الفصل ألاول‬

‫بيزنطة‬
‫حكمه الطويل ( ‪ Alexius I Comnenus - 5591‬اختتم ألكسيوس ألاول كمنينوس‬
‫‪ ) 5551‬على أثر مؤامرة من طراز املؤامرات التي اختصت بها بيزنطية‪ ،‬وذلك بعد‬
‫أن قاد سفينة إلامبراطورية بنجاح في حروب الترك والنورمان‪ ،‬وفي الحرب‬
‫مضرب املثل في ‪ Anna Comnena‬الصليب ية ألاولى‪ .‬وكانت ابنته الكبرى أنا كمنينا‬
‫العلم‪ ،‬كما كانت ملمة بخالصة الفلسفة‪ ،‬وكانت شاعرة موهوبة‪ ،‬وسياسية ذات‬
‫بهاء‪ ،‬ومؤرخة مهذبة تميل في كتابتها إلى الكذب والاختالق‪ .‬وملا خطبت إلى ابن‬
‫إلامبراطور ميخائيل السابع حسبت أنها بحكم مولد ها وبفضل جمالها ومواهبها‬
‫الذهنية قد اختارتها ألاقدار للتربع على عرش إلامبراطورية؛ ولم تكن تغفر ألخيها‬
‫أنه ولد وارث للعرش‪ ،‬فدبرت مؤامرة الغتياله‪ ،‬ولكن تدبيرها افتضح ‪ John‬جون‬
‫وعفي عنها‪ ،‬وآوت إلى أحد ألاديرة‪ ،‬وكتبت سيرة أبيها في قصة نثرية تدعى ألكسياد‬
‫وأدهش جون كمنينوس ( ‪ ) 5519- 5551‬أوربا بالتمسك بالفضائل ‪Alexiad.‬‬
‫الشخصية‪ ،‬وبكفايته إلادارية‪ ،‬وبانتصاره في حروبه ضد أعدائه من الوثنيين‬
‫ً‬
‫واملسيحيين واملسلمين‪ ،‬وخيل إلى الناس حينا من الدهر أنه سيعيد الدولة إلى ما‬
‫ً‬
‫كانت عليه من مجد وسعة رقعة‪ ،‬ولكن خدشا من سهم مسموم في ك نانته قض ي‬
‫‪.‬على حياته وأحالمه‬

‫‪142‬‬
‫ً‬
‫إله الحرب مجسما ‪ ،‬وهب نفسه )‪ Manuel I (1143-1180‬وكان ابنه مانويل ألاول‬
‫للحرب ومتعتها؛ يسير على الدوام في طليعة جنوده؛ ويرحب باملبارز ة الفردية‪،‬‬
‫وقد انتصر في كل واقعة خاض غمارها إال ألاخيرة من هذه املواقع‪ .‬وكان في ميدان‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫القتال رواقيا في مبادئه‪ ،‬أما في قصره فكان أبيقوريا ‪ ،‬مترفا في طعامه ولباسه‪،‬‬
‫ً‬
‫سعيدا في عشقه الحرام البنة أخيه‪ .‬وعادت آلاداب والعلوم إلى سابق ازدهارها‬
‫بفضل ترفه ومناصرته؛ وكانت سيدات البالط يشجعن املؤلفين‪ ،‬وقد نزلن هن‬
‫ً‬
‫في أيامه كتابه الضخم ‪ Zanaras‬أيضا من عليائهن ليقرضن الشعر؛ وجمع زناراس‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الذي أسماه موجز التاريخ‪ .‬وشاد مانويل لنفسه قصرا جديدا هو قصر البالشرني‬
‫على شاطئ البحر عند طرف القرن الذهبي؛ وكان أودم الدويلي ‪Blachernae‬‬
‫يظنه "أجمل بناء في العالم‪ ،‬فقد كانت عمده وجدرانه مغطاة ‪Odom of Deuil‬‬
‫إلى نصفها بالذهب‪ ،‬وم رصعة بالجواهر التي كانت تتألأل حتى في ظالم الليل"( ‪.) 5‬‬
‫‪.‬لقد كانت القسطنطينية في القرن الثاني عشر صورة أخرى من النهضة إلايطالية‬

‫وتطلبت فخامة العاصمة‪ ،‬والحروب الكثيرة التي شنتها إلامبراطورية العجوز‬


‫لتصد عنها املوت‪ ،‬تطلبت هذه وتلك ضرائب فادحة ألقاها املترفون على املنتجين‬
‫لضرورات الحياة‪ .‬وكانت النتيجة إن زاد فقر الفالحين‪ ،‬واستسلموا لالسترقاق‬
‫ألاراض ي‪ ،‬وأن سكن عمال املدن اليدويون في مساكن قذرة كثيرة الضجيج‪ ،‬ي رتكب‬
‫‪.‬في ظلماتها وأفذارها ما ال يحص ى من الجرائم‬

‫وكانت حركات ثورية شبه شيوعية تضطرم نارها في قلوب صعاليك املدن( ‪،) 2‬‬
‫ولكن هذه الحركات قد عفا ذكرها لكثرة ما حدث من أمثالها على مر ألايام‪ .‬وكان‬
‫استيالء الصليبيين على فلسطين قد فتح ثغور الشام لتجارة الالتين‪ ،‬وخسرت‬
‫القسطنطينية ثلث تجارتها البحرية التي استولت عليها املدن الناهضة في‬
‫إيطاليا‪ .‬وكان من أعظم آلامال التي تد اعب قلوب املسيحيين واملسلمين‬

‫‪143‬‬
‫على السواء أن يستولوا على ما فيها من الكنوز التي أنفقت في جمعها ألف عام؛‬
‫وحدث أن زار املدينة أحد املسلمين الصالحين في أيام مانويل الزاهرة فدعا هللا‬
‫أن يمن على املسلمين بفضله وكرمه فيجعل القسطنطينية عاصمة بالد‬
‫إلاسالم( ‪ .) 9‬وحتى البندقية نفسها ربيبة بيزنطية دعت فرسان أوربا ألن ينضموا‬
‫‪.‬إليها في انتهاب ملكة البسفور‬

‫ولم تعش اململكة الالتينية التي أقامتها الحملة الصليبية الرابعة في‬
‫ً‬
‫القسطنطينية إال سبعا وخمسين سنة ( ‪ ،) 5205 - 5291‬ذلك أن اململكة الجديدة‬
‫لم تقو على البقاء إال ريثما كانت ب يزنطية املتحفزة للثأر منها تعوزها الوحدة وقوة‬
‫السالح‪ .‬أما هي فلم تكن لها أصول تقوم عليها من عنصرية الشعب أو دينه أو‬
‫عاداته‪ ،‬وكانت تكرهها الكنيسة اليونانية التي خضعت مكرهة لروما‪،‬‬
‫ويضعضعها انقسامها إلى إمارات إقطاعية تدعى كل منها لنفسها السيادة‬
‫ً‬
‫الكاملة‪ ،‬وتعوزها جميعا التجربة التي ال غنى عنها لتنظيم اقتصادياتها الصناعية‬
‫والتجارية‪ ،‬وتهاجمها الجيوش البيزنطية من خارجها‪ ،‬وتحرقها املؤامرات في‬
‫داخلها‪ ،‬وال تستطيع أن تستمد من سكانها املعادين لها ما تحتاجه من املال‬
‫‪.‬للدفاع العسكري عن كيانها‬
‫ً‬
‫لكن الغزاة الفاتحين كان مص يرهم في بالد اليونان خيرا من مصيرهم في‬
‫القسطنطينية‪ .‬ذلك أن الفرنجة‪ ،‬والبنادقة‪ ،‬وغيرهم من ألاشراف الطليان عجلوا‬
‫بتقسيم تذلك البالد التاريخية إلى أقسام إقطاعية‪ ،‬وشادوا القصور الجميلة‬
‫فوق التالل العالية تشرف على ما حولها من املواقع‪ ،‬وشرعوا وأظهروا في حكم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الس كان املتراخين املجدين حكما حازم ٍا جريئا ‪ .‬وحل مطارنة الكنيسة الالتينية‬
‫محل أساقفة املذهب ألارثوذكس ي الذين نفوا من الالبد‪ ،‬وأنشأ الرهبان‬
‫ً‬
‫القادمون من بالد الغرب على التالل أديرة كانت من روائع الفن ومستودعا‬

‫‪144‬‬
‫لكنوزه‪ .‬وقام رجل فخور من الفرنجة فلقب نفسه "دوق أث ينا"‪ ،‬وجاء شكسبير في‬
‫غير منطق سليم وأخطأ خطأ يغتفر له‪ ،‬ورجع به إلى الوراء ألفي عام‪ ،‬وسماه‬
‫ثيسيوس‪ ،‬ولكن الروح‬

‫الحربية التي أقامت هذه املمالك الصغيرة كانت هي بعينها القاضية عليها لكثرة‬
‫ما ثار بينها من املنازعات وألاحقاد القاتلة؛ فقد كانت ألاحزاب املتنافسة ي حارب‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫بعضها بعضا على تالل املورة وسهول بؤوتيا حربا طاحنة قضت عليها جميعا ؛‬
‫الكبرى املؤلفة من "‪ Catalian Company‬وملا أن غزت اليونان "الشركة القطلونية‬
‫جماعة املغامرين القادمين من قطلونيا ( ‪ ) 5955‬ذبحت زهرة فرسان الفرنجة في‬
‫‪ ،‬وأضحت املنهوكة القوى ألعوبة ‪ Cephisus‬املعركة التي دارت قرب نهر سفسوس‬
‫‪.‬في أيدي القراصنة ألاسبان‬

‫حمو ‪ Theodoae Lescaris‬وبعد عامين من سقوط القسطنطينية أقام لسكاريس‬


‫ألكسيوس الثالث حكومة بيزنطية في منفاه في نيقية‪ .‬ورحبت بحكمه جميع‬
‫ألاناضول بما فيها مدائن بورصة‪ ،‬وفلدلفيا‪ ،‬وأزمير‪ ،‬وإفسوس الغنية؛ وأفاءت‬
‫ً‬
‫إدارته الحازمة القديرة العادلة على هذه ألاقاليم رخاء جديدا ‪ ،‬وبعثت في آلاداب‬
‫ً‬
‫اليونانية حياة جديدة‪ ،‬وأحيت قلوب الوطنيين اليونان آماال جديدة‪ .‬وأنشأ‬
‫ألكسيوس كمنينوس ابن مانويل في شرق تلك البالد وفي طربزون بالذات مملكة‬
‫بيزنطية أخرى ‪ ،‬ونشأت مملكة ثالثة ف ي إبيروس برياسة ميخائيل أنجلوس؛ وضم‬
‫ً‬
‫زوج ابنه لسكاريس وخليفته ( ‪ ) 5211- 5222‬جزءا ‪ John Vatatzes‬جون فتاتزيس‬
‫من أبيروس إلى مملكة نيقية‪ ،‬واسترد سالونيك من الفرنجة ( ‪ ،) 5210‬وكاد‬
‫يستولي على القسطنطينية نفسها لوال أنه عاد إلى آسيا الصغرى ألنه عرف أن‬
‫ً‬
‫البابا إنوسنت ق د دعا املغول الزاحفين غربا إلى إلاغارة على بالده من جهة‬
‫الشرق ( ‪ .) 5211‬ورفض املغول مشروع البابا محتجين بتلك الحجة الساخرة وهي‬

‫‪145‬‬
‫أنهم ال يريدون أن يعملوا على "إثارة ألاحقاد بين املسيحيين بعضهم وبعض"( ‪.) 1‬‬
‫ً‬
‫وكان حكم امللك جون الطويل ألامد من خير ألاحكام في التاري خ وأعظمها تشريفا‬
‫لصاحبها‪ ،‬فقد استطاع أن يخفف الضرائب‪ ،‬ويشجع الزراعة‪ ،‬وينش ئ املدارس‪،‬‬
‫ودور الكتب‪،‬‬

‫والكنائس‪ ،‬وألاديرة‪ ،‬واملستشفيات ومالجئ لكبار السن والفقراء‪ ،‬على الرغم من‬
‫الحروب الكثيرة النفقات التي خاض غمارها ليعيد بها وحدة إلامبراطورية‬
‫البيزنطية( ‪ .) 1‬وازد هرت آلاداب والفنون في عهده‪ ،‬وأصبحت نيقية في القرن‬
‫ً‬
‫‪.‬الثالث عشر من أكثر مدن العالم ثروة وأعظمها جماال‬
‫ً‬
‫وكان ابنه ثيودور لسكاريس الثاني ( ‪ ) 5211- 5211‬شغوفا بالعلم معتل الجسم‪،‬‬
‫ً‬
‫عاملا ومضطرب العقل؛ مات بعد حكم قصير‪ ،‬واغتصب العرش بعد موته‬
‫زعيم ألاشراف املتذمرين ( ‪ Michael Paleologus - 5210‬ميخائيل بليولوجوس‬
‫ً‬
‫‪ .) 5212‬وإذا جاز لنا أن نصدق املؤرخين قلنا إن ميخائيل كان متصفا بكل‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫نقيصة ‪ -‬كان "أنانيا ‪ ،‬منافقا ‪ ...‬كذوبا بغريزته‪ ،‬مغرورا ‪ ،‬قاسيا ‪ ،‬شرها "( ‪ .) 0‬ولكنه‬
‫ً‬
‫كان واسع الحلية شديد الدهاء‪ ،‬دبلوماسيا ‪ ،‬معقود لواء النصر‪ ،‬استط اع‬
‫بمعركة واحدة أن يثبت قدمه في ابيروس‪ ،‬كما استطاع بحلفه مع جنوى أن يفوز‬
‫بمعونتها على البنادقة والفرنجة في القسطنطينية؛ وأمر قائده استراتيجوبولس‬
‫أن يتظاهر بالهجوم على العاصمة من ناحية الغرب‪ .‬وزحف ‪Strategopulus‬‬
‫استراتيجولس على املدينة ولم يكن معه أكثر من أل ف رجل‪ ،‬فلما وجد حاميتها‬
‫خفيفة دخلها واستولى عليها دون عناء‪ ،‬وفر امللك بلدوين الثاني هو وحاشيته‪،‬‬
‫وتبعه رجال الدين الالتين الذين كانوا في املدينة وقد استولى عليهم رعب كانوا‬
‫خليقين به‪ .‬وعبر ميخائيل البسفور وهو ال يكاد يصدق النبأ وتوج إمبراطور‬
‫( ‪ ،) 5205‬وهكذا بع ثت إلامبراطورية البيزنطية من رقادها‪ ،‬وكان الناس يظنونها‬

‫‪146‬‬
‫قد قضت نحبها‪ ،‬واستعادت الكنيسة اليونانية استقاللها‪ ،‬وظلت الدولة‬
‫البيزنطية الفاسدة قائمة تصرف شئونها قرنين آخرين احتفظت فيهما باآلداب‬
‫القديمة ونقلتها إلى العالم الغربي‪ ،‬وصدت رغم ضعفها جيوش املسلمين في تلك‬
‫‪.‬الفترة من الزمان‬

‫‪147‬‬
‫الفصل الثاني‬

‫ألارمن‬

‫)‪(1060-1300‬‬
‫وحدث حوالي عام ‪ 5919‬أن غادرت أسر أرمنية كثيرة بالدها لعدم رضائها عن‬
‫سيطرة السالجقة عليها‪ ،‬وعبرت جبال طوروس‪ ،‬وأنشأت مملكة أرمينية الصغرى‬
‫في قليقية‪ .‬وبينما كان ألاتراك‪ ،‬والكرد‪ ،‬واملغول ‪ ،‬ي حكمون أرمينية الحقيقية‪،‬‬
‫في ‪ Leo II‬احتفظت الدولة باستقاللها مدى ثالثة قرون‪ .‬واستطاع ليو الثاني‬
‫ً‬
‫حكمه الذي دام أربعة وثالثين عاما ( ‪ ) 5250 - 5511‬أن يصد هجمات سالطين‬
‫‪ Sis‬وينش ئ عاصمة مملكته في سيس ‪ Isauria‬حلب ودمشق‪ ،‬ويستولي على إسوريا‬
‫ً‬
‫وهي آلان في تركيا)‪ ،‬ويعقد ح لفا مع الصليبيين‪ ،‬ويدخل الشرائع ألاوربية في (‬
‫ً‬
‫بالده‪ ،‬ويشجع الصناعة‪ ،‬والزراعة‪ ،‬ويمنح تجار البندقية وجنوى عددا من‬
‫الامتيازات‪ ،‬ويقيم املالجئ لأليتام‪ ،‬واملستشفيات للمرض ى‪ ،‬واملدارس لطالب العلم‪.‬‬
‫واستمتع رعاياه في أيامه برخاء منقطع النظير‪ ،‬وكسب بحق اسم ليو ألافخم ‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان من أعظم ملوك العصور الوسطى حكمة وأكثرهم خيرا وصالحا ‪ .‬ووجد‬
‫املسيحيين غير أهل ألن يعتمد عليهم‪ Hethumi (1226-1270) ،‬صهره هثوم ألاول‬
‫فتحالف مع املغول ‪ ،‬وسره أن يطردوا السالجقة من أرمينية ( ‪ .) 5219‬فلما أن‬
‫ً‬
‫اعتنق املغول إلاسالم حاربوا أرمينية الصغرى ودمروه ا تدميرا ( ‪ 5999‬وما‬
‫بعدها)‪ .‬وفتح املماليك املصريون أرمينية في عام ‪ ، 5991‬وقسمت البالد بعد‬
‫ً‬
‫الفتح بين سادة إلاقطاع‪ .‬وظل ألارمن من خالل هذا الاضطراب يبدون ضروبا من‬
‫م‬ ‫ً‬
‫املهارة الفنية في العمارة‪ ،‬وحذقا عظيما في النقش الدقيق‪ ،‬يستمسكون بنوع من‬

‫‪148‬‬
‫الكثلكة املستقلة عن سائر املذاهب‪ ،‬استطاعوا به أن يصدروا كل املحاوالت التي‬
‫‪.‬بذلتها القسطنطينية أو روما للسيطرة على بالدهم‬

‫‪149‬‬
‫الفصل الثالث‬
‫روسيا واملغول‬

‫)‪(1054-1315‬‬
‫كانت قبائل نصف همجية تسيطر في القرن الحادي عشر على بالد روسيا‬
‫‪ ، Khazars ،‬والبلغار‪ ،‬والخزر ‪ Cumans‬الجنوبية‪ ،‬وهذه القبائل هي الكومان‬
‫ً‬
‫أما ما بقي من روسيا ألاوربية فكان مقسما ‪ Patzinaks...‬والبلوفتس ي‪ ،‬والبتزيناك‬
‫‪ ،‬ونفجورود‪ ، Volhynia ،‬وفلهينيا‪ Kiev‬إلى أربع وستين إمارة ‪ -‬أهمها كيف‬
‫‪ ،‬وشرنيجوف‪ ، Ryazan‬وريازان‪ ، Smolensk‬واسمولنسك‪ Suzdalia‬وسزداليا‬
‫وكانت معظم هذه إلامارات تعترف بسيادة ‪ ، Pereyaslavl.‬وبري اسالفل ‪Chernigov‬‬
‫أمير كيف ألاكبر ( ‪ ) 5911‬وزع هذه ‪ Yaroslav‬كيف عليها؛ وملا قربت منية يارسالف‬
‫الواليات بترتيب أهميتها بين أبنائه حسب سنهم؛ فأعطى أكبرهم إمارة كيف‪ ،‬ثم‬
‫ً ً‬ ‫ً‬
‫وضع نظاما دوريا فذا يقض ي بأنه إذا مات أمير ينتقل ا لباقون من ألامراء كل‬
‫منهم إلى الوالية التي تلي واليته في ألاهمية‪ .‬وانقسمت طائفة من هذه إلامارات في‬
‫ً‬
‫القرن الثالث عشر إلى عدد من إلاقطاعيات وراثية على مر الزمن‪ ،‬فكانت أساسا‬
‫للنظام إلاقطاعي املعدل الذي تعاون فيما بعد هو وغارات املغول على إبقاء بالد‬
‫الروسيا ب حالها التي كانت عليها في العصور الوسطى بعد أن خرجت أوربا الغربية‬
‫من هذه العصور‪ .‬على أن بالد الروسيا كان لها في هذه الفترة صناعات يدوية‬
‫‪.‬نشيطة‪ ،‬وتجارة أغنى مما أصبح لها في كثير من القرون املتأخرة‬

‫وكانت سلطة كل أمير وراثية في العادة‪ ،‬ولكنها كانت تحددها جمعي ة شعبية‬
‫ومجلس من أعيان البالد يدعى بويارسكايا دوما ‪ Veche‬تسمى الفيش ي‬

‫‪150‬‬
‫وتركت معظم الشئون إلادارية والقانونية في أيدي رجال ‪Boyarskaya duma.‬‬
‫الدين‪ ،‬وكادت معرفة القراءة والكتابة تقتصر على هؤالء هم وعدد قليل من‬
‫ألاعيان‪ ،‬والتجار‪ ،‬واملرابين‪ .‬وقد استعان هؤالء بالن صوص أو النماذج البيزنطية‪،‬‬
‫فأنشئوا للروسيا آدابها‪ ،‬وقوانينها‪ ،‬ودينها‪ ،‬وفنونها‪ .‬وبفضل جهودهم هذبت‬
‫التي وضعت أول مرة في ‪ Russkaya Pravda‬وحددت الحقوق أو القوانين الروسية‬
‫أيان يارسالف‪ ،‬وصيغت صياغة قانونية (حول ‪ .) 5509‬وجعلت للكنيسة الروسية‬
‫الوالية النامة على شئون الدين ورجاله‪ ،‬وشئون الزواج وألاخالق والوصايا‪ ،‬وكان‬
‫لها سلطان مطلق على ألارقاء وغيرهم من املوظفين الذين يعملون في أمالكها‬
‫الواسعة‪ .‬وارتفعت بفضل جهودها منزلة العبيد في الروسيا من الوجهة القانونية‬
‫إلى حد ما‪ ،‬ولكن تجارة الرقيق ظلت قائمة حتى بلغت ذروتها في ال قرن الثاني‬
‫‪ ).‬عشر( ‪0‬‬

‫وشهد هذا القرن نفسه اضمحالل مملكة كيف وسقوطها‪ ،‬فقد كان للفوض ى‬
‫إلاقطاعية السائدة في غرب أوربا ما يماثلها من الفوض ى السائدة بين القبائل‬
‫ً‬
‫وألامراء؛ وشبت بين عامي ‪ 5911،5221‬ثالث وثمانون حربا أهلية في الرسيا‪ ،‬وأغير‬
‫ً‬
‫عليها ست وأربعون مرة‪ ،‬وشنت دول روسية ست عشرة حربا على شعوب غير‬
‫ً‬
‫روسية‪ ،‬وتنازع ‪ 209‬أميرا عرش أربع وستين إمارة( ‪ .) 1‬وحدثت في عام ‪5559‬‬
‫اضطرابات ثورية في كيف كان سببها ما حل باألهلين من فقر من جراء الحروب‪،‬‬
‫وارتفاع سعر الفائدة على الديون ‪ ،‬والاستغالل‪ ،‬والتعطل‪ .‬وهاجمت الجماهير‬
‫الحانقة الث ائرة بيوت رجال ألاعمال واملرابين ونهبتها‪ ،‬واحتلت دواوين الحكومة‬
‫وبسطت سيادتها عليها لحظة من الزمان‪ .‬واستدعت الجمعية البلدية مونوماخ‬
‫أمير برياسالفل ليكون أمير كيف ألاعظم؛ وجاء ألامير وهو كاره‪ ،‬وقام ‪Monomakh‬‬
‫فيها بما قام به صولون في اثنينا عام ‪ 101‬ق‪.‬م‪ ،‬فخفض س عر الفائدة على‬

‫‪151‬‬
‫القروض‪ ،‬وقيد بيع املدينين املفلسين أرقاء من تلقاء أنفسهم‪ ،‬كما قيد سلطة‬
‫أرباب ألاعمال‬

‫على العمال واملوظفين؛ فاستطاع بفضل هذه الوسائل وأمثالها ‪ -‬التي لم يرض‬
‫عنها ألاغنياء ووصفوها بأنها بمثابة مصادرة ألموالهم‪ ،‬وعابها الفقراء ألنها في‬
‫نضرهم غير كافية ‪ -‬أن ينجي املدينة من الثورة ويعيد تنظيم السالم في ربوعها( ‪.) 0‬‬
‫ً‬
‫وبذل جهودا كبيرة للقضاء على نزاع ألامراء وحروبهم‪ ،‬وتوحيد بالد الروسيا من‬
‫الوجهة السياسية‪ .‬ولكن هذا العمل كان أكبر من أن يقوم به في حكمه الذي لم‬
‫ً‬
‫‪.‬يدم أكثر من اثني عشر عاما‬

‫وعاد النزاع بيم ألامراء وبين الطبقات بعد موته إلى ما كان عليه من قبل‪ .‬وفي‬
‫هذه ألاثناء كانت سيطرة القبائل ألاجنبية سيطرة مستمرة على املجاري الدنيا‬
‫ألنهار الدنيستر‪ ،‬والدنيبر‪ ،‬والدن؛ وكان نمو التجارة إلايطالية في القسطنطينية‪،‬‬
‫ً‬
‫والبحر ألاسود‪ ،‬وموانئ الشام‪ ،‬قد حوال إلى خلجان البحر املتوسط كثيرا من‬
‫التجارة التي كانت تنتقل قبل ذلك الوقت من بالد إلاسالم وبيزنطية إلى دويالت‬
‫البحر البلطي مارة بأنهار الروسيا‪ .‬ونقصت من جراء ذلك ثروة كيف وضعفت‬
‫وسائلها املادية وروحها املعنوية‪ ،‬وأخذ جيرانها الهمج منذ عام ‪ 5900‬يغيرون على‬
‫ما وراءها من ألاص قاع وما حولها من الضواحي‪ ،‬ينهبون ألاديرة ويبيعون من‬
‫ً‬
‫يأسرونهم من الفالحين بيع الرقيق‪ .‬وأضحت كيف مكانا غير أمين‪ ،‬فنقص‬
‫سكانها‪ ،‬وأدى هذا إلى نقص ألايدي العاملة فيها‪ .‬وهاجم جيش أندرى‬
‫ً‬
‫كيف في عام ‪ ، 5500‬ونهبها وخربها تخريبا ‪ Andrey Bogolyubski‬بجوليوبسكي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كامال ‪ ،‬واسترق آالفا من أهلها حتى كادت "أم املدائن الروسية" يعفو ذكرها من‬
‫التاريخ مدى ثالثة قرون‪ .‬وأتم هذه الخراب الذي حل بكيف استيالء البنادقة‬

‫‪152‬‬
‫والفرنجة على القسطنطينية في عام ‪ ، 5291‬وغارات املغول التي امتدت من عام‬
‫‪ 5220 .‬إلى عام ‪5219‬‬

‫وانتقلت زعامة الروسيا في النص ف الثاني من القرن الثاني عشر من "الروس‬


‫الصغار" أهل أكرنيا إلى "الروس الكبار" ألاكثر منهم غلظة وأقدر منهم‬

‫على تحمل املشقة‪ ،‬وهم أهل إلاقليم املحيط بموسكو واملمتد على ضفتي الفلجا‬
‫ألاعلى‪ .‬وكانت موسكو قد أنشئت في عام ‪ ، 5510‬ولم تكن في ذلك الوقت إال قرية‬
‫التي كانت تمتد في الجهة الشمالية من ( ‪ Suzdalia‬صغيرة ت ستخدمها سوزداليا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫موسكو) مركزا أماميا على حدودها على الطريق الذي يصل مدائن فالدمير‬
‫بكيف‪ .‬وحارب أندري بجوليوبسكي ( ‪ Suzdal ) 5501- 5510‬وسزدال ‪Vladimir‬‬
‫ليجعل إمارة سوزداليا الجالس هو على عرشها صاحبة السيادة على الروسيا‬
‫بأجمعها‪ .‬ولكنه اغتيل وهو يقاتل ليخضع نفجورود لسلطانه كما اخضع كيف‬
‫‪.‬من قبل‬

‫وكانت مدينة نفجورود واقعة في الشمال الغربي من الروسيا على ضفتي نهر‬
‫وإذ كان نهر فلخوف ‪ Ilmen.‬قرب مخرج هذه النهر من بحيرة إملن ‪ Volkhav‬فلخوف‬
‫في الشمال‪ ،‬وكانت أنهار أخرى تخرج من بحيرة إملن ‪ Lagoga‬يصب في بحيرة لدوجا‬
‫متجهة نحو الجنوب والغرب والى البحر البلطي عن طريق بحيرة لدوجا‪ ،‬فإن هذه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املدينة لم تكن قريبة من الحدود قربا يهدد أمنها‪ ،‬وال هي بعيدة عنها بعدا يضر‬
‫بتجارتها‪ ،‬ولهذا نشأن فيها تجارة داخلية وخارجية نشيطة‪ ،‬وأضحت هي املركز‬
‫ال شرقي لتجارة مدن العصبة الهانسية‪ .‬فكانت تتجر عن طريق نهر الدنيبر مع‬
‫كيف وبيزنطية‪ ،‬وعن طريق نهر الفلجا مع بالد إلاسالم‪ .‬وكادت تحتكر تجارة الفراء‬
‫في الغرب إلى املحيط الجامد ‪ PskoV‬الروسية ألن سلطانها كان يمتد من بسكوف‬

‫‪153‬‬
‫الشمالي‪ ،‬ويكاد يصل إلى جبال أورال في الشرق ‪ .‬وسيطر تجار نفجورود ألاقوياء‬
‫ألاشراف بعد عام ‪ 5500‬على الجمعية التي كانت تحكم إلامارة عن طريق أميرها‬
‫املنتخب‪ .‬فقد كانت هذه املدينة ‪ -‬الدولة جمهورية حرة تطلق على نفسها اسم‬
‫"سيدي نفجورود ألاكبر"‪ .‬فإذا لم ينل أمير لها رضاء أهلها فإن "سكانها يقدمون‬
‫له واجب الاح ترام ويرشدونه إلى طريق الخروج" من املدينة؛ فإذا قاومهم ّ‬
‫زج وه في‬
‫السجن؛ وملا أراد‬
‫ً‬
‫أمير كيف ألاكبر أن ينصب ابنه أميرا عليهم رغم أنوفهم ‪ Sviatopolk‬اسفياتوبولك‬
‫( ‪ ) 5951‬قال له أهل نفجورود‪" :‬ابعثه إلى هنا إن كان له رأس ليس هو في حاجة‬
‫إليه"( ‪ .) 59‬ولكن الجمهورية ل م تكن ديمقراطية‪ ،‬ألن العمال وصغار التجار لم‬
‫يكن لهم صوت في حكومتها‪ ،‬ولم تكن في وسعهم أن يؤثروا في سياستها إال‬
‫‪.‬بالعصيان املتكرر‬

‫‪ Alexander Nevsky‬وبلغت نفجورود ذروة مجدها في عهد ألامير ألكسندر نفكي‬


‫فقد أراد البابا جريجوري التاسع أن يخرج الروسيا من املذهب )‪(1238-1263‬‬
‫املسيحي اليوناني إلى املذهب الالتيني‪ ،‬ودعا إلى حرب صليبية على نفجورود؛‬
‫وظهر جيش سويدي على نهر النيفا‪ ،‬فهزمه ألكسندر بالقرب من مدينة ليننغراد‬
‫الحالية ( ‪ ) 5219‬واشتق لقبه من اسم هذا النهر‪ .‬وكان نصره هذا أعظم من أن‬
‫ً‬
‫يبقيه رئيسا لجمهورية‪ ،‬فنفي بسببه م ن املدينة‪ ،‬فلما أن تولي ألاملان الحرب‬
‫الصليبية‪ ،‬واستولوت على بسكوف وتقدموا حتى أصبحوا على بعد سبعة عشر‬
‫ً‬
‫ميال من نفجورود‪ ،‬توسلت الجمعية املرتاعة إلى ألكسندر أن يعود‪ ،‬فعاد‪ ،‬واسترد‬
‫على جليد بحيرة بيبوس ( ‪ ) 5212‬وقض ي ‪ Livonine‬املدينة‪ ،‬وهزم فرسان ليفونيا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ذليال مهينا يتزعم أهل بلده تحت نير املغول‬ ‫‪ .‬سنيه ألاخيرة‬

‫‪154‬‬
‫ذلك أن املغول دخلوا الروسيا بقوات ال حصر لها‪ .‬جاءوا من التركستان‪،‬‬
‫ً‬
‫واخترقوا جبال القفقاس‪ ،‬وأبادوا عندها جيشا من الكرج‪ ،‬ونهبوا بالد القزم‪.‬‬
‫واستنجد القومان‪ ،‬الذين ظلوا عدة قرون يحاربون كيف‪ ،‬بالروس وقالوا لهم ‪:‬‬
‫ً‬
‫"لقد امتلكوا اليوم ديارنا‪ ،‬وسيملكون دياركم غدا "( ‪ ) 55‬وعرف بعض املراء‬
‫الروس صدق قولهم وقادوا عدة فرق يريدون أن ينضموا بها للدفاع عن‬
‫ً‬
‫القومان‪ .‬وبعث املغول رسال منهم يعرضون على الروس أن يحالفوهم ضد‬
‫بالقرب ‪ Kalak‬القومان‪ ،‬فقتل الروس الرسل ودارت معركة على شاطئ نهر كلكا‬
‫ً‬
‫‪ ،‬هزم فيها املغول جيش الروس والقومان‪ ،‬وأسروا عددا من ‪ Azov‬من بحر آزاق‬
‫قواد الروس‬
‫ً‬
‫بالخيانة‪ ،‬وكبلوهم باألغالل‪ ،‬وأقاموا فوقهم طوارا جلس عليه كبار رجال املغول‬
‫ً‬
‫‪ ).‬ليطعموا وليمة النصر‪ ،‬بينا كان ألاسرى ألاشراف يموتون اختناقا ( ‪5229‬‬

‫ثم ارتد املغول إلى منغوليا‪ ،‬وصرفوا جهودهم في فتح الصين‪ ،‬وعاد ألامراء الروس‬
‫ابن ابن ‪ Batu‬إلى الحرب فيما بينهم‪ ،‬ولكن املغول عادوا في عام ‪ 5290‬بقيادة باتو‬
‫ً‬
‫أخي جنكيز خان؛ وكانت عدتهم ‪ 199.999‬كلهم تقريبا من الفرسان؛ وكان الطريق‬
‫الذي جاءوا منه حول الطرف الشمالي من بحر الخزر‪ ،‬وأعمل وا السيف في رقاب‬
‫عاصمتهم‪ .‬وبعث باتو ‪ Bolgar‬الضاربين على ضفتي نهر الفجا‪ ،‬وخربوا مدينة بلغار‬
‫برسالة إلى أمير ريازان يقول فيها‪" :‬إن كنت تبغي السلم فأعطنا عشر ما عندك"‪،‬‬
‫فرد عليه بقوله‪" :‬إن في وسعك أن تأخذ كل ما عندنا بعد أن نموت"( ‪،) 52‬‬
‫واستنجدت ريازان باإلمارات الروسية‪ ،‬فأبت أن تنجدها؛ فقاتلت وحدها قتال‬
‫ألابطال‪ ،‬وخسرت جميع ما تملكه‪ ،‬فقد نهب املغول الذين ال يغلبون جميع مدن‬
‫ريازان‪ ،‬وحاصروا فلدمير؛ واجتاحوا سورذاليا‪ ،‬وبددوا جيشها‪ ،‬وحرقوا مسكو‪،‬‬
‫وحاصروا فلدمير؛ وقص النبالء شعرهم واختبئوا في الكنائس ولبسوا مسوح‬

‫‪155‬‬
‫الرهبا ن‪ ،‬فلما أحرقت الكنيسة واملدينة كلها قتلوا عن آخرهم؛ ودمرت النيران‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سوزال‪ ،‬ورستوف‪ ،‬وعددا كبيرا من قرى إلامارة ( ‪ .) 5291‬وزحف املغول على‬
‫نفجورود‪ ،‬فلما وقفت في سبيلهم الغابات الكثيفة‪ ،‬وألانهار الغزيرة املياه‪ ،‬خربوا‬
‫وبريسالفن‪ ،‬وبلغوا في زحفهم م دينة كيف وبعثوا برسلهم ‪ Chernigov‬شرنجوف‬
‫يطلبون إلى املدينة الاستسالم؛ وملا قتل أهل كيف الرسل‪ ،‬عبر املغول نهر الدنيبر‪،‬‬
‫ً‬
‫وتغلبوا عليها بالقوة بعد مقاومة ضعيفة‪ ،‬وخربوا املدينة‪ ،‬وقتلوا آالفا مؤلفة من‬
‫أهلها؛ وملا أن رأى جيوفني ده بيانو كربيني هذه املدينة بعد ست سنين من ذلك‬
‫الوق ت‪ ،‬وصفها بأنها بلدة تحتوي على مائتي كوخ‪ ،‬وأن ألارض التي حولها كانت‬
‫تتناثر فيها الجماجم‪ .‬ولم تكن الطبقات الوسطى والعليا‬

‫تجرؤ في يوم من ألايام على أن تسلح الفالحين أو العامة من سكان املدينة‪ ،‬فلما‬
‫ً‬
‫أن جاء املغول كان ألاهلون ضعافا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم‪ .‬فأخذ‬
‫‪.‬الفاتحون يقتلون أو يسترقونهم كما يحلو لهم‬

‫وتقدم املغول إلى وسط أوربا يغلبون وي غلبون ‪ ،‬ثم عادوا أدراجهم مخترقين‬
‫ً‬
‫‪ Sarai‬الروسيا يعيثون فيها فسادا ‪ ،‬فأقاموا على أحد روافد الفلجا مدينة سراي‬
‫واتخذوها عاصمة لعشائر مستقلة تعرف باسم الحشد الذهبي‪ .‬وظل باتو‬
‫ً‬
‫وخ لفاؤه يسيطرون على الجزء ألاكبر من الروسيا مدة مائتي عام وأربعين عاما‬
‫من ذلك الوقت؛ وسمح لألمراء الروس بأن يحتفظوا بأرضهم على شرط أن يؤدوا‬
‫عنها جزية سنوية لخان الحشد الذهبي‪ ،‬أو للخان ألاعظم لقرقورم املغولية‪ ،‬وأن‬
‫يقدموا من حين إلى حين بزيارة لهذا أو ذاك يقد مون لهما فروض الوالء‪،‬‬
‫ويقطعون فيها مسافات طويلة‪ .‬وكان املراء يجمعون هذا الخراج ويفرضونه على‬
‫ألاهلين باملساواة القاسية‪ ،‬يدفع الغني منه بقدر ما يدفع الفقر‪ ،‬ومن عجز عن‬
‫الدفع ِب ْي ع مب ْي ع الرقيق‪ .‬واستسلم ألامراء وخضعوا لسيادة املغول ألنها حمتهم من‬

‫‪156‬‬
‫الثورات الاجت ماعية‪ ،‬وانضموا إلى املغول في هجومهم على الشعوب ألاخرى ومن‬
‫بينها إلامارات الروسية نفسها‪ .‬وتزوج كثيرون من الروس مغوليات‪ ،‬ولربما دخلت‬
‫بعض مالمح الوجوه‪ ،‬وألاخالق املغولية‪ ،‬في السالالت الروسية( ‪ .) 59‬وأخذ بعض‬
‫الروس عن املغول أساليبهم في التحدث وامللبس‪ .‬وملا أصبحت الروسيا تابعة‬
‫لدولة أسيوية انفصلت إلى حد كبير عن الحضارة ألاوربية‪ ،‬وتعاون استبداد‬
‫الخان مع استبداد أباطرة بيزنطية على إيجاد "حاكم جميع الروس املطلق" في‬
‫‪.‬الدولة املسكوفية املتأخرة‬

‫وعرف زعماء املغول أنهم ال يستطيعون إخضاع الروسيا بالقوة وحدها‪،‬‬

‫فاصطلحوا مع الكنيسة الروسية‪ ،‬وحموا لها ممتلكاتها ورجالها‪ ،‬وأعفوا هذه‬


‫ً‬
‫املمتلكات وأولئك الرجال من الضرائب‪ ،‬وجعلوا إلاعدام عقابا ملن ينتهك‬
‫ً‬
‫حرماتها‪ .‬وقابلت الكنيسة هذا الجميل بمثله ‪ -‬أو لعلها أرغمت على رده إرغاما ‪-‬‬
‫فأوصت الروس بالخضوع للسادة املغول ‪ ،‬ودعت هللا جهرة أن يهب هم‬
‫السالمة( ‪ .) 51‬وأراد آالف من الروس أن يضمنوا ألنفسهم ألامن والسالم وسط‬
‫عواصف الرعب فترهبوا؛ وتوالت الهبات على املؤسسات الدينية‪ ،‬حتى أثرت‬
‫ً‬
‫الكنيسة الروسية ثراء فاحشا وسط الفقر السائد في جميع البالد‪ .‬ونمت في‬
‫الشعوب روح الخضوع والاستسالم‪ ،‬ومهدت السبيل إلى الاستبداد الذي سلط‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عليها قرونا طوالا ‪ .‬لكن الروسيا ظلت مع ذلك هي الروسيا وإن حنت رأسها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لعاصفة املغول الهوجاء‪ ،‬ووقفت سدا منيعا تصد عن أوربا سيل الغزاة‬
‫ألاسيويين‪ ،‬فقد تحطمت قوة التيار البشري الجارف على صخرة ألاجناس‬
‫الصقلبية ‪ -‬الروس‪ ،‬والبوهيميين‪ ،‬واملورافيين‪ ،‬والبولنديين ‪ -‬واملجرية؛ وقضت‬
‫أوربا الغربية فترة من الزمن ترتجف من الهول ولكنها لم تكد يمسها أذى‪ .‬ولعل‬
‫بقية أوربا استطاعت أن تسير في طريقها نحو الحرية والسياسة والعقلية‪ ،‬ونحو‬

‫‪157‬‬
‫الثروة‪ ،‬والنعيم‪ ،‬والفن‪ ،‬ألن الروسيا ظلت مائتي عام مغلوبة‪ ،‬ذليلة‪ ،‬راكدة‪،‬‬
‫‪.‬فقيرة‬

‫‪158‬‬
‫الفصل الرابع‬

‫بحر البلقان املضطرب‬

‫يرى الناظر إلى بالد البلقان عن بعد أنها خليط مضطرب من العواصف‬
‫السياسية والدسائس‪ ،‬ومن الخداع الجذاب واملهارة التجارية‪ ،‬والحروب‬
‫والاغتيال‪ ،‬واملذابح املدمرة‪ .‬أما البلغاري ‪ ،‬والروماني‪ ،‬واملجري ‪ ،‬واليوغسالفي فيرى‬
‫كل م نهم أن أمته هي ثمرة ألف عام من الكفاح للظفر باستقاللها من‬
‫إلامبراطوريات املحيطة بها‪ ،‬والاحتفاظ بثقافة فذة باهرة‪ ،‬والتعبير عن خصائصها‬
‫القومية في البناء‪ ،‬واللباس‪ ،‬والشعر‪ ،‬واملوسيقى والغناء دون أن يعوقها عن‬
‫‪.‬ذلك عائق‬

‫وسيمون ‪ Krum‬وظلت بلغاريا‪ ،‬التي كانت من قبل دولة قوية في عهد كروم‬
‫ً‬
‫‪ ،‬ثمانية عاما ومائة عام خاضعة لبيزنطية‪ ،‬ووجد تذمر البلغار والفالخ‪Simeon‬‬
‫من يعبر عنه في شخص أخوين هما يوحنا وبطرس ‪ Wallachia‬أهل والشيا ‪Vlach‬‬
‫إلى كنيسة القديس كمتريوس ‪ Trnova‬كان لهما ألاخوان أهل ترنوفا ‪ Asen‬آسن‬
‫ً‬
‫وأقنعاهم بأن هذا القدي س غادر مدينة سالنيك اليونانية ليتخذ ترنوفا موطنا‬
‫له‪ ،‬وأن في وسع بلغاريا إذا انضوت تحت لوائه أن تستعيد حريتها‪ .‬وأفلحا في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫بلوغ هدفهما‪ ،‬وقسما الدولة الجديدة تقسيما وديا بينهما‪ ،‬فاتخذ يوحنا ترنوفا‬
‫ً‬
‫وكان أعظم ملك من نسله ما‪ ،‬وفي ‪ Preslav.‬مقرا لحكمة واتخذ بطرس برسالف‬
‫تاريخ بلغاريا كله‪ ،‬هو يوحنا آسن الثاني ( ‪) 5215 - 5251‬؛ ذلك أن هذا امللك لم‬
‫يضم إلى ملكه تراقيا‪ ،‬ومقدونية‪ ،‬وإبيروس‪ ،‬وألبانيا فحسب‪ ،‬بل حكم هذه البالد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫حكما عادال أحبه من اجله رعاياه من اليونان أنفسهم‪ .‬وكسب‬

‫‪159‬‬
‫رضاء البابوات بإظهار الوالء لهم‪ ،‬وبإغداق ألاموال على ألاديرة؛ وشجع التجارة‪،‬‬
‫وآلاداب والفنون بمناصرتها وبما سنه لها من القوانين املستنيرة‪ ،‬وجعل ترنوفا‬
‫ً‬
‫من أكثر مدائن أوربا جماال ‪ ،‬ورفع منزلة بلغاريا في الثقافة والحضارة إلى مصاف‬
‫معظم ألامم الراقية في تلك ألايام‪ .‬لكن خلفاءه على العرش لم يرثوا منه حكمته؛‬
‫وأشاعت غزوات املغول الاضطراب في الدولة وأضعفتها ( ‪ ،) 5201- 5202‬وأدى‬
‫ً‬
‫‪.‬ذلك إلى خضوعها في القرن الرابع عشر إلى الصرب أوال ثم إلى ألاتراك فيما بعد‬

‫في عام ‪ Stephen Nemanga‬الزعيم) استيفن نمانيا( ‪ Zhupan‬وأفلح الزهوبان‬


‫‪ 5510‬في إخضاع العشائر وألاقاليم الصربية املخ تلفة لحكمه‪ ،‬فكان هو املؤسس‬
‫الحقيقي ململكة الصرب‪ ،‬التي ظلت خاضعة لحكم أسرته مائتي عام‪ .‬وكان ابنه‬
‫يؤدي لألمة أعمال كبير ألاساقفة والحاكم السياس ي في وقت واحد‪ Sava ،‬سافا‬
‫فأصبح فيما بعد أعظم قديسيها منزلة في نفوس ألاهلين‪.‬وكانت البالد ال تزال‬
‫فقيرة‪ ،‬حتى كانت الق صور امللكية نفسها تقام من الخشب‪ .‬وكانت لها فرصة‬
‫الحالية)‪ ،‬ولكن ‪ Dubrovnik‬دبرفنيك( ‪ Ragusa‬بحرية مزدهرة هي مدينة راجوسا‬
‫هذه املدينة كانت دولة مستقلة مفردة‪ .‬أصبحت في عام ‪ 5225‬خاضعة لحماية‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫البندقية‪ .‬واتخذ الفن الصربي في خالل هذين القرنين طرازا خاصا به وبلغ د رجة‬
‫عظيمة من إلاتقان في هذا الطراز الخاص‪ ،‬نتبينهما في الصور والنقوش املرسومة‬
‫‪ Nerez‬ذات الدير في نريز ‪ Panteleimon‬على جدران كنيسة القديس بنتيليمون‬
‫حوالي عام ‪ ،) 5501‬فهي تكشف عن واقعية مسرحية لم نعتدها في التصوير (‬
‫البيزنطي‪ ،‬وتسبق بقرن من الزمان بعض أساليب الت صوير التي كانت في ظن‬
‫وتظهر في هذه الصور الجدارية ‪ Giotto.‬وجيتو ‪ Duccio‬الناس من ابتكار دشيو‬
‫وغيرها مما رسم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر صور للملوك تنم عن‬
‫‪ ).‬فردية ال تضارعها فيها أية صورة بيزنطية قبل ذلك العهد( ‪51‬‬

‫‪160‬‬
‫وبنما كانت بالد الصرب في العصور الوسطى تسير نحو حضارة راقية‪ ،‬حطمت‬
‫الاضطهادات واملروق من الدين وحدة ألامة‪ ،‬ولربما كان في وسعها لوال هذا أن‬
‫بعد أن ‪ Bosnia‬تقف زحف ألاتراك‪ .‬كذلك أضعفت املنازعات الدينية البوسنة‬
‫أي امللك) كولين( ‪ Ban‬بلغت ذروة مجدها في العصور الوسطى تحت حكم البان‬
‫‪ ، .‬وم ا زالت كذلك حتى خضعت إلى املجر عام ‪Kulin (1180-1204) 5211‬‬

‫وعم الاضطراب هنغاريا بعد موت استيفن ألاول ( ‪ ) 5991‬من جراء الفتن التي‬
‫أثارها املجر الوثنيون على امللوك الكاثوليك‪ ،‬وما بذله هنري الثالث من محاوالت‬
‫هنري ‪ ،‬وملا جدد إلام براطور ‪ Andrew I‬لضم هنغاريا إلى أملانيا‪ .‬وهزم اندرو ألاول‬
‫عليه غرضه بأن أعطى ‪ Giza I‬هنري الرابع هذه املحاولة فوت امللك جيزا ألاول‬
‫هنغاريا إلى جريجوري السابع‪ ،‬ثم استردها منه إقطاعية بابوية ( ‪ .) 5900‬وأدى‬
‫التنافس على العرش في القرن الثاني عشر إلى تقوية إلاقطاع في البالد‪ ،‬فقد منح‬
‫املتنافسون النبالء إقطاعيات واس عة نظير تأييدهم لهم‪ ،‬حتى بلغ هؤالء النبالء‬
‫شبيه "‪ Golden Bull‬من القوة في عام ‪ 5222‬ما مكنهم من انتزع "مرسوم ذهبي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫شبها عجيبا بالعهد ألاعظم (مجنا كارتا) الذي وقعه جون ملك إنجلترا في عام‬
‫‪ . 5251‬وقد أنكر هذا املرسوم وراثة إلاقطاعيات‪ ،‬ولكنه وعد أن يدعى مجلس كل‬
‫عام‪ ،‬وأال يسجن أي نبيل إال بعد أن يحاكم أمام كونت من القصر إلامبراطوري‪،‬‬
‫وأال تفرض ضريبة ما على ضياع ألاشراف أو رجال الدين‪ .‬وظل هذا املرسوم‬
‫امللكي املعروف باسم املرسوم الذهبي نسبة إلى غالفه أو خاتمه صك الحرية‬
‫ألشراف هنغاريا‪ ،‬وأضعف سلطة امللكية الهنغارية وقت أن كان املغول يستعدون‬
‫‪.‬إليقاع أوربا في أزمة من أشد ألازمات في تاريخها كله‬

‫‪161‬‬
‫وفي وسعنا أن ندرك ما بلغه املغول من سعة امللك وقوة السلطان إذا ذكرنا أن‬
‫الخان ألاعظم سير في عام ‪ 5291‬ثالثة جيوش للزحف على كوريا ‪ Ogadi‬أجادي‬
‫والصين وأوربا‪ .‬وعبر الجيش الثالث بقيا دة باتو نهر الفلجا في عام ‪ ، 5290‬وكانت‬
‫ً‬
‫عدته ثالثمائة ألف مقاتل‪ .‬ولم يكن هذا الجيش حشدا غير نظامي‪ ،‬بل كان قوة‬
‫جيدة التدريب‪ ،‬حسنة القيادة مجهزة بآالت قوية للحصار وبأسلحة نارية جديدة‬
‫عرف املغول طريقة استعمالها من الصينيين‪ .‬وخرب هؤالء املحاربون في مدى‬
‫ً‬
‫ثالث سني ن الروسيا الجنوبية كلها تقريبا ‪ .‬وكأنما كان باتو غير قادر على أن يفكر‬
‫في الهزيمة فقسم هذا الجيش قسمين‪ ،‬زحف أحدهما على بولندة‪ ،‬واستولى على‬
‫‪ Leignitz‬وعبر نهر ألاودر وهزم ألاملان في ليجنتز ‪ Lubiln‬ولبلين ‪ Cracow‬كركوفيا‬
‫؛ وتسلق الجيش الثاني بقيادة باتو نف سه جبال الكربات‪ ،‬وهاجم هنغاريا‪(1241) ،‬‬
‫وأوقع بها هزيمة ‪ Mohi‬والتقى بقوات هنغاريا والنمسا املتحدة عند موهي‬
‫الاعتدال فيما يذكرون من ألارقام ‪ -‬عدد القتلى من املسيحيين بمائة ألف‪ ،‬وقدر‬
‫إلامبراطور فردريك الثاني خسائر الهنغاريين بما "ال يكاد يقل عن جميع القوة‬
‫الحربية للم لكة"( ‪ .) 50‬ومن سخريات التاريخ أن الغالبين واملغلوبين في هذه البالد‬
‫كانوا من دم واحد‪ ،‬فقد كان للقتلى من أشراف هنغاريا أبناء املجر املغول الذين‬
‫‪ Pesth‬اجتاحوا البالد قبل ثالثة قرون من ذلك الوقت‪ .‬واستولى باتو على بست‬
‫؛ وعبرت قوة من املغول نهر الدانوب‪ ،‬وأخذت تطارد )‪ Eztergom (1241‬وإزترجوم‬
‫حتى وصلت إلى شاطئ البحر ألادرياوي ‪ ،‬وكانت ‪ Bela IV‬امللك الهنغاري بيال الرابع‬
‫أينما حلت تنزل الخراب والدمار‪ .‬وأخذ فردريك الثاني يهيب بأوربا‬

‫‪162‬‬
‫أن تتحد لتستطيع الوقوف في وجه تيار الغزو ألاسيوي الجارف‪ ،‬ولكن نداءه كان‬
‫صرخة في واد‪ .‬وحاول أنوسنت الثالث أن يدعو املغول إلى املسيحية والى السالم‪،‬‬
‫ولكن دعوته هو آلاخر ذهبت أدراج الرياح؛ وكان الذي أنجى املسيحية وأوربا هو‬
‫موت أجادي وعودة باتو إلى قوقورم لالشتراك في انتخاب خان جديد‪ .‬ولم يحدث‬
‫في التاريخ كله تخريب أشمل من هذا التخريب أو أوسع فقد امت د من املحيط‬
‫‪.‬الهادي إلى البحرين ألادرياوي والبلطي‬

‫وعاد بيال الرابع إلى بست املخربة وعمرها باألملان‪ ،‬ونقل عاصمة ملكه إلى بودا‬
‫على الضفة ألاخرى من الدانوب ( ‪) 5210‬؛ وأعاد على مهل اقتصاديات بالده ‪Buda‬‬
‫املحطمة‪ .‬وقامت طبقة جديدة من ألاشراف فأعادت تنظيم املراعي والضياع‬
‫الكبرى التي كان الرعاة الفالحون ألاذالء ينتجون منها الطعام لألمة‪ .‬وهبط عمال‬
‫املناجم ألاملان من أرز جيرج واستخرجوا املعادن الخام الغنية من ترنسلفانيا‬
‫وكانت حياة ألاهلين وعاداتهم ال تزال خشنة غليظة‪ ،‬وأدوات العمل ‪Transylvania.‬‬
‫ً‬
‫بدائية‪ ،‬والبيوت أكواخا من ألاغصان والطين‪ .‬وقام الرجال في هذه البيئة التي‬
‫تضطرب فيها ألاجناس واللغات‪ ،‬وينقسم فيها ألاهلون إلى طبقات ومذاهب دينية‬
‫متنابذة متعادية‪ ،‬قام الرجال في هذه البيئة يعملون لتحصيل أرز اقهم‬
‫‪.‬ومكاسبهم‪ ،‬ووصل أسباب الاقتصاد الذي هو منبت الحضارة‬

‫‪163‬‬
‫الفصل الخامس‬

‫دول التخوم‬
‫ً‬
‫كما أن كل نقطة في الكون الالنهائي يمكن أن تعد مركزا له‪ ،‬كذلك نرى كل أمة‬
‫ً‬
‫وكل نفس في موكب الحضارات والدول تفسر مسرحية التاريخ والحياة تفسيرا‬
‫يدور حول صفاتها هي والدور الذي قامت به فيه‪ .‬وكان في شمال جبال البلقان‬
‫خليط آخر من الشعوب ‪ -‬من البوهيميين‪ ،‬وا لبولنديين‪ ،‬واللتوانيين‪ ،‬والليفونيين‪،‬‬
‫والفنلنديين‪ ،‬كل واحد منها يجعل تاريخه القومي املحور الذي حوله العالم كله‬
‫ً‬
‫‪.‬مستمسكا في ذلك بالعزة القومية التي تبعث الحياة في نفوس الشعوب‬

‫وكان الفلنديون الذين تربطهم باملجر والصرب صالت دم بعيدة‪ ،‬يعيشون في‬
‫وقبل أن يستهل ‪ Oka.‬بداية العصور ا لوسطى على ضفتي نهر الفلجا ألاعلى وألاوكا‬
‫القرن الثامن هاجر أولئك ألاقوام إلى ألاراض ي الجدباء املسرحية املناظر املعروفة‬
‫أو أرض املناقع‪ ،‬وملا ‪ Suomi‬عند غيرهم باسم فنلندة وعندهم هم باسم السؤمي‬
‫ملك السويد ‪ Eric Ix‬أخذوا يغيرون على سواحل اسكنديناوة اضطر إرك التا سع‬
‫ً‬
‫إلى فتح بالدهم في عام ‪ . 5510‬وترك إرك أسقفا عندهم في أبساال لينشر بينهم‬
‫الحضارة‪ ،‬فقتل الفنلنديون ألاسقف هنري ثم اتخذوه بعد قتله قديسهم‬
‫الشفيع‪ ،‬وأخذوا في بسالة هادئة يزيلون ويجففون املناقع‪ ،‬ويصرفون مياه‬
‫‪ .‬العشرة "آلاالف بحيرة"( ‪ ) 50‬ويجمعون الفراء‪ ،‬ويجاهدون ضد الثلوج‬

‫وأخذت قبائل قريبة في أصولها من الفنلنديين تعمل بالفأس واملجرف جنوب‬


‫‪ ، Esths‬وإلاسث‪ Prussians‬أو ‪ Borussians‬خليج فنلندة‪ ،‬وهي قبائل البروسيين‬
‫‪ Litva‬اللفونيين)‪ ،‬واللتفا( ‪Livs‬إلاستونيين)‪ ،‬واللف‪( ،‬‬

‫‪164‬‬
‫واللتفي ين‪ .‬فكانوا يصيدون الحيوان من الغابات‪ Letts ،‬اللثوانيين) واللت(‬
‫والسمك من مياه البحار وألانهار‪ ،‬ويربون النحل‪ ،‬ويفلحون ألارض‪ ،‬ويتركون‬
‫ً‬
‫وراءهم تراثا من آلاداب والفنون ملن هم أقل منهم قوة من خلفائهم الذين كانوا‬
‫هم يكدحون من أجلهم‪ .‬وظلت هذه القبائل كلها ما عدا ألاستونيين وثنية حتى‬
‫القرن الثاني عشر حين نشر ألاملان بينهم املسيحية والحضارة بالنار والسيف‪ .‬وملا‬
‫وجد اللفونيون أن ألاملان يتخذون الدين املسيحي وسيلة للتسلل إلى بالدهم‬
‫ليتطهروا فيه من ‪ Dvina‬والسيطرة عليهم قتلوا املبشرين‪ ،‬ونزلوا إلى نهر الدفينا‬
‫دنس التعمد‪ ،‬وعادوا إلى آلهتهم القدامى ‪ .‬ودعا إنوسنت الثالث إلى شن حرب‬
‫نهر الدفينا لحكم ألاملان ‪ Albert . 5295‬صليبية عليهم‪ ،‬ودخل ألاسقف ألبرت‬
‫وأتمت طائفتان من الفرسان الدينيين ‪ -‬العسكريين طائفتا الفرسان اللفونيين‪،‬‬
‫والفرسان التيوتون إخضاع دول البحر البلطي ألملانيا‪ ،‬وامتلكوا فيها أرضين‬
‫واسعة‪ ،‬ونشرو ا الدين املسيحي بين أهلها‪ ،‬واتخذوهم رقيق أرض( ‪ .) 51‬وقويت‬
‫قلوب الفرسان التيوتون بهذا النجاح‪ ،‬فتقدموا نحو الروسيا يرجون أن يخضعوا‬
‫في القليل والياتها الغربية ألملانيا وللمسيحية الالتينية‪ ،‬ولكنهم هزموا عند بحيرة‬
‫‪ .‬بيبوس ( ‪ ) 5212‬في واقعة من مواقع التاريخ الحاسمة ال تي ال يحص ى لها عدد‬

‫وكان بحر آخر من الصقالية يموج حول هذه الدول البلطية‪ .‬وكان منهم طائفة‬
‫‪ Warthe‬تسمى البوالنيين أي "شعب الحقول " ‪ -‬وكانت تفلح أودية أنهار الوارث‬
‫‪ ،‬تسكن على ضفتي نهر ‪ ، Mazurs‬وطائفة أخرى تسمى املازور‪ Oder‬وألاودر‬
‫أي "بجانب ( ‪ ، Pomerzani‬وطائفة ثالثة تدعى البومرزاني ‪ Vistula‬الفستيوال‬
‫وأراد ألامير البولندي ‪ Pomerania.‬البحر") هي التي اشتق منها اسم بمرانيا‬
‫أن يجنب بالده فتح ألاملان‪ ،‬فوضع بولندة تحت حماية ‪ Mieszko I‬ميسزكو ألاول‬
‫البابابوات‪ ،‬وأدارت بولندة من‬

‫‪165‬‬
‫ذلك الحين ظهرها نحو صقالبة الشرق نصف البيزنطي ين‪ ،‬وألقت بنفسها في‬
‫‪ Boleslav I ،‬أحضان أوربا الغربية واملسيحية الرومانية‪ .‬وفتح بلسالف ألاول‬
‫وكركوفيا ‪ Breslau‬ابن ميسزكو بومرانيا‪ ،‬وضم إلى بالده برسلو )‪(992-1025‬‬
‫‪ Boleslav III‬ونصب نفسه أو ل ملك على بولندة‪ .‬وقسم بلسالف الثالث ‪Cracow‬‬
‫اململكة بين أب نائه ألاربعة؛ وضعفت امللكية بعد هذا التقسيم‪(1102-1139) ،‬‬
‫وقسم ألاشراف ألارض إمارات إقطاعية‪ ،‬وأخذت بولندة تنقلب بين الحرية تارة‬
‫والخضوع ألملانيا وبوهيميا تارة أخرى ‪ .‬واندفع عليها تيار املغول الجارف في عام‬
‫ً‬
‫‪ ، 5215‬واستولوا على كركوفيا عاصمة البالد‪ ،‬ودكوها دكا ‪ .‬وملا انحسر تيار‬
‫ألاسيويين طغت في أثره موجة من املهاجرين ألاملان على بولندة الغربية‪ ،‬وخلقت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فيها مزيجا قويا من لغة ألاملان وشرائعهم‪ ،‬ودمائهم‪ ،‬ورحب بلسالف الخامس في‬
‫هذا الوقت عينه ( ‪ ) 5210‬باليهود الفارين من املذابح في أملانيا‪ ،‬وشجعهم على‬
‫ملك ‪ Wenceslas II‬تنمية ألاعمال التجارية واملالية ‪ ،‬واختير ونسسالس الثاني‬
‫ً‬
‫‪ .‬بوهيميا ملكا على بولندة في عام ‪ ، 5959‬وضم ألامتين تحت تاج واحد‬

‫واستقر الصقالبة في بوهيميا ومورافيا في القرنين الخامس والسادس؛ وقام زعيم‬


‫صلقبي يدعى سامو في عام ‪ 029‬وحرر بوهيميا من حكم آلافار وأسس فيها دزلة‬
‫ملكية مط لقة ماتت بموته في عام ‪ . 011‬وغزا شا رملان أرضها في عام ‪ ، 191‬وظلت‬
‫ً‬
‫بوهيميا ومورافيا جزأين من الدولة الكارولنجية زمنا ال نعرف مداه‪ .‬حتى إذا كان‬
‫كال إلاقليميين لسلطانها الدائم‪ ،‬ولكن ‪ Premysl‬عام ‪ 101‬أخضعت أسرة بريميزل‬
‫املجر حكموا مورافيا نصف قرن من الزمان ( ‪ .) 010 - 090‬وفي عام ‪ 021‬أخضع‬
‫هنري ألاول بوهيميا لألملان‪ .‬وعم الرخاء بوهيميا في عهد الدوق ونسسالس ألاول‬
‫على الرغم من خضوعها لألملان هذا الخضوع املتقطع‪Wencaslas I ،(928-935) .‬‬
‫‪ St. Ludmilla‬وكانت أم هذا الدوق القديسة لدمال‬

‫‪166‬‬
‫التخوم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫قد ربته تربية مسيحية خالصة‪ ،‬وظل بعد أن تولى الحكم مسيحيا مخلصا يطعم‬
‫الفقراء ويكسوهم‪ ،‬ويحمي ألارامل وألايتام‪ ،‬ويستضيف الغرباء‪ ،‬ويحرر ألارقاء من‬
‫ماله‪ .‬وحاول أخوه أن يغتاله ألنه تعوزه الرذائل التي البد من وجودها في امللوك‪،‬‬
‫فضربه ونسسالس بيده وعفا عنه‪ ،‬ولكن غيره من املتآمرين اغتالوا امللك وهو في‬
‫طريقه لحضور القداس في اليوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر عام ‪ 091‬؛‬
‫وال تزال أهل بوهيميا يحتفلون بهذا اليوم ويسمونه عيد ونسسالل قديس‬
‫‪.‬بوهيميا وحارسها‬

‫)‪ Boleslav I (939-967‬وخلفه أدواق ذوو نزعة حربية‪ ،‬وزحف بلسالف ألاول‬
‫من عاصمتهم ذات )‪ Bratislav I (1037-1055‬والثاني ( ‪ ،) 000- 000‬وبراتسالف ألاول‬
‫املوقع الحربي املنيع وفتحوا مورافيا‪ ،‬وسيليزيا‪ ،‬وبولندة؛ ولكن هنري الثالث‬
‫أرغم براتسالف على الجالء عن بولندة والعودة إلى أداء الجزية ألملانيا‪ .‬ثم حرر‬
‫بوهيميا وصار أول ملوكها‪ ،‬وأخضع أتوكار ‪ Attokar I 1197-1230‬أتوكار ألاول‬
‫وكارنثيا؛ وكان أرتوكا هذا شديد الرغبة في تنمية ‪ Styria‬الثاني النمسا‪ ،‬واستيريا‬
‫الصناعة وإيجاد طبقة وسطى في البالد يقاوم بها النبالء املتمردين‪ ،‬فشجع ألاملان‬
‫على أن يهاجروا إلى بالده حتى أصبح العنصر ألاملاني هو الكثرة الغالبية من سكان‬
‫ً‬
‫مدن بوهيميا ومورافيا كلها تقريبا ( ‪ ،) 50‬وأصبحت مناجم الفضة في كتناهورا‬
‫أساس رخاء بوهيميا ومطمع غزاتها الكثيرين‪ .‬وأعلن ألاملان الحرب ‪Kutna Hora‬‬
‫على أتوكار في عام ‪ ، 5201‬وأبى أشراف بالده أن يساعدوه على الغزاة‪ ،‬فتخلى لهم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عن فتوحه‪ ،‬واحتفظ بعرشه بوصفه أميرا إقطاعيا خاضعا ألملانيا‪ .‬وملا أن تدخل‬
‫في شئون بوهيميا الداخلية عبأ ‪ Rudolf of Hapsburg‬إلامبراطور ردولف هبسبرج‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أتوكار جيشا جديدا‬

‫‪167‬‬
‫؛ وتخلى عنه النبالء للمرة الثانية‪ ،‬فألقى ‪ Durnkrut‬حارب به ألاملان عند درنكروت‬
‫بنفسه في وطيس املعمعة بين صفوف ألاعداء املتراصة‪ ،‬ومات وهو يقاتل قتال‬
‫‪ .‬امل ستيئس‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وصالح ونسسالس الثاني ( ‪ ) 5991 - 5210‬ألاملان على أن يعود أميرا إقطاعيا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خاضعا لهم‪ ،‬وبذل جهودا جبارة في إعادة النظام والرخاء إلى البالد‪ .‬وانتهى‬
‫بموته عهد ألاسرة البريمسلية بعد أن حكمت البالد خمسمائة عام‪ .‬كان‬
‫البوهيميون ‪ ،‬واملورافيون ‪ ،‬والبولنديون هم كل من بقي من املهاجرين الصقالبة‬
‫الذين كانوا يملئون من قبل أملانيا الشرقية إلى حدود نهر إلالب‪ ،‬كانوا في الوقت‬
‫‪.‬الذي نتحدث عنه خاضعين لسلطان ألاملان‬

‫‪168‬‬
‫الفصل السادس‬

‫أملانيا‬
‫كان الذين كسبوا املعركة في النزاع التاريخي القائم حول تولي غير رجال الدين‬
‫املنا صب الكهنوتية هم أشراف أملانيا ‪ -‬ألادواق واللوردة‪ ،‬وألاساقفة‪ ،‬ورؤساء‬
‫ألاديرة‪ .‬وقد سيطر هؤالء على امللكية الضعيفة بعد هزيمة هنري الرابع؛ وأقاموا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في البالد نظاما إقطاعيا يعمل على تفكيكها وإضعاف سلطان حكومتها املركزية‪،‬‬
‫‪ .‬وأدى هذا النظام إلى حرمان أملانيا في الق رن الثالث عشر من زعامة أوربا‬

‫وخلع هنري الخامس ( ‪ ) 5520- 5590‬أباه عن العرش‪ ،‬وواصل كفاح أبيه ضد‬
‫ً‬
‫أن يتوجه إمبراطورا إال ‪ Paschael II‬البارونات والبابوات‪ .‬وملا رفض بسكال الثاني‬
‫إذا نزل عن حقه في تولية غير رجال الدين املناصب الكهنوتية‪ ،‬زج بالبابا‬
‫والكرادلة في ا لسجن‪ .‬وملا مات ألغي ألاشراف نظام امللكية الوراثية‪ ،‬وقضوا على‬
‫ً‬
‫السكسوني ملكا ‪ ، Lothair III‬وولوا لوثير الثالث‪ Franconian‬ألاسرة الفرنكونية‬
‫ً‬
‫‪ Conrad III‬على البالد‪ ،‬وبعد ثالثة عشر عاما من ذلك الوقت أسس كنراد الثالث‬
‫السوابية أقوى أس رة ملكية في تاريخ أملانيا ‪ Hohenstaufen‬أسرة هوهنستاوفن‬
‫‪.‬كله‬

‫ولم يوافق الدوق هنري البافاري على من وقع عليه اختيار الناخبين‪ ،‬وأيده في‬
‫؛ وشب النزاع من هذا الوقت بين ‪ Guelf‬أو جلف ‪ Welf‬هذا الرفض عمه ولف‬
‫وهو النزاع الذي اتخذ في القرنين الثاني عشر ‪ Ghibelline‬جلف وغبلين‬
‫ً‬
‫‪ .‬والثالث عشر صورا كثي رة‪ ،‬وكانت له نتائج متعددة‬

‫‪169‬‬
‫‪ Weisberg‬وحاصر جيش آل هوهنستاوفن العصاة البافاريين في بلده ويزبرج‬
‫وقلعتها‪ .‬وتقول إحدى الروايات القديمة إن املدينتين املتنازعتين "هي ولف!"‬
‫ّ‬
‫ويبلنج " سجلتا اسم الطائفتين املقتتلتين‪ ،‬وتقول القصص الظريفة إنه ملا‬ ‫ز"هي‬
‫قبل السوابيون ا ملنتصرون استسالم املدينة على أن يؤمن النساء وحدهن من‬
‫القتل‪ ،‬وان يسمح لهن بمغادرتها ومعهن كل ما يستطعن حمله‪ ،‬خرجت من‬
‫القتل‪ ،‬وأن يسمح لهن بمغادرتها وهن يحملن أزواجهن على ظهورهن( ‪.) 29‬‬
‫وعقدت هدنة في عام ‪ 5512‬حين خرج كنراد للحرب الصليبية‪ ،‬ولكن كنراد أخفق‬
‫في غرضه وعاد يجلله العار‪ .‬وخيل إلى الناس أن بيت هوهنستاوفن قد تلطخ‬
‫‪.‬اسمه بالعار حين جلس على العرش أعظم رجل من رجاله‬

‫سيد السالم) أو فردريك ألاول ( ‪ ) 5509 - 5512‬في سن ( ‪ friedrich‬وكان فريدريخ‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫الثالثين حين اختير ملكا ‪ .‬ولم يكن رجال مهيب الطلعة ‪ -‬فقد كان قصير القامة‪،‬‬
‫أب يض البشرة‪ ،‬أصفر الشعر‪ ،‬ذا لحية حمراء أكسبته في إيطاليا اسم بربروسه‬
‫‪ ،‬ولكنه كان ذا عقل صاف وعزيمة ماضية؛ قض ي حياته في العمل ‪Barbarossa‬‬
‫لخير الدولة‪ ،‬وأعاد أملانيا إلى زعامة العالم املسيحي وإن كان قد مني بكثير من‬
‫ً‬
‫الهزائم‪ .‬وإذ كان يجري في عروقه دم آل هوهنستاوفن وآل ولف جميعا ‪ ،‬فقد‬
‫‪ ،‬وصالح أعداءه‪ ،‬وهدأ أصدقاءه‪ ،‬وقض ى بشدة ‪ Landfried‬نادى بسلم في البالد‬
‫على املنازعات‪ ،‬والاضطرابات‪ ،‬والجرائم‪ .‬ويصفه معاصروه بدماثة الخلق‪،‬‬
‫وباستعداده الدائم ابتسامة رقيقة جذابة‪ ،‬وإن كان "شديد الوطأة على ألاشرار"‬
‫ً‬
‫حتى كانت قسوة قوانينه الجنا ئية‪ ،‬وهمجيتها عامال في تقدم الحضارة في أملانيا‪.‬‬
‫وكان الناس يثنون بحق على حياته‬

‫‪170‬‬
‫الخاصة ملا عرف عنه من تمسكه بأهداب العفة والفضيلة‪ ،‬وإن كان قد طلق‬
‫زوجته ألاولى لقربها إليه من ناحية العصب‪ ،‬وتزوج بوريثة كونت برغندية فنال‬
‫‪.‬بهذا الزواج مع عروسة مملكة‬
‫ً‬
‫‪ Eugenius‬وإذ كان يتوق ألن يتوجه البابا إمبراطورا ‪ ،‬فقد وعد يوجنيوس الثالث‬
‫أن يساعده على الرومان املتمردين‪ ،‬والنورمان املشاكسين‪ ،‬إذا حقق البابا ‪III‬‬
‫القريبة من روما حيث التقى ‪ Nepi‬رغبته‪ ،‬وقدم امللك الشاب الفخور إلى نيبي‬
‫بهدريان الرابع البابا الجديد‪ ،‬وأغفل الشعيرة ا ملعتادة القاضية بأن يمسك‬
‫الحاكم الزمني زمام جواد البابا وركابه ويساعده على النزول‪ .‬وبذلك نزل هدريان‬
‫إلى ألارض من غير معونة‪ ،‬وأبى على فردريك "قبلة السالم" وتاج إلامبراطورية إال‬
‫إذا أدى فردريك هذه الشعيرة‪ .‬وظل أعوان البابا وامللك يومين كاملين يتناقشون‬
‫ً‬
‫في هذه املسألة ويجعلون تاج إلامبراطورية معلقا على أداء املراسم الشكلية‪ ،‬حتى‬
‫ً‬
‫خضع فردريك آخر ألامر‪ ،‬فانسحب البابا وعاد إلى املدينة ممتطيا صهوة جواده‪،‬‬
‫وأمسك فردريك بزمام فرس البابا وركابه‪ ،‬وظل من ذلك الحين يتحدث عن‬
‫إلامبراطورية املقدسة‪ ،‬يرجو من وراء هذا أن يعترف العالم بأن إلامبراطور هو‬
‫‪.‬البابا النائبان عن هللا في ألارض‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وجعله لقبه إلامبراطوري ملكا على ملبارديا أيضا ؛ ولم يكن حاكم أملاني بعد هنري‬
‫الرابع يستمسك بحرفية هذا اللقب‪ ،‬ولكن فردريك سرعان ما بعث إلى كل بلد‬
‫ً‬
‫من بلدان إيطاليا الشمالية حاكما يصرف أمورها باسمه ‪ .‬وقبلت بعض املدن‬
‫أولئك السادة ألاجانب ولم يقبلهم بعضها‪ .‬وإذ كان فردريك يحب النظام أكثر من‬
‫ً‬
‫الحرية‪ ،‬ولعله أيضا كان يرغب في السيطرة على املنافذ إلايطالية لتجارة أملانيا‬
‫مع بالد الشرق ‪ ،‬فقد خرج في عام ‪ 5511‬ليخضع البالد الثائرة التي تعشق الحرية‬

‫‪171‬‬
‫فقهاء القانون الذين ‪ Roncaglia‬أكثر من النظام‪ .‬واستدعى إلى بالطه في رنكاجليا‬
‫كانوا يحيون الشريعة الرومانية في بولونيا؛ وسره أن يعرف‬

‫منهم أن هذه الشريعة تجعل إلامبراطور صاحب السلطة املطلقة على جميع أجزاء‬
‫إلامبراطورية واملالك لكل ما فيها‪ ،‬وتخوله حق تعديل الحقوق الشخصية أو‬
‫إلغائها إذا رأى في تعديلها أو إلغائها مصلحة للدولة‪ .‬ورفض البابا اسكندر‬
‫الثالث هذه الادعاءات لخوفه منها على حقوق البابوية الزمنية‪ ،‬وأيد هذه‬
‫الرفض بإعالنه أن هذه الحقوق هبات من بيبين وشا رملان؛ وملا أصر فردريك على‬
‫الاستمساك بمطالبه حرمه البابا من الكنيسة ( ‪ .) 5509‬وانتقلت وقتئذ صيحات‬
‫مدينتي جلف وغبلين لتمثل أوالهما مؤيدي البابا والثانية مؤيدي إلامبراطور‪.‬‬
‫وحاصر فردريك مدينة ميالن العنيدة عامين كاملين‪ ،‬حتى إذا استولى عليها آخر‬
‫ألامر حرقها عن آخرها ( ‪ .) 5502‬وأغضبت هذه القسوة مدائن فيرونا‪ ،‬وفيسنزا‪،‬‬
‫وبدوا‪ ،‬وترفيزو‪ ،‬وف رارا‪ ،‬ومانتوا‪ ،‬وبرشيا‪ ،‬وبرجامو‪ ،‬وكرمونا‪ ،‬وبياسنزا‪ ،‬وبارما‪،‬‬
‫ومودينا‪ ،‬وبولونيا‪ ،‬وميالن‪ ،‬فعقدت فيما بينهما حلف جامعة املدن اللمباردية‬
‫( ‪ ) 5500‬وهزمت جيوش تلك الجامعة جيش فردريك ألاملاني عند لنيانو في عام‬
‫‪ ، 5500‬وأرغمته على أن يعقد هدنة تدوم ست سنين‪ .‬واصطلح إلامب راطور والبابا‬
‫بعد عام من ذلك الوقت‪ ،‬ووقع فردريك معاهدة صلح في كنستانس ( ‪ ) 5519‬أعاد‬
‫بها الحكم الذاتي إلى املدن إلايطالية‪ .‬وأقرت هذه املدن في نظير هذا بالسيادة‬
‫ً‬
‫الاسمية لإلمبراطورية عليها‪ ،‬ووافقت كرما منها وشهامة على أن تمد فردريك‬
‫‪ .‬وحاشيته بما يلزمه من الزاد ف ي زيارته للمبارديا‬

‫وهكذا هزم فردريك في إيطاليا ولكنه انتصر في جميع البالد ألاخرى ‪ ،‬وأفلح في‬
‫تثبيت دعائم السلطة إلامبراطورية على بولندة‪ ،‬وبوهيميا‪ ،‬وهنغاريا‪ .‬وفرض من‬
‫جديد على رجال الدين ألاملان‪ ،‬بالفعل إن لم يكن بالقول ‪ ،‬جميع حقوق تولي‬

‫‪172‬‬
‫املناصب التي كان يطالب بها هنري الرابع‪ ،‬وكسب معونة هؤالء الرجال حتى على‬
‫البابوات أنفسهم( ‪ .) 25‬ونعمت أملانيا بما ناله من مجد‪ ،‬وسرها أن تستدعيه من‬
‫إيطاليا‪ ،‬واغتبطت بمواكب الفرسان التي كانت تسير في حفالت‬

‫تتويجه‪ ،‬وزيجاته‪ ،‬وأعياده‪ .‬وخرج إلامبراطور الشيخ في عام ‪ 5510‬على رأس مائة‬
‫ألف من الرجال إلى الحرب الصليبية الثالثة‪ ،‬ولعله كان يرغب في أن يؤلف من‬
‫الشرق والغرب إمبراطورية رومانية تعود إلى رقعتها القديمة‪ .‬ومات إلامبراطور‬
‫ً‬
‫‪.‬غريقا في قليقية بعد عام من ذلك الوقت‬
‫ً‬
‫وكان فردريك كما كان شا رملان مشبعا إلى أقص ى حد بالتقاليد الرومانية‪ ،‬وقد‬
‫أنهك قواه بما بذله من الجهد إلحياء ماضيها امليت‪ .‬وحزن أنصار امللكية املطلقة‬
‫ً‬
‫املعجبون بها ملا مني به من الهزائم‪ ،‬وعدوها انتصارا للفوض ى‪ ،‬أما عشاق‬
‫الديمقراطية فيسرون بها ويرونها مراحل في طريق الحرية‪ .‬وإذا ما نظرنا إلى‬
‫أعماله بعينه هو رأيناه على حق فيما فعل؛ فقد كانت أملانيا وإيطاليا تسيران‬
‫مسرعتين في طريق الفساد واختالل النظام‪ ،‬ولم تكن سلطة غير سلطة‬
‫إلامبراطورية القوية تستطيع القضاء على املنازعات والاضطرابات إلاقطاعية‬
‫والحروب القاتمة بين املدن املختلفة‪ ،‬وكان البد أن يستتب النظام ليمهد السبيل‬
‫إلى نشأة الحرية القوم ية‪ .‬ونسجت حول فردريك ألاول في عهود الضعف ألاملانية‬
‫املقبلة أقاصيص دالة على حب الشعب له‪ ،‬وخلع على بربروسه بعد حين من‬
‫الصفات ما كان القرن الثالث عشر يتصور وجوده في حفيده‪ :‬فقيل إنه لم يمت‬
‫ً‬
‫بثورنجي ا ‪ Kyffhauser‬بحق بل كل ما في ألامر أنه كان نائما في جبال كيفهوزر‬
‫‪ ،‬وكان في مقدور الناس أن يروا لحيته الطويلة تنمو مخترقة ما يغطيه ‪Thuringia‬‬
‫من الرخام؛ وسوف يستيقظ من نومه في يوم من ألايام‪ ،‬وينفض الثرى عن‬

‫‪173‬‬
‫كتفيه‪ ،‬ويعيد إلى أملانيا النظام والقوة‪ .‬وملا أنشأ بسمارك دولة أملانيا املوحدة‬
‫ً‬
‫‪ ).‬قال هذا الشعب الفخور إنه هو بربروسه نه ض ظافرا من قبره( ‪22‬‬

‫وكاد هنري السادس ( ‪ ) 5500- 5509‬يحقق حلم أبيه‪ ،‬فقد انتزع في عام ‪5501‬‬
‫جنوبي إيطاليا وصقلية من النورمان بمعونة جنوى وبيزا‪ ،‬وخضعت له إيطاليا‬
‫‪ Cauphine ،‬كلها عدا الواليات البابوية‪ .‬وضمت بروفانس‪ ،‬ودوفينيه‬

‫وبرغندية؛ وألساس‪ ،‬ولورين‪ ،‬وسويسرا‪ ،‬وهولندة‪ ،‬وأملانيا‪ ،‬والنمسا‪ ،‬وبوهيميا‪،‬‬


‫ومورافيا‪ ،‬وبولندة ضمت هذه كلها إلى أمالك هنري ‪ ،‬واعترفت إنجلترا بسيادته‬
‫عليها‪ ،‬وأدى له املسلمون املوحدون الجزية‪ ،‬وطلبت إنطاكية‪ ،‬وقليقية‪ ،‬وقبرص‬
‫أن تضم إلى إلامبراطورية‪ ،‬وكان هنري ينظر بنهم إلى فرنسا وأسبانيا‪ ،‬وقد وضع‬
‫الخط ط لالستيالء على بيزنطية‪ ،‬وكانت الفرق ألاولى من جيشه قد أبحرت إلى بالد‬
‫الشرق حين أصيب بزحار البطن وقض ي نحبه في صقلية وهو في الثالثة والثالثين‬
‫‪.‬من عمره‬

‫ولم يكن هنري قد حسب حساب مناخ هذه البالد التي فتحها وأعد العدة التقاء‬
‫ثأرها منه‪ .‬ولم يكن له إال ولد واحد هو طفل في الثالثة من عمره‪ ،‬وأعقبت موته‬
‫فترة من الفوض ى دامت نحو عشر سنين أخذ املطالبون بالعرش فيها يقتتلون‬
‫فيما بينهم‪ .‬وملا أن بلغ فردريك الثاني سن الرشد تجددت الحرب بين إلامبراطورية‬
‫والبابوية‪ ،‬تجددت في إيطاليا على يد ملك أملاني ‪ -‬نورماني أصبح إيطاليا‪،‬‬
‫سنتحد ث عنه فيما بعد حين نتكلم على إيطاليا‪ .‬وأعقبت موت فردريك الثاني‬
‫ً‬
‫( ‪ ) 5219‬نحو ثالثين عاما أخرى من الفوض ى يسميها شلر‪" :‬العهد املرعب الذي ال‬
‫ً‬
‫سادة فيه"‪ ،‬باع فيه ألامراء الناخبون عرش أملانيا لكل مستضعف يتركهم أحرارا‬
‫في أن يوطدوا أركان سلطانهم املستقبل‪ .‬وتكشف عهد الفوض ى عن نهاية أسرة‬

‫‪174‬‬
‫هوهنستاوفن‪ ،‬وأنشأ رودلف الهبسبرجي في عام ‪ 5209‬أسرة جديدة واتخذ فينا‬
‫ً‬
‫عاصمة له‪ .‬وأراد رودلف أن يكسب تاج إلامبراطورية‪ ،‬فوقع في عام ‪ 5200‬إعالنا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يعترف فيه بخضوع السلطة امللكية البابوية خضوعا تاما ؛ ويتخلى فيه عن جميع‬
‫ً‬
‫مطالبه في إيطاليا ال جنوبية وصقلية‪ .‬ولم يصبح رودلف إمبراطورا قط‪ ،‬ولكنه‬
‫استطاع بشجاعته‪ ،‬وإخالصه‪ ،‬ونشاطه أن يعيد النظام والرخاء إلى أملانيا‪ ،‬وأن‬
‫‪ .‬ينش ئ أسرة قوية ظلت تحكم النمسا وهنغاريا حتى عام ‪5051‬‬

‫وبذل هنري السابع ( ‪ ) 5959- 5991‬آخر الجهود لتوحيد ـأملانيا وإيطاليا‬

‫فعبر جبال ألا لب ( ‪ ) 5959‬بمعونة ضئيلة من ألاشراف ألاملان وقوة صغيرة من‬
‫‪ ،‬ورحبت به كثير من مدن ملبارديا‪ ،‬وكانت قد سئمت ‪ Walloon‬فرسان الوالون‬
‫حرب الطبقات ونزاع املدن بعضها مع بعض‪ ،‬وتاقت نفسها إلى التحرر من‬
‫سلطان الكنيسة عليها‪ .‬ورحب دانتي بالغزاة برسالة عن امللكية‪ ،‬أعلن في ها‬
‫بشجاعة تحرر السلطة الزمنية من السلطة الروحية‪ ،‬وطلب فيها إلى هنري أن‬
‫ينقذ إيطاليا من سيطرة البابوية‪ ،‬ولكن الجلف من أهل فلورنس أصبحت لهم‬
‫الغلبة في البالد‪ ،‬وسحبت املدن املشاكسة تأييدها‪ ،‬ومات هنري ‪ ،‬وهو محوط‬
‫باألعداء‪ ،‬بحمى املالريا وهي الداء الذي تجزي به إيط اليا بلين الفنية والفنية‬
‫‪.‬عاشقيها اململقين‬

‫وصدت أملانيا في الجنوب حواجز من طبيعة ألارض‪ ،‬واختالف العنصر‪ ،‬واللعنة‪،‬‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫فوجدت لها مخرجا وتعويضا في جهة الشرق ‪ ،‬فاستردت الهجرات والفتوح‬
‫والاستعمار ألاملاني والهولندي ثالثة أخماس أملانيا من الصقالبة؛ وانتشر ألاملان‬
‫الكثير والنسل على ضفتي الدانوب ووصلوا هنغاريا ورومانيا؛ وأقام التجار ألاملان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أسواقا وثغورا في فرانكفورت على ألاودر‪ ،‬وفي برسالو‪ ،‬وبراج‪ ،‬ودانترج وريجا‬

‫‪175‬‬
‫‪ ،‬ومراكز تجارية في كل مكان في الرقعة املمتدة من ‪ Reval‬وريفال ‪ Dorpt‬ودوربات‬
‫بحر الشمال والبحر البلطي إلى جب ال ألالب والبحر ألاسود‪ .‬لقد كانت فتوحهم‬
‫وحشية‪ ،‬ولكن النتائج أدت إلى رقي ال يستطاع تقديره في حياة سكان الحدود‬
‫‪.‬الاقتصادية والثقافية‬

‫وكان انهماك ألاباطرة في هذه الفترة السالفة الذكر في شئون إيطاليا‪ ،‬وحاجتهم‬
‫املتكررة إلى ضمان تأييد ألاشراف والفرسان‪ ،‬أو مكافأ تهم على هذا التأييد بهبات‬
‫ألارض أو السلطان‪ ،‬وما طرأ على سلطة امللوك ألاملان من الضعف بسبب مقاومة‬
‫ً‬
‫البابا لهم وخروج اللمبارد عليهم‪ ،‬كان هذا كله قد ترك ألاشراف أحرارا يتملكون‬
‫ً‬
‫ألارض في الريف‪ ،‬وينزلون الفالحين منزلة الرقيق؛ فعال بذلك شأن إلاقطاع في‬
‫القرن الثا لث عشر في أملانيا بينما كان سلطان امللوك يقض ي عليه‬

‫في فرنسا‪ .‬وأصبح ألاساقفة الذين قربهم ألاباطرة ألاولون ليكونوا في ظهر‬
‫ً‬
‫ألاشراف‪ ،‬أصبح هؤالء طبقة ثانية من النبالء‪ ،‬ال يقلون ثروة وقوة واستقالال عن‬
‫ألاشراف الدنيويين‪ .‬ولم يحل عام ‪ 5209‬حتى عهد إلاقطاعيون إلى سبعة من‬
‫ألاشراف ‪ -‬هم كبراء أساقفة مينز وتريير‪ ،‬وكولوني‪ ،‬ودوقا سكسونيا وبارفيا‪،‬‬
‫وكونت بالتين ومارجريف برندنبرج حق اختيار امللك‪ .‬وحد هؤالء الناخبون من‬
‫سلطان الحاكم‪ ،‬واغتصبوا الامتيازات امللكية‪ ،‬واستولوا على أراض ي التاج‪ .‬ولقد‬
‫كان يسعهم أن يعملوا عمل الحكومة امل ركزية ويهيئوا لألمة وحدتها‪ ،‬ولكنهم لم‬
‫يفعلوا‪ ،‬بل كانوا فيما بين الانتخابين يسيرون كما يحلو لهم‪ ،‬ولم تكن أمة أملانية‬
‫ً‬
‫قد وجدت بعد‪ ،‬وكل ما كان موجودا هم السسكون والسوابين‪ ،‬والبافاريون ‪،‬‬
‫والفرنجة‪ ...‬وكذلك لم يكن هناك برملان قومي‪ ،‬بل كانت في البالد املختلفة‬
‫أو ‪ Reichstag‬وملا قام مجلس ريشستاغ ‪ Landtage.‬مج الس إقليمية تسمى الندتاج‬
‫مجلس ملجموعة البالد ألاملانية في عام ‪ ، 5210‬اضمحل فيما بين عهدي الانتخاب‪،‬‬

‫‪176‬‬
‫ولم يعل شأنه إال في عام ‪ ، 5991‬وكانت طائفة من املوظفين ‪ -‬من رقيق ألارض أو‬
‫ألاحرار املعينين من قبل امللوك‪ .‬يؤلفون بي روقراطية مفككة ويكسبون نظام‬
‫ً‬
‫الحكم نوعا من الاستمرار غير املترابط‪ .‬ولم يكن للبالد عاصمة موحدة يتركز فيها‬
‫والء الشعب واهتمامه؛ ولم تكن هناك مجموعة موحدة من القوانين تحكم بها‬
‫البالد كلها‪ ،‬فقد احتفظ كل إقليم بعاداته وقوانينه رغم ما بذله بربروسه من‬
‫الجهد لفرض القانون الروماني على أملانيا كلها‪ .‬وحدث في عام ‪ 5221‬أن صيغت‬
‫‪ ،‬وفي ‪ Sachsenspiegel‬قوانين سكسونيا في كتاب واحد سمي املرآة السكسونية‬
‫" عام ‪ 5201‬صيغت قوانين سوابيا وعاداتها في "املرآة السوابية‬
‫؛ وأيد هذان القانونان ما كان للشعب من حق‪Schwabenspiegel‬‬

‫قديم في اختي ار ملوكه‪ ،‬وما كان للفالحين من حق الاحتفاظ بحريتهم وأرضهم‪،‬‬


‫وقالت املرآة السكسونية في هذا الصدد إن رق ألارض والاستعباد يتعارضان مع‬
‫الطبيعة البشرية ومع إرادة هللا‪ ،‬وأن أصلهما يرجع إلى القوة أو الغش( ‪ ،) 29‬لكن‬
‫‪.‬رق ألارض أخذ مع ذلك ينمو ويزداد‬

‫وكان عهد آل هوهنست اوفن ( ‪ ) 5211- 5519‬أعظم العهود ألاملانية قبل بسمارك‪.‬‬
‫نعم إن عادات الشعب وآدابه كانت ال تزال خشنة غليظة‪ ،‬وكانت قوانينه‬
‫ً‬
‫مضطربة هي والفوض ى سواء‪ ،‬وأخالقه خليطا من ألاخالق املسيحية والوثنية‪،‬‬
‫ومسيحيته نصف ستار النتهاب ألاراض ي واغتصابها من أصحابها‪ .‬كذلك لم تكن‬
‫ثرو ة الشعب أو وسائل نعيمه تضارع ثروة شعب إيطاليا أو فالندرز إذا وازنا‬
‫مدينة في أملانيا بمدينة مثلها في ذينك البلدين ألاخيرين‪ .‬ولكن الفالحين ألاملان‬
‫كانوا مجدين كثيري النسل‪ ،‬وكان التجار ألاملان مغامرين ذوي إقدام‪ ،‬وألاشراف‬
‫أكثر سكان أوربا ثقافة وقوة‪ ،‬وامللوك هم الرؤساء الزمنيين للعالم الغربي‬
‫ً‬
‫يحكمون بالدا تمتد من نهر الرين إلى نهر الفستيوال‪ ،‬ومن نهر الرون إلى جبال‬

‫‪177‬‬
‫البلقان‪ ،‬ومن البحر البلطي إلى الدانوب‪ ،‬ومن بحر الشمال إلى صقلية‪ .‬ونشأت‬
‫وترعرعت مائة مدينة ومدينة بفضل حياتها الاقتصادية الناشطة‪ ،‬وكان لكثير‬
‫منها صكوك ومواثيق تؤيد حكمها الذاتي؛ وأخذت على مر السنين تزداد ثروتها‬
‫ً‬
‫وتزدهر فنونها حتى كانت في عصر النهضة فخر أملانيا وشاهدا على عظمتها‬
‫ومجدها‪ ،‬وإنا ليعترينا آلان ألاس ى والحزن على ما كان لها من جمال زال ولم يبق‬
‫‪.‬له وجود‬

‫‪178‬‬
‫الفصل السابع‬

‫اسكنديناوة‬
‫‪ Waldemar‬عادت ال دنمرقة إلى الظهور في التاريخ مرة أخرى في عهد ولدمار ألاول‬
‫بعد أن ظلت مائة عام تنعم باالختفاء عنه‪ ،‬فقد استعان هذا )‪I (1157-1182‬‬
‫على إقامة حكومة قوية‪ Lund ،‬كبير أساقفة لند ‪ Absalon‬امللك بوزيره أبسالون‬
‫طهرت البحار من القراصنة‪ .‬واعتنت الدنمرقة بحماية التجارة وتشجيعها‪،‬‬
‫‪"-‬أي "مرفأ السوق ‪ Copenhagen‬وأسس أبسالون في عام ‪ 5500‬مدينة كوبنهاجن‬
‫ّ‬
‫ورد ولدمار الثاني ( ‪ ) 5215- 5292‬على الاعتداءات ألاملانية ‪Kjoebenhaven.‬‬
‫‪ ،‬وهمبرج‪ ،‬وعلى البالد ألاملانية الواقعة في ‪ Holstein‬باالستيالء على هولستين‬
‫الشمال الشرقي من نهر إلالب ‪ .‬ثم قام بثالث حروب "صليبية" ضد صقالبة البحر‬
‫ً‬
‫البطلطي "تكريما للعذراء املباركة" واستولى على إستونيا الشمالية‪ ،‬وأسس‬
‫وهوجم في إحدى هذه الحروب وهو في معسكره؛ ويقول ‪ Reval.‬مدينة ريفال‬
‫الرواة إنه نجا من املوت بسببين أولهما شجاعته وثانيهما أنه نزلت من السماء في‬
‫وقت الهجوم عليه راية حمراء عليها صليب أبيض‪ .‬وأصبحت هذه الراية املعروفة‬
‫أي القماش الدنمرقي علم القتال الدنمرقي؛ وأسره ‪ Dannebrog‬باسم الدنبرج‬
‫في عام ‪ ، 5229‬ولم يطلق ‪ Count Henry of Schwerin‬الكونت هنري الشويريني‬
‫سراحه بعد أن قض ي في ألاسر عامين ونصف عام إال بعد أن نزل لألملان على‬
‫وقض ي هذا امللك بقية ‪ Rügen.‬جميع فتوحه ألاملانية والصقلبية ما عدا روجن‬
‫حياته العجيبة النافعة في إلاصالحات الداخلية وتقنين جميع شرائع الدنمرقة‪.‬‬
‫وكانت مساحة الدنمرقة حين وفاته ضعفي مساحتها في هذه ألايام‪ ،‬وكانت تشمل‬

‫‪179‬‬
‫ً‬
‫الجزء الجنوبي من بالد ال سويد‪ ،‬وكان عدد سكانها مساويا لعدد سكان السويد‬
‫) ( ‪ ) 999.999‬والنرويج ( ‪299.999‬‬

‫مجتمعين‪ .‬ثم ضعفت سلطة امللوك بعد وفاة ولدمار الثاني‪ ،‬حتى إذا كان عام‬
‫على عهد يعترف فيه بأن ‪ 5212 Eric Glipping‬حصل ألاشراف من إرك جلبنج‬
‫‪.‬برملان قومي "‪ Danehof‬جمعيتهم "الدنهف‬

‫وليس في نقدور كائن من كان أن يجعلنا نتصور أعمال أهل اسكنديناوة في هذه‬
‫ً‬
‫ألايام ألاولى اللهم إال إن كان قصاصا واسع الخيال‪ ،‬وحسبنا أن نقول عنها إنها‬
‫جهود جبارة تبذل في سبيل الاستيالء على هذه الشبه الجزيرة الوعرة الخطرة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يوما بعد يوم وقدما بعد قدم‪ .‬لقد كانت الحياة ال تزال فيها بدائية؛ وكانت موارد‬
‫الغذاء ألاولية فيها هي صيد الحيوان والسمك والزراعة‪ .‬وكان البد من تقطيع‬
‫أشجار الغابات املترامية ألاطراف‪ ،‬وتأنيس الحيوان البري ‪ ،‬وجر املاء إلى مجار‬
‫تمكن ألاهلين من إلانتاج‪ ،‬وإنشاء املرافئ البحرية؛ وكان البد من أن يعتاد الرجال‬
‫الجلد وتحمل املشاق ملغالبة الطبيعة التي بدت وكأنها تغضب من تطفل إلانسان‬
‫شأن عظيم في ‪ Cistercian‬عليها وتدخله في شئونها‪ .‬وكان للرهبان السسترسيين‬
‫ً‬
‫هذا الكفاح الذي قضوا فيه حياتهم جيال بعد جيل‪ ،‬فكانوا يقطعون ألاشجار‪،‬‬
‫ويفلحون ألارض‪ ،‬ويعلمون الفالحين أساليب الزرع الراقية‪ .‬وكان من أبطال هذا‬
‫رئيس وزراء السويد من ‪ 5211‬إلى ‪ . 5200‬فهو الذي ‪ Earl Birger‬الكفاح إيرل برجر‬
‫حوالي ( ‪ Stokholm‬ألغي رق ألارض‪ ،‬وأقام حكم القانون ‪ ،‬وأسس مدينة استكهولم‬
‫بأن أجلس ابنه ولدمار )‪ Folkung (1250-1363‬عام ‪ ،) 5211‬وأنشأ أسرة فولكنج‬
‫على العرش‪ .‬وأثرت مدينة برجن ألنها كانت منفذ تجارة النرويج‪ ،‬وأضحت مدينة‬
‫مركز الاتصال بين بالد السويد ‪ Gotland‬القائمة على جزيرة جتلند ‪ Visby‬فزبي‬
‫والعصبة الهانسية‪ .‬وشيدت كنائس فخمة ممتازة‪ ،‬وتضاعف عدد الكنائس‬

‫‪180‬‬
‫الكبرى واملدارس‪ ،‬وأخذ الشعراء يغنون قصائدهم؛ وفي القرن الثالث ع شر‬
‫ً‬
‫القائمة بعيدا عن البالد في ضباب املحيط ‪ Iceland‬أضحت جزيرة أيسلندة‬
‫ً‬
‫‪.‬الجامد الشمالي أكثر املراكز الاسكندويناوية في العالم نشاطا في ألادب‬

‫‪181‬‬
‫الفصل الثامن‬

‫إنجلترا‬

‫وليم الفاتح ‪1-‬‬


‫ً‬
‫حكيم وليم الفاتح إنجلترا حكما جمع فيه بمهارة عظيمة بين الشدة‪ ،‬وال قانون ‪،‬‬
‫تحت تأثير ‪ Witan‬والتقوى ‪ ،‬والدهاء‪ ،‬والخداع‪ .‬فلما أن رفعه إلى العرش الويتان‬
‫الخوف وإلارهاب‪ ،‬أقسم أن يطيع القوانين إلانجليزية املعمول بها وقتئذ‪ .‬وانتهز‬
‫بعض ألاعيان في غربي إنجلترا وشماليها فرصة غيابه في نورمندي وحاولوا إيقاد‬
‫نار الثورة في البالد ( ‪ ، ) 5900‬فعاد إليهم واندفع في البالد ينتقم من أهلها أشد‬
‫الانتقام‪ ،‬فأطلق لنفسه فيه العنان يقتل ألاهلين‪ ،‬ويهلك الحرث والنسل‪ ،‬ويدمر‬
‫البيوت بأساليب منظمة محكمة لم تنج إنجلترا من آثارها كلها حتى القرن‬
‫التاسع عشر( ‪ .) 21‬وقسم أخصب أراض ي اململكة إلى ضياع واسعة وزعها على‬
‫ً‬
‫أع وانه النورمان‪ ،‬وشجعهم على بناء قصور حصينة يتخذونها قالعا يدافعون بها‬
‫عن أنفسهم ضد السكان املعادين ‪ .‬واحتفظ هو بمساحات من ألارض واسعة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لتكون ملكا للتاج‪ ،‬واتخذ قطعة من هذه ألارض طولها ثالثون ميال ‪ ،‬مسارح‬
‫للملك يصيد فيها الوحوش‪ .‬ودمر كل ما في هذه البقعة من م نازل ‪ ،‬وكنائس‪،‬‬
‫ً‬
‫ومدارس ليفسح الطريق للخيل والكالب‪ ،‬وكان يعاقب كل من يقتل أيال أو أيلة في‬
‫‪ ).‬الغابة الجديدة بفقء عينه( ‪21‬‬

‫‪182‬‬
‫وهكذا نشأت في إنجلترا طبقة ألاشراف الجدد الذين ال يزال أبناؤهم من حين إلى‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫حين يسمون بأسماء فرنسية‪ ،‬وانتشر إلاقطاع الذي كان من قبل ضعيفا نسبيا‬
‫ً‬
‫في طول البالد وعرضها‪ ،‬وحول الشعب أرقاء ألارض‪ .‬وجعلت ألارض كلها ملكا‬
‫للملك‪ ،‬ولكنه سمح لإلنجليز الذين استطاعوا أن يبرهنوا على أنهم لم يقفوا في‬
‫وجه الفاتحين بأن يعودوا إلى شراء أرضيهم من الدولة‪ .‬وأراد وليم أن يسجل‬
‫مغانمه ويعرفها‪ ،‬فأرسل عماله في عام ‪ 5919‬ليسجلوا اسم مالك كل قطعة من‬
‫ألارض في إنجلترا‪ ،‬وحالها‪ ،‬ومحتوياتها؛ وقد ورد في هذا السجل أن امللك "شدد‬
‫ً‬
‫عليهم في أوامره تشديدا لم تبق معه ياردة واحدة من ألارض‪ ،‬ال‪ ...‬بل وال ثور أو‬
‫بقرة‪ ،‬أو خنزير‪ ،‬لم يكتب في سجله"( ‪ .) 20‬وكانت نتيجة هذا العمل هو كتاب‬
‫ألاحكام وهو اسم ينذر بما سيكون له من شأن خطير إذ أصبح هو "الحكم" ألاخير‬
‫في جميع املنازعات العقارية‪ .‬وأراد وليم أن يضمن لنفسه معونة البالد الحربية‪،‬‬
‫ويحد من سلطان أتباعه العظام‪ ،‬فاستقدم إليه جميع كبار املالك في إنجلترا ‪-‬‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وجعل )‪ Salisbury (1086‬وكان عددهم ستين ألفا ‪ -‬إلى اجتماع عقد في سل زبري‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كل واحد منهم يقسم يمين إلاخالص التام للملك‪ .‬وكان عمله هذا احتياطا حكيما‬
‫‪.‬ضد إلاقطاعية الفردية التي كانت وقتئذ تقطع أوصال فرنسا‬

‫وبعد فالبد لإلنسان أن يتوقع قيام حكومة قوية بعد الفتح‪ .‬وهذا ما حدث في‬
‫ً‬
‫إنجلترا وقتئذ‪ ،‬فقد أقام وليم أو خلع فرسانا ونبالء‪ ،‬وأساقفة ورؤساء أساقفة‬
‫وأديرة؛ ولم يتردد لحظة في أن يزج في السجن لوردة عظماء‪ .‬وأن يتمسك بما له‬
‫من حق تعيين رجال الدين في مناصبهم‪ .‬ويقاربه في هذه الناحية جريجوري‬
‫السابع الذي كان مثله ذا حول وطول ‪ ،‬والذي كان في هذا الوقت عينه يستقدم‬
‫وأراد امللك أن يمنع الحرائق ‪ Canossa .‬إلامبراطور هنري الرابع إلى كنوسا‬

‫‪183‬‬
‫الفاتح‬

‫فأمر سكان إنجلترا بإطفاء نار املدافئ أو تغطيتها قبل الساعة الثامنة مساء‪،‬‬
‫ومعنى هذا أن يأوي ألاهلون إلى فراشهم في فصل الشتاء في هذا الوقت( ‪.) 20‬‬
‫واشتدت حاجته إلى املال لإلنفاق منه عل ى حكومته آلاخذة في الاتساع‪ ،‬وعلى‬
‫فتوحه املترامية ألاطراف‪ ،‬ففرض ضرائب باهظة على جميع البيوع‪ ،‬والواردات‪،‬‬
‫والصادرات‪ ،‬واستخدام القناطر‪ ،‬والطرق ‪ .‬وأعاد جميع الضرائب التي ألغاها من‬
‫قبل إدوارد املعترف‪ .‬وملا علم أن بعض إلانجليز أودعوا أموالهم في سراديب ألاديرة‬
‫ليخف فوها عنه‪ ،‬أمر بتفتيش جميع ألاديرة وبنقل كل ما هو مخبأ فيها إلى بيت‬
‫ماله‪ ،‬ولم يكن بالطه امللكي يتورع عن قبول الرشا‪ ،‬وتسجيلها بأمانة في السجل‬
‫العام( ‪ .) 21‬لقد كانت حكومته في صراحة تامة حكومة فاتحين يعتزمون أن‬
‫‪ .‬يجعلوا مكاسب مغامرتهم تتناسب مع ما تعرضوا له من ألاخطار‬

‫‪ Lafranc‬وكان لرجال الدين النورمان نصيبهم من النصر‪ ،‬فقد جئ بالفرانك‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫ونصب كبيرا ألساقفة كنتربري وكبيرا لوزراء امللك‪ Caen .‬القدير املرن من كائن‬
‫فلما جاء وجد رجال الدين ألانجليسكسون مولعين بالصيد‪ ،‬ولعب النرد‪،‬‬
‫والزواج( ‪ ،) 20‬فاستبدل بهم قساوسة وأساقفة‪ ،‬ورؤساء أديرة من النورمان؛‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ووضع دستورا جديدا لألديرة هو املعروف بعادات كنتربري ‪ ،‬ورفع مستوى رجال‬
‫الدين إلانجليز من الناحيتين العقلية والخلقية‪ .‬وأصدر وليم ‪ -‬بإيحاء منه في أغلب‬
‫ً‬
‫الظن ‪ -‬قرارا بفصل املحاكم الكنسية عن املحاكم املدنية‪ ،‬وأمر بأن ينظر في جميع‬
‫املسائل الروحية بمقتض ى قانون الكنيسة‪ ،‬وتعهد بأن تنفذ الدولة كل ما تحكم‬
‫به املحاكم الكنسية من عقوبات‪ .‬وأمر بأن تجبى العشور من الشعب ملعونة‬
‫الكنيسة‪ ،‬ولكنه طلب أال يذاع أو ينفذ قرار بابوي أو رسالة بابوية في إنجلترا بغير‬
‫موافقته‪ ،‬وأال يدخل إنجلترا مبعوث من قبل البابا إال بإذن ملكي‪ .‬وفصلت من‬

‫‪184‬‬
‫ً‬
‫ذلك الحين جمعية ألاساقفة الوطنية عن الويتان وكانت من قبل جزءا منه‪،‬‬
‫وأصبحت‬

‫‪ ).‬هيئة مستقلة‪ ،‬ال تنفذ قراراتها إال إذا صادق عليها امللك( ‪99‬‬

‫ووجد وليم أن حكم مملكته أيسر عليه من حكم أسرته‪ ،‬شأنه في هذا شأن‬
‫الكثرة الغالبة من عظماء الرجال ‪ .‬فقد كانت إلاحدى عشرة السنة ألاخيرة من‬
‫‪ ،‬وطلب ابنه روبرت ‪ Matilda‬حياته مليئة بالنزاع بينه وبين زوجته امللكة ماتلدا‬
‫أن يكون له السلطان الكامل على نورماندي‪ ،‬فلما رفض طلبه هذا خرج على‬
‫ً‬
‫أبيه‪ ،‬وحاربه وليم حربا غير حاسمة‪ ،‬ثم صالحه على أن يوص ي له بهذه الدوقية‬
‫بعد وفاته‪ .‬وزاد جسم امللك زيادة صعب عليه معها أن يركب الخيل؛ وحارب‬
‫فليب ألاول ملك فرنسا لخالف على الحدود؛ وملا طال مكثه في رون‪ ،‬وكاد يعجز‬
‫عن الحركة لبدانته‪ ،‬سخر منه فليب ‪ -‬على حد قول بعضهم ‪ -‬بأن قال إن ملك‬
‫إنجلترا "مالزم الفراش للنفاس"‪ ،‬وأن الشموع ستوقد في الاح تفال العظيم الذي‬
‫عن ‪ Mantes‬سيقام في الكنيسة بعد أن يلد‪ .‬وأمر وليم جيشه أن يحرق مانت‬
‫آخرها هي وما جاورها‪ ،‬وأن تتلف كل املحصوالت والفاكهة‪ ،‬ونفذ أمره بحذافيره‪.‬‬
‫وبينما كان وليم يسير فوق جواده وسط مظاهر التخريب والتدمير وهو ثمل بخمرة‬
‫النصر إذ عثر به الجواد فسقط فوق قربوس السرج الحديدي‪ ،‬فحمل إلى‬
‫ً‬
‫القريبة من رون‪ ،‬حيث اعترف بذنوبه اعترافا ‪ Gervase‬صومعة القديس جوفاس‬
‫ً‬
‫كامال ‪ ،‬وأدلى بوصيته‪ ،‬وكفر عن هذه الذنوب بأن وزع ثروته على الفقراء‬
‫ً‬
‫والكنيسة‪ ،‬ووهب املال إلعادة بناء مانت‪ .‬وترك أبناؤه جميعا ‪ ،‬عدا‪ ،‬هنري ‪ ،‬فراش‬
‫موته ليقتت لوا من أجل وراثة العرش‪ ،‬وفر ضباطه وخدمه بما استطاعوا أن‬
‫‪" Abbay‬يستولوا عليه من املغانم؛ وحمل جثته قروي من أتباعه إلى "دير الرجال‬
‫في كائن ( ‪ .) 5910‬ووجد أن التابوت الذي صنع له ال يتسع لجثته؛ ‪aux Hommes‬‬

‫‪185‬‬
‫فلما أراد الخدم أن يحشروا جسمه الضخم في هذا التابوت الضيق ‪ ،‬انفجر‬
‫‪ ).‬الجسم؛ ومأل الكنيسة كلها برائحة امللك الكريهة( ‪95‬‬

‫وكانت نتائج الفتح النورماني كثيرة يخطئها الحصر‪ ،‬فقد فرض شعب جديد‬

‫وفرضت طبقة جديدة على الدنمرقيين الذين حلوا محل إلانجليز والسكسون ‪،‬‬
‫الذين غلبوا البريطانيين الرومان‪ ،‬الذين فرضوا سيادتهم على الكلت ؛ وكان البد‬
‫أن تمر عدة قرون قبل أن يثبت ألانجليسكسون والكلت وجودهم في الدم‬
‫البريطاني واللغة البريطانية؛ وكان بين النورمان والدنمرقيين أواشج قربى‪ ،‬ولكنهم‬
‫أصبحوا فرنسيين‪ ،‬فلما نزلوا ‪ Rollo‬في املائة السنين التي جاءت بعد رولو‬
‫بإنجلترا أصبحت عاداتها الرسمية ولغت ها الرسمية عادات ولغة فرنسية‪ ،‬وظلت‬
‫كذلك ثالثة قرون‪ .‬وجاء مع الفاتحين من فرنسا إلى إنجلترا نظام إلاقطاع بكل ما‬
‫فيه من زينة الخيول ‪ ،‬وفروسية‪ ،‬وعالمات الدروع ونقوشها‪ ،‬واملفردات التي تعبر‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫عنها‪ .‬وفرض رق ألارض على إنجلترا فرضا كامال قاسيا إلى حد لم تعرفه من قب ل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في تاريخها( ‪ ،) 92‬وكان املرابون اليهود الذين جاءوا مع وليم حافزا جديدا للتجارة‬
‫والصناعة؛ ونش ا ـ من الاتصال الوثيق بين إنجلترا والقارة ألاوربية أفكار جديدة في‬
‫ألادب والفن‪ ،‬وبلغ فن العمارة النورماني ذروة مجده في بريطانيا؛ وجاء ألاشراف‬
‫الجدد بعادات جديدة وأخ الق جديدة‪ ،‬وحيوية جديدة‪ ،‬وبنظام زر اعي خير مما‬
‫كان في البالد من قبل‪ .‬وحسن ألاشراف وألاساقفة النورمان النظام إلاداري‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫للدولة تحسينا كبيرا فقد أصبح الحكم مركزيا ‪ ،‬ووحدت الدولة وإن لم يكن هذا‬
‫ً‬
‫التوحيد قد تم عن طريق الحكم املطلق‪ ،‬وأصبحت الحياة وألاموال أكثر أمن ا من‬
‫ً‬
‫ذي قبل‪ ،‬وأقبلت إنجلترا على عهد طويل من السالم الداخلي لم تغز بعده أبدا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬غزوا ناجحا‬

‫‪186‬‬
‫تومس أبكت ‪2-‬‬

‫من ألاقوال املأثورة في إنجلترا أن يتوسط ملك ضعيف بين كل ملكين قويين‪،‬‬
‫ولكن الحقيقة أن امللوك الضعاف الذين يتوسطون ملكين قويين ال حد لعددهم‪.‬‬
‫ً‬
‫ومصداقا له ذا نقول إنه ملا مات وليم الفاتح استولى ابنه روبرت على نورمندي‬
‫وجعلها مملكة مستقلة‪ ،‬وتوج ابنه ألاصغر منه وليم روفس (ألاحمر ‪) 5599 - 5910‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ملكا على إنجلترا بعد أن قطع على نفسه عهدا بأن يسلك مسلكا حسنا مع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫النفكرانك متوجه ووزيره‪ .‬وحكم هذا امللك حكما استبداديا حتى عام ‪ ، 5909‬ثم‬
‫مرض ووعد بأن يكون حسن السلوك‪ ،‬فلما شفي من مرضه‪ ،‬عاد إلى استبداده‬
‫وظل كذلك حتى اغتالته يد مجهولة في أثناء صيده‪ .‬وظل الرجل التقي أنسلم‬
‫الذي أصبح بعد النفرانك كبير أساقفة كنتربري يقاوم مقاومة طويلة‪ ،‬أعيد‬
‫‪.‬بسببها إلى فرنسا‬

‫ودعا ابن ثالث من أبناء وليم الفاتح يدعى هنري ( ‪ ) 5591- 5599‬أنسلم إلى‬
‫العودة‪ ،‬فطلب املطران ‪ -‬الفيلسوف أن يمتنع امللك عن اختيار ألاساقفة‪ ،‬فلما‬
‫رفض امللك هذا الطلب نشب بينهما نزاع طويل اتفق بعده على أن تختار‬
‫جمعيات رجال الكنائس والرهبان بحضور امللك نفسه ألاساقفة إلانجليز ورؤساء‬
‫ألاديرة‪ ،‬وأن يقدموا له مراسم الوالء بوصفه مصدر أمالكهم وسلطاتهم‬
‫إلاقطاعية وكان هنري يحب املال ويكره التبذير؛ ولهذا فرض الضرائب الفادحة‬
‫ولكنه راعى جانب الاقتصاد والعدالة في حكمه؛ وحافظ على السلم والنظام في‬
‫إنجلترا‪ ،‬عدا معركة واحدة ‪ -‬في تنشبريه عام ‪ - 5590‬استرد فيها نورمندي إلى التاج‬
‫البريطاني‪ .‬وأمر النبالء أن "يضبطوا أنفسهم في معامالتهم لزوجاتهم وأبنائهم‬
‫وبنات رجالهم"( ‪ .) 99‬وكان له هو أبناء غير شرعيين وبنات غير شرعيات من‬
‫عشيقاته املتعددات( ‪ ،) 91‬ولكنه أوتى من الكياسة والحكمة‬

‫‪187‬‬
‫سليلة امللوك الاسكتلنديين وإلانجليز السابقين على ‪ Maud‬ما جعله يتزوج مود‬
‫‪.‬عهد النورمان‪ ،‬فطعم بذلك ألاسرة املالكة الجديدة بالدم إلانجليزي القديم‬

‫وأرغم هنري ألاشراف والقساوسة على أن يقسموا يمين الوالء البنته ماتلدا وابنها‬
‫الشاب الذي أصبح فيما بعد هنري الثاني‪ .‬فلما مات امللك اغتصب العرش‬
‫ً‬
‫وحفيد وليم‪ ،‬وظلت إنجلترا أربعة عشر عاما تعاني كوارث ‪ Blois‬استيفن ب لوا‬
‫املوت والضرائب الفادحة في حرب داخلية امتازت بأشد ضروبات القسوة‬
‫‪ Eleanor‬وإلارهاب( ‪ .) 91‬وكبر هنري الثاني في هذه ألاثناء‪ ،‬وتزوج اليانور ألاكتانية‬
‫واستولى على دوقيتها‪ ،‬وغزا إنجلترا‪ ،‬وأرغم استيفن على الاعتراف به ‪of Aquitaine‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وارثا للعرش‪ .‬وملا توفي استيفن صار ملكا على إنجلترا ( ‪) 5511‬؛ وبذلك انتهى عهد‬
‫ً‬
‫أسرة النورمان وبدأ عهد أسرة البالنتجنت ‪ .‬وكان هنري رجال حاد الطبع‪ ،‬كثير‬
‫املطامع‪ ،‬قوي الذهن‪ ،‬يميل بعض امليل إلى الكفر باهلل( ‪ .) 90‬وكانت له السيادة‬
‫الاسمية على مملكة تمتد من أسكتلندة إلى جبال البرانس‪ ،‬وتشمل نصف فرنسا‪،‬‬
‫ولكنه ألفى نفسه بادي العجز في مجتمع إقطاعي‪ ،‬مزق فيه كبار ألاشراف‬
‫بجنودهم املرتزقة وحصونهم املنيعة الدولة إلى إقطاعيات يحكمونها بأنفسهم‪،‬‬
‫ولهذا شرع امللك بنشاط رهيب يجمع املال والرجال‪ ،‬ويحارب ألاشراف ويخضعهم‬
‫ً‬
‫سيدا بعد سيد‪ ،‬ويدمر القصور إلاقطاعية الحصينة‪ ،‬ويوطد أركان النظام‬
‫وألامن والعدالة والسلم‪ .‬وأخضع لحكم إنجلترا أيرلندة التي غلبها ونهبها قراصنة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ويلز؛ وكان في إخضاعها حكيما مقتصدا في ماله وفي جنده‪ .‬ولكن هذا الرجل‬
‫القوي ‪ ،‬الذي يعد من أعظم الرجال في تاريخ إنجلترا كله‪ ،‬قد ذل وتحطم حين‬
‫‪ ،‬وهو رجل‪ Thomas àBecket‬التقي بتومس أبكت‬

‫‪188‬‬
‫ذو إرادة ال تقل مضاء عن إرادته ودين أعظم قوة من أية دولة قائمة في ذلك‬
‫‪.‬الوقت‬

‫ولد تومس في لندن عام ‪ 5551‬من أبوين نورمانيين من أبناء الطبقة الوسطى‪.‬‬
‫كبير أساقفة كنتربري بذكائه الناضج ‪ Theobald‬واسترعى الغالم انتباه ثيوبول د‬
‫ليدرس الشرائع املدنية ‪ Auxerre‬وأكسير ‪ Bologna‬قبل ألاوان‪ ،‬فأرسله إلى بولونيا‬
‫والكنسية‪ .‬وملا عاد إلى إنجلترا انتظم في سلك رجال الدين‪ ،‬وما لبث أن ارتقى في‬
‫املناصب الدينية حتى صار كبير شمامسة كنتربري ‪ .‬ولكنه كان مثل كثيرين غيره‬
‫من رجال الدين في تلك القرون املاضية‪ ،‬رجل عمل أكثر مما كان رجل دين؛‬
‫فكانت الشئون إلادارية والدبلوماسية أكثر ما تظهر فيها مهارته؛ وأظهر في هذين‬
‫امليدانين مقدرة فائقة رفعته إلى مقام الوزارة ولم يتجاوز السابعة والثالثين من‬
‫عمره‪ .‬وساد الوئام بينه وب ين هنري إلى حين‪ ،‬فكان املستشار الوسيم موضع ثقة‬
‫امللك في أخص شئونه‪ ،‬يشاركه ألعاب الفروسية‪ ،‬ويكاد يشاركه في ثروته‬
‫وسلطانه‪ .‬وكانت مائدته أفخم املوائد في إنجلترا كلها‪ ،‬وكانت صدقاته للفقراء‬
‫تضارع كرم ضيافته ألصدقائه‪ .‬وكان في الحرب يقود بنفسه سبعمائة من‬
‫ً‬
‫الفرسان‪ ،‬ويبارز ألاعداء فردا لفرد‪ ،‬ويضع الخطط الحربية؛ وملا أرسل في بعثة‬
‫إلى باريس ارتاع الفرنسيون حين رأوا حاشيته الفخمة املؤلفة من ثمان مركبات‪،‬‬
‫ً‬
‫وأربعين جوادا ‪ ،‬ومائتين من ألاتباع؛ وقالوا في أنفسهم ترى ماذا يكون امللك الذي‬
‫!له مثل هذا الوزير‬
‫ً‬
‫وعين كبيرا ألساقفة كنتربري في عام ‪ ، 5502‬فلم يكد يتولى منصبه حتى تبدلت‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أساليبه تبدال فجائيا كامال كأنما حدث ذلك بسحر ساحر‪ ،‬فتخلى عن قصره‬
‫الفخم‪ ،‬وثيابه امللكية‪ ،‬وأصدقائه من ألاشراف‪ ،‬وبعث إلى امللك باستقالته من‬

‫‪189‬‬
‫ً‬
‫الوزارة وارتدى الثياب الخشنة‪ ،‬فلبس شعارا من الصوف‪ ،‬وعاش على ال خضر‪،‬‬
‫والحبوب‪ ،‬واملاء‪ ،‬وكان كل ليلة يغسل قدمي ثالثة عشر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متسوال وأضحى من ذلك الوقت مدافعا عن جميع حقوق الكنيسة‪ ،‬وامتيازاتها‪،‬‬
‫ومصادر إيرادها‪ .‬وكان من بين هذه الامتيازات عدم محاكمة رجال الدين أمام‬
‫املحاكم املدنية‪ .‬وثارت ثائرة هنري ‪ ،‬وهو الذي كان يطمع في أن ي بسط سلطانه‬
‫ً‬
‫على كافة الطبقات‪ ،‬حين وجد أن املحاكم الكنسية كثيرا ما تترك رجال الدين‬
‫دون أن تعاقبهم على ما يرتكبونه من الجرائم‪ .‬ولهذا دعا فرسان إنجلترا‬
‫‪ ،‬وحملهم على أن )‪ Clarendon (1164‬وأساقفتها إلى اجتماع عقده في كالرندن‬
‫يوقعوا دستور كالرندن الذي قض ي على كثير من الحصانات التي كان يتمتع بها‬
‫رجال الدين‪ .‬ولكن بكت رفض أن يختتم الوثائق بخاتم أسقفيته الكبرى ‪ ،‬فما‬
‫كان من هنري إال أن أذاع القوانين الجديدة غير عابئ بهذا الرفض‪ ،‬وقدم الرئيس‬
‫الديني املريض للمحاكمة أمام املحكمة امللكية‪ .‬وجاء بكت‪ ،‬وعارض في هدوء‬
‫أساقفته الذين أعلنوا مع امللك أنه مذنب لخروجه على قوانين سيده إلاقطاعي‬
‫ملك البالد‪ .‬وملا أمرت املحكمة بالقبض عليه أعلن أنه سيستأنف القضية أمام‬
‫ً‬
‫البابا‪ ،‬ثم خرج ساملا من القاعة بثيابه ألاسقفية التي لم يجرؤ أحد على ملسها‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأطعم في ذلك املساء عددا كبيرا من الفقراء في بيته بلندن‪ ،‬ثم فر في أثناء الليل‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫متخفيا سالكا طرقا ملتوية إلى القناة إلانجليزية‪ ،‬وعبر املضيق املضطرب املاء‬
‫في بالد ملك ‪Omer St.‬قارب ضعيف‪ ،‬ووجد ملجأ له في دير قائم في سانت أومر‬
‫فرنسا‪ ،‬ثم قدم استقالته من منصب كبير ألاساقفة إلى البابا اسكندر الثالث‪.‬‬
‫ً‬
‫وأيده البا با في موقفه‪ ،‬وأعاد تعيينه في كرسيه‪ ،‬ولكنه أرسله ليعيش مؤقتا‬
‫‪ Pontigny.‬معيشة راهب سسترس ي في دير بنتني‬

‫‪190‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ونفي هنري من إنجلترا جميع أقارب بكت ذكورا وإناثا ‪ ،‬صغارا كانوا أو كبارا ‪ .‬وملا‬
‫ً‬
‫‪ Vezelay ،‬جاء هنري إلى نورمندي خرج تومس من صومعته وصعد منبرا في فيزالي‬
‫وأعلن حرمان جميع رجال الدين إلانجليز الذين أيدوا دستور كالرندن ( ‪.)5500‬‬
‫وكان جواب هنري أن هدد بمصادرة أمالك جميع ألاديرة‬

‫والصوامع القائمة في إنجلترا‪ ،‬ونومندي‪ ،‬وأنجو‪ ،‬وأكتين‪ ،‬واملنتسبة إلى دير بنتني‬
‫إذا استمر هذا الدير على إيواء بكت‪ .‬وتوسل الرئيس املرتاع إلى بكت أن يغادر‬
‫‪ Sens.‬الدير‪ ،‬وعاش الرجل املتمرد املريض من الصدقات في نزل قذر ببلدة سان‬
‫وأغرى لويس السابع ملك فرنسا البابا اسكندر الثالث‪ ،‬فأمر هنري أن يعيد كبير‬
‫ألاساقفة إلى كرسيه‪ ،‬وأنذره إذا رفض بأنه سيحرم إقامة جميع الصلوات‬
‫والخدمات الدينية‪ .‬وألاقاليم الخاض عة لحكم إنجلترا ( ‪ .) 5500‬فاضطر هنري إلى‬
‫‪ ،‬والتقى ببكت‪ ،‬ووعده بأن يصلح كل ما ‪ Avranches‬الخضوع‪ ،‬وجاء إلى أفرانش‬
‫ً‬
‫يشكو منه‪ ،‬وأمسك بركاب كبير ألاساقفة املنتصر وهو يهم بالركوب عائدا إلى‬
‫إنجلترا ( ‪ .) 5500‬فلما عاد تومس إلى كنتربري كرر قرار الحرمان على ألاساقفة‬
‫الذين قاوموه‪ .‬فذهب بعضهم إلى هنري في نومندي وأثاروا غضبه‪ ،‬ولعلهم بالغوا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في وصف مسلك بكن‪ .‬فصاح هنري قائال ‪" :‬عجبا !‪ ...‬أيجرؤ رجل ي طعم خبزي ‪...‬‬
‫على أن يهين امللك واململكة جميعها‪ ،‬وال يأخذ بحقي واحد من أولئك الخدم‬
‫الكسالى الذين ي طعمون على مائدتي فيغسل تلك إلاهانة ؟"‪ .‬وذهب إلى إنجلترا‬
‫أربعة من الفرسان الذين سمعوه‪ ،‬من غير علم امللك على ما يظهر؛ ووجدوا كبير‬
‫ألاساقفة عند مذبح كنيسة كنتربري في يوم ‪ 99‬من ديسمبر سنة ‪ ، 5509‬فقطعوا‬
‫‪.‬جسمه بسيوفهم وهو واقف في مكانه‬

‫وروعت املسيحية كلها وثار ثائرها على هنري ودمغته من تلقاء نفسه ا بطابع‬
‫الحرمان العام‪ .‬فاعتزل امللك العالم في حجرته ثالثة أيام ال يذوق فيها الطعام؛‬

‫‪191‬‬
‫أصدر بعدها أمره بالقبض على القتلة‪ ،‬وبعث بالرسل إلى البابا يعلنون براءته‬
‫من الجريمة‪ ،‬ووعد بأن يكفر عن ذنبه بالطريقة التي يرتضيها إلاسكندر‪ .‬ثم ألغي‬
‫دستور كالرندن‪ ،‬ورد إلى الك نيسة جميع مالها في بالده من حقوق وأمالك‪ .‬وقام‬
‫الناس في هذه ألاثناء يقدسون بكت ويعلنون أن معجزات كثيرة حدثت عند قبره‪،‬‬
‫ً‬
‫وأعلنت الكنيسة قداسته رسميا ( ‪ ،) 5502‬وسرعان ما أخذت آلاالف‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫املؤلفة‪ .‬تحج إلى ضريحه‪ .‬وجاء هنري أخيرا إلى كنتربري حاجا نادما ؛ ومش ى‬
‫الثالثة ألاميال ألاخيرة من الطريق على الحجارة الصوان حافي القدمين ينزف الدم‬
‫منهما؛ ثم استلقى على ألارض أمام قبره عدوه امليت‪ ،‬وطلب إلى الرهبان أن‬
‫يضربوه بالسياط‪ ،‬وتقبل ضرباتهم؛ وهكذا تحطمت إرادته القوية أمام السخط‬
‫العام عليه واملتاعب املتزايدة في بالده‪ .‬وأخذت زوجت ه إليانور‪ ،‬التي طردها امللك‬
‫الزاني وسجنها‪ ،‬تأتمر به مع أبنائه لتخلعه عن العرش؛ وتزعم هنري أكبر أبنائه‬
‫فتنتين إقطاعيتين قامتا عليه في عامي ‪ 5509‬و ‪ ، 5519‬ومات وهو خارج على أبيه‪.‬‬
‫ثم تحالف ولداه رتشرد وجون ‪ ،‬بعد أن طال انتظارهما موته‪ ،‬مع فليب أغسطس‬
‫جهر ‪ Le Mans‬ملك فرنسا وانضم ا إليه في حرب ضد أبيهما‪ ،‬وملا طرد من ملان‬
‫بالطعن على إلاله الذي حرمه من البلدة التي ولد فيها وأحبها‪ ،‬ومات في شينون‬
‫؛ وكان آخر ما نطق به أن سب أوالده الذين غادروا به‪ ،‬والحياة )‪Chinon (1189‬‬
‫التي وهبته املجد والسلطان‪ ،‬والغنى‪ ،‬والعاشقات‪ ،‬وألاعداء‪ ،‬والعار‪ ،‬والغدر‪،‬‬
‫‪.‬والهزيمة‬

‫لكنه لم يخفق إلاخفاق كله‪ .‬نعم إنه قد سلم لبكت امليت بما لم يسلم به لبكت‬
‫الحي‪ ،‬لكن حجة هنري هي التي كسبت املعركة على توالي ألايام‪ :‬ذلك أن املحاكم‬
‫املدنية هي التي وسعت اختصاصها وبسطت سلطانها في عهد كل ملك جاء بعده‬
‫على رعايا امللك سواء كانوا من رجال الدين أو رجال الدنيا( ‪ .)90‬ولقد حرر‬

‫‪192‬‬
‫القانون إلانجليزي من القيود الكنسية وإلاقطاعية‪ ،‬ومهد السبيل لنمائه ذلك‬
‫النماء الذي جعله من أجل ألاعمال التشريعية التي ظهرت منذ عهد روما‬
‫إلامبراطورية‪ .‬ولقد حذا حذو جده العظيم وليم الفاتح فقوى حكومة إنجلترا‬
‫ووحدها بإخضاع ألاشراف املتمردين الذين أشاعوا الفوض ى في البالد إلى القانون‬
‫والنظام‪ .‬وكان نجاحه في هذه الناحية أكثر مما يجب أن يكون ‪ :‬ذلك أن الحكومة‬
‫املركزية قويت حتى كادت تصبح حكومة مطلقة غير مسئولة إلى أقص ى حد‪ ،‬وحتى‬

‫كانت الجولة الثانية في املعركة التاريخي ة بين النظام والحرية هي التي قام بها‬
‫‪.‬ألاشراف املناضلون عن الحرية‬

‫‪193‬‬
‫العهد ألاعظم أو مجنا كارتا ‪3-‬‬

‫لقد ورث ريتشارد ألاول امللقب بلقب ألاسد عرش أبيه دون أن ينازعه منازع‪ ،‬وكان‬
‫رتشرد ابن إليانور املغامرة املتهورة التي ال تغلب‪ ،‬ولقد تتبع خطاها ولم يتبع‬
‫خطا هنري القدير النكد‪ .‬وولد رتشرد في أكسفورد ‪ 5510‬وانتدبته أمه ليصرف‬
‫شئون أمالكها في أكتين‪ ،‬وفيها أشربت نفسه بثقافة بروفانس املتشككة‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫و"بعلوم" الشعراء الغزليين "املرحة" ولم يعد قط رجال إنجليزيا ‪ .‬وكان حبه‬
‫للمغامرات والغناء أكثر من حبه للسياسة وإلادارة‪ ،‬وامتألت الاثنتان وألاربعون‬
‫سنة التي عاشها بحوادث روائية تكفي ألن تمأل مائة عام‪ ،‬وكان لشعراء زمانه‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مثاال يحتذونه ونصيرا يلقون منه التشجيع‪ .‬وقد قض ي الخمسة الشهور ألاولى من‬
‫حكمه في جمع املال الالزم لحرب صليبية؛ فخص بهذا الغرض جميع ألاموال التي‬
‫ً‬
‫خلفها وراءه هن ري الثاني‪ ،‬وأقص ى آالفا من املوظفين ثم أعاد تعيينهم نظير جعل‬
‫ً‬
‫يتقاضاه منهم‪ ،‬وباع صكوكا بالحرية للمدن التي تستطيع أداء ثمنها‪ ،‬واعترف‬
‫باستقالل اسكتلندة نظير ‪ 51.999‬مارك‪ ،‬ولم يقبل هذا الثمن القليل ألنه يزهد‬
‫في املال بل ألنه شديد الحب للمغامرات‪ .‬ولم يمض على اع تالئه العرش نصف‬
‫عام حتى أبحر إلى فلسطين‪ ،‬ولم يكن حرصه على سالمته أكثر من حرصه على‬
‫حقوق غيره؛ وقد أثقل كاهل البالد بالضرائب إلى أقص ى طاقتها‪ ،‬وبدد ما جمعه‬
‫من املال في الترف‪ ،‬والوالئم‪ ،‬واملظاهر الكاذبة‪ ،‬واندفع في العمل خالل العقد‬
‫ألاخير من القرن الثاني عشر بج رأة وتهور جعال زمالءه الشعراء يضعونه في صف‬
‫‪.‬إلاسكندر‪ ،‬وآرثر‪ ،‬وشا رملان‬

‫وحارب صالح الدين وأحبه‪ ،‬وعجز عن هزيمته وأقسم أن يهزمه‪ ،‬وقفل‬

‫‪194‬‬
‫كارتا‬
‫ً‬
‫راجعا إلى بالده وأسره في طريق عودته ( ‪ ) 5502‬ليوبولد دوق النمسا‪ ،‬وكان قد‬
‫أساء إليه في آسيا‪ ،‬وأسلمه ليوبولد في بدء عام ‪ 5509‬إلى إلامبراطور هنري‬
‫السادس‪ .‬وكان لهنري هذا ثأر قديم عند هنري الثاني ورتشرد‪ ،‬واحتفظ هنري‬
‫ً‬
‫على نهر ‪ Dürnstein‬السادس بملك إنجلترا سجينا في حصن ببلدة درنشتين‬
‫ً‬
‫الدانوب على الرغم من القانون الذي كان معترفا به في أوربا بوجه عام والذي‬
‫يحرم اعتقال رجال الحروب الصليبية؛ وطلب إلى إنجلترا فدية قدرها ‪519.999‬‬
‫مارك ( ‪ 51.999.999‬دوالر أمريكي) أي نصف إلايراد السنوي ألمالك التاج‬
‫البريطاني‪ .‬وكان جون أخو رتشرد وقتئذ يحاول اغتصاب العرش‪ ،‬فلما لقي‬
‫مقاومة فر إلى فرنسا وانضم إلى فليب أغسطس في هجومه على إنجلترا‪ .‬ونكث‬
‫فليب بعهد ق طعه على نفسه باملحافظة على السلم‪ ،‬فهاجم ألامالك إلانجليزية في‬
‫ً‬
‫فرنسا واستولى عليها‪ ،‬وعرض رشا كبيرة على هنري السادس ليبقى رتشرد أسيرا ‪.‬‬
‫وضاقت نفس رتشرد بسجنه املريح‪ ،‬وكتب قصيدة من الشعر املمتاز( ‪ ،) 91‬يطلب‬
‫فيها إلى بالده أن تفتديه من ألاسر‪ .‬وكانت إليانور في أث ناء هذه ألاحداث املضطربة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تحكم البالد حكما ناجحا بوصفها نائبة عن امللك معتمدة على النصائح الحكيمة‬
‫كبير أساقفة ‪ Hubert Walter‬التي يقدمها لها القاض ي ألاكبر هيوبرت ولتر‬
‫كنتربري ‪ ،‬ولكنهما وجدا من العسير عليهما جمع الفدية املطلوبة‪ .‬وملا أطلق سراح‬
‫رتشرد آخر ألام ر ( ‪ ) 5501‬أسرع إلى إنجلترا‪ ،‬وجبى الضرائب وجمع الجند وقاد‬
‫ً‬
‫بنفسه جيشا عبر به القناة إلانجليزية ليثأر لنفسه وإلنجلترا من فليب‪ .‬وتقول‬
‫الرواية املأثورة إنه ظل عدة سنين يرفض القداس لئال يطلب إليه أن يصفح عن‬
‫عدوه الغادر‪ .‬فلما تم له استعادة جميع ألامالك التي استول ى عليها فليب ركن إلى‬
‫السلم التي أمكنت فليب من أن يعيش‪ .‬وتنازع في هذه ألاثناء مع أحد أتباعه‬

‫‪195‬‬
‫‪ ،‬وكان قد وجد ‪ Limoges‬فيكونت مدينة ليموج ‪ Adhemar‬إلاقطاعيين وهو أدهمار‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫كنزا من الذهب مخبوءا في أرضه‪ ،‬وعرض على رتشرد جزءا منه‪ ،‬لكن رتشرد أبى‬
‫إال أن‬

‫يأخذه كله‪ ،‬وحاص ر أدهمار‪ .‬وأصاب رتشرد سهم منطلق من قصر أدهمار‬
‫الحصين فمات رتشرد "قلب ألاسد" في الثالثة وألاربعين من عمره إثر نزاع قام‬
‫‪.‬على كومة من الذهب‬

‫وخلفه على العرش أخوه جون ( ‪ ) 5250- 5500‬بعد أن لقي بعض املقاومة وعدم‬
‫الثقة‪ ،‬وبعد أن اضطره ولتر كبير ألاساقفة أن يقسم حين تتويجه أنه قد نال‬
‫ً‬
‫عرشه منتخبا من ألامة (أي ألاعيان واملطارنة) وبنعمة هللا‪ .‬ولكن جون الذي خان‬
‫أباه‪ ،‬وأخاه‪ ،‬وزوجه‪ ،‬لم تكن تقف في وجهه يمين أخرى بعد أيمانه املاضية أو‬
‫ً‬
‫يهتم كثيرا بهذه اليمين‪ ،‬ولم يكن يبدو عليه ش يء من التمسك بالعقائد الدينية‬
‫شأنه في هذا شأن ه نري الثاني ورتشرد ألاول ‪ ،‬حتى ليقال إنه لم يتناول قط‬
‫ً‬
‫القربان املقدس بعد أن بلغ سن الرشد‪ ،‬بل لم يتناوله أيضا في يوم تتويجه( ‪.) 90‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫واتهمه الرهبان بالكفر وقالوا إنه اقتنص مرة وعال سمينا وقال‪" :‬ما أسمن هذا‬
‫الحيوان وما أحسن طعامه! ولكني أقسم أنه لم يسمع قط بالق داس" وغضب‬
‫ً‬
‫الرهبان من قوله هذا ألنه رأوا فيه سخرية ببدانتهم( ‪ .) 19‬وكان جون رجال حاد‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫الذهن مجردا من الضمير‪ ،‬وكان إداريا حازما ممتازا "ولم يكن صديقا حميما‬
‫لرجال الدين"‪ ،‬ولهذا افتري عليه بعض الافتراء املؤرخون إلاخباريون من رجال‬
‫ً‬
‫؛ ولم يكن مخطئا على الدوام‪ ،‬ولكنه )‪ Holinshed(41‬ألاديرة كما يقول هولنشد‬
‫ً‬
‫كثيرا ما أغضب الناس بمزاجه الحاد‪ ،‬وملحه‪ ،‬وفكاهاته البذيئة الشائنة‪،‬‬
‫واستبداده وغطرسته‪ ،‬وما فرضه من الضرائب الفادحة التي يحس أنه مضطر‬
‫‪.‬إليها للدفاع عن ألامالك إلانجليزية في القارة ضد فليب أغسطس‬

‫‪196‬‬
‫‪ Isabel‬ونال جون في عام ‪ 5500‬على إذن من البابا إنوسنت الثالث بتطليق إزبل‬
‫بحجة أنها تمت إليه بصلة القرابة‪ ،‬ولم يلبث ‪ Gloucester‬أميرة جلوسستر‬

‫رغم أنها كانت ‪ Isabella of Anguleme‬بعد طالقها أن يتزوج بإزبال أميرة أنجوليم‬
‫وغضب ألاشراف في كال البلد ين لهذا العمل ‪ Lusignan.‬مخطوبة لكونت لوزنيان‬
‫واستنجد الكونت بفليب ليأخذ له بحقه‪ .‬واحتج في الوقت نفسه بارونات أنجو‪،‬‬
‫‪ ،‬ومين لدى فيليب قائلين إن جون يستبد بأقاليمهم‪ Poitou .‬وتورين‪ ،‬وبواتو‬
‫وكانت فروض الطاعة إلاقطاعية التي ترجع إلى عهد تسليم نورمندية إلى رولو‬
‫تقض ي بأن يعترف ألاعيان إلاقطاعيون في فرنسا‪ ،‬حتى في املقاطعات التي تملكها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إنجلترا‪ ،‬بملك فرنسا سيدا إقطاعيا عليهم؛ وكان جون حسب قانون إلاقطاع‪،‬‬
‫ً‬
‫بوصفه دوق نورمندية‪ ،‬تابعا مللك فرنسا‪ ،‬وأمر فليب تابعة امللكي بالقدوم إلى‬
‫باريس‪ ،‬ليبرئ نفسه من عدة تهم وادعاءات‪ ،‬وأبى جون أن يطيع ألامر‪ ،‬فقضت‬
‫محكم ة إلاقطاع الفرنسية بمصادرة أمالكه في فرنسا‪ ،‬ومنحت نورمندية‪ ،‬وأنجو‪،‬‬
‫وحفيد هنري الثاني‪ .‬وطالب آرثر بعرش ‪ Briltany‬وبواتو آلرثر كونت بريطاني‬
‫ً‬
‫‪ ،‬فقادت ‪ Mirabeau‬إنجلترا‪ ،‬وحشد لذلك جيشا ‪ ،‬وحاصر امللكة إليانور في ميرابو‬
‫امللكة بنفسها‪ ،‬وهي في الثمانين من عمرها‪ ،‬قوة ل لدفاع عن ولدها املشاكس‪.‬‬
‫وأنقذها جون من عدوها‪ ،‬وقبض على آرثر‪ ،‬ويبدو أنه أمر بقتله‪ ،‬فما كان من‬
‫فليب إال أن غزا نورمندية‪ ،‬وكان جون وقتئذ يقض ي شهر العسل في رون وفي‬
‫شغل شاغل عن قيادة جنده‪ ،‬فمنوا بالهزيمة‪ّ .‬‬
‫وفر جون إلى إنجلترا‪ ،‬وانتقلت‬
‫‪ .‬نورمندية‪ ،‬ومين‪ ،‬وأنجو‪ ،‬وتورين إلى التاج الفرنس ي‬

‫وبذل البابا إنوسنت الثالث‪ ،‬ولم يكن على وئام مع فليب‪ ،‬كل ما في وسعه‬
‫ملساعدة جون ‪ ،‬ثم دب النزاع بينه وبين جون ‪ .‬وكان سبب هذا النزع أنه على أثر‬
‫وفاة هيوبرت ولتر ( ‪ ) 5291‬حمل امللك كبار الرهبان في كنتربري على أن يختاروا‬

‫‪197‬‬
‫للمنصب الشاغر‪ ،‬ولكن ‪ ، Norwich‬أسقف نوروك‪ John de Gray‬جون ده جراي‬
‫نائب رئيس ديرهم ليكون ‪ Reginald‬طائفة من الرهبان الشبان اختارت رجنلد‬
‫ً‬
‫كبيرا لألساقفة‪ .‬وأسرع املرشحان املتنافسان إلى رومة يطلب كل منهما تأييد‬
‫ً‬
‫البابا؛ ولكن إنوسنت رفض أن يؤيدهما جميعا ‪ ،‬وعين في املنصب الشاغر‬
‫‪ ،‬وهو مطران إنجليزي قض ى الخمس والعشرين ‪ Stephen Langton‬استيفن النجتن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سنة ألاخيرة مقيما في باريس‪ ،‬وكان وقت اختياره أستاذا لالهوت في جامعتها‪.‬‬
‫واحتج جون على هذا الاختيار وقال إن النجتن لم يكن لديه ما يؤهله ألن يشغل‬
‫أكبر منصب ديني في إنجلترا‪ ،‬وهو منصب يجمع بين الوظ ائف السياسية والدينية‪.‬‬
‫ً‬
‫وتجاهل إنوسنت احتجاج جون ‪ ،‬ودشن استيفن كبيرا ألساقفة كنتربري ( ‪) 5290‬‬
‫من أعمال إيطاليا‪ .‬وتحدى جون النجتن بأن يطأ بقدمه أرض ‪ Viterpo‬في فيتربو‬
‫إنجلترا‪ ،‬وأنذر رهبان كنتربري العصاة بحرق ألاديرة فوق رؤوسهم‪ ،‬وأقسم‬
‫ً‬
‫"بأسنان هللا" بأن ينفي كل ق س كاثوليكي من إنجلترا إذا أصدر البابا قرارا‬
‫ً‬
‫بحرمانها‪ ،‬ويسمل أعين بعضهم ويجدع أنوفهم جزاء وفاقا لهم على فعل رئيسهم‪.‬‬
‫وأصدر البابا قرار الحرمان ( ‪ ،) 5291‬وامتنعت كل الخدمات الدينية في إنجلترا ما‬
‫عدا التعميد واملسح وقت الوفاة‪ .‬وأغلق القساوسة الكنائس‪ ،‬وسكنت ألاجراس‪،‬‬
‫ودفن املوتى في أرض لم تدشن‪ .‬ورد جون على هذه ألاعمال بمصادرة جميع أمالك‬
‫الكنائس وألاديرة وأعطاها لغير رجال الدين؛ وحرم إنوسنت امللك من حظيرة‬
‫املسيحية‪ ،‬ولكن جون لم يعبأ بقرار الحرمان‪ ،‬وانتصر في عدة وقائع حربية‬
‫ً‬
‫أيرلندة‪ ،‬واسكتلندة‪ ،‬وويلز‪ .‬ووجفت قلوب الشع ب هلعا من قرار الحرمان‪ ،‬ولكن‬
‫ألاشراف رضوا بانتهاب أمالك الكنيسة ألن ذلك الانتهاب يحول نهم امللك إلى حين‬
‫‪.‬عن أمالكهم هم‬

‫‪198‬‬
‫ً‬
‫واختال جون عجبا بانتصاره املؤقت‪ ،‬وأساء إلى الكثيرين بتطرفه وعنته؛ فقد‬
‫ً‬
‫هجر زوجته الثانية ليلد أطفاال غير شرعيين من عشيقات مستهترات‪ ،‬وز ج اليهود‬
‫في السجن لينتزع منهم أموالهم‪ ،‬وترك بعض املطارنة السجناء‬

‫يموتون من فرط املشقة‪ ،‬وأغضب ألاشراف بأن أضاف إلاهانات إلى الضرائب‬
‫الفادحة‪ ،‬وتشدد في تنفيذ قانون الغابات البغيض‪ .‬ولجأ إنوسنت في عام ‪5259‬‬
‫ً‬
‫إلى آخر ملجأ له‪ ،‬فأصدر مرسوما بخلع امللك إلانجليزي عن العرش‪ ،‬وأعفي رعايا‬
‫جون من بين الطاعة التي أقسموها له‪ ،‬وأعلن أن أمالك امللك أضحت غنيمة‬
‫مشروعة لكل من يستطيع انتزاعها من يديه النجستين‪ .‬وقبل فليب أغسطس‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الدعوة‪ ،‬وحشد جيشا رهيبا ‪ ،‬وزحف به على شاطئ القناة إلانجليزية‪ .‬واستعد‬
‫جون لصد الغزو‪ ،‬ولكنه تبين وقتئذ أن أعيان البالد لن يساعدوه في حرب ضد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫بابا مسلح بقوة مادية ودينية معا ‪ .‬واستشاط امللك غضبا من فعلتهم‪ ،‬ورأى في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ ،‬مبعوث ‪ Pandulf‬الوقت نفسه خطر الهزيمة محدقا به‪ .‬فعقد اتفاقا مع بندلف‬
‫البابا مضمونه أنه إذا ألغى إنوسنت قرار الحرمان الصادر على امللك وعلى‬
‫إنجلترا‪ ،‬وقرار الخلع‪ ،‬واستحال من عدو إلى صديق‪ ،‬فإن جون يتعهد بأن يرد إلى‬
‫الكنيسة كل ما صادره من أمالكها‪ ،‬وأن يضع تاجه ومملكته تحت سيادة البابا‬
‫إلاقطاعية‪ .‬واتفق الطرفان على هذا‪ ،‬وأسلم جون إنجلترا كلها للبابا‪ ،‬ثم‬
‫استعادها منه بعد خمسة أيام بوصفها إقطاعية بابوية تدين للبابا بالوالء وتؤتى‬
‫‪ ).‬الجزية عن يد وهي صاغرة ( ‪5259‬‬

‫وأقلع جون إلى بواتو ليهاجم فليب‪ ،‬وأمر بارونات إنجلترا أن يتبعوه بالسالح‬
‫إلى ‪ Bouvines‬والرجال‪ ،‬ولكنهم لم يطيعوا أمره‪ .‬وأدت هزيمة جون عند بوفين‬
‫حرمانه من ألاملان وغيرهم من أحالفه الذين كان يتطلع إلى معونته م ضد توسع‬
‫فرنسا‪ ،‬فعاد إلى إنجلترا ليواجه ألاشراف الحانقين‪ .‬واستاء النبالء من فدح‬

‫‪199‬‬
‫الضرائب املفروضة عليهم لتمويل حروبه املخربة‪ ،‬ومن خروجه على السوابق‬
‫القديمة والقوانين املرعية‪ ،‬وتسليمه إنجلترا ليشتري به عفو البابا وتأييده‪ .‬وأراد‬
‫ً‬
‫جون أن يحسم ألامر فيما بينه وبينهم فطلب إليهم أن يؤدوا له قدرا من املال بدل‬
‫ً‬
‫الخدمة العسكرية‪ ،‬ولكنهم بعثوا إليه بدال من هذا املال بوفد يطلب إليه العودة‬
‫إلى‬

‫قوانين هنري ألاول ‪ ،‬التي حمت حقوق ألاشراف وحددت سلطات امللك‪ .‬فلما لم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ Stamford ،‬يتلق ألاشراف جوابا مرضيا حشدوا قواتهم املسلحة عند استامفورد‬
‫وبينا كان جون يتلكأ في أكسفورد من جون ملك إنجلترا بعناية هللا تعالى‪ ....‬إلى‬
‫كبار أساقفته‪ ،‬وأساقفته‪ ،‬ورؤساء أديرته‪ ،‬وحملة ألقاب إيرل وبارون‪ ...‬وجميع‬
‫رعاياه ألاوفياء‪ .‬تحية‪ .‬اعلموا أننا بهذا العهد الحاضر نؤكد عنا وعن ورثتنا إلى‬
‫‪:‬أبد الدهر‬

‫‪ ...‬أن ستكون كنيسة إنجلترا حرة ال يعتدي على ش يء من حقوقها وحرياتها ‪1-‬‬

‫أننا نمنح جميع ألاحرار في مملكتنا‪ ،‬عنا وعن ورثتنا إلى أبد الدهر‪ ،‬جميع ‪2-‬‬
‫‪...‬الحريات املدونة فيما بعد‬

‫‪.‬أال يفرض بدل خدمة أو معونة‪ ..‬إي املجلس العام ململكتنا ‪12-‬‬

‫لكي يجتمع املجلس العام امل ختص بتقدير املعونات وبدل الخدمات‪ ..‬سنأمر ‪14-‬‬
‫باستدعاء كبار ألاساقفة‪ ،‬وألاساقفة‪ ،‬ورؤساء ألاديرة‪ ،‬وحملة ألقاب إيرل ‪ ،‬وكبار‬
‫‪...‬البارونات في البالد ‪ ...‬وغيرهم ممن هم تحت رياستنا‬

‫‪200‬‬
‫لن نجيز في املستقبل لكائن من كان أن يأخذ معونة من مستأجريه ألاحرار ‪15-‬‬
‫ً‬
‫(غير ألارقاء)‪ ،‬إال إذا كان ذلك الفتدائه‪ ،‬أو تنصيب ابنه ألاكبر فارسا ‪ ،‬أو مرة‬
‫‪...‬واحدة لزواج ابنته الكبرى ؛ ولن تكون املعونة في هذه الحالة إال معونة معقولة‬

‫‪.‬لن تعرض الشكاوي العادية على محكمتنا‪ ،‬بل ينظر فيها في مكان محدد ‪17-‬‬

‫لن يعطى أو يؤخذ بعد آلان ش يء نظير أمر يطلبه شخص ببحث حاله‪ ...‬بل ‪36-‬‬
‫يجب أن يعطى هذا ألامر بغير مقابل (أي أنه يجب أال يطول حبس إنسان من غير‬
‫‪).‬محاكمة‬

‫ال يقبض على رجل حر‪ ،‬أو يسجن‪ ،‬أو ينزع ملكه‪ ،‬أو يخرج من حماية ‪39-‬‬
‫القانون ‪ ،‬أو ينفى‪ ،‬أو يؤذي بأي نوع من إلايذاء‪ ...‬إال بناء على محاكمة قانونية‬
‫‪ .‬أمام أقرانيه ( أي املساوين له في املدينة) أو بمقتض ى قانون البالد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬لن نبيع العدالة أو حقا من الحقوق إلنسان ما ولن نحرم منها إنسانا ما ‪40-‬‬
‫ً‬
‫يتمتع جميع التجار بحق الدخول في إنجلترا وإلاقامة فيها واملرور بها برا أو ‪41-‬‬
‫ً‬
‫‪ .‬بحرا ساملين مؤمنين للشراء والبيع‪ ...‬دون أن تفرض عل يهم ضرائب غير عادلة‬

‫كل العادات والحريات السالفة الذكر‪ ...‬يجب أن يراعيها أهل مملكتنا كلهم‪60- ،‬‬
‫‪.‬سواء منهم رجال الدين وغير رجال الدين‪ ،‬كل فيما يخصه‪ ،‬نحو أتباعهم‬

‫وقعناه بيدنا بحضور الشهود‪ ،‬في املرج املعروف باسم ريمنيد في اليوم الخامس‬
‫‪ ).‬عشر من شهر يونيه من ال سنة السابعة عشرة من حكمنا( ‪12‬‬

‫والعهد ألاعظم أساس الحريات التي يتمتع بها العالم الناطق باللغة إلانجليزية في‬
‫هذه ألايام‪ ،‬والحق أنه خليق بهذه الشهرة‪ .‬نعم إنه مقيد ببعض القيود‪ ،‬فهو‬

‫‪201‬‬
‫ينص على حقوق النبالء ورجال الدين أكثر مما ينص على حقوق الشعب كله‪،‬‬
‫ولم تبين في ه الوسائل الكفيلة بتنفيذ إلاشارة الدالة على التقي والصالح الواردة‬
‫ً‬
‫‪ .‬في املادة رقم ‪ 09‬من العهد؛ ولقد كان العهد انتصارا لإلقطاع ال للديمقراطية‬

‫كل هذا صحيح ولكنه نص على الحقوق ألاساسية وحماها‪ ،‬وقرر عدم إطاعة‬
‫حبس إنسان بال محاكمة‪ ،‬كما أقر نظام املحلفين‪ ،‬وأعطى الب رملان الناش ئ سلطة‬
‫ً‬
‫على املال اتخذتها ألامة فيما بعد سالحا ملقاومة الاستبداد‪ ،‬وبدل امللكية املطلقة‬
‫‪.‬ملكية دستورية مقيدة‬

‫بيد أن جون لم يفكر قط في أنه قد خلد اسمه بالنزول عن سلطاته ومطالبه‬


‫الاستبدادية‪ ،‬فقد وقع العهد وهو مرغم‪ ،‬وأخذ غداة توقيعه يأتمر إللغا ئه‪ .‬فقد‬
‫لجأ إلى البابا‪ ،‬وكانت سياسة إنوسنت الثالث وقتئذ تهدف إلى استعانة إنجلترا‬
‫على فرنسا‪ ،‬فخف ملعونة تابعه الذليل املهان بأن أعلن أن العهد باطل ال قيمة‬
‫له‪ ،‬وأمر جون أال يخضع لشروطه‪ ،‬كما أمر ألاشراف أال ينفذوها‪ ،‬فلما رفض‬
‫ً‬
‫البارونات إطاعة أمره‪ ،‬أصدر قرارا بحرمانهم هم وأهل لندن والثغور الخمسة؛‬
‫غير أن استيفن النجتن الذي كانت له اليد الطولى في صياغة العهد أبى أن ينشر‬
‫قرار الحرمان؛ وقرر مبعوثو البابا في إنجلترا وقف النجتن عن العمل‪ ،‬وأذاعوا‬
‫ً‬
‫قرار البابا‪ ،‬وجندوا جيشا من املرتزقة في فالندزر وفرنسا‪ ،‬وهاجموا النبالء‬
‫إلانجليز‪ ،‬وأعملوا فيهم النار والسيف‪ ،‬والسلب والقتل والفسق‪ .‬ويبدو أن‬
‫ألاشراف لم يلقوا من الشعب معونة خليقة بأن يعتمدوا عليها؛ ولهذا فإنهم بدل‬
‫أن يقاوموا الغزاة بقواهم إلاقطاعية‪ ،‬دعوا لويس ابن ملك فرنسا ليغزو إنجلترا‪،‬‬
‫ويدافع عنهم‪ ،‬ويستولي على عرش البالد جزا ء له على عمله؛ ولو نجحت هذه‬
‫ً‬
‫الخطة ألصبحت إنجلترا جزءا من فرنسا‪ .‬وحذر مبعوثو البابا لويس من عبور‬
‫القناة‪ ،‬فلما خالف أمرهم حرموه هو وجميع أتباعه من حظيرة الدين‪ .‬ووصل‬

‫‪202‬‬
‫لويس إلى لندن‪ ،‬وتقبل والء البارونات وخضوعهم‪ ،‬ولكن جون انتصر في كل مكان‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وخارج عن مدينة لندن ا لتجارية‪ ،‬وكان حين ينتصر قاسيا مجردا من الرحمة‪،‬‬
‫ولكنه وهو في عنفوان نشاطه ونصره أصيب بزحار البطن‪ ،‬واتخذ طريقه وهو في‬
‫شدة‬

‫‪.‬في التاسعة وألاربعين من عمره ‪ Newark‬ألالم إلى أحد ألاديرة‪ ،‬ومات في نيوارك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وتوج قاصد رسولي ابنا لجون ال يتجاوز السادسة من عمره ملكا على إنجلترا‬
‫باسم هنري الثالث ( ‪) 5202- 5250‬؛ وعين له مجلس وصاية برياسة إيرل بمبروك‬
‫وشجع ألاشراف ارتقاء واحد منهم إلى هذا املنصب‪ ،‬فانحازوا إلى ‪Pembroke.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫هنري وأرجعوا لويس إلى فرنسا‪ .‬وشب هنري وكان ملكا فنانا ‪ ،‬خبيرا بالجمال‪،‬‬
‫وكان هو املوحي ببناء دير وستمنست ر وواهب املال لهذا البناء‪ .‬وحسب العهد قوة‬
‫تعمل على التفكك وحاول إلغاءه ولكنه عجز‪ .‬وفرض الضرائب على النبالء‬
‫ً‬
‫وأرهقهم إرهاقا أوشكوا من أجله أن يثوروا عليه‪ ،‬وكان كلما فرض ضريبة أقسم‬
‫ً‬
‫أنها ستكون آخر الضرائب‪ .‬وكان البابوات أيضا في حاجة إلى املال‪ ،‬وأخذوا‬
‫يجبون ا لعشور من ألابرشيات إلانجليزية برضاء امللك ليمدوا البابوية باملال في‬
‫حربها مع فردريك الثاني‪ .‬وكانت ذكرى هذا الابتزاز هي التي مهدت السبيل لثورة‬
‫‪.‬وهنري الثاني ‪ Wycliffe‬ويكلف‬
‫ً‬
‫وكان إدوارد ألاول ( ‪ ) 5990 - 5202‬أقل شغفا بالعلم وأكثر عناية بشئون امللك من‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أبيه‪ .‬كان رجال طموحا ‪ ،‬قوي إلارادة‪ ،‬صبورا في الحرب‪ .‬داهية في السياسة‪ ،‬خبيرا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫بالفنون العسكرية وجر املغانم‪ ،‬ولكنه يستطيع إذا شاء أن يكون معتدال حذرا ‪،‬‬
‫ً‬
‫بعيد النظر في أهدافه؛ ولهذا كان حكمه من أكثر ألاحكام نجاحا في التاريخ‬
‫إلانجليزي كله‪ .‬فقد أعاد تنظيم الجيش‪ ،‬ودرب قوة كبيرة من الرماة على‬

‫‪203‬‬
‫استخدام القوس السمحة‪ ،‬وأنشأ قوة من الجيش املرابط بأن أمر كل إنجليزي‬
‫قادر على حمل السالح أن يكون لديه سالح وأن يتعلم طريقة استخدامه‪ .‬ولقد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وضع بهذا العمل على غير علم منه أساسا عسكريا للديمقراطية‪ .‬وملا تمت له‬
‫هذه القوة فتح بها بالد ويلز‪ ،‬وكسب اسكتلندة ثم فقدها‪ ،‬ورفض أداء الجزية‬
‫التي تعهد جون بأدائها للبابوات‪ ،‬وألغى سيادة البابا على إنجلترا‪،‬‬

‫ولكن أهم ما حدث في حكمه هو نمو الب رملان‪ ،‬ولعل إدوارد قد صار بغير رضاه‬
‫أهم شخصية في أعظم ما حدث في إنجلترا من أعمال جليلة ‪ -‬وهو التوفيق‪ ،‬في‬
‫‪ .‬الحكم و في ألاخالق‪ ،‬بين الحرية والقانون‬

‫‪204‬‬
‫نشأة القانون ‪4-‬‬

‫وهذه الفترة ‪ -‬من فتح النورمان إلى إدوارد الثاني ‪ -‬هي التي اتخذ فيها قانون‬
‫إنجلترا واتخذت فيها حكومتها الصورتين اللتين احتفظتا بهما حتى القرن التاسع‪.‬‬
‫ً‬
‫فقد أصبح القانون إلانجليزي قوميا للمرة ألاولى بع د أن بسط القانون إلاقطاعي‬
‫النورماني سلطانه على القانون إلانجليسكسوني املحلي‪ .‬فلم يعد القانون‬
‫أو القانون الدنمرقي ‪ Mercia‬أو مرسيا ‪ Essex‬إلانجليزي بعدئذ هو قانون إسكس‬
‫بل أصبح "قانون البالد وعاداتها"‪ ،‬وإن من العسير علينا أن ندرك آلان ما تنطوي‬
‫‪ Ranulf de‬عليه هذه العبارة السالفة الذكر حين نطق بهما رانلف ده جالنفيل‬
‫املتوفى عام ‪ .) 19 () 5509‬ولقد اشتهر القانون إلانجليزي واملحاكم ( ‪Glanville‬‬
‫إلانجليزية بفضل الدفعة القوية التي دفع بها هنري الثاني وبفضل قيادة جالنفيل‬
‫كبير القضاة‪ ،‬اشتهرا باإلنصاف وسرعة الفصل في املنازعات (مع ش يء من الفساد‬
‫والرشوة) شهرة حملت ملوك أسبانيا املتخاصمين على أن يعرضوا منازعاتهم على‬
‫‪ " Tractatus‬محاكم إنجلترا( ‪ .) 11‬ولربما كان جالنفيل هو مؤلف "رسالة في القانون‬
‫التي تعزوها إليه الرواية املأثورة‪ ،‬وسواء كان ذلك أو لم يكن فإن ‪de Legibus‬‬
‫هذه الرسالة هي أقد م ما لدينا من الكتب في القانون إلانجليزي ‪ .‬وبعد نصف قرن‬
‫أول ‪ Henry de bracton‬من ذلك الوقت ( ‪ ) 5210- 5219‬أخرج هنري ده براكتن‬
‫"خالصة منظمة للقانون إلانجليزي في كتابه "في قوانين إنجلترا وعاداتها‬
‫وهو كتاب في خمسة مجلدات ومرجع ‪Delegibus et Consuetudinibus Anglise‬‬
‫‪.‬من أهم املراجع في القانون إلانجليزي‬

‫‪205‬‬
‫وكانت حاجة امللك املتزايدة إلى املال والجند هي التي أدت إلى اتساع الوتنجموت‬
‫إلانجليسكسوني حتى أصبح هو الب رملان إلانجليزي ‪ .‬ذلك أن هنري ‪Witengemot‬‬
‫الثالث أراد أن يحصل على املال أكثر مما يرغب في أن يمدوه به‪ ،‬وأال يصبر ح تى‬
‫يوافقوا على طلباته‪ ،‬فاستدعى فارسين من كل مقاطعة لينضموا إلى البارونات‬
‫واملطارنة في املجلس العظيم الذي عقد في عام ‪ . 5211‬وملا تزعم سيمون ده منت‬
‫‪ ،‬وهو ابن محارب صليبي من ألاسرة ألالبجنسية‪ ،‬ثورة ‪ Simon de Montfort‬فورت‬
‫قام بها النبالء على هنري الثالث في عام ‪ ، 5201‬أراد أن يضم الطبقات الوسطى‬
‫ً‬
‫إلى قضيته‪ ،‬فلم يكتف بدعوة فارسين من كل مقاطعة بل دعا أيضا اثنين من‬
‫املواطنين البارز ين من كل قصبة مقاطعة أو كل بلدة لينضموا إلى البارونات في‬
‫ً‬
‫جمعية وطنية‪ .‬وكان خليقا بهؤالء الرجال أن يستشاروا هل يؤدون املال أو‬
‫يكتنفون بالكالم‪ ،‬وذلك ألن البلدان كانت آخذة في النماء‪ ،‬وكان التجار ذوي مال‪.‬‬
‫وأفاد إدوارد ألاول من املثل الذي ضربه له سيمون ‪ ،‬فلما أن تورط في الحرب مع‬
‫اسكتلندة‪ ،‬وويلز‪ ،‬وفرنسا في وقت واحد‪ ،‬اضطر أن يطلب املال من جميع طبقات‬
‫ألامة‪ ،‬فدعا لهذا الغرض "الب رملان النموذجي" في عام ‪ 5201‬وهو اول ب رملان كامل‬
‫ً‬
‫في تاريخ إنجلترا‪ .‬وقال في مرسوم الدعوة إن "ما يمس الناس جميعا يجب أن‬
‫ً‬
‫يوافقوا جميعا عليه‪ ،‬وإن ألاخطار العامة يجب أن تقابل بوسائل يتفقون عليها‬
‫ً‬
‫جميعا "( ‪ .) 11‬ولهذا دعا إدوارد اثنين من أهل "كل مدينة‪ ،‬وقصبة مقاطعة‪،‬‬
‫وبلدة كبيرة" للحضور ف ي املجلس ألاكبر الذي سيعقد في وستمنستر‪ ،‬ونص على أن‬
‫يختار أولئك الرجال ذوو املكانة من املواطنين في كل منطقة‪ ،‬ذلك أنه لم يكن‬
‫أحد يحلم وقتئذ بحق الانتخاب العام في مجتمع ال تعرف القراءة فيه إال أقلية‬
‫صغيرة‪ ،‬بل إن "العامة" في "الب رملان النموذجي" نفسه لم يكن لهم من السلطان‬
‫ما لألشراف‪ .‬ولم يكن قد وجد بعد ب رملان سنوي يجتمع بمحض‬

‫‪206‬‬
‫إرادته ويكون هو املصدر الوحيد للتشريع‪ .‬ولكن اتفق في عام ‪ 5501‬على املبدأ‬
‫القائل بأن القانون الذي يقره الب رملان ال يمكن أن يلغيه إال الب رملان‪ ،‬ثم اتفق في‬
‫عام ‪ 5200‬على أال تجبى الضرائب إال بعد موافقة الب رملان؛ هذه هي املبادئ‬
‫‪.‬البسيطة التي قامت عليها أكثر الحكومات ديمقراطية في تاريخ العالم‬

‫ولم يحضر رجال هذا الب رملان الواسع إال وهو كارهون ‪ .‬وكانوا يجلسون فيه‬
‫منفصلين عن سائر الطبقات‪ ،‬ويأبون أن يقترعوا على ألاموال املطلوبة إال في‬
‫جمعياتهم إلاقليمية ‪ ،‬وظلت املحاكم الكنسية تنظر في جميع القضايا التي‬
‫ً‬
‫للقانون الكنس ي شأن فيها‪ ،‬وفي معظم القضايا التي يكون أحد رجال الدين طرفا‬
‫فيها‪ .‬وكان في الاستطاعة محاكمة رجال الدين إذا ارتكبوا جناية كبرى أمام‬
‫السلطات الزمنية؛ أما من يحكم عليهم في جرائم أقل من جريمة الخيانة العظمى‬
‫فكانوا حسب "ميزات رجال الدين" يسلمون إلى محكمة كنسية من حقها وحدها‬
‫أن تعاقبهم على جرائمهم‪ .‬يضاف إلى هذا الكثرة الغالبة من القضاة كانت من‬
‫رجال الكنيسة‪ ،‬ألن دراسة القانون كانت مقصورة في الغالب على رجال الدين‪.‬‬
‫ثم أصبحت املحاكم الدينية في عهد إدوارد ألاول أكثر مدنية مما كانت قبله‪ ،‬وملا‬
‫امتنع رجال الدين عن أن ينضموا إلى غيرهم من الطبقات في الاقتراع على ألاموال‬
‫املطلوبة‪ ،‬قال إدورد ألاول إن على الذين يتمتعون بحماية الدولة أن يتحملوا‬
‫نصيبهم من أعبائها‪ ،‬ثم أمر محاكمه أال تنظر في القضايا التي يكون املدعي فيها‬
‫أحد رجال الكنيسة‪ ،‬وأن تنظر في كل قضية يكون أحد رجال الكنيسة هو املدعي‬
‫عليه فيها( ‪ .) 10‬وزاد مجلس إدوارد املنعقد في سنة ‪ 5200‬على هذا بأن حرم‬
‫ً‬
‫أن تمنح الهيئات الكنسية أرضا بغير موافقة ‪ Mortmain‬بمقتض ى قانون مورتمين‬
‫‪.‬امللك‬

‫‪207‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ونما القانون إلانجليزي نموا سريعا ف ي أيام وليم ألاول ‪ ،‬وهنري الثاني‪ ،‬وجون ‪،‬‬
‫وإدوارد ألاول على الرغم من تعدد جهات الاختصاص على النحو‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السالف الذكر‪ .‬وكان هذا القانون إقطاعيا محضا شديد الوطأة على رقيق‬
‫ألارض‪ ،‬فقد كانت الجرائم التي يرتكبها ألاحرار على أرقاء ألارض يعاقب عليها‬
‫بالغرامة؛ وكان القان ون يجيز للنساء أن يمتلكن املال ويورثنه ويتصرفن فيه‬
‫بالوصية‪ ،‬كما أجاز لهن أن يتعاقدن‪ ،‬ويقاضين غيرهن وي قاضين‪ ،‬وجعل من حق‬
‫املرأة أن ترث ثلث أمالك زوجها العقارية بعد وفاته‪ ،‬ولكن جميع املنقوالت التي‬
‫ً‬
‫جاءت بها إلى البيت وقت زواجها‪ ،‬أو حصلت عليها في أثناء الزواج‪ ،‬تصبح ملكا‬
‫ً‬
‫للزوج( ‪ .) 10‬وكانت ألارض كلها من الناحية القانونية ملكا للملك ينالها أصحابها‬
‫ً‬
‫منه إقطاعيا ‪ .‬وكانت ضيعة السيد إلاقطاعي كلها في العادة يوص ي بها ألبنه‬
‫ألاكبر‪ ،‬ولم يكن يقصد بهذا أن تبقى ألامالك غير مجزأة‪ ،‬بل يقصد به فوق ذلك‬
‫حماية السيد إلاقطاعي ألاعل ى من تجزئة التبعة إلاقطاعية في جباية املكوس‬
‫وأداء التزامات الحرب‪ .‬أما الفالحون ألاحرار فلم يكن ثمة قانون يلزمهم بأن‬
‫‪.‬يورثوا أمالكهم أكبر أبنائهم‬

‫وظل قانون التعاقد غير ناضج في هذا التشريع إلاقطاعي‪ .‬وكانت محكمة‬
‫للمقاييس واملوازين تحدد مستوى املوازين‪ ،‬واملقا ييس‪ ،‬والنقود؛ وتفرض رقابة‬
‫الدولة على استعمالها‪ .‬وبدأ التشريع التجاري املستنير في إنجلترا "بقانون‬
‫وهما عمالن جليالن ‪ " Carta Mercatoria (1203)-‬التجار" ( ‪ ) 5219‬و"عهد التجار‬
‫‪.‬آخران من ألاعمال التي تمت في عهد إدوارد ألاول‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وتحسنت طرق إلاجراءات القانونية تحسنا ب طيئا ‪ ،‬واتبعت لتنفيذ القوانين عدة‬
‫)‪ Constable‬وسائل‪ ،‬فجعل لكل حي "رقيب" ولكل حاضرة إقليم شرطي (كنستبل‬

‫‪208‬‬
‫ولكل إقليم حاكم‪ .‬وكان القانون يفرض على جميع الرجال أن يرفعوا عقيرتهم‬
‫"بصرخة وزعقة" إذا شهدوا اعتداء على القانون ‪ ،‬وأن يشتركوا في مطاردة‬
‫املعتدي‪ ،‬وأجيزت الكف الة‪ .‬ومن فضائل القانون إلانجليزي أن التعذيب لم يكن‬
‫يلجأ إليه في مناقشة املتهمين أو الشهود‪ .‬من ذلك أنه ملا أغرى‬

‫فليب الرابع ملك فرنسا إدوارد الثاني بأن يقبض على فرسان املعبد إلانجليز‪ ،‬ولم‬
‫ً‬
‫يجد هذا امللك دليال يأخذهم به‪ ،‬كتب البابا كلمنت الخامس‪ ،‬بتحريض فليب بال‬
‫ريب‪ ،‬إلى إدوارد يقول ‪" :‬ترامى إلينا أنك تحرم التعذيب ألنه مخالف لقانون‬
‫بلدك‪ ،‬ولكن ما من قانون للدولة يمكن أن يسمو على القانون الكنس ي‪ ،‬قانوننا‪.‬‬
‫ولهذا آمرك أن تعذب هؤالء الرجال"( ‪ .) 11‬وخضع إدوارد ألمر البابا‪ ،‬ولكن‬
‫التعذيب لم يلجأ إليه مرة أخرى في إلاجراءا ت القانونية إلانجليزية إال في عهد‬
‫‪ ).‬ميري "اللعينة" ( ‪5111- 5119‬‬

‫وأدخل النورمان إلى إنجلترا نظام الفرنجة القديم‪ ،‬نظام التحقيق القضائي أمام‬
‫املحلفين‪ ،‬وهم طائفة من املواطنين املحليين‪ ،‬وذلك في شئون ألاقاليم املالية‬
‫والقانونية‪ .‬وارتقت محكمة كالرندن (حوالي عام ‪ ) 5500‬بنظام "املحلفين" ب ـأن‬
‫أجازت للمتقاضين أال يقرروا صدقهم أو كذبهم عن طريق القتال‪ ،‬بل أمام لجنة‬
‫ً‬
‫محكمين مؤلفة من اثني عشر فارسا يختارهم من بين املواطنين في إلاقليم أمام‬
‫املحكمة نفسها أربعة من الفرسان يعينهم حاكم إلاقليم‪ .‬وكانت هذه هي الدورة‬
‫القضائية الكبرى ‪ ،‬أما في الدورة الصغرى التي كانت تعقد للنظر في القضايا‬
‫العادية فكان حاكم إلاقليم نفسه يختار اثني عشر من أحرار إلاقليم املجاور‬
‫للمحكمة‪ .‬وكان الناس وقتئذ يعارضون في نظام املحلفين كما يعارضونه آلان‪ ،‬ولم‬
‫ً‬
‫يكن يدور بخلدهم قط أن هذا النظام سيصبح أساسا من أسس ال ديمقراطية‪.‬‬

‫‪209‬‬
‫ولم ينته القرن الثالث عشر حتى كان حكم املحلفين قد حل في إنجلترا كلها‬
‫ً‬
‫‪.‬تقريبا محل أنظمة التحقيق القديمة التي كانت تجري حسب الشريعة الهمجية‬

‫‪210‬‬
‫البالد إلانجليزية ‪5-‬‬
‫ً‬
‫كانت تسعة أعشار إنجلترا في عام ‪ 5999‬ريفا ‪ ،‬وكان بها مائة بلدة تعد في ن ظر‬
‫املدائن التي خلفتها في هذه ألايام قرى صغيرة‪ ،‬وكان بها مدينة واحدة هي لندن‬
‫ً‬
‫تزهو على غيرها بسكانها البالغين أربعين ألفا ( ‪ - ) 10‬أي أربعة أضعاف أية مدينة‬
‫ً‬
‫أخرى في ذلك الوقت‪ ،‬ولكنها أقل كثيرا في ثروتها وجمالها من باريس‪ ،‬أو بروج‪ ،‬أو‬
‫البندقية‪ ،‬أو ميالن‪ ،‬دع عنك القسطنطينية أو بالرم‪ ،‬أو روما‪ .‬وكانت بيوتها من‬
‫ً‬
‫الخشب‪ ،‬تعلو طبقتين أو ثالث طبقات‪ ،‬ذات سقف هرمية‪ ،‬وكثيرا ما كانت‬
‫الطبقات العليا تبرز عن الطبقات التي تحتها‪ .‬وكانت قوانين املدن تحرم إلقاء‬
‫فضالت املطابخ‪ ،‬أو حجر النوم‪ ،‬أو الحمامات من النوافذ‪ ،‬ولكن سكان الطبقات‬
‫ً‬
‫العليا كثيرا ما كانوا يلجئون إلى هذه الوسيلة الهينة للتخلص من فضالتهم‪.‬‬
‫وكانت مياه املنازل القذرة تتخذ طريقها إلى مياه املطر التي تجري عند حافة‬
‫ً‬
‫إلافريز‪ ،‬وكان إلقاء البراز في هذه املياه الجارية محرما أما البول فكان إلقاؤه فيه‬
‫ً‬
‫مسموحا به ( ‪ .) 19‬وكانت املجال س البلدية تبذل جهدها لتحسين وسائل الصحة‬
‫العامة ‪ -‬فكانت تأمر أهل املدن بتنظيف الشوارع أمام بيوتهم‪ ،‬وتفرض الغرامات‬
‫ً‬
‫على من يهملون منهم أمرها هذا‪ ،‬وتستأجر عماال يجمعون الفضالت وألاقذار‬
‫ويحملونها في عربات إلى قوارب الفضالت في نهر التاميز‪ .‬وكان كثيرون من السكان‬
‫يربون الخيل‪ ،‬واملاشية‪ ،‬والخنازير‪ ،‬والدجاج‪ ،‬ولكن هذا العمل لم يكن كثير‬
‫ً‬
‫الضرر‪ ،‬ألن ألاماكن الخالية كانت كثيرة‪ ،‬وألن كل بيت تقريبا كانت له حديقة‪.‬‬
‫‪ Temple‬وكانت تقوم في أماكن متفرقة أبنية من الحجارة‪ ،‬مثل كنيسة املعبد‬
‫‪ ،‬ودير وستمنستر‪ ،‬وبرج لندن الذي بناه وليم الفاتح ليحمي عاصمته ‪Church‬‬
‫ويضع فيه املسجونين املمتازين‪ .‬وكان أهل لندن من ذلك الوقت البعيد يفخرون‬
‫ً‬
‫إنهم أعظم خطرا من جميع " ‪ Froissart‬بمدينتهم‪ ،‬وسرعان ما قال عنهم فرواسار‬

‫‪211‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫سكان بقية إنجلترا‪ ،‬ألنهم أقوى أهل البالد ماال ورجاال "‪ ،‬ووصفهم الراهب تومس‬
‫بأنهم "يكادون يكونون أكثر الناس كبرياء‪ Thomas of Walsingham ،‬الولسنجهامي‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ ).‬وغطرسة‪ ،‬وشرها ‪ ،‬وأقلهم استمساكا بالعادات القديمة وإيمانا باهلل"( ‪15‬‬

‫وأنتج امتزاج سالالت النورمان‪ ،‬وألانجليسكسون ‪ ،‬والدنمرقيين‪ ،‬والكلت‪،‬‬


‫ولغاتهم‪ ،‬وأساليبهم في الحياة‪ ،‬أنتج هذا الامتزاج ألامة إلانجليزية‪ ،‬واللغة‬
‫إلانجليزية‪ ،‬وألاخالق إلانجليزية‪ .‬وملا انفصلت نورمندية عن إنجلترا‪ ،‬نسيت أسر‬
‫النورمان املقيمة في إنجلترا بالد نورمندية‪ ،‬وتعلمت حب بالدها الجديدة‪ .‬وظلت‬
‫صفات الكلت الصوفية الشعرية باقية‪ ،‬وبخاصة عند الطبقات الوسطى‪ ،‬ولكنها‬
‫قد خفف منها بأس النورما ن ودينونتهم‪ ،‬وظل في مقدور البريطاني الناش ئ من‬
‫هذا املزيج‪ ،‬وسط نزاع ألامم‪ ،‬والطبقات‪ ،‬وكوارث القحط والوباء‪ ،‬ظل في مقدور‬
‫‪ Henry‬البريطاني أن يجعل من "إنجلترا املرحة"‪ ،‬كما يسميها هنري الهنتنجدوني‬
‫أمة جمة النشاط‪ ،‬والفكاهة النابية‪ ،‬وألالعاب )‪Huntingdon (1084-1155‬‬
‫الصاخبة‪ ،‬والرفقة الطيبة‪ ،‬واملحبة للرقص وألاغاني الشعرية‪ ،‬والجعة‪ .‬ومن هذه‬
‫العارمة‪ Chaucer ،‬ألاصالب وألاجيال القوية نشأت شهوانية حجاج تشوسر‬
‫ّ‬
‫‪.‬والعبارات الطنانة املزوق ة التي كان ينطق بها رجال العصر إلالزبيثي املتفاخرون‬

‫‪212‬‬
‫الفصل التاسع‬

‫إنجلترا ‪ -‬إسكتلندة ‪ -‬ويلز‬

‫)‪(1066-1318‬‬

‫جلس هنري الثاني على عرش إنجلترا في عام ‪ 5511‬وتولى البابوية في العام نفسه‬
‫وسمي باسم هدريان ‪ Nicholas Breakspear‬إنجليزي يدعى نقوالس بريكسبير‬
‫الرابع‪ .‬وبعد عام من ذلك الوقت بعث هنري جون السلزبري إلى روما برسالة تنم‬
‫عن كثير من الدهاء قال في ها إن أيرلندة في حال يرثى لها من الفوض ى السياسية‪،‬‬
‫والاضمحالل ألادبي‪ ،‬والانحطاط الخلقي‪ ،‬وعدم الاستقالل الديني والانحالل‪.‬‬
‫وسأل البابا هل يسمح له باالستيالء على هذه الجزيرة التي تسودها النزعة‬
‫الفردية‪ ،‬ويعيد إليها النظام الاجتماعي‪ ،‬ويرغمها على طاعة البابا هنري إلى طلبه‪،‬‬
‫ً‬
‫وأصدر مرسوما ‪ Giraldus Cambrensis‬إذا جاز لنا أن نصدق جرالدس كمبرنسس‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫بابويا منح فيه هنري أيرلندة‪ ،‬مشترطا عليه أن يعيد إليها الحكومة النظامية‪،‬‬
‫ً‬
‫وأن يجعل رجال الدين ألايرلنديين اكثر تعاونا مع روما‪ ،‬وأن ي فرض بنس واحد‪،‬‬
‫من الدوالر ألامريكي) في كل عام على كل بيت في ‪ slash100‬أي ما يعادل آلان ( ‪19‬‬
‫أيرلندة يؤدي إلى كرس ي القديس بطرس( ‪ .) 12‬ولم تكن مشاغل هنري وقتئذ‬
‫ً‬
‫تمكنه من أن يفيد من حالة الفوض ى السائدة في أيرلندة‪ ،‬ولكنه ظل متحفزا‬
‫‪.‬لإلفادة منها‬

‫‪ ،‬ملك ب وفني ‪ Tiernan o'Rourke‬وحدث في عام ‪ 5500‬أن هزم تيرنان أورورك‬


‫ملك لينستر في حرب قامت بين ‪ Dermot Mac Murrough‬درموت ماك مرو ‪Benfni‬‬
‫امللكين ألن ثانيهما أغوى زوجة ألاول ‪ .‬وملا طرد رعايا درموت مليكهم من البالد فر‬

‫‪213‬‬
‫إلى إنجلترا وفرنسا‪ ،‬وحصل على خطاب من هنري ‪ Eva‬هو وابنته الحسناء إيفا‬
‫الثاني يؤكد فيه عطفه على فرد من رعاي اه‬

‫يساعد درموت على استرداد عرش لينستر‪ .‬وكانت نتيجة هذا التأكيد أن تلقي‬
‫إيرل بمبروك بويلز امللقب ‪ Richdrd Fitz Gilbert‬درموت من رتشرد فتز جلبرت‬
‫ً‬
‫"بالقوس السمحة" وعدا باملساعدة العسكرية إذا تعهد له بأن يزوجه بإيفا وأن‬
‫يخلفه على عرش مملكة درموت‪ .‬وزحف رتشرد في عام ‪ 5500‬على رأس قوة‬
‫صغيرة من أهل ويلز إلى أيرلندة‪ ،‬وأعاد درموت إلى عرشه بمساعدة قساوسة‬
‫'‪ Rory o‬لينستر‪ ،‬وملا توفي درموت ( ‪ ) 5505‬ورث مملكته‪ .‬فما كان من روري أكنور‬
‫ملك أيرلندة ألاعلى وقتئذ إال أن سار على رأس جيش لقتال الغزاة من ‪Connor‬‬
‫أهل ويلز‪ ،‬وحاصرهم في دب لن وسد عليهم جميع املسالك‪ .‬وهجم املحاصرون‬
‫هجمة صادقة على ألايرلنديين وفكوا الحصار‪ ،‬وفر إلايرلنديون السيئو التدريب‬
‫الناقصو العتاد‪ .‬واستدعى هنري الثاني رتشرد فعبر البحر إلى ويلز‪ ،‬وقابل امللك‪،‬‬
‫ووافق على أن يسلمه دبلن وغيرها من الثغور ألايرلندية‪ ،‬وأن يتولى ما بقي من‬
‫لينستر إقطاعية من التاج البريطاني‪ .‬ونزل هنري إلى البر قرب ووترفورد‬
‫على رأس قوة تبلغ أربعة آالف رجل‪ ،‬وتلقي معونة رجال الدين )‪Waterford (1171‬‬
‫‪ Ulster‬وألسستر ‪ Connought‬ألايرلنديين‪ ،‬وقدمت له أيرلندة كلها عدا كونوت‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫فروض الوالء‪ ،‬وتبدل فتح ويلز أليرلندة فت حا نورمانيا ‪ -‬إنجليزيا دون إراقة دماء‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وعقد املطارنة ألايرلنديون مجلسا دينيا أعلنوا فيه خضوعهم للبابا خضوعا‬
‫ً‬
‫تاما ‪ ،‬وقرروا أن تكون شعائر الكنيسة ألايرلندية من ذلك الحين متفقة مع شعائر‬
‫كنيستي إنجلترا وروما‪ .‬وسمح للكثرة الغالبة من ملوك أيرلندة أن يحتفظوا‬
‫بعروشهم‪ ،‬على شريطة أن يعلنوا والءهم إلاقطاعي مللك إنجلترا‪ ،‬وأن يؤدوا إليه‬
‫‪.‬جزية سنوية‬

‫‪214‬‬
‫ونال هنري بغيته بمهارة فائقة واقتصاد في املال وألارواح‪ ،‬ولكنه أخطأ إذ ظن أن‬
‫القوة التي تركها وراءه تستطيع املحافظة على السلم والنظام‪ .‬يضاف إلى هذا أن‬
‫عماله أخذوا يقتتلون القتسام الغنائم‪ ،‬كما شرع أعوانهم وجنودهم ينهبون‬

‫البالد دون أن تفرض عليهم إال أقل رقابة‪ ،‬وسخر الفاتحون جهودهم لتحويل أهل‬
‫أيرلندة إلى أرقاء أرض‪ .‬وعمد ألايرلنديون إلى حرب العصابات يقاومون بها‬
‫الفاتحين‪ ،‬وكانت نتيجة هذا أن هوت البالد في وهدة الفوض ى والدمار‪ ،‬وظلت‬
‫ً‬
‫ذلك قرنا من الزمان‪ ،‬حتى عرض بعض الزعماء ألايرلنديين بالدهم على اسكتلندة‬
‫الاسكتلندي قد هزم إلانجليز توا ‪ Robert Bruce‬في عام ‪ . 5951‬وكان ربرت بروس‬
‫قبل ذلك‪ .‬ونزل إدوارد أخو روبرت في أيرلندة ومعه ‪ Bannockbnrn‬عند بنكبيرن‬
‫ً‬
‫ستة آالف رجل؛ وأصدر البابا يوحنا ال ثاني عشر قرارا بحرمان كل من يساعد‬
‫ً‬
‫ألاسكتلنديين‪ ،‬ولكن أليرلنديين جميعهم تقريبا ثاروا إجابة لنداء إدوارد‪ ،‬وتوجوه‬
‫ً‬
‫ملكا على البالد في عام ‪ . 5950‬ولكنه هزم وقتل بعد عامين من ذلك الوقت‪،‬‬
‫‪.‬وأخفقت الثورة وسط مظاهر الفقر واليأس‬

‫‪ ،‬وهو رجل بريطاني عاش في القرن الرابع ‪ Ranulf Higden‬ويقول رانلف هجدن‬
‫عشر‪ ،‬إن الاسكتلنديين شعب "مرح"‪ ،‬رجاله أقوياء‪ ،‬غالظ إلى حد كبير‪ ،‬ولكنهم‬
‫ً‬
‫إذا امتزجوا باإلنجليز صلحت حالهم كثيرا ‪ .‬وهم قساة على أعدائهم‪ ،‬يكرهون‬
‫القيود أكثر من كراهيتهم كل ش يء آخر‪ ،‬ويرون أن العار كل العار أن يموت منهم‬
‫‪ ).‬رجل في فراشه‪ ،‬والفخر كل الفخر أن يموت في ميدان القتال( ‪19‬‬

‫وبقيت أيرلندة أيرلندية ولكنها فقدت حريتها‪ ،‬وأصبحت اسكتلندة بريطانية‬


‫ولكنها بقيت حرة؛ وتضاعف عدد إلانجليز‪ ،‬والسكسون ‪ ،‬والنورمان في ألاراض ي‬
‫املنخفضة‪ ،‬وأعادوا تنظيم الحياة الزراعية حسب ألاساليب إلاقطاعية‪ .‬وكان‬

‫‪215‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫رجال محاربا غزا إنجلترا عدة مرات‪ Malcolm III (1058-1093) ،‬ملكولم الثالث‬
‫ولكن زوجته امللكة مرجريت كانت أميرة أنجليسكسونية نشرت اللغة إلانجليزية في‬
‫البالط الاسكتلندي‪ ،‬وجاءت إلى البالد برجال الدين الذين يتكلمون اللغة‬
‫‪ David I ،‬إلانجليزية‪ ،‬وربت أبناءها على أسس التربي ة إلانجليزية واتخذ دافد ألاول‬
‫آخر هؤالء ألابناء وأقواهم )‪(1126-1153‬‬

‫‪ ،‬ودراي بيرج‪ Kelso‬الكنيسة أداته املختارة لحكم البالد‪ ،‬وأنشأ في كلسو‬


‫أديرة يتكلم رهبانها اللغة ‪ ، Holyrood‬وهولي رود‪ ، Melrose‬وملروز‪Dryburgh‬‬
‫إلانجليزية‪ ،‬وجبى العشور (للمرة ألاولى في اسكتلندة) ملعونة الكنيسة‪ ،‬وأغدق‬
‫ً‬
‫املال على ألاساقفة ورؤساء ألاديرة إغداقا جعل الناس يحسبونه من القديسين‬
‫وإن لم يكن منهم؛ وأضحت اسكتلندة في عهد دافد ألاول كلها عدا مرتفعاتها‬
‫‪ ).‬والية إنجليزية( ‪11‬‬
‫ً‬
‫لكنها لم تكن أقل استقالال مما كانت قبل‪ ،‬فقد استحال املهاجرون إلانجليز‬
‫وآل ‪ Stuart‬اسكتلنديين محبين لوطنهم الجديد‪ ،‬وخرج من بينهم آل استيورت‬
‫وغزا دافد ألاول نورثمبرلند وافتتحها‪ ،‬ثم فقدها ملكولم الرابع ‪ Bruce.‬بروس‬
‫أن يستردها‪) 5501 - 5519 ( William the Lion (1165-1214) ،‬؛ وحاول وليم ألاسد‬
‫ف ـأسره هنري الثاني ولم يطلقه إال بعد أن تعهد بإخضاع التاج الاسكتلندي مللك‬
‫ً‬
‫إنجلترا ( ‪ .) 5501‬وبعد خمسة عشر عاما من ذلك الوقت استطاع أن يتحلل من‬
‫هذا العهد بأن ساعد رتشرد ألاول باملال في الحرب الصليبية الثالثة‪ ،‬ولكن‬
‫امللوك إلانجليز ظلوا يطالبون بسيادتهم إلاقطاعية على اسكتلندة‪ .‬واسترد‬
‫من النرويج‪ ،‬واحتفظ ‪ Hebrides‬اسكندر ا لثالث ( ‪ ) 5201- 5210‬جزائر هبريدة‬

‫‪216‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫بصالت الود والصداقة مع إنجلترا‪ ،‬ووهب اسكتلندة عصرا ذهبيا يسوده السلم‬
‫‪.‬والرخاء‬

‫ولدا دافد ألاول على العرش بعد ‪ John Balliol‬وتنازع ربرت بروس‪ ،‬وجون بليول‬
‫وفاة اسكندر‪ .‬وانتهز إدوارد ألاول ملك إنجلترا هذه الفرصة وتدخل في النزاع‬
‫ً‬
‫وأصبح بليول ملكا على اسكلندة بفضل تأييده له‪ ،‬واعترف بسيادة إنجلترا العليا‬
‫ً‬
‫على بالده ( ‪ .) 5202‬فلما أمر إدوارد بليول أن يجهز جيشا ليقاتل مع إنجلترا في‬
‫ً‬
‫فرنسا‪ ،‬تمرد النبالء وألاساقفة الاسكتلنديون ‪ ،‬وأمروا بليول أن يعقد حلفا مع‬
‫فرنس ا على إنجلترا ( ‪ ،) 5201‬وهزم إدوارد الاسكتلنديين عند‬

‫ودنبار ( ‪ ،) 5200‬وتقبل خضوع أشراف البالد‪ ،‬وخلع بليول عن العرش‪ ،‬وعين ثالثة‬
‫‪.‬من إلانجليز ليحكموا اسكتلندة بالنيابة عنه‪ ،‬وعاد بعد ذلك إلى إنجلترا‬
‫ً‬
‫وكان كثيرون من النبالء الاسكتلنديين يملكون أرضا في إنجلترا‪ ،‬فكان عليهم لهذا‬
‫السبب واجب الطاعة ملليكها‪ .‬ولكن قدماء الغاليين الاسكتلنديين ساءهم هذا‬
‫‪ Willaim Wallace‬الاستسالم أشد الاستياء‪ ،‬فأعد واحد منهم يدعى وليم والس‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫جيشا من عامة الاسكتلنديين"‪ ،‬وبدد شمل الحامية إلانجليزية‪ ،‬وظل عاما كامال‬
‫ً‬
‫‪ Falkirk‬يحكم إنجلترا نائبا عن بل يول ‪ .‬ثم عاد إدوارد وهزم والس في فولكيرك‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وقبض عليه في ‪ ، 5991‬وأمر به فبقرت بطنه وقطعت أطرافه عمال )‪(1298‬‬
‫‪.‬بقانون الخيانة إلانجليزي‬

‫وأرغم مدافع آخر عن استقالل أيرلندة على الخروج إلى امليدان بعد عام من ذلك‬
‫الوقت‪ .‬ذلك أن ربورت بروس حفيد بروس الذي كان يطالب بالعرش في عام‬

‫‪217‬‬
‫‪ ،‬من كبار ممثلي إدوارد ألاول في ‪ 5210 John Comn‬تنازع مع جون كومين‬
‫اسكتلندة‪ ،‬وقتله‪ .‬ولم يكن أمام بروس بعد هذا العمل إال العصيان‪ ،‬فتوج نفسه‬
‫ً‬
‫ملكا على اسكتلندة‪ ،‬وإن لم يؤيده إال نفر من أعيان البالد‪ ،‬وإن كان البابا قد‬
‫حرمه جزاء له على جريمت ه‪ .‬وزحف إدوارد مرة أخرى صوب الشمال ولكنه مات‬
‫في الطريق ( ‪ .) 5990‬وكان عجز إدوارد الثاني نعمة على بروس وبركة‪ ،‬فقد انضوي‬
‫رجال اسكتلندة ورجال الدين فيها تحت لواء طريد القانون ‪ ،‬واستولت جيوشه‬
‫ببسالة عظيمة على ‪ Sri James Douglas‬يقودها أخوه إدوارد وسير جيمس دجالس‬
‫إ دنبرة‪ ،‬وغزت نورثمبرلند‪ ،‬وانتزعت درهام من الاسكتلندين‪ .‬وزحف إدوارد الثاني‬
‫في عام ‪ 5991‬على اسكتلندة بأكبر جيش شهدته البالد في تاريخها املاض ي كله‪،‬‬
‫وكان بروس قد أمر رجاله بأن ‪ Bannockburn.‬والتقى باالسكتلنديين عند بنكبيرن‬
‫يحفروا أمام موقعه‬

‫ً‬
‫حفرا يخفونها عن ألاعين‪ ،‬فلما هجم عليه إلانجليز سقط الكثيرون منهم في هذه‬
‫الحفر‪ ،‬وهلك الجيش إلانجليزي حتى لم يكد يبقى منه أحد‪ .‬واشتبك ألاوصياء‬
‫على إدوارد الثالث في حرب مع فرنسا في عام ‪ ، 5921‬ووقعوا معاهدة نورثمبتون‬
‫‪ ،.‬وتحررت اسكتلندة مرة أخرى ‪Northampton‬‬

‫وقام في هذه ألاثناء نزاع آخر في ويلز أسفر عن نتيجة تختلف عن النتيجة‬
‫ً‬
‫السابقة‪ .‬ذلك أن وليم ألاول طالب بالسيادة عليها بوصف كونها جزءا من مملكة‬
‫املنهزم‪ .‬ولم يتسع له الوقت لضمها إلى فتوحه‪ ،‬ولكنه أقام على ‪ Harold‬هرولد‬
‫‪ ،‬وشجع رؤساء هذه ‪ Earl‬حدودها الشرقية ثالث مقاطعات على رأس كل منها إيرل‬
‫املقاطعات على أن يوسعوا حدودها في ويلز‪ .‬وكان القراصنة النورمان يجتاحون‬

‫‪218‬‬
‫أي ابن) في بعض أسماء أهل ( ‪ Fitz‬وقتئذ ويلز الجنوبية‪ ،‬وهم الذين تركوا فتز‬
‫أولئك النورمان في ‪ Cadwgan ap Blepyn‬تلك البالد‪ .‬ثم أخضع كدرجان آب بلدين‬
‫في عام ‪ 5501‬؛ وشغل ‪ Corwen‬عام ‪ 5901‬؛ وهزم أهل ويلزا إلانجليز عن د كروين‬
‫هنري الثاني بالنزاع مع بكت‪ ،‬فاعترف باستقالل ويلز الجنوبية تحت حكم مليكها‬
‫‪ ،‬وبسط لويلين ألاكبر)‪ Rhys ap Graffyn ،(1171‬املستنير رايس آب جرفيد‬
‫حكمه على جميع البالد بفضل مقدرته العظيمة في الحرب ‪Llywelyn the Great‬‬
‫والسياسة؛ ثم ت نازع أبناؤه فيما بينهم وأشاعوا الاضطراب في أنحاء البالد‪ ،‬ولكن‬
‫حفيده لويلين آب جرفيد (املتوفى عام ‪ ) 5212‬رد إلى البالد وحدتها‪ ،‬وعقد الصلح‬
‫مع هنري الثالث‪ ،‬وأنشأ لنفسه لقب أمير ويلز‪ .‬وعقد إدوارد ألاول عزمه على أن‬
‫يضم ويلز واسكتلندة إلى إنجلترا‪ ،‬فغزا ويلز بجيش ضخم وعمارة بحرية قوية‬
‫( ‪) 5212‬؛ وق ِت ل لويلين حين التقى مصادفة بقوة صغيرة على الحدود‪ ،‬وقبض‬
‫إدوارد على أخيه دافد‪ ،‬وعلق رأسه بعد أن فصل عن جسمه هو ورأس لويلين‬
‫من برج لندن‪ ،‬وتركهما حتى نحلت شعرهما الشمس والرياح وألامطار‪ .‬وأضحت‬
‫ً‬
‫‪ ) ،‬ويلز جزءا من إنجلترا ( ‪5211‬‬

‫‪ .‬وخ لع إدوارد في عام ‪ 5995‬لقب أمير ويلز على ولي عهد إنجلترا‬

‫واحتفظ أهل ويلز في أثناء هذا الارتفاع والهبوط بلغتهم وعاداتهم‪ ،‬وظلوا يفلحون‬
‫أرضهم الصلبة بشجاعة وجلد‪ ،‬ويسلون أنفسهم في الليل والنهار باألقاصيص‪،‬‬
‫والشعر‪ ،‬واملوسيقى‪ ،‬والغناء‪ .‬وصاغ شعراؤهم في ذلك الوقت قصص‬
‫ً ً‬
‫‪ ،‬ومزجوا ألادب مزجا فذا مقطوع النظير بالحنان ‪ Mabinogion‬مابينوجيون‬
‫الصوفي ذي النغم الجميل‪ .‬وكان الشعراء واملغنون الجائلون يجتمعون في كل‬

‫‪219‬‬
‫عام في مجلس وطني نستطيع أن نرجع بتاريخه إلى عام ‪ ، 5500‬تعقد فيه املباريات‬
‫في الخطابة‪ ،‬والشعر‪ ،‬والغناء‪ ،‬والعزف على آلا الت املوسيقية؛ وكان أهل ويلز‬
‫مقاتلين بواسل‪ ،‬ولكنهم لم يكونوا يصبرون على الحرب الطويلة ألامد‪ ،‬وكانوا‬
‫يتوقون إلى العودة إلى أوطانهم يحمون بأنفسهم نساءهم وأطفالهم وبيوتهم‪ ،‬وكان‬
‫ً‬
‫من أمثالهم مثل يتمنون فيه أن يكون "كل شعاع من أشعة الشمس خنجرا‬
‫‪ ).‬يطعن صدور املحبين للحرب"( ‪11‬‬

‫‪220‬‬
‫الفصل العاشر‬

‫بالد نهر الرين‬


‫)‪(1066-1315‬‬

‫كانت ألاقاليم املحتشدة حول حوض الرين ألادنى ومصابه الكثيرة من أغنى أقاليم‬
‫العالم في العصور الوسطى‪ .‬فقد كان في جنوب الرين إقليم فالندرز املمتد من‬
‫ً‬
‫وكان هذا إلاقليم من ‪ Sheldt.‬مخترقا بلجيكا الحالية إلى نهر الشلد ‪ Calais‬كاليه‬
‫الوجهة الرسمية إقطاعية من ملك فرنسا‪ ،‬ولكنه كان من الوجهة الفعلية تحت‬
‫حكم أسرة مالكة من النبالء املستنيرين ال يحد من سلطتهم إال ما كان للمدن من‬
‫استقالل ذاتي تفخر به‪ .‬وكان ألاهلون القريبون من الرين ينتمون إلى العنصر‬
‫الفلمنكي‪ ،‬وأصلهم من عنصر أملاني يسكن البالد املنخفضة ويتكلمون لهجة‬
‫‪ Walloons-‬فكانوا من الولون ‪ Lys‬أملانية؛ أما من كانوا يقطنون في غرب نهر ليس‬
‫وهم خليط من ألاملان والفرنسيين امتزجوا بأصل كلتي ‪ -‬ويتكلمون لهجة فرنسية‪.‬‬
‫في إلاقليم ‪ ، Kassel‬وكورتربه‪ ،‬وإيبرس‪ ،‬وكاسل ‪ Audenaarde‬وأثرت غنث وأودنارد‬
‫الشمالي الشرقي الفلمنكي؛ وبروج‪ ،‬وليل‪ ،‬ودويه في إلاقليم الجنوبي الغربي‬
‫الولوني‪ ،‬أثرت هذه البلدان من تجارتها وصناعتها وإن كانتا قد سببتا لها‬
‫الاضطراب‪ .‬وكانت كثافة السكان في هذه املدن أكثر منها في سائر املدن ألاوربية‬
‫القائمة في شمال جب ال ألالب‪ ،‬وكانت هذه املدن تسيطر على حكامها ألاشراف في‬
‫عام ‪ 5999‬؛ فقد كان قضاة املقاطعات الكبرى يؤلفون من بينهم محكمة عليا‬
‫للبالد ويتفاوضون مستقلين مع املدن والحكومات ألاجنبية( ‪ .) 10‬وكان أولئك‬

‫‪221‬‬
‫الحكام ألاشراف في العدة يتعاونون مع املدن‪ ،‬ويشجعون التجارة والصناع ة‪،‬‬
‫وكانت لهم عملة مستقرة‪،‬‬

‫ً‬ ‫ً‬
‫ووضعوا منذ عام ‪ - 5599‬أي قبل إنجلترا بمائتي عام ‪ -‬نظاما عاما للمقاييس‬
‫‪.‬واملوازين يعمل به في جميع املدن‬

‫لكن حرب الطبقات قضت في آخر ألامر على حرية املدن وحرية حكامها ألاشراف‪.‬‬
‫والسبب في ذلك أن صعاليك املدن زاد عديدهم‪ ،‬واشتد غضبهم وسلطانهم‪ ،‬وأن‬
‫الحكام ألاشراف انضموا إليهم ليناهضوا بهم الطبقة الوسطى الغنية املغترة‬
‫بنفسها؛ فلجأ التجار إلى فليب أغسطس يطلبون إليه املعونة‪ ،‬فوعدهم بها يرجو‬
‫ً‬
‫بذلك أن يخضع فالندرز إلى التاج الفرنس ي خضوعا أتم من ذي قبل‪ .‬وكانت‬
‫إنجلترا تحرص على أن تبقى أهم سوق تصرف فيها صوفها بعيدة عن سيطرة‬
‫ً‬
‫دوق برابانت ‪ Hainault‬ملك فرنسا‪ ،‬فعقدت حلفا مع حكام فالندرز ‪ ،‬مع هينولت‬
‫إمبراطور أملانيا‪ .‬وهزم فليب جيوش هذا الحلف عند ‪ Otto IV‬وأتو الرابع ‪Brabant‬‬
‫بوفين ( ‪ ،) 5251‬وأخضع حكام فالندرز ‪ ،‬وحمى النظام ألالجركي للتجار‪ .‬ولم‬
‫ينقطع نزاع ا لسلطات والطبقات بعد هذه الهزيمة؛ حتى إذا كان عام ‪5200‬‬
‫مرة أخرى مع فالندرز وإنجلترا؛ ‪ Guy de Dampierre‬تحالف الكونت جي ده دمبيير‬
‫فما كان من فليب الجميل إال أن غزا فالندرز ‪ ،‬وزج جي في السجن‪ ،‬وأرغمه على‬
‫تسليم البالد إلى فرنسا‪ .‬فلما أن زحف الجيش الفرنس ي الحتالل بروج‪ ،‬ثار العامة‬
‫عليه‪ ،‬وهزموا الجنود‪ ،‬وذبحوا أغنياء التجار‪ ،‬واستولوا على املدينة‪ .‬وبعث فليب‬
‫بجيش قوي ليغسل هذه إلاهانة التي لحقته؛ وألف عمال املدن من أنفسهم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫جيشا مرتجال عاجال هزموا به الفرسان والجنود املرتزقة التي بعثت بها فرنسا في‬

‫‪222‬‬
‫معركة كورتريه ( ‪) 5992‬؛ واخرج جي ده دمبيير الشيخ من سجنه وأعيد إلى‬
‫منصبه‪ ،‬واستمتع الحلف العجيب بين الحكام ألاشراف والصعاليك الثوار بالنصر‬
‫‪.‬عشر سنين‬
‫ً‬
‫وظلت البالد املعروفة لنا آلان باسم هولندة جزءا من مملكة الفرنجة من القرن‬
‫الثالث حتى التاسع؛ ثم أصبحت في عام ‪ 119‬هي الطرف الشمالي‬

‫وقسمت تلك البالد في ‪ Verdun.‬لدولة لورين الحاجزة التي أنشأتها معاهدة فردون‬
‫القرنين التاسع والعاشر إقطاعيات كي تستطيع صد غارات الشماليين‪ .‬وقطع‬
‫ألاملان ألاشجار من إلاقليم الكثيف الغابات الواقع في شمال نهر الرين‪ ،‬واستقروا‬
‫فيه‪ ،‬وأطلقوا عليه اسم هولندة‪ ،‬أي أرض الغابات‪ .‬وكان معظم أهله أرقاء أرض‪،‬‬
‫منهمكين في كدحهم النتزاع القوت من أرضين البد لهم أن يقيموا الحواجز حولها‬
‫لوقايتها من ماء البحر أو لتجفيفها بعد أن تطغى املياه عليها‪ .‬غير أنها كانت تضم‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أيضا مدنا ليست كاملدن الفلمنكية ثروة أو اضطرابا ‪ ،‬بل تعتمد اعتمادا سليما‬
‫أكثر هذه ‪ Dordrecht‬على الصناعة املستقرة والتجارة املنتظمة‪ .‬وكانت دوردرخت‬
‫ً‬
‫مركزا للعلوم‪ ،‬وهارلم مقر كونت هولندة؛ ‪ Utrecht‬املدن رخاء؛ كما كانت أوترخت‬
‫عاصمة البالد إلى حين‪ ،‬ثم انتقلت العاصمة حوالي عام ‪ Delft‬وأضحت دلفت‬
‫وكان أ ول ظهور أمستردام في عام ‪ 5291‬حين شاد ‪ 5219 The Hague .‬إلى الهاي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫؛ واجتذب ‪ Amstel‬أحد ألاعيان إلاقطاعيين قصرا حصينا عند مصب نهر أمستل‬
‫والقنوات الكثيرة التي تخترقه في كل ‪ Zuider Zee‬هذا املوقع ألامين على الزيدرز ي‬
‫ً ً‬
‫مكان ‪ -‬اجتذب هذا املوقع التجارة‪ ،‬ثم جعلت املدينة في عام ‪ 5200‬ثغرا حرا تف رغ‬
‫فيه املتاجر ويعاد شحنها دون أن تؤدي ضرائب جمركية؛ وأضحى لهولندة‬

‫‪223‬‬
‫الصغيرة من ذلك الحين شأن عظيم في شئون العالم الاقتصادية‪ ،‬وفيها غذت‬
‫التجارة الثقافة كما يحدث في غيرها من البلدان‪ ،‬فنحن نسمع في القرن الثالث‬
‫‪ ،‬يهجو حياة رجا ل الدين املترفين ‪ Maerlant‬عشر عن شاعر هولندي مارالنت‬
‫ً‬
‫هجاء الذعا ‪ .‬وبدأ الفن‬

‫الهولندي حياته الفذة العجيبة في ألاديرة‪ ،‬وكان يشمل النحت‪ ،‬وصناعة الخزف‪،‬‬
‫‪.‬والتصوير‪ ،‬وتزيين الكتب‬

‫وكانت دوقية برابانت تقوم إلى جنوب هولندة‪ ،‬وكانت تشمل وقتئذ مدائن أنفرس‬
‫ً‬
‫أما لييج فكان ي حكمها أساقفتها حكما ‪ ، Louvain.‬وبركسل ولوفن‪Antwerp‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫مستقال ‪ ،‬وكانوا يتركون لها قسطا كبيرا من الحكم الذاتي؛ وكان إلى جنوب‬
‫‪ ،‬ولكسمبرج؛ ثم ‪ ، Limburg‬وملبرج‪ Namur‬برابانت مقاطعات هينولت‪ ،‬ونامور‬
‫‪ ،‬ومتز؛ ثم عدة إمارات أخرى ‪ ، Nancy‬ونانس ي‪ Trier‬دوقية لورين ومدائنها تريير‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫خاضعة خضوعا اسميا إلمب راطور أملانيا‪ ،‬ولكنها كانت متروكة في ألاغلب ألاعم‬
‫ألشرافها الحكام‪ .‬وكان لكل من هذه ألاقاليم تاريخه الحافل بأحداث السياسة‪،‬‬
‫والحب‪ ،‬والحرب؛ فلنودعها ولننتقل إلى غيرها‪ .‬وكان في جنوبها وغربها إقليم‬
‫برغندية التي تكون آلان الجزء الشرقي من وسط فرنسا؛ وكانت حدودها تتبدل‬
‫ً‬
‫على الدوام تبدال ال يشجعنا على تعيينها‪ ،‬أما أحداثها السياسية فإنها تتبدل على‬
‫ً‬
‫الدوام تبدال ال يشجعنا على تعيينها‪ ،‬أما أحداثها السياسية فإنها كفيلة بأن تمأل‬
‫مجلدات ضخمة عديمة الفائدة‪ .‬وحسبنا أن نقول عنها إن رودلف ألاول جعلها‬
‫مملكة مستقلة في عام ‪ 111‬؛ وإن رودلف الثالث أوص ى في عام ‪ 5992‬بضمها إلى‬
‫ً‬
‫أملانيا‪ .‬ولكن جزءا منها ضم فرنسا في هذا العالم نفسه وأصبح دوقية تابعة لها‪.‬‬

‫‪224‬‬
‫ً‬
‫وكان أدواق برغندية‪ ،‬كما كان ملوكها السابقون يحكمونها‪ ،‬حكما يدل على‬
‫الحكمة والذكاء‪ ،‬وكانت الكثرة الغالبة منهم تحرص على السلم‪ .‬ويقع أزهى‬
‫‪.‬عصورهم في القرن الخامس عشر‬

‫وكانت سويسرا في العصور القديمة موطن عدد من القبائل املختلفة ‪ -‬الهلفيتي‬


‫وهم خليط من ألاصول الكلتية‪ ، Lepouti- ،‬والليبنتي‪ ، Raeti‬والرئيتي‪Helvetii‬‬
‫الهضبة الشمالية ‪ Alemani‬والتيوتونية‪ ،‬وإلايطالية‪ .‬واحتلت قبائل ألاملاني‬
‫وصبغتها بالصب غة ألاملانية؛ ثم قسمت البالد بعد انهيار الدولة‬

‫الكارولنجية إلى إقطاعيات خضعت للدولة الرومانية املقدسة‪ .‬غير أن استعباد‬


‫سكان الجبال من أشق ألاعمال‪ ،‬ولذلك فإن أهل سويسرا سرعان ما حرروا‬
‫أنفسهم من الاسترقاق إلاقطاعي وإن ظلوا يؤدون بعض الالتزامات إلاقطاعية‪.‬‬
‫وكان أهل القرى املجتمعون في جمعيات ديمقراطية يختارون موظفيهم‪،‬‬
‫‪ Alemanni‬ويحكمون أنفسهم بمقتض ى الشرائع ألاملانية القديمة شرائع ألاملاني‬
‫مقاطعات " ‪ Lucerne‬والبرغنديين‪ .‬وألف الفالحون املجاورون لبحيرة لوسرن‬
‫‪ ،‬وندولدن‪ Uri‬للدفاع املتبادل ‪ -‬وهذه املدن هي‪ :‬أوري )‪" (Waldst?lte‬غابية‬
‫ومن هذه املدينة ألاخيرة اشتق اسم دولة سويسرا‪ ، Schwyz. .‬وشويز‪Nidewalden‬‬
‫وكان ألاهلون ألاشداء سكان املدن التي نشأت عند ممرات ألالب ‪ -‬جنيف‪،‬‬
‫وكنستانس‪ ،‬وفريبورج‪ ،‬وبيرن ‪ ،‬وبازل ‪ -‬ينتخبون موظفيهم‪ ،‬وينفذون قوانينهم‬
‫الخاصة بهم‪ ،‬ولم يكن سادتهم إلاقطاعيون يعترضون على هذا ألاسلوب من‬
‫‪.‬الحكم‪ ،‬ما دامت الضرائب إلاقطاعية ألاساسية تؤدي لهم‬

‫‪225‬‬
‫غير أن كونتات آل هبسبرج الذين كانوا يسيطرون على ألاقاليم الشمالية منذ‬
‫عام ‪ 5509‬لم يكونوا يسيرون على هذه القاعدة‪ ،‬وملا أن حاولوا فرض الالتزامات‬
‫إلاقطاعية بأشد ضروب القسوة‪ ،‬أغضبوا أهل شويز‪ ،‬فألفت الثالث املقاطعات‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الغابية في عام ‪" 5205‬حلفا أبديا " وأقسم أهلها أن يتعاونوا على صد الغارات‬
‫ألاجنبية‪ ،‬والقضاء على الفتن الداخلية‪ ،‬وأن يفضوا كل منازعاتهم بالتحكيم‪ ،‬وأال‬
‫يعترفوا بقاض ي نصب عليهم إذا كان من غير أهل واديهم‪ ،‬أو كان قد ابتاع‬
‫منص به‪ .‬وسرعان ما انضمت مدائن لوسرن ‪ ،‬وزيورخ‪ ،‬وكنستانس إلى هذه‬
‫الجامعة‪ .‬وسير أدواق هبسبرج في عام ‪ 5951‬جيشين على سويسرا ليرغموا أهلها‬
‫على أداء جميع الالتزامات إلاقطاعية‪ ،‬ولكن مشاة شويز وأوري املسلحين بالرماح‬
‫ذات البلط في رؤوسها هزموا الفرسان النمساويين في‬

‫مرا ثون سويسرا"‪ ،‬هزيمة انسحبت على أثرها القوات النمساوية‪ ،‬وجددت "‬
‫املقاطعات الثالث يمين املساعدة املتبادلة ( ‪ 0‬ديسمبر سنة ‪ ،) 5951‬وأنشأت‬
‫الاتحاد السويسري ‪ .‬ولم تكن سويسرا قد أصبحت بعد دولة مستقلة‪ ،‬فقد كان‬
‫املواطنون ألاحرار يعترفون ببعض الالتزامات إلاقطاعية‪ ،‬وبسيادة إمبراطور‬
‫الدولة الرومانية املقدسة‪ .‬ولكن السادة إلاقطاعيين وألاباطرة املقدسين عرفوا‬
‫كيف يحترمون أسلحة املقاطعات واملدن السويسرية وحرياتها‪ ،‬ومهد انتصار‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫مورجارتن السبيل لقيام أكثر الديمقراطيات استقرارا وأعظمها تمسكا بالعقل‬
‫‪ .‬والاتزان في التاريخ كله‬

‫‪226‬‬
‫الفصل الحادي عشر‬

‫فرنسا‬

‫)‪(1060-1328‬‬

‫فيليب أغسطس ‪1-‬‬

‫كانت فرنسا حينما جلس على عرشها فليب الثاني أغسطس ( ‪ ) 5519‬دولة صغرى‬
‫تكتنفها الصعاب‪ ،‬وال يكاد أحد يرجو لها عظمة في مستقبل ألايام‪ .‬فكانت إنجلترا‬
‫تمتلك نورمندية‪ ،‬وبريطاني‪ ،‬وأنجو‪ ،‬وتورين‪ ،‬وأكتين ‪ -‬وهي أمالك تعادل مساحتها‬
‫ثالثة أضعاف املمتلكات التي يسيطر عليها ملك فرنسا سيطرة مباشرة‪ .‬وكان‬
‫الشطر ألاكبر من برغندية في حوزة أملانيا‪ ،‬وكانت مقاطعة فالندرز املزدهرة إمارة‬
‫‪ ،‬وسافوي ‪ Lyons‬مستقلة في واقع ألامر‪ ،‬شأنها في هذا شأن مقاطعات ليون‬
‫ً‬
‫وكانت هذه أيضا حال بروفانس ‪ -‬الجنوب الشرقي ‪ ، Cnambery.‬وشامبيري ‪Savoy‬‬
‫‪ Arles ،‬من فرنسا ‪ -‬الغنية بالخمر والزيت‪ ،‬والفاكهة‪ ،‬والشعراء؛ ومدائن أرل‬
‫وأفنيون ‪ ،‬وإيكس‪ ،‬ومارسيليا‪ .‬وكان إقليم الدوفنيه املحيط بفينا قد ترك ألملانيا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫بوصف كونه جزءا من برغندية‪ ،‬وكان في هذا الوقت إقليما مستقال يحكمه‬
‫الد خس) الذي كان شعار ( ‪ dolphin‬اشتق لقبه من الدلفين ‪ dauphin‬دوفن‬ ‫َّ‬

‫‪.‬أسرته‬

‫‪227‬‬
‫وكانت فرنسا ألاصلية مقسمة إلى مقاطعات تحمل أسماء مختلفة ‪ -‬دوقيات‪،‬‬
‫)‪ ،‬وبيلياجات (مأموريات‪ sensechalties‬وكنتيات‪ ،‬وسنيوريات‪ ،‬وسنسكلتيات‬
‫‪ ،‬وسن يورون (سادة) ‪ counts‬يحكمها بترتيب أهميتها أدواق‪ ،‬وكونتون ‪Bailliages‬‬
‫وكان هذا الحشد ‪ bailiffs‬رؤساء خدم امللوك)‪ .‬ومأمورون ( ‪ sensechal‬وسنسكالون‬
‫ً‬
‫منذ القرن التاسع‪ ،‬خاضعا مللك فرنسا ‪ Francia‬املفكك‪ ،‬الذي كان يسمى فرنسيا‬
‫ً‬
‫خضوعا متفاوت الدرجات‪،‬‬

‫ً‬
‫مقيدا بقيود كثيرة‪ .‬وكانت باريس عاصمة امللك في عام ‪ 5519‬مدينة ذات مبان‬
‫اسمها الروماني ‪ Lutetia‬م ن الخشب‪ ،‬وشوارع كثيرة ألاوحال‪ ،‬وكان معنى لوتيتيا‬
‫"بلدة الوحل"‪ ،‬واشمأزت نفس فليب أغسطس من الروائح الكريهة املنبعثة من‬
‫الشوارع املارة بجوار نهر السين‪ ،‬فأمر أن ترصف شوارع باريس كلها بالحجارة‬
‫‪ ).‬الصلدة( ‪10‬‬

‫وكان فليب أول ملوك ثالثة رفعوا ف رنسا في ذلك الوقت إلى مكان الزعامة‬
‫ً‬
‫الذهنية‪ ،‬وألادبية‪ ،‬والسياسية في أوربا‪ ،‬ولكن ملوكا أقوياء قد سبقوه في فرنسا‪،‬‬
‫منهم فليب ألاول ( ‪ ) 5591- 5909‬الذي خلد اسمه في التاريخ بأنه طلق امرأته وهو‬
‫كونت أنجو بأن يسلم له الكونتة برتراد ‪ Fulk‬في سن ألاربعين وأرغم فولك‬
‫ً‬
‫ووجد القس الذي يبارك هذا الزنى ويعده زواجا ‪ ،‬ولكن إربان الثاني ‪Bertrade.‬‬
‫ً‬
‫حين جاء إلى فرنسا داعيا إلى الحرب الصليبية ألاولى حرم امللك‪ .‬وأصر فليب على‬
‫إثمه اثنتي عشرة سنة‪ ،‬ثم طرد بعدها برتراد ورفع عنه الحرمان‪ ،‬ولكنه لم يلبث‬
‫أن تاب من توبته‪ ،‬واسترد ملكته‪ ،‬وسافرت معه إلى أنجو‪ ،‬وعلمت زوجيها أن‬
‫‪ ).‬يتصافيا‪ ،‬ويخيل إلينا أنها متعت كل منهما بكل ما فيها من مفاتن( ‪09‬‬

‫‪228‬‬
‫وتضخم جسم فليب وهو في سن ألاربعين‪ ،‬فترك شئون الدولة الخطيرة البنه‬
‫ً‬
‫لويس السادس ( ‪ ،) 5590- 5591‬املعروف باسم لويس البدين‪ .‬لكنه كان خليقا‬
‫ً‬
‫بخير من هذا الاسم‪ ،‬فقد ظل يحارب أربعا وعشرين سنة‪ ،‬يحارب البارونات‬
‫الذين كانوا يسلبون املسافرين وانتصر عليهم آخر ألامر؛ وقوى امللكية بأن نظم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لها جيشا قويا ‪ ،‬وبذل كل ما في وسعه لحماية الفالحين‪ ،‬والصناع‪ ،‬والحكومات‬
‫ً‬
‫رئيس الدير وز يرا ‪ Suger‬املحلية للمدن‪ ،‬وأوتي من الحكمة ما جعله يتخذ سوجر‬
‫ً‬
‫ريشليو )‪ Denis (1081-1150‬له وصديقا ‪ .‬وكان سوجر رئيس دير القديس دنيس‬
‫القرن الثاني عشر‪ ،‬دبر شئون فرنسا بحكمة‬

‫وعدالة وبعد نظر؛ وشجع التجارة وأصلح أحوالها‪ ،‬وخطط وشاد إحدى روائع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املباني القوطية التي تعد أجمل مباني ذلك الطراز وأقدمها عهدا ‪ .‬وكتب وصفا‬
‫ً‬
‫ممتع ا للسنين التي قضاها في الوزارة وألعماله فيها‪ .‬وكان في الواقع خير ما أورثه‬
‫‪.‬لويس البدين ولده الذي ظل سوجر يخدمه إلى وقت مماته‬

‫وكان لويس السابع ( ‪ ) 5519- 5590‬هو الرجل الذي قالت عنه إليانور ألاكتانية‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫إنها تزوجت ملكا فلم تجده إال راهبا ‪ .‬لقد كان يعمل جادا في أداء واجباته‬
‫امللكية‪ ،‬ولكن فضائله قضت عليه‪ ،‬فقد بدا إلليانور أن انهماكه في شئون الحكم‬
‫إهمال منه للواجبات الزوجية‪ ،‬وأضاف بصبره على عالقتها بعشاقها إلاهانة إلى‬
‫هذا إلاهمال‪ ،‬فما كان منها إال أن طلقته‪ ،‬وأسلمت يدها ودقية أكتين التي‬
‫تمتلكها إلى هنري الثاني ملك إنجلترا‪ .‬وخابت آمال لويس في الحياة فوجه همه إلى‬
‫‪.‬الدين والى الصالح‪ ،‬وترك العمل لبناء فرنسا القوية إلى ولده‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان فليب الثاني أغسطس شبيها بفليب آلاخر الذي كان سميذعا من الطبقة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الوسطى‪ :‬كان رجال ذكيا يلطف ذكاءه نبل عواطفه‪ ،‬كان يناصر العلوم وال‬

‫‪229‬‬
‫يتذوقها‪ ،‬يج مع بلين الحذر والدهاء وبين الشجاعة والحزم‪ ،‬حاد الطبع سريع‬
‫املغفرة‪ ،‬ال يتردد في أن يسلك أي سبيل تؤدي به إلى التملك‪ ،‬ولكنه لم يكن شرها‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫في هذه الناحية‪ ،‬وكان معتدال في تقواه يستطيع أن يكون سخيا للكنيسة دون أن‬
‫يسمح لسلطان الدين أن يطغي على شئون السياسية‪ ،‬ذا ص بر ومثابرة نال بهما‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ما لم يكن يستطيع أن يناله باملغامرة الجريئة‪ .‬وكان هذا الرجل عاديا وعظيما‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫معا ‪ ،‬عنيدا في لطف‪ ،‬قاسيا في حكمة؛ وبهذا كان هو الرجل )‪( August‬أوجست‬
‫الذي تحتاجه بالده في وقت أحاطت بها إنجلترا أيام‬

‫هنري الثاني وأملانيا في عهد بربروسه‪ ،‬ولع ل ألاقدار قد ساقته إلى فرنسا في هذا‬
‫‪.‬الوقت العصيب‪ ،‬ولواله لكان من الجائز أال يبقى لها وجود‬

‫وارتاعت أوربا لزيجاته؛ فقد ماتت إزبال زوجه ألاولى في عام ‪ ، 5510‬وبعد أربع‬
‫ألاميرة الدنمرقية‪ .‬وكان زواجه هذا ‪ Ingeborg‬سنين من وفاتها تزوج انجبورج‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وذاك زواجا سياسيا ‪ ،‬فيه من التملك أكثر مما فيه من الغرام‪ .‬ولم ترق إنجبورج‬
‫في عين فليب‪ ،‬فهجرها بعد يوم واحد‪ ،‬ولم يمض على زواجه بها أكثر من عام‬
‫ً‬
‫حتى أقنع مجلسا من ألاساقفة الفرنسيين أن يجيز له طالقها‪ ،‬ولكن البابا‬
‫أبى أن يوافق على هذا القرار‪ .‬غير أن ف ليب تحدى ‪ Celestine III‬سلستين الثلث‬
‫؛ فحرمه سلستين‪ ،‬ولكن ‪ Agnes of Meran‬البابا وتزوج في عام ‪ 5500‬بأني امليزانية‬
‫فليب ظل على عناده وقال في ساعة من ساعات حنانه‪" :‬خير لي أن أفقد نصف‬
‫أمالكي من أن أفارق أني"‪ .‬وأمره إنوسنت الثالث أن يرجع إنجبورج‪ ،‬فلما عص ي‬
‫فليب ألامر حرم البابا الصلب العنيد جميع الخدمات الدينية في أمالك فليب‪.‬‬
‫وثارت ثائرة فليب فخلع جميع ألاساقفة الذين أطاعوا أمر الحرمان‪ ،‬وقال في‬

‫‪230‬‬
‫حسرة‪" :‬ما أسعد صالح الدين الذي ليس له من فوقه البابا"‪ ،‬وهدد بأن يعتنق‬
‫ً‬
‫إلاسالم( ‪ .) 05‬وواصل حربه الدينية أربع سنين بدأ الشعب بعدها يتذمر خوفا من‬
‫عذاب ا لنار‪ ،‬فطرد فليب محبوبته أني ( ‪ ) 5292‬ولكنه أبقى إنجبورج محبوسة في‬
‫‪ .‬حتى عام ‪ 5259‬حين ردها إلى عصمته ‪ Etampes‬إيتامب‬

‫وبين هذه ألافراح والاضطرابات فتح فليب نورمندية واستردها من إنجلترا‬


‫( ‪ ،) 5291‬وضم في السنتين التاليتين بريطاني‪ ،‬وأنجو‪ ،‬ومين‪ ،‬وتورين‪ ،‬وبواتو‪ ،‬إلى‬
‫أ مالكه التي تحت تسلطانه املباشر؛ وأصبح له وقتئذ من القوة ما يستطيع به أن‬
‫يسيطر على ألادواق‪ ،‬والكونتة‪ ،‬والسادة في جميع أنحاء مملكته‪ .‬وكان مأموروه‬
‫وعماله يشرفون على الحكومات املحلية‪ ،‬وصارت‬

‫مملكته قوة دولية كبرى ‪ ،‬ولم تعد رقعة من ألارض ممتدة على ضفتي نهر السي ن‪.‬‬
‫ولم يسكت جون ملك إنجلترا على ما أصابه من ضياع ملكه‪ ،‬فأقنع أتو الرابع‬
‫إمبراطور أملانيا‪ ،‬وكونتي بولوني وفالندرز أن ينضما إليه في الوقوف في وجه هذا‬
‫التوسع الفرنس ي‪ ،‬واتفقوا على أن يهاجم جون فرنسا من أكتين (وكانت ال تزال‬
‫ً‬
‫ملكا إلنجلترا) وأن يهاجما حلفاؤه من الشمال الشرقي‪ .‬ولم يوزع فليب قوته‬
‫ملالقاة هذه الهجمات املتفرقة‪ ،‬بل سار رأس جيشه الرئيس ي لقتال حلفاء جون ‪،‬‬
‫وأسفرت هذه املعركة عن كثير ‪ Lille (1214).‬وهزمه عند بوفين‪ ،‬بالقرب من ليل‬
‫من النتائج الهامة‪ ،‬أسفرت عن خلع أوتو‪ ،‬وتولى فردريك الثاني عرش أملانيا‪،‬‬
‫وقضت زعا مة أملانيا للقارة ألاوربية‪ ،‬وعجلت اضمحالل الدولة الرومانية‬
‫الشرقية‪ ،‬وأخضعت كونت فالندرز وخلفاؤه لطاعة ملوك فرنسا‪ ،‬وضمت أمين‪،‬‬
‫ودويه‪ ،‬وليل‪ ،‬وسان كنتن إلى أمالك التاج الفرنس ي‪ ،‬ووسعت رقعة فرنسا‬

‫‪231‬‬
‫الشمالية الشرقية بالفعل حتى وصلت إلى نهر الرين‪ ،‬وتركت جون عديم الح ول‬
‫والطول أمام باروناته‪ ،‬وأرغمته على توقيع العهد ألاعظم‪ ،‬وأضعفت امللكية‬
‫وقوت إلاقطاع في إنجلترا وأملانيا‪ ،‬على حين أنها قوت امللكية وأضعفت إلاقطاع في‬
‫فرنسا‪ ،‬ويسرت قيام حكومات املدن املحلية والطبقات الوسطى التي عاونت‬
‫‪.‬فليب أعظم معاونة في السلم والحرب‬

‫وملا أ ن ضاعف فليب أمالكه ثالثة أضعاف ما كانت عليه من قل شرع يحكمها‬
‫طابعه املهارة وإلاخالص‪ .‬وقض ي الرجل نصف وقته في نزاع مع الكنيسة واستبدل‬
‫ً‬
‫برجال الدين في مجلسه وفي الوظائف إلادارية رجاال من طبقة املحامين الناشئة‪.‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ومنح كثيرا من املدن عهودا بالحكم الذاتي‪ ،‬وشجع ا لتجارة بما مح من التجار من‬
‫امتيازات‪ ،‬وحمى اليهود تارة‪ ،‬ونهبهم تارة أخرى ‪ ،‬ومأل خزائنه باملال بأن استبدل‬
‫بالخدمات إلاقطاعية إتاوت نقدية‪ ،‬وزاد إيراد امللك من ‪ 099‬جنيه فرنس ي إلى‬
‫‪( 5299‬نحو ‪ 219.999‬ريال أمريكي) في اليوم‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وبنى اللوفر ليكون حصنا ‪ Noter Dame‬وتمت في أيامه واجهة منيسة نوتردام‬
‫‪ .‬يحرس نهر السين( ‪ .) 02‬ولم يمت فليب حتى كانت فرنسا هذه ألايام قد ولدت‬

‫‪232‬‬
‫القديس لويس ‪2-‬‬

‫ولم يتمكن ابنه لويس الثامن ( ‪ ) 5220- 5229‬في حكمه القصير من أن يفعل‬
‫‪ Blanche of‬الش يء الكثير‪ .‬وأهم ما يذكره به التاريخ أنه تزوج بالنش القشتالية‬
‫‪ ،‬وأنه أنجب منها الرجل الوحيد في العصور الوسطى الذي أفلح كما ‪Castille‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أفلح أشوكا في الهند القديمة في أن يكون في واقع ألامر قديسا وملكا جميعا ‪ .‬وكان‬
‫لويس التاسع في الثانية عشرة من عمره‪ ،‬وكانت والدته في الثانية والثالثين حين‬
‫توفي لويس الثامن‪ .‬وحافظت بالنش على ما يجري في عروقها من دم ملكي؛ فقد‬
‫ملك قشتالة‪ ،‬وحفيدة هنري الثاني وإليانور ‪ Alfonso IX‬كانت ابنة ألفنسو التاسع‬
‫ألاكتانية‪ ،‬وكانت ذات جمال‪ ،‬وفتنة‪ ،‬ونشاط‪ ،‬وأخالق قويمة‪ ،‬ومهارة فائقة‪.‬‬
‫وكانت في الوقت عينه ذات أثر كبير في عصرها ملا اتصفت به من الفضائل‬
‫بوصفها زوجة وأرملة‪ ،‬وإخالص لبنيها ألاحد عشر‪ .‬ولم تكن فرنسا تكرمها ألنها‬
‫ً‬
‫فحسب‪ ،‬بل كانت تكرمها أيضا ‪ Blanche la bonne reine‬بالنش امللكة الصالحة‬
‫وقد أعتقت في حياتها كثيرين ‪ Blanche la bonne mere.‬ألنها بالنش ألام الصالحة‬
‫من أرقاء ألارض الذين يعملون في الضياع امللكية ‪ ،‬وتصدقت باألموال الكثيرة‪،‬‬
‫وأدت من مالها البائنات لكثير من البنات التي يحول فقرهن دون تشجيع الشبان‬
‫الكبيرة‪ .‬وبفضل نفوذها ‪ Chartres‬على حبهن‪ .‬وأعانت باملال بناء كنيسة شارتر‬
‫أظهر زجاج الكنيسة امللون العذراء مريم في صورة امللكة ال في صورة‬
‫العذراء( ‪ .) 09‬وكانت مف رطة في حب ابنها لويس‪ ،‬ولم تكن كريمة في معاملتها‬
‫زوجته‪ .‬وقد عكفت‬

‫‪233‬‬
‫ً‬
‫على تربيته على الفضائل املسيحية‪ ،‬وكانت تقول له إنها تفضل أن تراه ميتا عن‬
‫أن تراه يرتكب أحد الذنوب البشرية( ‪ .) 01‬على أن أعمالها هذه لم تكن هي التي‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫جعلت لويس رجال متدينا مخلصا لدينه؛ وذلك أنها هي نفسها قلما كانت تضحي‬
‫بالسياسة في سبيل العاطفة؛ فقد انضمت إلى الحرب ألالبجنسية الدينية‪ ،‬لكي‬
‫تبسط سلطان التاج على فرنسا الجنوبية‪ .‬وظلت تحكم اململكة تسع سنين‬
‫( ‪ ) 5291 - 5220‬كبر في أثنائها لويس‪ ،‬وقلما استمتعت فرنسا بحكم خير من حكمها‪.‬‬
‫ً‬
‫وثار البارونات في بدا ية حكمها نائبة عن ولدها‪ ،‬ظنا منهم أن في مقدورهم أن‬
‫يستعيدوا من امرأة ما انتزعه فليب الثاني منهم من سلطات؛ ولكنها تغلبت عليهم‬
‫بحكمتها وسياستها وطول أناتها؛ وقاومت إنجلترا مقاومة شديدة؛ ثم وقعت معها‬
‫هدنة بشروط عادلة‪ .‬وملا بلغ لويس التاسع سن الرشد‪ ،‬وتولى شئون الحكم‪،‬‬
‫‪.‬ورث مملكة قوية‪ ،‬مستمتعة بالسلم والرخاء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان لويس شابا وسيما ‪ ،‬أطول من معظم الفرسان بمقدار طول رأسه‪ ،‬حسن‬
‫ً‬
‫املالمح دقيقها‪ ،‬أبيض لون البشرة‪ ،‬ذا شعر أشقر غزير‪ ،‬وكان ذا ذوق راق‪ ،‬مغرما‬
‫ً‬
‫باألثاث الفخم املترف‪ ،‬والثياب امللونة؛ ولم يكن مكبا على مطالعة ا لكتب‪ ،‬بل‬
‫كان يميل إلى اقتناص الحيوان وصيد الطير‪ ،‬وضروب التسلية وألالعاب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الرياضية؛ ولم يكن قد أصبح بعد قديسا ‪ ،‬وشاهد ذلك أن راهبا شكا بالنش من‬
‫مغازلة ولدها للفتيات‪ ،‬فبحثت له عن زوجة‪ ،‬وعاش معها عيشة الهدوؤ‬
‫والاستقرار‪ ،‬وأصبح مضرب املثل في وفاء ألازواج ونشاط آلاباء‪ .‬وكان له أحد عشر‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫ولدا كان له هو نصيب موفور في تربيتهم؛ فتخلى على الترف شيئا فشيئا ‪ ،‬واعتاد‬
‫بالتدريج عيشة البساطة املتزايدة‪ ،‬وصرف همه في شئون الحكم‪ ،‬والصدقات‪،‬‬
‫والتقوى ‪ .‬وكان يرى أن امللكية أداة للوحدة القومية واتصالها‪ ،‬وحماية الفقراء‬
‫‪ .‬والضعفاء من ألا قلية العليا املحظوظة‬

‫‪234‬‬
‫وكان يحرم حقوق النبالء‪ ،‬ويشجعهم على الوفاء بالتزاماتهم ألرقاء ألارض‪،‬‬

‫وألاتباع‪ ،‬والسادة؛ ولكنه ال يطيق الاعتداء على سلطة امللك الحديثة العهد؛‬
‫ً‬
‫ويمنع بعزيمته املاضية أن يقع ظلم من سيد على تابع‪ .‬وكثيرا ما أنزل أشد‬
‫العقاب بالبارونات الذ ين قتلوا أتباعهم من غير محاكمة‪ .‬وملا أن شنق إنجران ده‬
‫ثالثة طالب فلمنكيين لقتلهم بضعة أرانب برية في ‪ Enguerrand de Coucy‬كوس ي‬
‫ضيعته‪ ،‬أمر لويس بسجنه في برج اللوفر‪ ،‬وهدده بالشنق‪ ،‬ولم يطلقه إال بعد أن‬
‫اشترط عليه أن يبني ثالث كنائس صغيرة تتلى فيها الصلوات كل يوم ألرواح‬
‫ضحاياه‪ ،‬وأن يهب الغابة التي صاد فيها الطلبة الشبان ألارانب لدير القديس‬
‫نقوالس‪ ،‬وأن يفقد في مزرعته حق الصيد والحقوق القضائية‪ ،‬وأن يخدم ثالث‬
‫سنين في فلسطين‪ ،‬ويؤدي إلى امللك غرامة قدرها ‪ 52.199‬جنيه( ‪ .) 01‬وحرم لويس‬
‫الثأر إلاقطاعي والحروب إلاقطاعية بين ألامراء‪ ،‬ونهي عن املبارز ة بوصفها وسيلة‬
‫من الوسائل القضائية‪ ...‬وملا حلت املحاكمة عن طريق ألادلة والبراهين محل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫القتال‪ ،‬تخلت محاكم البارونات عن مكانها شيئا فشيئا للمحاكم امللكية التي‬
‫نظمها في كل مقاطعة مأمور امللك‪ ،‬وتقرر حق استئناف أحكام القضاة البارونات‬
‫إل ى محكمة امللك املركزية؛ وشهد القرن الثالث عشر في فرنسا‪ ،‬كما شهد في‬
‫إنجلترا استبدال قانون الدولة العام بالقانون إلاقطاعي‪ .‬وقصارى القول أن‬
‫فرنسا لم تنعم منذ أيام الرومان بما نعمت به في عهد لويس التاسع من أمن‬
‫ً‬
‫ورخاء؛ وحسبنا دليال على هذا أن ثروة فرنسا في أيام ه بلغت من الوفرة درجة‬
‫‪.‬ارتفعت بها العمارة القوطية إلى أقص ى حدود الكثرة والكمال‬

‫وكان يعتقد أن في مقدور الحكومة أن تكون عادلة كريمة في عالقاتها الخارجية‬


‫دون أن تفقد بذلك هيبتها وقوتها‪ .‬وكان يتجنب الحرب أطول أكد مستطاع؛ فإذا‬
‫الح خطر الاعتداء عليه نظم جيوشه أ حسن تنظيم‪ ،‬ووضع خططه الحربية‪،‬‬

‫‪235‬‬
‫ً‬
‫وقادها ‪ -‬في أوربا ‪ -‬بجد ومهارة نال بهما سلما كريمة لم تترك في نفوس أعدائه‬
‫رغبة في الانتقام‪ .‬وما كادت فرنسا تتأكد من سالمتها‪ ،‬حتى‬

‫عمد امللك إلى سياسة املصالحة التي قبل بمقتضاها التوفيق بين الحقوق‬
‫املتعارضة ورفض التهدئة الناشئة من إجابة املطالب غير العادلة‪ .‬وقد رد إلى‬
‫إنجلترا وأسبانيا أقاليم اغتصبها منهما أسالفه‪ ،‬وأسف لذلك مستشاروه‪ ،‬ولكنه‬
‫ضمن بعمله هذا استتباب السالم‪ ،‬ونجت فرنسا من الهجوم حتى في أثناء غياب‬
‫‪ William of Chartres‬لويس في الحروب الصليبية‪ .‬ويقول عنه وليم الشارتريس ي‬
‫إن "الناس كانوا يخشونه ألنهم موقنون بعدله"( ‪ .) 00‬ولم تشتبك فرنسا من‬
‫‪ 5219‬إلى ‪ 5209‬في حرب مع عدو لها مسيحي؛ وملا أن أخذ جيرانها يحارب بعضهم‬
‫ً‬
‫بعضا بذل لويس ما يستطيع من جهد للتوفيق بينهم‪ ،‬وسخر من قول مجلسه إن‬
‫من الواجب إثارة هذا النزاع لكي تضعف بذلك قوة من قد ي صبحون أعداءه في‬
‫مستقبل ألايام( ‪ .) 00‬وكان امللوك ألاجانب يحكمونه فيما يشجر بينهم من نزاع‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬وكان الناس يعجبون كيف يستطيع هذا الرجل الصالح أن يكون ملكا صالحا‬

‫ولم يكن لويس "ذلك الوحش الكامل الذي لم يعرفه العالم قط" ‪ -‬أي الرجل‬
‫ً‬
‫املبرأ من جميع العيوب‪ .‬فقد كان يغ ضب أحيانا ‪ ،‬ولعل سوء صحته هو سبب‬
‫غضبه‪ .‬وكانت سذاجته تصل في بعض ألاحيان إلى حد الجهالة أة السذاجة اللتين‬
‫يستحق عليهما أشد اللوم‪ ،‬ودليلنا على ذلك ما ارتكبه من خطأ شنيع إذ تورط‬
‫في الحروب الصليبية واملعارك الخاسرة في مصر وتونس‪ ،‬حيث ضاعت أرواح‬
‫ً‬
‫كثيرة فضال عن رو حه هو؛ ومع أنه راعى واجب الشرف وألامانة في معاملته‬
‫أعداءه املسلمين‪ ،‬فإنه لم تطاوعه نفسه على أن يطبق في معاملته إياهم روح‬

‫‪236‬‬
‫التفاهم الكريم الذي نجح به أيما نجاح مع أعدائه املسيحيين‪ .‬وقد دفعه إيمانه‬
‫الديني القوي الشبيه بإيمان ألاطفال إلى درجة من عدم التسامح ال ديني ساعدت‬
‫على إنشاء محكمة التفتيش في فرنسا‪ ،‬وهدأت ما تنطوي عليه نفسه من رحمة‬
‫نحو ضحايا الحرب الصليبية ألالبجنسية‪ .‬وقد امتألت خزائنه بالبضائع‬

‫وألاموال التي صادرها من املارقين الذين حكم بإدانتهم( ‪ ،) 01‬وقد خانته روحه‬
‫‪ .‬املرحة وفكاهته في معاملته اليهود الفرنسي ين‬
‫ً‬
‫فإذا أسقطنا من صحيفته هذه العيوب رأينا أنه قد اقترب قربا يشرفه من املثل‬
‫لم أسمعه قط في يوم " ‪ Joinville‬املسيحي ألاعلى‪ ،‬انظر إلى ما يقوله عند جرانفيل‬
‫من أيام حياتي يقول قالة السوء عن أي إنسان"( ‪ .) 00‬وملا أن قبل آسروه‬
‫املسلمون خطأ منهم عشرة آالف جنيه فرن س ي (أي نحو ‪ 2.199.999‬ريال أمريكي)‬
‫أقل من الفدية املتفق عليها‪ ،‬أرسل لويس بعد أن أطلق سراحه جميع القدر‬
‫الناقص من مال الفداء‪ ،‬وأغضب بذلك مستشاريه( ‪ .) 09‬وقبل أن يغادر البالد‬
‫للقتال في حربه الصليبية ألاولى‪ ،‬أمر موظفيه في جميع أنحاء مملكته "أن يتلقوا‬
‫كتابة‪ ،‬وأن ي حققوا‪ ،‬كل ما عساه أن يقدم فينا أو في أسالفنا من الشكاوي ‪.‬‬
‫وكذلك جميع ما يقام على مأمورينا أو محافظينا أو حراس غاباتنا‪ ،‬أو رؤساء‬
‫جنودنا أو مرءوسيهم من دعاوى خاصة بمظالم ارتكبوها أو اغتصاب‬
‫ً‬
‫لألموال"( ‪ .) 05‬ويقول جوانفيل "وكثيرا ما كان يخرج بعد الصالة‪ ،‬ويجلس‬
‫ً‬
‫ويأمرنا بالجلوس حوله‪ .‬ويقبل عليه ‪ Vincenne‬مست ندا إلى شجرة في غابة فنسن‬
‫كل من له مظلمة ويتحدث إليه دون أن يحول بينه حائل أو يقدمه حاجب"‪ .‬ثم‬
‫يفصل في بعض القضايا بنفسه‪ ،‬ويحيل بعضها إلى مستشاريه الجالسين حوله‪،‬‬

‫‪237‬‬
‫ولكنه كان يعطى كل شاك حق استئناف الحكم للملك نفسه( ‪ .) 02‬وقد أنشأ‬
‫ً‬
‫املستشفيات واملالجئ‪ ،‬وألاديرة‪ ،‬واملضايف للغرباء‪ ،‬وبيتا للمكفوفين‪ ،‬وآخر‬
‫للعاهرات التائبات "بنات هللا"؛ وأمر عماله في كل مقاطعة أن يبحثوا عن العجزة‬
‫والفقراء‪ ،‬وينفقوا عليهم من ألاموال العامة‪ .‬وكان أينما سار يجعل من مبادئه‬
‫ً‬
‫املقررة أن يطعم مائة وعش رين فقيرا في كل يوم‪ .‬وكان يأمر بأن يجلس معه على‬
‫مائدته ثالثة منهم‪ ،‬يتولى هو تقديم الطعام لهم ويغسل بنفسه أقدامهم( ‪.)09‬‬
‫وكان يفعل ما يفعله هنري الثالث ملك إنجلترا فيقف على املائدة في خدمة‬
‫املجذومين‪ ،‬ويطعمهم بيديه‪ .‬وملا حل القحط‬

‫بنورمندية‪ ،‬أنفق ألاموال الط ائلة في توفير الطعام للمحتاجين من أهلها‪ .‬وكان‬
‫يقدم الصدقات كل يوم للمرض ى‪ ،‬والفقراء‪ ،‬وألارامل‪ ،‬والنساء الالتي في حاالت‬
‫النفاس‪ ،‬والعاهرات‪ ،‬والعاجزين من العمال "حتى ليتعذر علينا أن نحص ى‬
‫صدقاته"( ‪ .) 01‬ولم يكن ليفسد هذه الصدقات بإذاعتها بين الناس‪ .‬وكان الفقراء‬
‫ا لذين يغسل أقدامهم يختارون من بين املكفوفين‪ ،‬وكان يعمل عمله هذا خفية‪،‬‬
‫ويقال لهؤالء إن امللك هو الذي يخدمهم‪ .‬ولم يكن أحد من الناس يعرف زهده‬
‫‪ ).‬وتعذيبه نفسه حتى شوهدت آثارهما على جسمه بعد وفاته( ‪01‬‬

‫؛ وأسفر ‪ Saintonge‬وأصيب أثناء حروبه في عام ‪ 5212‬باملالريا في مناقع سانتوج‬


‫هذا املرض عن إصابته بفقر دم خبيث‪ ،‬وأوشك على املوت في عام ‪ . 5211‬ولعل‬
‫ً‬
‫هذه املصائب قد زادت روحه الدينية تدريجا ‪ ،‬فإنه ما كاد يشفي من مرضه حتى‬
‫أقسم أن يشن الحرب الصليبية‪ ،‬وأضعف صحته بانهماكه في زهده وتعذيب‬
‫نفسه‪ .‬وملا عاد من حربه الصليبية ألاولى وملا يتجاوز الثامنة والثالثين من عمره‬

‫‪238‬‬
‫كان قد انحنى جسمه وأصابه الصلع‪ ،‬ولم يبق من نضرة شبابه وجماله إال ما‬
‫ً‬
‫يخلعه عليه إيمانه الساذج من خلق جميل وإرادة طيبة‪ .‬وكلن يرتدي قميصا من‬
‫الشعر‪ ،‬تحت مئزر الرهبان الرمادي‪ ،‬ويأمر بأن يضرب بسالسل صغيرة من‬
‫الحديد‪ ،‬ويحب طائفتي الرهبان الجديدتين ‪ -‬الفرنسسكان والدمنيكان‪ ،‬ويهبهم‬
‫ً‬
‫املال بال حساب‪ ،‬ولم يمتنع عن أن يكون هو راهبا فرنسسكانيا إال بعد جهد‬
‫جهيد‪ .‬وكان يحضر الصلوات مرتين كل يوم‪ ،‬ويتلو ألادعية املقررة أدعية‬
‫الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة ودعاء املساء‪ ،‬ويتلو صالة العذراء خمس ين‬
‫مرة قبل أن يأوي إلى فراشه‪ ،‬ويصحو في منتصف الليل لينضم إلى قساوسته في‬
‫صالة السحر في كنيسة قصره( ‪ .) 00‬وكان يمتنع من مباشرة زوجه في صيام امليالد‬

‫والصوم الكبير‪ .‬وبلغ من تمسكه بشعائر الدين أن كان معظم رعاياه يبتسمون‬
‫من تقواه ويلقبونه "ألاخ لويس"‪ .‬وقالت له ا مرأة جريئة‪" :‬إن من الخير أن يكون‬
‫في مكانك ملك غيرك‪ ،‬فلست أنت إال ملك الفرنسسكان والدمنيكان‪ ...‬إن من‬
‫العار أن تكون أنت ملك فرنسا‪ ،‬ومن أعجب العجائب أال يخلعوك"‪ .‬فأجابها‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫لويس بقوله‪" :‬لقد قلت حقا ‪ ...‬فلست خليقا بأن أكون ملكا ‪ ..‬ولو أراد منقذنا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪ ).‬لوضع في مكاني رجال غيري يعرف خيرا مني كيف يحكم اململكة"( ‪00‬‬

‫وكان شديد التحمس لخرافات أهل زمانه ويشاركهم فيها‪ .‬من ذلك أن دير‬
‫ً‬
‫القديس دنيس كان يدعي أن لديه مسمارا من الصليب الحق‪ ،‬وحدث أن وضع‬
‫املسمار في غير موضعه بعد احتفال عرض فيه على الشعب؛ فثارت لهذا الحادث‬
‫ً‬
‫ضجة كبيرة ‪ ،‬ثم وجد املسمار وارتاح امللك كثيرا لوجوده‪ ،‬حتى قال‪" :‬لقد كان‬
‫ً‬
‫خيرا لي من هذا أن تبتلع ألارض أحسن مدينة في ملكي"( ‪ .) 01‬وفي عام ‪5290‬‬

‫‪239‬‬
‫احتاج بولدون الثاني إمبراطور القسطنطينية إلى املال لينقذ دولته املتداعية‪،‬‬
‫فباع للويس تاج ألاشواك الذي لبسه املسيح في آالمه ب أحد عشر ألف جنيه‬
‫فرنس ي ( ‪ 2.299.999‬ريال أمريكي)‪ .‬واشترى لويس من الدالل نفسه بعد خمس‬
‫سنين من ذلك الوقت قطعة من الصليب الحقيقي‪ ،‬ولربما كان املقصود بهذا‬
‫الشراء وذاك أن يكون املال هبة من لويس لدولة مسيحية تفرج به أزمتها‪ .‬وأمر‬
‫‪ Sainte Chapelle‬ليبنى سينت شابل ‪ Peter of Montreuil‬لويس بطرس املنتربلي‬
‫‪.‬لي ودع فيها هذان ألاثران‬

‫ولم يكن لويس رغم صالحه هذا أداة طيعة في أيدي رجال الدين‪ ،‬فقد كان يدرك‬
‫ما في طبيعتهم البشرية من عيوب‪ ،‬ويعاقبهم عليها بالقدوة الطيبة والتقريع‬
‫العلني( ‪ .) 00‬وقد قيد سلطات املحاكم الكنسية‪ ،‬وبسط سلطة القانون على‬
‫جميع املواطنين‪ ،‬سواء كانوا من رجال الدنيا أو من رجال الدين‪ ،‬وأصدر في عام‬

‫أول ألاوامر العالية التي قيد بها حق البابا في تعيين أصحاب املناصب ‪1268‬‬
‫الدينية وجباية الضرائب في فرنسا‪" :‬تقرر أنه ال يجوز ألحد أن يفرض أو يجبى‬
‫ً‬
‫بأية طريقة كانت فروضا أو ضرائب مالية فرضتها محكمة روما‪ ...‬إال إذا كانت‬
‫ً‬
‫القضية معقولة‪ ،‬متفقة مع أصول الدين‪ ،‬وعاجلة جدا ‪ ...‬ونالت موافقتنا‬
‫‪" .‬الصريحة من تلقاء أنفسنا‪ ،‬وموافقة كنيسة مملكتنا‬

‫وقد بقي لويس امللك على الدوام رغم زهده وميوله الدينية؛ ولقد حافظ على‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫جالل امللك حتى ساعة أن ظ هر واقفا على قدميه‪ ،‬ومرتديا ثياب الحاج‪ ،‬وبيده‬
‫عصا الحاج ليبدأ حربه الصليبية ألاولى ( ‪ .) 5211‬وهو صاحب "الجسم الرفيع"‬
‫ً‬
‫النحيل‪ ،‬والوجه الشبيه بوجوه املالئكة ألاطهار‪ ،‬واملحيا املليء بشرا‬

‫‪240‬‬
‫وقد بكت امللكة بالنش وهو ‪ Fra Salimbene.‬وسماحة"( ‪ ) 15‬كما يصفه فراسلمبين‬
‫ي فارقها بعد أن أنابها عنه في البالد وإن كانت في سن الستين وقالت‪" :‬يا أحب‬
‫ً‬
‫ألابناء وأجملهم‪ ،‬يا أجمل ألابناء وأرقهم قلبا ‪ ،‬إني لن أراك بعد اليوم"( ‪ .) 12‬وأسر‬
‫لويس في مصر‪ ،‬وظل في ألاسر حتى افتدي بمبلغ من املال جمعته بالنش بعد عناء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كبير‪ ،‬ولكنه ملا عاد إلى فرنسا مه زوما ذليال وجد أن أمه قد توفيت‪ .‬ثم أقدم في‬
‫عام ‪ 5209‬رغم ضعفه ومرضه على حرب صليبية أخرى ونزل هذه املرة في تونس‪.‬‬
‫ولم تكن هذه مغامرة جنونية سخيفة كما بدت للناس بسبب خيبتها‪ .‬ذلك أن‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫لويس قد سمح ألخيه شارل دوق أنجو أن يقود جيشا فرنسيا إلى إيطاليا‪ ،‬وكان‬
‫يبغي من وراء هذا أن يضعف سيطرة ألاملان عليها‪ ،‬ويرجو أن يتخذ صقلية‬
‫قاعدة تغزو بها فرنسا بالد تونس‪ ،‬وبعد أن وصل املحارب العظيم املحطم الجسم‬
‫‪.‬الصغير السن إلى أرض تونس‪ ،‬مات بزحار البطن‬

‫وسلكته الكنيسة بعد سبع وعشرين سنة من موته في عداد القديسين‪ .‬وظل‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الناس بعد وفات ه أجياال وقرونا يرون أن حكمه هو العصر الذهبي في تاريخ‬
‫ً‬
‫فرنسا‪ ،‬ويعجبون كيف ال تتيح ألاقدار التي ال يفقهون تصريفها ألمور البشر ملكا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬آخر لفرنسا يماثله‪ .‬ذلك أنه كان ملكا مسيحيا بحق‬

‫‪241‬‬
‫فيليب الجميل ‪3-‬‬

‫زادت الحروب الصليبية من قوة فرنسا‪ ،‬وكان لها شأن كبير ‪ .‬وأكسبها طول حكم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫فليب أغسطس ولويس التاسع استقرارا واتصاال في الحكم في الوقت الذي كانت‬
‫فيه إنجلترا تعاني ألامرين من إهمال رتشرد ألاول ‪ ،‬واستهتار جون ‪ ،‬وعجز هنري‬
‫الثالث‪ ،‬وكانت في أملانيا مفككة ألاوصال من أثر الحروب الناشبة بين ألاباطرة‬
‫‪ .‬والبابوات‪ ،‬فلم يحل عا م ‪ 5999‬حتى كانت فرنسا أقوى دول أوربا كلها‬

‫لجمال جسمه ووجهه‪ ،‬ال لدهائه ‪ Ie Bel‬وكان فليب الرابع يلقب بالجميل‬
‫السياس ي وجرأته وقسوة قلبه‪ .‬وكان ذا آمال واسعة‪ :‬كان يأمل أن يخضع كل‬
‫الطبقات ‪ -‬ألاشراف‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬وأهل املدن‪ ،‬وأرقاء ألارض ‪ -‬لحكم القانون‬
‫وسيطرة امل لك مباشرة‪ ،‬وأن يقيم نماء فرنسا وتقدمها على أساس التجارة‬
‫والصناعة ال الزراعة‪ ،‬وأن يمد حدودها إلى املحيط ألاطلنطي‪ ،‬وجبال البرانس‪،‬‬
‫والبحر املتوسط‪ ،‬وجبال ألالب‪ ،‬ونهر الرين‪ .‬ولم يختر أعوانه ومستشاريه من كبار‬
‫رجال الدين وألاشراف الذين ظلوا يخدمون ملوك فرنسا طوال ألاربعة القرون‬
‫املاضية‪ ،‬بل اختارهم من طبقة املحامين الذين أقبلوا عليه وعقولهم مفعمة‬
‫‪ Pierre‬باألفكار الاستعمارية التي أوحى إليهم بها القانون الروماني‪ .‬فكان بيير فلت‬
‫من ذوي العقول النابهة ‪ Guilluame de Nogaret‬وجيوم ده نورجاريه ‪Flotte‬‬
‫الذين ال يبالون باملباد ئ ألاخالقية أو السوابق؛ وشاد فليب بفضل توجيههم صرح‬
‫القانون الفرنس ي‪ ،‬وأحل الشريعة امللكية محل‬

‫‪242‬‬
‫الشريعة إلاقطاعية‪ ،‬وانتصر على أعدائه بسياسته الحصيفة‪ ،‬وحطم في نهاية‬
‫ً‬
‫ألامر سلطان البابوية‪ ،‬وجعل البابا في الواقع سجينا في فرنسا‪ .‬وحاول أن يفصل‬
‫ً‬
‫عن إن جلترا‪ ،‬ولكنه وجد إدوارد ألاول قويا ال ي غلب‪ ،‬وحصل على ‪ Guienne‬جوين‬
‫‪ ،‬وتبرة بطريق الزواج‪ ،‬وابتاع باملال شارتر‪ ، Brie ،‬وبري ‪ Champagne‬شمبانيا‬
‫ً‬
‫‪ ،.‬وإقليم ليون وجزءا من اللورين‪ Franch- Comte‬وفرانش كمتيه‬

‫وكان دائم الحاجة إلى املال‪ ،‬ولهذا وجه نصف ذكائه ونصف وقته إلى اختراع‬
‫ا لضرائب وجمع ألاموال‪ ،‬واستبدل املال بالقروض إلاقطاعية الواجب أداؤها‬
‫للتاج؛ وكم من مرة خفض قيمة النقد‪ ،‬وأصر على أن تؤدي الضرائب سبائك أو‬
‫بالنقد الصحيح القيمة‪ ،‬ونفي اليهود واللمبارد وقض ي على فرسان املعبد ليصادر‬
‫ً‬
‫أمالكهم‪ ،‬وحرم إصدار املعادن النفيسة من بالده‪ ،‬وف رض رسوما باهظة على‬
‫الصادرات والواردات‪ ،‬واملبيعات‪ ،‬وضريبة حربية مقدارها بنس على كل جنيه‬
‫ً‬
‫فرنس ي في ثروة ألافراد في فرنسا‪ .‬ثم فرض أخيرا ضريبة على الكنيسة دون أن‬
‫يستشير البابا‪ ،‬وكانت الكنيسة وقتئذ تمتلك ربع أرض فرنسا‪ .‬وسنروي قصة هذا‬
‫الصراع عند الكالم على بنيف اس الثامن‪ .‬وملا مات البابا الطاعن في السن بعد أن‬
‫حطمه الكفاح‪ ،‬استخدم فيليب ماله وأعوانه في اختيار رجل فرنس ي لقب كلمنت‬
‫الخامس في مكانه‪ ،‬كما استطاع أن ينقل مقر إلى أفنيون ‪ ،‬وهكذا انتصر فيليب‬
‫ً‬
‫على البابوية انتصارا لم يظفر به من قبل على الكنيسة رجل من غير أهلها ‪،‬‬
‫‪.‬وأصبح رجال القانون في فرنسا من هذا الوقت هم الذين يحكمون رجال الدين‬

‫وتنبأ الرئيس ألاكبر لفرسان املعبد وهو سائر إلى الخشبة التي يشد عليها من يراد‬
‫إحراقهم بأن فليب سيتبعه في خالل عام واحد‪ .‬وقد صدقت النبوءة‪ ،‬ولم يمت‬
‫ً‬
‫فليب وحده في عام ‪ 5951‬بل مات فيها كلمنت أيضا ‪ -‬ولم يكن امللك‬

‫‪243‬‬
‫املنتصر قد تجاوز وقتئذ السادسة وألاربعين من عمره‪ .‬وكان الشعب الفرنس ي‬
‫يعجب بشجاعته وصالبة رأيه‪ .‬وأيده في صراعه مع بنيفاس‪ ،‬ولكنه يصب اللعنات‬
‫ً‬
‫على ذكراه ويراه أشد امللوك استبدادا في تاريخه كله‪ .‬وكادت انتصاراته تحطم‬
‫ً‬
‫كيان فرنسا‪ .‬وقد كان ت خفيضه قيمة النقد سببا في اضطراب الاقتصاد القومي‪.‬‬
‫ً‬
‫وكانت ألاجور العالية لألراض ي الزراعية وألاثمان املرتفعة سببا في فقر الشعب‪،‬‬
‫ً‬
‫وأضرت الضرائب الفادحة بالصناعة‪ ،‬كما كان نفي اليهود واللمبارد سببا في شل‬
‫حركة التجارة وفي خراب ألاسواق وتعطيل املواسم التجارية‪ .‬وج ملة القول أن‬
‫الرخاء الذي ازداد في عهد القديس لويس قد نقص واضمحل في عهد فليب الذي‬
‫‪ ).‬يتقن جميع ما في القانون والسياسة من أالعيب( ‪19‬‬
‫ً‬
‫وجلس على العرش ثالثة أبناء لفليب وواراهم الثرى في خالل ألاربعة عشر عاما‬
‫التي أعقبت وفاته‪ ،‬ولم ينجب واحد منهم أبناء يرثون ملكه ‪ ،‬بل ترك شارل الرابع‬
‫(املتوفى عام ‪ ) 5921‬بنات‪ ،‬اتخذ القانون السالي القديم ذريعة لحرمانهم من‬
‫‪ Philip of‬التاج‪ .‬وكان أقرب وريث من الذكور لألسرة املالكة هو فليب الفالوازي‬
‫ابن أخي فليب الجميل‪ ،‬فلما تولى امللك انتهت بموته ألاسرة التي تناسلت ‪Valois‬‬
‫‪ .‬من امللوك الكاب يتيين مباشرة وبدأ عهد أسرة فالوا‬

‫وإذا ألقينا نظرة عامة عاجلة على أحوال فرنسا في ذلك الوقت رأينا أنها تقدمت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تقدما عجيبا في النواحي الاقتصادية‪ ،‬والتشريعية‪ ،‬والتعليمية‪ ،‬وألادبية‪،‬‬
‫والفنية‪ .‬فقد كان نظام رقيق ألارض يختفي من البالد بخطى سريعة‪ ،‬ألن نمو‬
‫الصناعا ت في املدن كان يغري الناس بالنزوع إليها من املزارع‪ ،‬حتى بلغ سكان‬
‫باريس مائتي ألف في عام ‪ ، 5951‬وبلغ سكان فرنسا ‪ .) 11 ( 22.999.999‬وملا قدم‬
‫ً‬
‫برونتو التيني إلى فرنسا فارا من الاضطهاد السياس ي في فلورنس دهش مما كان‬
‫يسود شوارع باريس في عهد لويس التاسع من أمن وطمأني نة‪ ،‬وما كان في‬

‫‪244‬‬
‫املدن من تجارة وصناعة‪ ،‬وما كان في الريف الجميل املحيط بالعاصمة من‬
‫‪ ).‬حقول وكروم مثمرة( ‪11‬‬

‫وأوشكت الطبقتان الناشئتان‪ ،‬طبقتا املوظفين ورجال ألاعمال‪ ،‬أن تضارعا في‬
‫الثراء طبقة رجال ألاعمال‪ ،‬فاضطرت الدولة إلى تمثيل هاتين الطبقتين في مجلس‬
‫الذي دعاه فليب الرابع إلى الانعقاد في باريس عام ‪ Etats Generaux‬الطبقات‬
‫‪ 5992‬ليقد له املعونة ألادبية واملالية في نزاعه مع بنيفاس‪ .‬ولم تكن هذه‬
‫املجالس العامة التي تمثل فيها الطبقات ‪ -‬ألاعيان‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬والعامة ‪ -‬لم‬
‫تكن هذه املجالس تدعى إلى الانعقاد إال في الضرورات القصوى ( ‪، 5991 ، 5992‬‬
‫ً‬
‫‪ )... 5951 Conseil‬وكان املحامون الذين يخدمون امللك بوصفهم مجلسا للدولة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يوجهونها توجيها ماهرا نحو الهدف الذي يريدونه‪ .‬أما ب رملان باريس الذي ‪d'etat‬‬
‫اتخذ شكله املعروف به في عهد لويس التاسع فلم يكن جمعية نيابية‪ ،‬بل كان‬
‫هيئة مؤلفة من أربعة وتسعين من املحامين ورجال الدين يعينهم امللك ويجتمع‬
‫مرة أو مرتين في العام ليكون محكمة عليا‪ .‬وقد نشأت من أحكامه مجموعة من‬
‫التشريعات القومية تعتمد على القانون الروماني ال على شرائع الفرنجة‪ ،‬وتهب‬
‫‪.‬امللكية املعونة الكاملة املستمدة من التقاليد القانونية القديمة‬

‫وقد بقيت الفورة العقلية التي سادت عهد فليب الرابع محفوظة ألهل هذا‬
‫‪ Pierre Dubois‬الجيل في الرسائل السياسية التي كتبها أحد أنصاره ‪ -‬بييردوبوا‬
‫في مجلس الطبقات الذي عقد ‪ ، Coutances‬وهو محام مثل كوتانس)‪(1255-1312‬‬
‫في عام ‪ . 5992‬فقد عرض دوبوا في رسالتين من رسائله "ملتمس مقدم من شعب‬
‫‪ Supplication de peuple de France Contre Ie‬فرنسا إلى امللك ضد البابا بنيفاس‬
‫‪ ،‬وفي نبذة عن)‪pape Boniface (1394‬‬

‫‪245‬‬
‫استرداد ألارض املقدسة" ( ‪ ) 5990‬آراء تكشف لنا عن الثغرة الواسعة التي كانت "‬
‫تفصل في ذلك الوقت عقلية رجال القانون عن عقلية رجال ا لكنيسة في فرنسا‪.‬‬
‫من ذلك ما قاله دوبوا من أن الكنيسة يجب أال تحبس عليها ألاموال‪ ،‬وأن تجري‬
‫عليها من آلان معونة مالية من الدولة؛ ويجب أن تفصل الكنيسة الفرنسية عن‬
‫روما؛ وأن تجرد البابوية من جميع السلطات الزمنية‪ ،‬وأن تكون الدولة صاحبة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السلطة العليا‪ .‬وقال أيضا إن فليب يجب أن يعين إمبراطوريا لدولة أوربا‬
‫املوحدة‪ ،‬وأن تكون القسطنطينية عاصمته؛ وأن تؤلف محكمة دولية لتفصل‬
‫فيما يشجر بين ألامم من نزاع‪ ،‬وأن تعلن املقاطعة الاقتصادية على أية أمة‬
‫مسيحية تحارب أمة مسيحية أخرى ؛ وأن تنشأ في روما مدرسة للدراسات‬
‫الشرقية؛ وأن يت اح للنساء جميع ما يتاح للرجال من فرص تعليمية‪ ،‬وأن‬
‫‪ ).‬يتساوين مع الرجال في جميع الحقوق السياسية( ‪10‬‬

‫وكان هذا العصر عصر شعراء الفروسية الذين يتغنون بالحب العذري في‬
‫‪ Chanson‬بروفانس؛ وعصر قصاص ي املالحم في شمالي فرنسا‪ ،‬وعصر أغنية روالن‬
‫‪ ، Aucassin et‬وغيرها من ألاغا ني الرمزية‪ ،‬وأغنية أوكسان ونيقولت ‪de Roland‬‬
‫‪ ،‬والعصر الذي ظهر فيه املؤرخان ‪ ، Roman de la Rose‬وقصة الوردة‪Nicolette‬‬
‫‪ Villardhouin‬اللذان يعدان طليعتي املؤرخين الفرنسيين البارز ين وهما فالردوين‬
‫وجوانفيل‪ .‬ونظمت في هذا العهد الجامعات الكبرى في باريس وأورليان‪ ،‬وأنجير‬
‫وأبالر ‪ ، Roscelin‬وطولوز (طلوشة)‪ ،‬ومنبلييه‪ .‬بدأ هذا العصر بروسلن‪Angers‬‬
‫‪ Scholastic Philosophy.‬وانتهى بأعلى ما وصلت إليه الفلسفة املدرسية ‪Abelare‬‬
‫وكان عصر النشوة القوطية ‪ -‬التي ظهرت في الكنائس الفخمة الكبرى في سان‬
‫دنيس‪ ،‬وتشارتر‪ ،‬ونوتردام‪ ،‬وأمين‪،‬‬

‫‪246‬‬
‫وريم س‪ ،‬وفي النحت القوطي في أكمل مظاهره الروحية‪ .‬وكان الفرنسيون وقتئذ‬
‫ً‬
‫يفخرون فخرا ال نلومهم عليه بوطنهم‪ ،‬وعاصمتهم‪ ،‬وثقافتهم؛ وكانت وطنية قومية‬
‫ً‬
‫تعمل لوحدة البالد تحل تدريجا محل النعرة إلاقليمية التي كانت تسود عصر‬
‫إلاقطاع؛ وأخذ الناس ذلك الحين يتحدثون حديث الحب وإلاعزاز عن "فرنسا‬
‫الحلوة"‪ ،‬كما نرى ذلك في أغنية روالن‪ .‬ومالك القول أن الحضارة املسيحية قد‬
‫‪.‬بلغت عظمتها في فرنسا وإيطاليا‬

‫‪247‬‬
‫الفصل الثاني عشر‬

‫أسبانيا‬

‫‪1096-1285‬‬
‫سار املسيحيون في فتح أسبانيا بالسرعة التي أمكنتهم منها الفوض ى الناشئة من‬
‫تطاحن امللوك ألاسبان‪ ،‬ومنح البابوات من عانوا على إخراج املسلمين من‬
‫أسبانيا لقب املحاربين الصليبيين وامتيازاتهم؛ وأقبل بعض فرسان املعبد من‬
‫فرنسا لالنضمام إلى أهل البالد املسيحيين؛ وتكونت في القرن الثاني عشر ثالث‬
‫‪ ،‬وفرسان سنت ياجو‪ ،‬وفرسان ‪ Calarrava‬جماعات دينية حربية ‪ -‬فرسان كالترافا‬
‫القنطرة؛ واستولى ألفنسو ألاول (ألاذفنش) في عام ‪ 5551‬ملك أرغونة على مدينة‬
‫سرقسطة؛ وفي عام ‪ 5501‬هزم املسيحيون ‪ ،‬ولكنهم كادوا يبيدون جيش املوحدين‬
‫في عام ‪ . 5252‬وكان نصرهم في ‪ Las Navkas de Tolosa‬ألاكبر في واقعة العقاب‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫هذه الواقعة نصرا حاسما ‪ ،‬تحطم ت على أثره مقاومة املسلمين وسقطت قالعهم‬
‫واحدة بعد واحدة في أيدي املسيحيين‪ :‬قرطبة ( ‪ ،) 5290‬وبلنسية ( ‪،) 5291‬‬
‫وإشبيلية ( ‪ ،) 5211‬وقادس ( ‪ ،) 5219‬ثم وقف فتح املسيحيين نحو قرنين ليفسح‬
‫‪.‬الوقت إلى حروب امللوك‬
‫ً‬
‫وملا هزم ألفنسو (ألاذفنش) الثامن ملك قشتالة هجم على مملكته ملكا ليون‬
‫ونبرة وكانا قد وعداه من قبل بأن يخفا ملساعدته‪ ،‬واضطر ألفنسو إلى عقد‬
‫الصلح مع املسلمين ليحمي نفسه من غدر املسيحيين( ‪ .) 10‬وأعاد فرنندو الثالث‬
‫وقشتالة‪ ،‬ووسع حدود اململكة ‪ Leon‬توحيد ليون )‪Fernando III (1217-1252‬‬

‫‪248‬‬
‫الكاثوليكية إلى غرناطة‪ ،‬واتخذ إشبيلية عاصمة مللكه‪ ،‬وحول مسجدها العظيم‬
‫ً‬
‫مسكنا له‪ ،‬وكانت الكنيسة تعده وقت مولده ‪ Alcazar‬إلى كنيسة‪ ،‬واتخذ القصر‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ابنا غير شرعي‪ ،‬ولكنه عدته قديسا بعد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وفاته‪ .‬وكان ابنه ألفنسو (ألاذفنش) العاشر ( ‪ ) 5211 - 5212‬عاملا ممتازا ‪ ،‬ضعيف‬
‫بما وجده في إشبيلية من علوم )‪ (el Sabio‬العزيمة؛ وأعجب ألاذفنش الحكيم‬
‫املسلمين‪ ،‬فتحدى املتعصبين من أهل ملته باستخدام العلماء من العرب واليهود‬
‫واملسيحيين على السواء لترجمة كتب املسلمين إلى اللغة الالتينية كي تستطيع‬
‫أوربا أن تفيد من هذه العلوم‪ .‬وقد أنشأ هذا امللك مدرسة لعلم الهيئة هي‬
‫صاحبة "ألازياج ألاذفنشية" الخاصة باألجرام السماوية وحركاتها التي أضحت‬
‫املرجع الذي يعتمد عليه علماء الهيئة املسيحيون ‪ .‬ونظم هذا امللك هيئة من‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫املؤرخين‪ ،‬وضعت كتابا سمته باسمه جمعت فيه تاريخ أسبانيا‪ ،‬وتاريخا عاما‬
‫ً‬
‫واسعا للعالم كله‪ ،‬ونظم نحو ‪ 119‬قصيدة‪ ،‬بعضها بلغة قشتالة‪ ،‬وبعضها باللغة‬
‫الجليقية ‪ -‬البرتغالية؛ ول حن الكثير منها‪ ،‬وال تزال هذه القصائد باقية حتى اليوم‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أثرا خالدا ألغلبية العصور الوسطى‪ .‬وفاضت حماسته ألادبية في عدة كتب ألفها‬
‫هو أو أمر بتأليفها‪ ،‬في ألعاب الدراما‪ ،‬والشطرنج‪ ،‬والنرد‪ ،‬واملوسيقى‪ ،‬واملالحة‪،‬‬
‫ً‬
‫والكيمياء‪ ،‬والفلسفة‪ .‬ولعله أيضا قد أمر بترجمة الكتاب املقدس من اللغة‬
‫العبرية إلى القشتالية مباشرة‪ .‬وقد رفع اللغة القشتالية إلى املرتبة العليا التي‬
‫أمكنتها من أن تسيطر من ذلك الوقت إلى يومنا هذا على الحياة ألادبية في‬
‫أسبانيا؛ ولقد كان هو في واقع املر منش ئ ألادب ألاسبا ني والبرتغالي‪ ،‬وعلم التاريخ‬
‫ألاسباني‪ ،‬واملصطلحات العلمية ألاسبانية‪ .‬ولكنه لوث تاريخه الوضاء بما حاكه‬
‫من الدسائس لالستيالء على عرش إلامبراطورية الرومانية املقدسة‪ ،‬وأنفق في‬
‫ً‬
‫هذه املحاولة كثيرا من أموال أسبانيا‪ ،‬وعمل على ملء خزائنه بزيادة الضرائب‬

‫‪249‬‬
‫وتخفيض قيمة النقد‪ ،‬ثم خلع ورفع ابنه إلى العرش‪ ،‬وعاش بعد سقوطه عامين‪،‬‬
‫ً‬
‫‪.‬ثم مات محطما كسير القلب‬

‫من الكونت رامون برنجر ‪ Petronella‬وارتفع شأن أرغونة بزواج ملكتها بيرونال‬
‫صاحب برشلونة ( ‪) 5590‬؛ وحصلت أرغونة ‪Ramon Barenger‬‬

‫بفضل هذا الزواج على قطلونية املشتملة على أعظم الثغ ور ألاسبانية‪ .‬وعم‬
‫‪ ،‬بتأمين )‪ Pedri II (1196-1213‬الرخاء هذه اململكة الجديدة على يد بدرو الثاني‬
‫املواني‪ ،‬وألاسواق‪ ،‬والطرق ‪ ،‬وبصرامته في تنفيذ القانون على من يعبث بهذه‬
‫املرافق‪ ،‬وجعل بالطه في برشلونة مركز الفروسية وألاسبانية والشعراء الغزليين‪،‬‬
‫وزاد من بهجته أن كان ملتقى املحبين‪ ،‬ثم تقرب إلى هللا ‪ -‬وضمن لنفسه لقبه ‪ -‬بأن‬
‫قدم أرغونة إلى إنوسنت الثالث على أن يأخذها منه إقطاعية‪ .‬وكان ابنه جيم‬
‫ألاول ( ‪ ) 5200- 5259‬في الخامسة من عمره حين قتلى بدرو ‪ James‬أوجيمس ‪Jaime‬‬
‫في ميدان القتال؛ واغتنم أشراف أرغونة هذه الفرصة السانحة ليس تعيدوا‬
‫استقاللهم إلاقطاعي؛ ولكن جيمس تولى زمام ألامور وهو في العاشرة‪ ،‬وسرعان ما‬
‫ً‬
‫أخضع ألاشراف لسلطان امللك‪ .‬وكان ال يزال شابا في سن العشرين حين استولى‬
‫على جزائر البليار ذات املوقع الحربي املنيع من املسلمين ( ‪ ،) 5291- 5220‬واسترد‬
‫منهم بلنسية وأليقانط‪ .‬وقام في عام ‪ 5201‬بحركة من محركات الفروسية التي‬
‫هيأتها له الوحدة ألاسبانية‪ ،‬فاستولى على مرسيه من املسلمين وأهداها إلى ملك‬
‫قشتالة‪ .‬وكان أكثر حكمة من الفنسو الحكيم‪ ،‬حتى أصبح بفضل هذه الحكمة‬
‫أقوى ملوك أسبانيا في ذلك القرن ‪ ،‬ال يقل في ذلك عن فردريك الثاني ولويس‬
‫التاسع‪ ،‬فقد كان يشبه أولهما في ذكائه ودهائه‪ ،‬وبسالته املجردة من الضمير‪.‬‬
‫لكن تحلله من قيود ألاخالق‪ .‬وكثرة طالقه نساءه‪ ،‬وحروبه العوان‪ ،‬وما كان يلجأ‬

‫‪250‬‬
‫إليه من ألاعمال الوحشية في بعض ألاحيان تجعل الفرق بينه وبين القديس‬
‫ً‬
‫‪.‬لويس كبيرا من هذه الناحية‬

‫وقد دبر املؤامرات لالس تيالء على الجزء الجنوبي الغربي من فرنسا‪ ،‬ولكن لويس‬
‫استطاع أن يتغلب عليه بقوة صبره وإن كان قد نزل له عن منبلييه‪ .‬ودبر في‬
‫ً‬
‫أخريات أيامه مؤامرة أخرى لالستيالء على صقلية ليتخذها قاعدة حربية‪ ،‬ومركزا‬
‫ً‬
‫تجاريا ‪ ،‬وليجعل البحر املتوسط الغربي بحيرة أسبانية‪ .‬ولكن هذا‬

‫الحلم لم يتحقق إال في عهد ولده‪ .‬ذلك أن بدرو الثالث ( ‪ ،) 5211- 5200‬تزوج ابنة‬
‫مانفرد ملك صقلية ابن فردريك‪ ،‬وظن أن هذه الجزيرة من حقه هو حين استولى‬
‫عليها شارل كونت أنجو؛ وبارك البابا استيالءه عليها‪ ،‬فما كان من بدرو إال أن‬
‫ألغي سيادة البابا على أرغونة‪ ،‬وارتض ى ا لحرمان البابوي ‪ ،‬وركب البحر إلى‬
‫‪.‬صقلية‬

‫وشهدت هذه الفترة في أسبانيا ما شهدته في إنجلترا وفرنسا من قيام إلاقطاع‬


‫واضمحالله‪ .‬بدأه ألاشراف بأن تجاهلوا أو كادوا يتجاهلون السلطة املركزية‪ ،‬فقد‬
‫ً‬
‫كانوا هم ورجال الدين معفين من الضرائب التي كان عبؤها الباهظ واقعا على‬
‫عاتق املدن والتجارة‪ ،‬ثم انتهوا بأن خضعوا للملوك املسلحين بجيوشهم هم‪،‬‬
‫تؤيدهم موارد املدن وحاجياتهم‪ ،‬ويعلى من مكانتهم إحياؤهم القانوني الروماني‪،‬‬
‫الذي كان يفترض أن الحكم امللكي املطلق من بدائه نظام الحكم‪ .‬ولم يكن ثمة‬
‫قانون أسباني في بداية تلك الفترة‪ ،‬بل كانت هناك قوانين متفرقة لكل دولة من‬
‫دول أسبانيا‪ ،‬ولكل طبقة من طبقات كل دولة‪ .‬ثم شرع فردريك الثالث يضع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نظاما جديدا لقانون قشتالة‪ ،‬وأتم ألفنسو العاشر هذا النظام الذي عرف باسم‬

‫‪251‬‬
‫ً‬
‫ألنه كان مقسما سبعة أقسام ( ‪ (Siete Partidas) - 5209‬قانون السبعة ألاقسام‬
‫ً‬
‫‪ ،) 5201‬وهو من أ تم القوانين وأعظمها شأنا في تاريخ التشريع‪ .‬وقد أسس قانون‬
‫السبعة ألاقسام على قوانين القوط الغربيين ألاسبان ولكنه عدل لكي يتفق مع‬
‫ً‬
‫قوانين جستنيان‪ ،‬وكان أرقى من العصر الذي وضع فيه‪ ،‬ولهذا ظل مهمال إلى حد‬
‫كبير؛ ولكنه أصبح في عام ‪ 5991‬قانون قشتالة النافذ‪ ،‬ثم صا ر في عام ‪5102‬‬
‫ً‬
‫قانون أسبانيا كلها‪ .‬ثم أدخل جيمس ألاول قانونا مثله في أرغونة‪ ،‬فقد نشرت‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أرغونة في عام ‪ 5219‬قانونا تجاريا وبحريا نافذا ‪ ،‬وأقامت في بلنسية ثم في‬
‫‪".‬برشلونة وميورقة بعدئذ محاكم تدعى محاكم "قنصلية البحر‬

‫وتزعمت أسبانيا بالد العالم في العصور الوسطى في إقامة املدن الحرة وألانظمة‬

‫النيابية‪ .‬ذلك أن امللوك أرادوا أن يحصلوا على تأييد املدن في صراعهم مع‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ألاشراف‪ ،‬فمنحوا كثيرا من البلدان عهودا بالحكم الذاتي‪ .‬وأصبح استقالل املدن‬
‫بشئونها شهوة جامحة في أسبانيا كلها‪ ،‬فأخذت البلدان الصغرى تطالب بتحررها‬
‫من ا لبلدان الكبرى أو من ألاشراف أو الكنيسة‪ ،‬أو امللك؛ فلما أفلحت في نيل‬
‫ً‬
‫هذه الحرية أقامت مشانقها في السوق العامة رمزا لحريتها‪ .‬وكان يحكم برشلونة‬
‫في عام ‪ 5211‬مجلس مؤلف من مائتي عضو‪ ،‬تمثل كثرتهم الغالبة شئون‬
‫ً‬
‫الصناعة والتجارة( ‪ .) 11‬وبلغت سيادة املدن زمنا ما حد الاستقالل‪ ،‬وأخذت تشن‬
‫الحرب على املسلمين أو بعضها على بعض‪ ،‬ولكنها باإلضافة إلى هذا الاستقالل‬
‫للتعاون على العمل أو للمحافظة إلى هذا ‪ hermandades‬ألفت من نفسها أخوة‬
‫أمنها وسالمتها‪ .‬وملا أن حاول ألاشراف في عام ‪ 5201‬أن يخضعوا حكومات املدن‬
‫املحلية ألفت ثالث وأربعون مدينة "أخوة قشتالة"‪ ،‬وتعهدت كلها باالشتراك في‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الدفاع عن استقاللها‪ ،‬وأنشأت لها جيشا مشتركا ‪ .‬وملا أن هزمت هذه "ألاخوة"‬
‫ألاشراف‪ ،‬فرضت رقابتها على موظفي امللك وكبحت جماحهم‪ ،‬وسنت قوانين‬

‫‪252‬‬
‫تراعيها املدن املنضمة إلى هذا الحلف التي بلغ عددها مائة مدينة في بعض‬
‫‪ .‬ألاحيان‬

‫ولقد جرت عادة امللوك ألاسبان من زمن بعيد أن يعقدوا من حين إلى حين‬
‫أي املحاكم ألول ‪ Cortes‬جمعية من ألاشراف ورجال الدين؛ وأطلق اسم كورتز‬
‫مرة على إحدى هذه الجمعيات التي عقدت في عام ‪ . 5590‬وضم كورتز ليون الذي‬
‫اجتمع في عام ‪ 5511‬بعض رجال ألاعمال يمثلون امل دن‪ .‬وأكبر الظن أن هذا هو‬
‫أقدم مثل من أمثلة النظم النيابية السياسية في أوربا املسيحية‪ .‬ووعد امللك في‬
‫ً‬
‫هذا املجلس التاريخي أال يعلن الحرب أو يعقد الصلح‪ ،‬أو يصدر قرارا إال بعد‬
‫موافقة الكورتز( ‪ .) 10‬واجتمع في قشتالة أول مجلس من هذا النوع مؤلف من‬
‫ألاعيان‪ ،‬ورجال الدين‪ ،‬ورجال املال من الطبقة الوسطى في عام ‪5219‬‬

‫أي قبل اجتماع "ب رملان" إدورد ألاول "النموذجي" بخمس وأربعين سنة‪ .‬ولم يكن‬
‫الكورتز هو الذي يضع القوانين بنفسه‪ ،‬ولكنه كان يصوغ "املستمسكات"‬
‫ً‬
‫ويعرضها على امللك‪ ،‬وكثيرا ما كان لهذا املجلس سلطان على املال يحمل املل ك‬
‫على أن يوافق على هذه "املستمسكات"‪ .‬وأصدر كورتز قطلونية في عام ‪5219‬‬
‫ً‬
‫قرارا صادق عليه ملك أرغونة بأال يصدر بعد ذلك الوقت أي تشريع قومي بغير‬
‫‪ ،‬ثم صدر قرار آخر يطلب إلى امللك أن يدعو الكورتز إلى )‪ (cives‬رضاء املواطنين‬
‫الاجتماع كل عام‪ ،‬وسبقت هذين القرارين مثله ما من القرارات التي أصدرها‬
‫الب رملان إلانجليزي ( ‪ ) 5922 - 5955‬بأكثر من ربع قرن من الزمان‪ .‬هذا إلى أن‬
‫الكورتز عين أعضاء يختارهم من كل طبقة من الطبقات الاجتماعية يؤلفون جنتا‬
‫ً‬
‫أي اتحادا ليشرف في أثناء الفترات التي تقع بين أدوارد انعقاد الكورتز )‪(Junta‬‬
‫‪ ).‬على تنفيذ ا لقوانين وإنفاق ألاموال التي وافق عليها( ‪09‬‬

‫‪253‬‬
‫وكان من العوامل التي عقدت مشكلة الحكم في أسبانيا قيام الجبال التي قسمتها‬
‫ً‬
‫أقساما منفصلة‪ ،‬وعرقلت تنفيذ قانون عام موحد في جميع ربوعها‪ .‬يضاف إلى‬
‫ً‬
‫هذا أن عدم استواء أرضها‪ ،‬وجفاف هضبتها‪ ،‬وما كان يحل بها من الدمار حينا‬
‫بعد حين بسبب الحروب‪ ،‬كل هذا قد عطل الزراعة‪ ،‬وجعل أسبانيا في معظم‬
‫أجزائها مراعي للماشية والضأن‪ .‬وكانت قطعان الضأن الجميلة الصوف تغذى‬
‫آالف ألانواع في البلدان؛ ولقد حافظت أسبانيا على شهرتها العاملية القديمة‬
‫بجمال أصوافها‪ .‬وكانت التجارة الداخلية تقف في سبيله ا صعاب النقل‪،‬‬
‫واختالف املوازين واملقاييس والنقد‪ ،‬غير أن التجارة الخارجية تمت في موانئ‬
‫برشلونة‪ ،‬وطرقونة‪ ،‬وبلنسية‪ ،‬وإشبيلة‪ ،‬وقادس؛ وكان تجار قطلونية يجوبون‬
‫جميع ألاقطار؛ وكان لتجار قشتالة في عام ‪ 5212‬مركز في بروج ال يضارعه إال‬
‫مركز العصبة الهانسية( ‪ .) 05‬وأصبح التجار والصناع أعظم من يمدون التاج‬
‫باملعونة‬

‫‪ ،‬ولكن امللوك كانوا ‪ Gremios‬املالية‪ ،‬ونظم صعاليك املدن لهم نقابات طوائف‬
‫يسيطرون سيطرة قوية على هذه النقابات‪ ،‬وكانت الطبقات العامة تعاني مساوئ‬
‫‪.‬الاستغالل الاقتصادي دون أن تستمتع بحق التمثيل النيابي السياس ي‬

‫وكانت كثرة الصناع إما من اليهود أو املسلمين املقيمين في أسبانيا املسيحية‪ .‬فأما‬
‫اليهود فقد أثروا في أرغونة‪ ،‬وقشتالة؛ وأسهموا بحظ موفور في حياة اململكتين‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العقلية؛ وكان عدد كبير منهم تجارا أغنياء‪ ،‬ولكن قيودا متزايدة في شدتها فرضت‬
‫عليهم في نهاية هذه الفترة‪ .‬وأما املسلمون املقيمون في أسبانيا املسيحية فقد ترك‬
‫لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية‪ ،‬وقسط كبير من الاستقالل بحكم أنفسهم؛‬
‫ً‬
‫وكان منهم أيضا تجار أغنياء‪ ،‬ودخل عدد قليل منهم في بالط امللوك‪ ،‬كما كان‬
‫ألرباب الحرف منهم أثر قوي في العمارة ألاسبانية‪ ،‬وأعمال التجارة الدقيق ة‪،‬‬

‫‪254‬‬
‫وأشغال املعادن‪ ،‬ونتج من أثرهم هذا طراز أسباني إسالمي أدى إلى استخدام‬
‫املوضوعات وألاشكال إلاسالمية في الفن املسيحي‪ .‬وقد سمي ألفنسو السادس‬
‫‪ Emperador de Ios Dos‬نفسه في إحدى نشواته الدينية "إمبراطور العقيدتين‬
‫ولكن املسلمين في أسبانيا املسيحية كانوا يرغمون في العادة على ‪Cultos"(92).‬‬
‫لبس زي خاص‪ ،‬وعلى أن تكون منازلهم في كل مدينة في حي منعزل عن سائر‬
‫ً‬
‫أحيائها‪ ،‬وكانت تفرض عليهم ضريبة فادحة أكثر مما تفرض على غيرهم؛ وأخيرا‬
‫أشعلت الثروة التي جمعوها بفضل مهارتهم في ألاعمال الصناعية والتجارية نار‬
‫ً‬
‫الحسد في قلوب ألاغلبي ة املسيحية؛ فأصدر جيمس ألاول عام ‪ 5210‬أمرا بطردهم‬
‫من أرغونة‪ ،‬فغادرها أكثر من مائة ألف يحملون معهم حذقهم الفني‪ ،‬وتدهورت‬
‫‪.‬الصناعة في أرغونة من ذلك الحين‬

‫وبعث امتزاج الحضارة ألاسبانية بجزء غير قليل من الثقافة إلاسالمية‪ ،‬والقوة‬
‫الناشئة من الانتصار على عدو قد يم‪ ،‬وتقدم الصناعة وازدياد الثروة‪ ،‬وارتقاء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العادات وألاذواق‪ ،‬بعث هذا كله في الحياة العقلية بأسبانيا نشاطا عظيما ؛‬

‫فشهد القرن الثالث عشر نشأة ست جامعات في أسبانيا‪ ،‬وكان ألفنسو الثاني‬
‫ملك أرغونة ( ‪ ) 5500- 5502‬أول الشعراء الغزلين ألاسبان‪ ،‬وسرعان ما أصبح‬
‫هؤالء الشعراء يعدون باملئات؛ ولم يكن هؤالء يقرضون الشعر فحسب‪ ،‬بل‬
‫صاغوا من احتفاالت الكنيسة مسرحيات زمنية‪ ،‬ومهدوا بذلك السبيل إلى روائع‬
‫وكان من روائع ذلك العصر ‪ Calderon.‬وكلدرون ‪ Lope de Veag‬لوبي ده فيجا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ملحمة أسبانيا القومية‪ .‬وكان خيرا من هذا كله فنون ‪ Cid‬أيضا ملحمة السيد‬
‫املوسيقى‪ ،‬والغناء‪ ،‬والرقص التي كانت تفيض من قلوب الشعب في املنازل‬
‫والشوارع‪ ،‬والتي كانت مصدر العظمة والفخامة في قصور امللوك‪ .‬وكانت أول‬
‫مصارعة للثيران على الطراز الحديث سجلت في تاريخ أسبانيا هي املصارعة التي‬

‫‪255‬‬
‫أقيمت في أبيال عام ‪ 5590‬في حفلة عرش؛ وقبل أن يحل عام ‪ 5999‬كانت تلك‬
‫املصارعة من ألالعاب العامة في املدن ألاسبانية‪ .‬وجاء الفرسان الفرنسيون الذين‬
‫أقبلوا على أسبانيا ليساعدوا أهلها في حروبهم مع املسلمين‪ ،‬جاءوا معهم في‬
‫الوقت عينه بمبادئ الفروسية واحتفاالتها‪ ،‬فأصبح احترام النساء‪ ،‬أو احترام‬
‫ملكية ال رجل دون غيره المرأة بعينها من مسائل الشرف ال تقل في هذا عن افتخار‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الرجل بشجاعته أو استقامته‪ ،‬وأضحت املبارز ة لالحتفاظ بالشرف عامال أساسيا‬
‫في الحياة ألاسبانية‪ .‬وكان امتزاج الدم ألاوربي بالدم ألافريقي والسامي‪ ،‬والثقافة‬
‫الغربية بالثقافة الشرقية‪ ،‬وألاساليب ال سورية والفارسية بأصول الفن القوطي‪،‬‬
‫والخشونة الرومانية بالعواطف الشرقية؛ كان هذا الامتزاج هو الذي تولد منه‬
‫ً‬
‫الخلق ألاسباني‪ ،‬والذي جعل الحضارة ألاسبانية في القرن الثالث عشر عنصرا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬فذا بارز ا في موكب الحياة ألاوربية‬

‫‪256‬‬
‫الفصل الثالث عشر‬

‫البرتغال‬

‫‪1095‬‬
‫س َّر ألفنسو ملك قشتالة وليون في عام ‪ 5901‬من الكونت هنري البرغندي أحد‬
‫ً‬
‫الفرسان الصليبيين ألاسبان سرورا جعله يزوجه بابنته تريزا‪ ،‬وأن يجعل من‬
‫بائنتها مقاطعة من مقاطعات ليون تدعى البرتغال أعطاه إياها إمارة إقطاعية‪.‬‬
‫ولم يكن هذا إلاقليم قد استرد من املسلمين إال قبل ذلك الوقت بإحدى وثالثين‬
‫سنة‪ ،‬وكان املسلمون ال يزالون يحكمون جزأه الواقع جنوب نهر منديجو‬
‫وساء الكونت هنري أن يكون أقل من ملك‪ ،‬فأخذ هو وزوجته منذ ‪Mondego.‬‬
‫قرانهما يأتمران ليجعال من إقطاعياتهما دولة مستقلة؛ وملا مات هنري ( ‪) 5552‬‬
‫واصلت تريزا سعيها لنيل الاستقالل‪ ،‬وعلمت أعيان بالدها وأتباعها أن يفكروا‬
‫على الدوام في حريتهم القومية‪ ،‬وشجعت مدنها على أن تحصن نفسها وتدرس‬
‫فنون الحرب وأساليبها‪ ،‬وقادت بنفسها جنودها في حرب إثر حرب‪ .‬وكانت في‬
‫فترات السلم تحيط نفسها باملوسيقيين‪ ،‬والشعراء‪ ،‬والعشاق( ‪ .)09‬وه زمت‪،‬‬
‫ً‬
‫وأ سرت‪ ،‬ثم أ طلق سراحها‪ ،‬وأعيدت إلى إقطاعياتها؛ وأنفقت املال جزافا في حب‬
‫‪ ).‬محرم‪ ،‬وخ لعت عن عرشها‪ ،‬ونفيت مع حبيبها‪ ،‬وماتت فقيرة معدمة ( ‪5599‬‬

‫‪ Affonsol‬وكان إلهامها واستعدادها هما اللذين أمكنا ولدها أفنسو ألاول هنريك‬
‫أن يحقق أغراضه‪ :‬ذلك أن ألفنسو السابع صاحب )‪Henriqnes (1128-1185‬‬

‫‪257‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫قشتالة وعده بأن يعترف به حاكما مستقال تام السيادة على جميع البالد التي‬
‫ينتزعها من املسلمين جنوبي نهر الدوو‪ .‬فهاجم هنري املسلمين‬

‫بكل ما روثه عن أبيه من شجاعة وتهور‪ ،‬وعن أمه من روح عالية وصالبة‪،‬‬
‫ً‬
‫‪ ،‬ونادى بنفسه م لكا على البرتغال‪ .‬وأقنع )‪ Outrique (1139‬وهزمهم في أوتريك‬
‫رجال الدين امللكين بأن يعرضا ألامر على البابا إنوسنت الثالث‪ ،‬فكان حكمه‬
‫لصالح قشتالة‪ ،‬فما كان من أفنسو هنريك إال أن نقض هذا الحكم بأن عرض‬
‫ً‬
‫مملكته الجديدة على البابا إقطاعيا له‪ .‬وقبل إسكندر الثالث هذا العرض‬
‫ً‬
‫واعترف به ملكا على البرتغ ال ( ‪ ) 5519‬على شريطة أن تؤدي جزية سنوية إلى‬
‫كرس ي روما( ‪ .) 01‬وواصل أفنسو هنريك حروبه مع املسلمين‪ ،‬واستولى على‬
‫ووصلت ‪ Tagus.‬ولشبونة‪ ،‬ومد رقعة مملكته إلى نهر التاجه ‪ Santarem‬سنتريمة‬
‫البرتغال في عهد أفنسو الثالث ( ‪ ) 5200 - 5211‬إلى حدودها ألارضية التي لها في‬
‫الوقت ا لحاضر‪ ،‬وأصبحت لشبونة ثغرها وعاصمتها ملوقعها الحربي على مصب‬
‫نهر التاجه ( ‪ .) 5209‬وتقول إحدى ألاساطير القديمة إن يولسيز ‪ -‬أوديسيوس‬
‫‪ ،‬هو الذي أنشأ املدينة وسماها باسمها القديم يولسبو‪Ulysses- Odysseus‬‬
‫أو لشبونة ‪ Olisipo‬الذي حرفه الناس فيما بعد بإهمالهم فكان أولسبو ‪Ulissipo‬‬
‫‪Lisbon.‬‬

‫ونغصت سني أفنسو الثاني ألاخيرة الحرب ألاهلية التي شبت نارها بينه وبين ابنه‬
‫الذي كان يأخذه العجب من أن والده قد طال عمره أكثر مما يجب‪ Dinilz .‬دنيز‬
‫وانتقل دنيز من هذه البداية املربية إلى حكم صالح طويل ( ‪ ) 5921 - 5200‬عقد‬
‫فيه الصلح بين ليون وقشتالة بحلف بينهما سببه الزواج‪ ،‬وامتنع النزاع بينه‬
‫‪ ،‬زوجة دنيز الصالحة‪ ،‬وترك دنيز ‪ Isabel‬وبين وارث آخر للعرش بفضل توسط إزبل‬
‫مجد الحروب ووجه جهوده إلى إصالح حال بالده من الناحيتين الثقافية‬

‫‪258‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والاقتصادية‪ ،‬فأنشأ مدارس زر اعية وعلم ألاهلين طرقا للزراعة خيرا من ا لطرق‬
‫التي كانوا يجرون عليها‪ ،‬وغرس ألاشجار لتمنع تعرية التربة‪ ،‬وشجع التجارة‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وأنشأ السفن واملدن‪ ،‬ونظم للبرتغال أسطوال حربيا ‪ ،‬وعقد‬
‫ً‬
‫معاهدة تجارية مع إنجلترا‪ ،‬فاستحق بذلك اللقب الذي أطلقه عليه شعبه حبا‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫أي امللك العامل‪ .‬والحق أنه كان إدرايا مجدا ‪ ،‬وقاضيا ‪ Re Lavrador‬فيه وهو‬
‫ً‬
‫عادال ‪ ،‬يعين الشعراء والعلماء‪ ،‬وقد كتب هو أحسن ما كتب من الشعر في زمنه‬
‫وبالده‪ ،‬وبفضله ارتقت اللغة البرتغالية‪ ،‬فلم تعد كما كانت من قبل لهجة‬
‫أغاني ‪ pastorellas‬جليقية بل أضحت لغة أدبية؛ وقد صاغ في أغانيه الرعوية‬
‫شعبه صياغة أدبية‪ ،‬وشجع الشع راء الغزلين في بالطه على أن يغتنوا بمباهج‬
‫ً‬
‫الحب وآالمه‪ .‬وكان دنيز نفسه عليما بأحوال النساء‪ ،‬وكان يفضل أبناءه غير‬
‫الشرعيين على ابنه الشرعي الوحيد‪ .‬وملا أن خرج هذا الابن على أبيه؛ وحشد‬
‫ً‬
‫جيشا ليخلع به أباه عن عرشه‪ ،‬ركبت إزبل‪ ،‬وكانت تعيش بعيدة عن مرح بالط‬
‫املل ك ومباهجه‪ ،‬ووقفت بين القوتين املتحاربتين‪ ،‬وعرضت أن تكون أولى ضحايا‬
‫‪ ).‬نزاعهما وعنفهما‪ .‬فاستحى زوجها وابنها من فعلهما وامتنعا عن القتال ( ‪5929‬‬

‫قصة الحضارة ‪ > -‬عصر إلايمان ‪ > -‬املسيحية في عنفوانها ‪ > -‬إيطاليا قبل النهضة ‪-‬‬
‫> صقلية في عهد النورمان‬

‫‪259‬‬
‫الباب السادس والعشرون‬

‫إيطاليا قبل النهضة‬

‫‪1057- 1308‬‬

‫‪260‬‬
‫الفصل ألاول‬

‫صقلية في عهد النورمان‬

‫من أعجب ألاشياء أن النورمان قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم بما ينفق مع‬
‫البيئات الكثيرة املختلفة التي حلوا بها من اسكتلندة إلى صقلية‪ ،‬وأنهم أيقظوا‬
‫بنشاطهم القوي العنيف ألاقا ليم والشعوب الراقدة‪ ،‬وأن رعاياهم قد امتصوهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬امتصاصا كامال في عدد قليل من القرون حتى اختفوا من التاريخ‬

‫لقد ظلوا مائة عام مفعمة باالضطرابات يحكمون جنوبي إيطاليا التي كانوا فيها‬
‫خلفاء للبيزنطيين‪ ،‬وصقلية التي ورثوها عن املسلمين‪ .‬فقد شرع روجر جسكارد‬
‫يغير على هذه الجزيرة بجماعة قليلة العدد من القراصنة في ‪Roger Guescard‬‬
‫عام ‪ ، 5909‬فلم يحل عام ‪ 5905‬حتى تم له الاستيالء عليها‪ ،‬واعترفت إيطاليا‬
‫بحكمه فيها عام ‪ ، 5911‬فلما مات ( ‪ ) 5955‬كانت "الصقليتان" ‪ -‬الجزيرة وجنوبي‬
‫إيطاليا ‪ -‬قد أصبحتا ذواتي شأن في السياسة ألاوربية‪ .‬وكا نت سيطرة مضيق‬
‫ً‬
‫مسينا والخمسين ميال الفاصلة وأفريقية‪ ،‬قد أكسبت النورمان ميزات تجارية‬
‫وحربية عظيمة‪ ،‬وأضحت مدائن أملفي‪ ،‬وسلرنو‪ ،‬وبالرم مراكز للتجارة الناشطة‬
‫مع ثغور البحر املتوسط بما فيها‬

‫مراكز التجارة إلاسالمية في بالد تونس وأسبانيا‪ .‬وأضحت صقلية وقتئذ إقطاع ية‬
‫بابوية فحولت املساجد إلاسالمية كنائس فخمة زاهية‪ ،‬وحل القساوسة الروم‬
‫‪.‬الكاثوليك محل املطارنة اليونان في إيطاليا الجنوبية‬

‫واتخذ روجر الثاني ( ‪ ) 5511- 5595‬مدينة بالرم عاصمة مللكه ووسع أمالكه في‬
‫إيطاليا حتى ضمت نابلي وكبوا‪ ،‬ورفع لقبه في عام ‪ 5599‬من كونت إلى ملك‪ .‬وكان‬

‫‪261‬‬
‫له من الطموح والشجاعة‪ ،‬والدهاء وسعة الحيلة ما لعمه روبرت جسكارد؛ فقد‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫كان نابها يقظا في تفكيره‪ ،‬نشيطا في عمله إلى حد جعل إلادريس ي املسلم كاتب‬
‫سيرته يقول عنه إنه قد أنجز وهو نائم ما لم ينجزه غيره من الرجال وهم أيقاظ‪.‬‬
‫وكان يقاومه البابوات ألنهم يخ شون اعتداءه على الواليات البابوية‪ ،‬ويقاومه‬
‫‪ ،‬والبيزنطيون الذين ‪ Abruzzi‬ألاباطرة ألاملان الذين ساءهم استيالءه على أبرزي‬
‫كانوا يحملون باسترجاع إيطاليا الجنوبية‪ ،‬ومسلمو أفريقيا الذين كانوا يتوقون‬
‫ً‬
‫إلى استرجاع صقلية‪ .‬وقد حارب هؤالء جميعا ‪ ،‬وكان في بعض ألاحيان يح ارب عدة‬
‫طوائف منهم في وقت واحد‪ ،‬وخرج من حربهم ومملكته أعظم مما كانت حين‬
‫ً‬
‫جلس على عرشها‪ ،‬وقد ضم إليها أمالكا جديدة هي مدائن تونس‪ ،‬وصفاقس‪،‬‬
‫ووهران‪ ،‬وطرابلس‪ .‬واستعان بمن في صقلية من النابهين املسلمين‪ ،‬واليونان‪،‬‬
‫واليهود‪ ،‬لتنظيم أداة حكومية مدنية وبيروقراطية إدا رية أفضل مما كان ألية أمة‬
‫أخرى في أوربا وقتئذ‪ .‬وأبقي على نظام الزراعة إلاقطاعي في صقلية‪ ،‬ولكنه كبح‬
‫جماح البارونات بفضل املحكمة امللكية التي كانت قوانينها تفرض على جميع‬
‫الطبقات‪ .‬وقد أصلح نظام صقلية الاقتصادي بأن جاء إليها بناسجي الحرير من‬
‫بالد اليونان‪ ،‬ووسع نطاق التجارة بتأمين الناس على حياتهم في حلهم وترحالهم‬
‫وعلى أمالكهم‪ .‬ومنح املسلمين واليهود‪ ،‬واليونان‪ ،‬والكاثوليك حريتهم الدينية‬
‫واستقاللهم الثقافي‪ ،‬وفتح أبواب املناصب العليا لذوي املواهب على اختالف‬
‫أديانهم وطبقاتهم‪ ،‬ولبس هو الثياب إلاسالمية التي يلبسها رجا ل الدين‬

‫‪262‬‬
‫ً‬
‫املسلمون ‪ ،‬وعاش معيشة ملك التيني في بالط شرقي‪ .‬وظلت مملكته جيال من‬
‫الزمان "أغنى دول أوربا وأعظمها حضارة"( ‪ ،) 2‬وكان هو أكثر ملوك زمانه‬
‫‪ .‬استنارة( ‪ ،) 9‬ولواله ملا وجد فردريك الثاني‪ ،‬وهو ملك أعظم منه‬

‫وفي وسعنا أن نعرف ما كانت عليه صقلية في عهد النورم ان باطالعنا على كتاب‬
‫جاري لإلدريس ي‪ .‬فقد كان فيها فالحون مجدون يفلحون أرضها الخصبة ويخرجون‬
‫الزرع ويمونون املدن‪ .‬نعم إنهم كانوا يعيشون في أكواخ حقيرة ويعانون ما يعانيه‬
‫النافعون على أيدي املاهرين من استغالل‪ ،‬ولكن تقواهم املشرقة كانت تكسب‬
‫حياتهم كرامة‪ ،‬وأعياده م وحفالتهم وأغانيهم كانت تمأل هذه الحياة بهجة وبهاء‪.‬‬
‫فقد كان لكل موسم من مواسم السنة الزراعية رقصه وأغانيه‪ ،‬وكان يصحب‬
‫القديمة ‪ Saturnalia‬موسم جني الكروم أعياد خمرية تجمع بين الساترناليا‬
‫وحفالت التنكر الحديثة‪ ،‬وحتى الفقراء أنفسهم بقي لهم الحب‪ ،‬وألاغاني‬
‫الشع بية التي تختلف من الفحش والهجاء إلى ألاناشيد الشعرية املوفية على‬
‫الغاية القصوى من الحنان والعفة‪ .‬ويقول إلادريس ي عن بلدة "شنت ماركو" (إن‬
‫لها بادية ومزارع واسعة ومياه نابعة) وينبت بها من جميع جهاتها البنفسج الزكي‬
‫‪.‬الرائحة العطر الفائحة‬

‫وعادت مسينا‪ ،‬وقطانيا‪ ،‬وسرقوسة إلى الازدهار كعهدها أيام القرطاجنيين‬


‫واليونان‪ ،‬والرومان؛ وخيل إلى إلادريس ي أن بالرم "هي املدينة السنية العظمى‬
‫واملحلة البهية الكبرى ‪ ،‬واملنبر ألاعلى في بالد الدنيا‪ ،‬وإليها في املفاخر النهائية‬

‫‪263‬‬
‫القصوى ذات املحاسن الشرائف ودار امللك في الزمان املؤت نف والسالف" وقال‬
‫عنها "ولها حسن املباني التي سارت الركبان بنشر محاسن في بناءاتها‪ ،‬ودقائق‬
‫صناعاتها‪ ،‬وبدائع مخترعاتها" وقال عن شارعها ألاوسط‪" :‬فالسماط ألاوسط‬
‫يشتمل على قصور منفية‪ ،‬ومنازل شامخة شريفة‪( ،‬وكثير من املساجد)‬
‫والفنادق‪ ،‬والحمامات‪ ،‬وحوانيت التجار الك بار‪ ...‬وشيدت بنيانها ونمقت بأعجب‬
‫املغتربات‪ ،‬وأودعت بدائع الصفات‪ ،‬فشهد لها بالفضل املسافرون‪ ،‬وعلى في‬
‫ً‬
‫وصفها املتجولون ‪ ،‬وقطعوا قطعا أال مباني أشرف من مغانيها‪ ،‬وأن قصورها‬
‫مشارف القصور‪ ،‬وأن دورها مفازة الدور"‪" .‬ومبانيها ومتنزهاتها حسنة تعجز‬
‫‪ " .‬الواصفين‪ ،‬وتبهر عقول العارفين‪ ،‬وهي بالجملة فتنة للناظرين‬
‫ً‬
‫وملا شاهد ابن جبير الرحالة املسلم مدينة بالرمة في عام ‪ 5511‬صاح قائال ‪ :‬إنها‬
‫أم الحضارة والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة‪ ...‬تروق ألابصار بحسن‬
‫منظرها البارع‪ ،‬عجيبة الشأن‪ ...‬قد زخرفت فيها مللكها دنياه‪ .‬تنتظم بلبتها‬
‫‪ " .‬ق صوره انتظام العقود في نحور الكواعب‬

‫وكان من يزورون بالرم يدهشون من كثرة اللغات املختلفة التي يتكلمها أهلها‪،‬‬
‫ً‬
‫ومن اختالط ألاجناس وألاديان اختالطا ال يعكر صفوه ما بينهم من اختالف‪ ،‬ومن‬
‫تجاور الكنائس املسيحية‪ ،‬واملعابد إلاسرائيلية‪ ،‬واملساجد‬

‫‪264‬‬
‫إلاسالمية واختالطها بعضها ببعض‪ ،‬من ثياب أهلها الرشيقة‪ ،‬وشوارعها الكثيرة‬
‫‪.‬النشاط والحركة‪ ،‬وحدائقها الهادئة‪ ،‬وبيوتها املريحة‬

‫وكانت فنون الشرق تستخدم في تزيين القصور والبيوت التي يقيم بها الفاتحون‬
‫من أهل الغرب‪ .‬كذلك كانت أنوال بالرم تنسج ألاقمشة الحريرية الفخمة‬
‫ً‬
‫والثي اب املطرزة بالذهب‪ ،‬وكان صناع العاج يصنعون أقداحا صغيرة مشكلة أو‬
‫محفورة ذات صور خيالية غريبة أو فنية دقيقة‪ .‬كما كان صناع الفسيفساء‬
‫يغطون أرض البيوت‪ ،‬وجدرانها‪ ،‬وسقفها بالرسوم التي تمثل موضوعات شرقية‪.‬‬
‫وكان املهندسون والصناع اليونان واملسلمون يشيدون الكنائس‪ ،‬وألاديرة‪،‬‬
‫والقصور‪ ،‬فال يظهر في هندستها أو في زخرفها أثر للطراز النورماني بل تجمع بين‬
‫ما تركه الطراز البيزنطي أو العربي من آثار ألالف العام السابقة‪ .‬وشاد الفنانون‬
‫ً‬
‫اليونان في عام ‪ 5519‬ديرا للراهبات بأموال وهبها جورج أمير بحرية روجر وأهداه‬
‫ولكنه يعرف آلان ‪ Santa Maria dell Ammiraglio‬إلى سانتا كاريا دل أمرجليو‬
‫ً‬
‫نسبة إلى مؤسسه‪ .‬ولقد جدد بناء هذا الدير مرارا كثيرة ‪ Martorana‬باملرتورانا‬
‫حتى لم تبق إال القليل من عناصره التي كان عليها في القرن الثاني عشر‪ .‬ويحيط‬
‫بقبته الداخلية نقش عربي من ترنيمة مسيحية يونانية‪ .‬وأرض الدير من الرخام‬
‫البراق املختلف ألالوان‪ ،‬وبه ثمانية عمد من الحجر السماقي امللون تحيط بأقباء‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫ثالث؛ وتيجان ألاعمدة منحوتة نحتا جميال ؛ أما الجدران‪ ،‬وألاجزاء املثلثة التي‬
‫بين العقود‪ ،‬والقباب فتتألأل فيها الفسيفساء الذهبية املشتملة على صورة شهيرة‬
‫مللك السكون في قبة املحراب‪ .‬وأجمل من هذا الدير نفسه كنيسة القصر‬
‫التي بدأها روجر الثاني في عام ‪ ، 5592‬فكل ما في هذه ‪ Capella Palatina‬الخاصة‬
‫الكنيسة غاية في الرونق والجمال‪ :‬من رسوم ألارضية الرخامية البسيطة‪ ،‬إلى‬

‫‪265‬‬
‫العمد الرفيعة الدقيقة البالغة حد الكمال‪ ،‬وتيجانها املختلفة ألاشكال‪ ،‬وقطع‬
‫الفسيفساء البالغ عددها ‪ 212‬قطعة والتي تمأل كل فراغ‪ ،‬وصورة املسيح الرهيبة‬

‫القائمة فوق املذبح والتي تعد من أروع ما في العالم من نقوش الفسيفساء‪ ،‬يعلو‬
‫هذا كله سقف من الخشب على شكل قرص العسل‪ ،‬منحوت أو مذهب‪ ،‬أو‬
‫مرسوم عليه باأللوان صور فيلة‪ ،‬وريم‪ ،‬وغزالن‪ ،‬و"مالئكة"‪ ،‬أكبر الظن أنها كانت‬
‫ً‬
‫صورا مما يحلم به املسلمون في جنات النعيم‪ .‬وليس في فنون العصور الوسطى‬
‫أو الحديثة كنيسة ملكية تضارع هذه التحفة الفنية التي هي أثمن جوهرة في‬
‫‪.‬صقلية النورمانية‬

‫ومات رجار (روجر) في عام ‪ 5511‬وهو في التاسعة والثالثين من عمره‪ .‬واستحق‬


‫ابنه وليم ألاول ( ‪ ) 5500- 5511‬لقب "الخبيث"؛ ويرجع بعض السبب في هذا إلى‬
‫أن سيرته قد كتبها أعداؤه‪ ،‬وبعضه آلاخر إلى أنه ترك مقاليد الحكيم لغيره وعاش‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫هو مترفا منعما بين الخصيان واملحاظي‪ .‬وثار في أيامه املسلمون في تونس على‬
‫املسيحيين‪ ،‬وقضوا على سلطان ا لنورمان في إفريقيا‪ .‬وعاش وليم الثاني ( ‪- 5500‬‬
‫‪ ) 5510‬عيشة أشبه ما تكون بعيشة وليم "الخبيث"‪ ،‬ولكن كاتبي سيرته لقبوه‬
‫وليم "الطيب"‪ ،‬ولعلهم لم يكن لهم غرض من وراء هذه التسمية إال أن يحولوا‬
‫دون اختالط ألاسماء‪ .‬وأراد أن يكفر عن انحالل أخالقه بما أنفق من املال في عام‬
‫الجبل امللكي" ‪ -‬وكنيسته وهما على بعد خمسة " ‪ 5500 Monreale-‬على دير منريل‬
‫أميال في خارج بالرم‪ .‬ويتألف بناء هذا الدير وتلك الكنيسة من خليط مشوه من‬
‫القواعد والعمد املتشابكة؛ أما ألاروقة فذات قوة وجالل‪ ،‬وجمال‪ ،‬ونقوش‬
‫الفسيفساء ذائعة الصيت رغم فجاجتها؛ وتيجان الع مد غنية بالنقوش املحفورة‬
‫التي تمثل الحياة الواقعية ‪ -‬فيها نوح ثمل ونائم‪ ،‬وراعي خنازير يعني خنزير‪،‬‬
‫‪.‬وبهلوان واقف على رأسه‬

‫‪266‬‬
‫ولعل ما انغمس فيه ملوك صقلية النورمان من النعيم قد أوهن بنيتهم وقصر‬
‫ً‬
‫آجالهم‪ ،‬فقد ماتت أسرة روجر الثاني ميتة غير شريفة بعد أربعين عاما م ن‬
‫موته‪،‬‬

‫ولم يعقب وليم الثاني أبناء فاختير للجلوس على العرش ابن غير شرعي ألحد أبناء‬
‫وكان هنري السادس إمبراطور أملانيا ‪ Tancaed (1189).‬روجر الثاني يدعى تانكرد‬
‫ابنة عمه وليم الثاني‪ .‬وكان ‪ Constance‬قد تزوج في هذه ألاثناء من كنستانس‬
‫يتوق إلى توحيد إيطاليا كلها تحت تاج إلامبراطور‪ ،‬فطالب بعرش الصقليتين؛‬
‫ً‬
‫وعقد حلفا مع بيزا وجنوى اللتين كانت تجارتهما ترزح تحت سيطرة النورمان‬
‫على وسط البحر املتوسط؛ وفي عام ‪ 5501‬وقف أمام بالرم بقوة عظيمة ال تقهر‪،‬‬
‫ً‬
‫وأقنع أهلها بأن يفتحوا له أبوابها‪ ،‬وتوج فيها ملكا على صقلية‪ .‬وملا مات ( ‪) 5500‬‬
‫ترك عروشه البنه فردريك البالغ من العمر ثالث سنين‪ ،‬والذي صار فيما بعد‬
‫أقوى امللوك املستبدين وأعظمهم استنارة في القرن الثالث عشر الغني بملوكه‬
‫‪.‬ألاقوياء‬

‫‪267‬‬
‫الفصل الثاني‬

‫الواليات البابوية‬
‫كانت دولة مدينة بنفنتو تقوم في شمالي إيطاليا النورمانية‪ ،‬وكان يحكمها أدواق‬
‫من أصل ملباردي‪ .‬وكان من ورائها ألاراض ي التي تخضع لحكم البابوات الزمني ‪-‬‬
‫"ميراث بطرس" ‪ -‬وتشمل أنياني‪ ،‬وتيفولي‪ ،‬وروما‪ ،‬ثم تمتد من املدينة ألاخيرة إلى‬
‫‪ Perugia.‬بروجيا‬
‫ً‬
‫وكانت روما مركز املسيحية الالتينية‪ ،‬ولكننا ال نستطيع أن نعدها أنموذجا‬
‫ً‬
‫للمسيحية ؛ ذلك أنه لم تكن في العالم املسيحي مدينة أقل منها احتراما للدين‪،‬‬
‫إال باعتباره إحدى مصالحها املكتسبة‪ ،‬ولم يكن إليطاليا في الحروب الصليبية‬
‫ً‬
‫نصيب كبير‪ ،‬فلم تشترك مدينة البندقية مثال في الحرب الصليبية الرابعة إال‬
‫لتستولي على القسطنطينية‪ ،‬ولم تكن املدن إلايطال ية تنظر إلى هذه الحروب إال‬
‫على أنها في ألاغلب ألاعم فرص تمكنها من إنشاء ثغور‪ ،‬وأسواق‪ ،‬وتجارة في بالد‬
‫الشرق ألادنى‪ .‬وقد أجل فردريك الثاني حملته الصليبية إلى أبعد أجل مستطاع‪،‬‬
‫ثم أقدم عليها وفي قلبه أضعف قسط من العقيدة الدينية‪ .‬ولسنا ننكر أنه كان‬
‫في روما رجال ذوو روح دينية رحيمة يساعدون الحجاج على تعهد أضرحة‬
‫القديسين والاحتفاظ بها‪ ،‬ولكن أصوات هؤالء الرجال لم تكن تعلو على صخب‬
‫‪.‬السياسة وضجيجها‬

‫وإذا ما غضضنا النظر عن البابوية‪ ،‬وجدنا روما في ذلك الوقت مدينة فقيرة‪،‬‬
‫فقد كان انتهاب النورمان إياها خاتمة ستة قرون من ا لدمار وإلاهمال‪ ،‬نقص‬
‫ً‬
‫فيها عدد السكان إلى أربعين ألفا أو نحوها‪ ،‬وكان عددهم في العهد القديم‬

‫‪268‬‬
‫ً‬
‫مليونا‪ ،‬ولم تكن مركزا للتجارة أو الصناعة؛ وبينا كانت مدن إيطاليا الشمالية‬
‫تتزعم الثورة‬

‫الاقتصادية‪ ،‬كانت الواليات البابوية ال تزال تتلكأ متوانية في النظام الزراعي‬


‫ال ساذج؛ فكانت حدائق الخضر‪ ،‬والكروم‪ ،‬وحظائر املاشية تختلط بالبيوت‬
‫والخربات داخل أسوار أوريليا‪ .‬وكانت الطبقات الدنيا من أهل العاصمة تعيش‬
‫إما من صناعتها اليدوية أو من الصدقات الكنسية؛ أما الطبقات الوسطى فكانت‬
‫ً‬
‫خليطا من التجار‪ ،‬واملحامين‪ ،‬واملدرسين‪ ،‬ورجال املصارف‪ ،‬وطالب العلم‬
‫والقساوسة املقيمين فيها أو الذين يأتون لزيارتها؛ وأما الطبقة العليا فكانت من‬
‫كبار رجال الدين وكبار املالك الزراعيين‪ .‬وكانت العادة الرومانية القديمة‪ ،‬عادة‬
‫امتالك ألارض في الريف وإلاقامة في املدن‪ ،‬ال تزال سائدة‪ .‬وكان أشراف الرومان‬
‫قد تجردوا من زمن بعيد من النزعة الوطنية العامة التي تؤلف بين قلوبهم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وتدعوهم إلى الدفاع عن أنفسهم‪ ،‬فانقسموا لهذا السبب شيعا وأحزابا تتزعمها‬
‫‪ ،‬والكولنا‪ ، Orsini‬وألارسيني‪ Frangipani‬ألاسر الغنية القوية ‪ -‬الفرنجيباني‬
‫‪ ،‬والكرس ي‪ ، Savilli‬والس افلي ‪ ، Ceatani‬والكيتاني‪ ، Pierleoni‬والبيرليوني‪Colonna‬‬
‫وجعلت كل أسرة مسكنها قلعة ‪ ، Annibaldi.‬وألانيبلدي‪ ، Conti‬والكنتي‪Carsi‬‬
‫ً‬
‫حصينة‪ ،‬وسحلت أفرادها وأتباعها‪ ،‬وكثيرا ما كانت تشتبك هي وغيرها من ألاسر‬
‫في شجار في الشوارع‪ ،‬وتشتبك من حين إلى حين في حروب أهلية‪ .‬أما البابوات‬
‫ً‬
‫فلم تكن لهم إال أسلحة روحية قلما يخشاها أحد في روما‪ ،‬وأخذوا يكافحون عبثا‬
‫ً‬
‫ليحفظوا النظام في املدينة‪ .‬وكثيرا ما كانوا يتلقون فيها إلاهانات‪ ،‬ويعتدي عليهم‬
‫أو بروجيا بل إن ‪ Viterbo‬في بعض ألاحيان‪ .‬وفر كثير منهم إلى أنانيي‪ ،‬أو فيتربو‬
‫ً‬
‫منهم من فروا إلى ليون وأخيرا إلى أفنيون لينجو من املوت أو يعيشوا في هدوء‬
‫‪.‬وسالم‬

‫‪269‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان البابوات يحملون بأن يقيموا حكما دينيا تكفي أن تكون فيه كلمة هللا‪ ،‬كما‬
‫يفسرونها هم‪ ،‬هي القانون ؛ ولكنهم وجدوا أنفسهم ال حول لهم وال طول بين‬
‫استبداد ألاباطرة وألجركية ألاشراف‪ ،‬وديمقراطية الشعب‪ .‬وحافظت بقايا السوق‬

‫الكبرى والكبتول بين الرومان على ذكرى جمهوريتهم القديمة‪ ،‬وكانت جهود تبذل‬
‫من حين إلى حين إلعادة نظم الحكم الذاتي وأشكاله القديمة‪ .‬وظل ألاشراف‬
‫القدماء يسمون الشيوخ وإن كان مجلس الشيوخ قد اختفى من الوجود‪ .‬وكان‬
‫القناصل ينتخبون أو يعينون ‪ ،‬وإن لم يكن بيدهم ش يء من السل طان‪ ،‬وكانت‬
‫بعض مخطوطات قديمة‪ ،‬نسيت أو كادت تنس ى‪ ،‬تحفظ للبالد الشرائع الرومانية‪.‬‬
‫ً‬
‫وبعث قيام املدن الحرة في شمالي إيطاليا في أهل روما روحا جديدة‪ ،‬فأخذوا‬
‫يطالبون بالعودة إلى الحكم الذاتي املدني ال الديني‪ ،‬واختاروا في عام ‪5519‬‬
‫ً‬
‫مجلس شيوخ مؤلف من ستة وخمسين عضوا ‪ ،‬وظلوا عدة سنين بعد هذا التاريخ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يختارون له أعضاء جددا في كل عام‪ .‬وكانت أحوال ذلك الوقت تتطلب صوتا‬
‫يدعى ‪ Brescia‬يرتفع بتغييرها‪ ،‬ووجدت هذا الصوت في رجل من أهل بريشيا‬
‫في فرنسا ثم ‪ Abelard‬وتقول الرواية املتواترة إنه درس على أبيالر ‪ Arnold.‬أرنولد‬
‫ً‬
‫عاد إلى بريشيا راهبا ‪ .‬وبلغ من زهده وتقشفه أن وصفه برنار بأنه رجل "ال يأكل‬
‫وال يشرب"‪ .‬وكان شديد التمسك بالدين القويم‪ ،‬ولكنه ينكر صحة العشاء‬
‫الرباني إذا قدمه القساوسة املذنبون ‪ .‬وكان يرى أن مما يجافي القانون ألاخالقي‬
‫أن يكون للقس أمالك‪ ،‬ويطالب بأن يعود رجال الدين إلى الفقر الذي كان‬
‫يتصف به الحواريون ‪ ،‬وأشار على الكنيسة بأن تنزل للدولة عن جميع أمالكها‬
‫املادية وسلطانها السياس ي‪ .‬وأدانه إنوسنت الثني في مجلس التران عام ‪5590‬‬
‫عفا عنه ‪ Eugenius III‬وأمره أن يلزم الصمت‪ ،‬ولكن البابا أو أوجنيوس الثالث‬
‫ً‬
‫على شريطة أن يحج إلى عدد من ال كنائس في روما‪ .‬وكان هذا خطأ كريما من‬

‫‪270‬‬
‫البابا؛ ألن منظر معالم الجمهورية القديمة ألهب خيال آرنلد‪ ،‬ف ـأهاب بالرومان‬
‫وهو واقف وسط خرائب املدينة بأن ينبذوا حكم رجال الدين‪ ،‬ويعيدوا‬
‫الجمهورية الرومانية ( ‪ .) 5511‬وافتتن الشعب بحماسته فاختار قناصل وتربيونين‬
‫ليكونوا هم حكامه الحقيقيين‪ ،‬وأقام طائفة من هيئة من الفرسان ليكونوا قادة‬

‫قصة الحضارة ‪ > -‬عصر إلايمان ‪ > -‬املسيحية في عنفوانها ‪ > -‬إيطاليا قبل النهضة ‪-‬‬
‫> الواليات البابوية‬

‫في جيش إقليمي للدفاع‪ .‬وسكر أتباع آرنلد بخمرة هذا النصر الهين فلم يكتفوا‬
‫ً‬
‫بنبذ سلطة البابوات الزمنية بل أيضا سلطة أباطرة الدولة الرومانية الشرقية‬
‫\ في إيطاليا‪ .‬ثم ذهبوا إلى أبعد من هذا فقالوا إن الجمهورية الرومانية يجب أال‬
‫تحكم إيطاليا وحدها بل أن تحكم "العالم" كما كانت تحكمه في الزمن‬
‫القديم( ‪ .) 1‬وأعادوا بناء الكبتول ‪ ،‬واستولوا على كنيسة القديس بطرس‪،‬‬
‫وأحالو ها قلعة‪ ،‬واستولوا على الفاتيكان‪ ،‬وفرضوا الضرائب على الحجاج؛ وفر‬
‫أوجنيوس الثالث إلى فيتربو وبيزا ( ‪ ) 5510‬بينا كانت القديس برنار يصب اللعنات‬
‫على شعب روما‪ ،‬ويذكرهم بأن كيانهم موقوف على وجود ‪ Clairvaux‬من كليرفو‬
‫البابوية‪ ،‬وظلت حكومة روما الذاتية عشر سنين تحكم مد ينة القياصرة‬
‫‪.‬والبابوات‬

‫واستجمع أوجنيوس الثالث شجاعته وعاد إلى روما في عام ‪ ، 5511‬وقصر واجباته‬
‫ً‬
‫وقتا ما على الواجبات الروحية‪ ،‬وأخذ يهب الصدقات‪ ،‬وكسب بذلك قلوب‬
‫الشعب‪ .‬وغضب خليفته هدريان الرابع أشد الغضب من مقتل كردينال في شجار‬
‫ً‬
‫عام‪ ،‬فأصدر قرارا بحرمان العاص مة ( ‪ ،) 5511‬وخش ي مجلس الشيوخ أن تقوم في‬
‫املدينة ثورة ال يستطيع ألاشراف تحمل آثارها‪ ،‬فألغي الجمهورية واستسلم إلى‬

‫‪271‬‬
‫البابا‪ .‬واختبأ آرنلد املطرود من حظيرة الكنيسة في كمبانيا؛ وملا أن اقترب‬
‫فردريك بربروسه من روما طلب إليه هدريان أن يقبض على هذا الرجل املتمرد؛‬
‫وكش ف مخبأ آرنلد وقبض عليه‪ ،‬وأسلمه إلامبراطور إلى صاحب شرطة البابا في‬
‫روما‪ ،‬وشنقه ( ‪ .) 5511‬ثم حرقت جثته‪ ،‬وألقي برماده في نهر التيبر "خشية أن‬
‫يجمعها الناس ويكرموها بوصفها رماد شهيد" كما يقول أحد معاصريه( ‪.) 0‬‬
‫وعاشت آراؤه بعد موته‪ ،‬وعادت إلى الظهور عند زنادقة ملباردي الباتريين‬
‫‪ ،‬وعند ألاليجنسيين في فرنسا‪ ،‬وفي ‪ Waldensian‬والوالدنسيين ‪Paterine‬‬
‫من أهل بدوا‪ ،‬وفي زعماء حركة إلاصالح‪ .‬وظل مجلس ‪ Marsilius‬مرسليوس‬
‫ً‬
‫الشيوخ قائما حتى عام ‪ 5250‬حين أفلح إنوسنت الثالث في أن‬
‫ً‬
‫يستبدل به شيخا أو شيخين من املناصرين لقضية البابا‪ .‬وظلت سلطة البابوات‬
‫‪ .‬الزمنية قائمة حتى عام ‪5109‬‬

‫بما فيها اسبليتوا ‪ Umbria‬وكانت الواليات البابوية في أوقات مختلفة تشمل أمبريا‬
‫وبروجيا؛ وأرض التخوم املشتملة على أنكوتا الواقعة على البحر ‪Spoleto‬‬
‫‪ ،‬أو إلاقليم الخاضع لحكم روما واملشتمل على ‪ Romagna‬ألادرياوي ‪ ،‬ورومانيا‬
‫‪ ،‬وفرارا‪ ، Bologna‬وبولونيا‪ ، Ravenna‬ورافنا‪ ، Imola‬وإموال‪ Rimini‬مدائن رميني‬
‫وظلت رافنا في هذا الوقت آخذة في الانحطاط‪ ،‬بينا أخذت فرارا تزداد ‪Ferrare.‬‬
‫وقامت في بولونيا حياة ناشطة قوية في ‪ Este.‬شهرة بحكمة زعمائها من آل إست‬
‫ظل حكومتها الذاتية بزعامة رجالها الق انونيين العظام خريجي جامعاتها‪ .‬وكانت‬
‫ً‬
‫يتولى الشؤون ‪ Podesta‬من أولى املدائن التي اختارت لها حاكما ذا سلطان‬
‫ً‬
‫ليشرف على شئونها الخارجية‪ Capitano .‬الداخلية في حكومتها الذاتية‪ ،‬ورئيسا‬
‫وكانت تشترط فيمن يتولى الشؤون الداخلية صفات خاصة‪ :‬كان يجب أن يكون‬
‫من ألاشراف‪ ،‬وأن يكون من غير أهل املدينة‪ ،‬وأن تزيد سنه على ستة وثالثين‬

‫‪272‬‬
‫ً‬
‫عاما ؛ وأال تكون له أمالك في داخل نطاق البلدة ذات الحكم الذاتي‪ ،‬وأال يكون‬
‫له أقارب بين الناخبين‪ ،‬وأال يكون من أقارب الحاكم السابق أو من موطنه‪.‬‬
‫وكانت هذه القواعد الغربية التي وضعت لتضمن النزاهة في إ دارة شؤون املدينة‬
‫هي املتبعة في كثير من املدن إلايطالية ذات الحكم الذاتي‪ .‬أما "رئيس شعب‬
‫(قبطانه)" فلم يكن يختاره مجلس املدينة‪ ،‬بل يختاره حزب الشعب الذي يسيطر‬
‫عليه نقابات التجار الطائفية؛ ولم يكن يمثل الفقراء بل كان يمثل طبقة رجال‬
‫ألاعمال‪ .‬وقد بسط سلطانه في القرون التالية بإضعاف سلطان البودستا‪ ،‬وذلك‬
‫‪.‬بعد أن تفوق رجال الطبقة الوسطى الرأسمالية على ألاشراف في الثروة والنفوذ‬

‫‪273‬‬
‫الفصل الثالث‬

‫البندقية تنتصر‬

‫‪1096- 1311‬‬
‫يقع إلى شمال كرارا ونهر البو‪ ،‬وكان هذا إلاقليم يفخر ‪ Veneto‬كان إقليم فنيتو‬
‫‪ .‬بمدائنه الها مة ‪ -‬البندقية‪ ،‬وترفيزو‪ ،‬وبدوا‪ ،‬وفيسنزا‪ ،‬وفيرونا‬

‫وفي هاذ العصر بالذات عظمت قوة البندقية‪ ،‬فأمكنها حلفها من أن تصل إلى‬
‫ثغور بحر إيجة والبحر ألاسود‪ ،‬حتى ليقال إن بنيها الذين كانوا في القسطنطينية‬
‫في القرن الثاني عشر زادوا على مائة ألف‪ ،‬وإنهم كانوا يعيشون الرعب في أحد‬
‫إمبراطور الروم ‪ Manuel‬أحياء املدينة بوقاحتهم ومشاحناتهم‪ .‬ثم انقلب مانيول‬
‫فجأة على البنادقة املقيمين في عاصمته‪ ،‬وألقي القبض على عدد كبير منهم‪ ،‬وأمر‬
‫بان تصادر بضائعهم كلها ( ‪ ،) 5505‬وكان أهل جنوى هم الذين حرضوه على هذا‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫العمل غيرة منهم وحسدا ‪ .‬وأعلنت ال بندقية الحرب‪ ،‬وأخذ أهلها يعملون ليال‬
‫ً‬
‫‪ Doge Vitale‬ونهارا إلنشاء أسطول ‪ ،‬فلما كان عام ‪ 5505‬قاد الدوج فيتالي الثاني‬
‫‪ Euboea‬عمارة بحرية مؤلفة من ‪ 599‬سفينة لقتال جزيرة عوبية ‪Michieli II‬‬
‫ليتخذوها قاعدة بحرية ألعماله املقبلة ضد املضيقين‪ .‬ولكن جنوده أصيبوا وهم‬
‫عل ى سواحل عوبية بمرض يقال إن سببه تسميم اليونان موارد املاء في الجزيرة!‬
‫وهلك منهم آالف مؤلفة بلغ من كثرتها أن السفن لم تجد بعد ذلك من يحاربون‬
‫ً‬
‫على ظهرها‪ .‬وقاد الدوج عمارته عائدا إلى البندقية‪ ،‬وفشا الطاعون فيها وأهلك‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عددا كبيرا من أهلها؛ وملا أن اجتمعت الجم عية وجهت اللوم إلى الدوج على هذه‬

‫‪274‬‬
‫الكوارث‪ ،‬وأصيب بطعنة قاتلة ( ‪ .) 0 () 5502‬ومن واجبنا أال نغفل عن هذه‬
‫الكوارث حين ندرس ما حدث في الحملة الصليبية الرابعة‪ ،‬والثورة ألالجركية‬
‫‪.‬التي غيرت دستور البندقية‬

‫وخش ي كبار التجار أن تنهار إمبراطوريتهم التجارية إذا دامت هذه الهزائم‪ ،‬فعقدوا‬
‫النية على أن ينتزعوا من الجمعية العمومية حق انتخاب الدوج‪ ،‬وأن ينشئوا‬
‫ً‬
‫مجلسا من صفوة ألاهلين يكون أقدر على بحث شؤون الدولة وتصريفها‪ ،‬وعلى‬
‫الوقوف في وجه أهواء الشعب واستبداد الدوج‪ ،‬ثم أقنعوا أكابر قضاة‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الجمهورية الثالثة بأن يعينوا لجنة تضع ل لبالد دستورا جديدا ‪ .‬وأوصت هذه‬
‫اللجنة في تقريرها أن يختار كل حي من أحياء دولة املدينة الستة اثنين من كبار‬
‫ألاهلين يختار كل منهم أربعين من خيرة الرجال‪ ،‬وأن يتألف من ألاربعمائة‬
‫ً‬
‫‪ Maggior‬والثمانين عضوا الذين يختارون على هذا النحو مجلس أعظم‬
‫يكون هو الهيئة التشريعية العامة لألمة ثم يختار املجلس ألاعظم ‪Conscglio‬‬
‫ً‬
‫ستين عضوا من أعضائه يكونون مجلس الشيوخ الذي يشرف على الشؤون‬
‫التجارية واملالية والعالقات الخارجية‪ .‬وكان من هذه التوصيات أال تجتمع ألارنجو‬
‫أي الجمعية الشعبية إال للتصديق على اقتراحات الحرب والسلم أو ‪Arrengo‬‬
‫ً‬
‫رفضها‪ ،‬وأن يختار رجل من كل حي من ألاحياء الستة يتألف منهم جميعا مجلس‬
‫ً‬
‫خاص يحكم الدولة إذا ما أصبح عرش الدوج شاغرا ‪ ،‬وكان البد من أن يقر هذا‬
‫ً‬
‫املجلس كل عمل حكومي يقوم به الدوج لكي يصبح هذا العمل مشروعا ‪ .‬واختار‬
‫أول مجلس أعظم انتخب بالطريقة السالفة الذكر أ ربعة وثالثين من أعضائه‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫اختاروا من بينهم أحد عشر عضوا ‪ ،‬عقدوا اجتماعا علنيا في كنيسة سان ماركو‬
‫اختاروا فيه الدوج ( ‪ .) 5509‬ورفع الشعب عقيرته باحتجاج لحرمانه من حق‬

‫‪275‬‬
‫اختيار رئيس الدولة‪ ،‬ولكن الدوج الجديد وجه الاضطراب وجهة أخرى بأن نثر‬
‫النقود على الجموع املحتش دة( ‪ ،) 1‬وملا اختار املجلس ألاعظم أنريكو دنوولو‬
‫ً‬
‫دوجا في عام ‪ 5502‬طلب إليه أن يقسم في يمين تتويجه أن ‪Enrico Dandolo‬‬
‫يطيع جميع قوانين الدولة‪ ،‬وبهذا أضحت ألجركية التجارة صاحبة السلطة‬
‫‪.‬العليا في البالد‬

‫وأثبت دندولو‪ ،‬وكان وقت اختياره في الرابعة والثمانين من عمره‪ ،‬أنه من أقدر‬
‫الزعماء في تاريخ البندقية؛ فقد استطاعت البندقية في أيامه‪ ،‬وبفضل سياسته‬
‫املكيفلية‪ ،‬وبسالته الشخصية‪ ،‬أن تثأر لنفسها من الكارثة التي حلت بها عام‬
‫‪ ، 5505‬فتستولي على القسطنطينية وتنهبها في عام ‪ ، 5291‬وبهذا أصبحت‬
‫البندقية القوة املسيطرة على الجزء ال شرقي من البحر املتوسط‪ ،‬والبحر ألاسود؛‬
‫وانتقلت الزعامة التجارية في أوربا من بيزنطية إلى إيطاليا‪ .‬وساعد أهل جنوى في‬
‫عام ‪ 5205‬اليونان على استعادة القسطنطينية‪ ،‬وكوفئوا على عملهم هذا بأن‬
‫منحوا فيها ميزات تجارية؛ ولكن أسطول البندقية هزم أسطول جنوى بالقرب من‬
‫صقلي ة بعد ثالث سنين من ذلك الوقت‪ ،‬وأرغم إمبراطور الروم على أن يرد إلى‬
‫‪.‬البندقية مركزها املمتاز في عاصمة ملكه‬

‫وتوجت ألالجركية الظافرة هذه الانتصارات الخارجية بضربة دستورية جديدة‪.‬‬


‫في عام ‪ 5200‬على املجلس ‪ Pietro Gradenigo‬فقد عرض الدوج بيترو جرادنجو‬
‫ً‬
‫ألاعظم اقتراح ا ‪ ،‬حمله على املوافقة عليه‪ ،‬يقض ي بأال يختار لعضوية هذا املجلس‬
‫إال من كان من أعضائه منذ عام ‪ 5209‬أو كان من أبنائهم الذكور( ‪ .) 0‬وكان من‬
‫أثر "إغالق املجلس" في وجه املواطنين أن حرمت الكثرة الغالبة من الشعب من‬
‫الوظائف العامة‪ ،‬وأن وجدت طبقة مغلقة ال يستطيع الانتم اء إليها إال أبناء‬
‫لتسجيل عقود الزواج والوفيات بين ‪" Libro d'oro‬أعضائها‪ .‬وأنش ئ "كتاب ذهبي‬

‫‪276‬‬
‫أفراد هذه الطبقة ألارستقراطية ليضمن به نقاءها واحتكارها للسلطان‪ ،‬وبهذا‬
‫جعلت ألالجركية التجارية نفسها ألجركية املولد‪ .‬وملا أن دبر الشعب ثورة على‬
‫هذا الدستور الجديد‪ ،‬سم ح لزعمائه بأن يدخلوا قاعة املجلس ثم شنقوا من‬
‫‪.‬فورهم‬

‫وال يسعنا إال أن نقر بأن هذه ألالجركية السافرة القاسية قد أحسنت الحكم‪،‬‬
‫فقد كانت في محافظتها على ألامن والنظام‪ ،‬وفي حسن توجيهها للسياسة العامة‪،‬‬

‫وفي العمل على استقرار القانون وبسط سلطانه‪ ،‬تفضل غيرها من امل جتمعات‬
‫إلايطالية في العصور الوسطى‪ .‬وسبقت القوانين التي سنتها البندقية لتنظيم‬
‫أعمال ألاطباء والصيادلة أمثالها في فلورنس بنصف قرن من الزمان؛ وحرمت‬
‫القوانين في عام ‪ 5995‬قيام الصناعات املضرة بالصحة بين املساكن‪ ،‬وأخرجت‬
‫من البندقية جميع الصناعات التي تنفث الدخا ن املؤذي في الهواء‪ .‬وكانت قوانين‬
‫املالحة شديدة مفصلة‪ ،‬كما كانت جميع الواردات والصادرات خاضعة لرقابة‬
‫الدولة وسيطرتها‪ ،‬وكانت التقارير الدبلوماسية تعني بأحوال التجارة أكثر من‬
‫ً‬
‫عنايتها بالشؤون السياسية‪ ،‬وأصبحت إلاحصاءات الاقتصادية للمرة ألاولى جزءا‬
‫‪ ).‬من الحكم في هذه املدينة( ‪59‬‬

‫وكادت الزراعة تكون غير معروفة في البندقية‪ ،‬أما الصناعات اليدوية فكانت‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫متقدمة ألن هذه املدينة استوردت من مدن البحر املتوسط القديمة فنونا وحرفا‬
‫كادت تقض ي عليها الاضطرابات السياسية في الغرب‪ ،‬واشتهرت مصنوعات‬
‫الحديد‪ ،‬والشبه‪ ،‬والزجاج‪ ،‬وألاقم شة املنسوجة من خيوط الذهب والحرير‪،‬‬
‫واشتهرت كلها في القارات الثالث‪ ،‬وأكبر الظن أن بناء القوارب للتنزه‪ ،‬أو الاتجار‪،‬‬
‫أو الحرب كان أعظم صناعات البندقية‪ .‬وقد وصلت هذه الصناعة إلى مرحلة‬

‫‪277‬‬
‫إلانتاج الرأسمالي بالجملة‪ ،‬والتمويل الجماعي‪ ،‬وكادت تصل إلى املرحلة‬
‫الاشتراكي ة لسيطرة أكبر عميل لهذه الصناعة وهو الدولة‪ .‬وكانت سفائن جمالية‬
‫ً‬
‫املنظر عالية الجؤجؤ‪ ،‬منقوشة ألاشرعة‪ ،‬في بعضها مائة وثمانون مجذافا تربط‬
‫البندقية بالقسطنطينية‪ ،‬وصور‪ ،‬وإلاسكندرية‪ ،‬ولشبونة‪ ،‬ولندن‪ ،‬وعشرات من‬
‫املدن ألاخرى بسلسلة ذهبية من املرافئ واملتاجر‪ .‬وكانت بضائع من وادي البو‬
‫تصل إلى البندقية كي يعاد شحنها منها إلى الخارج؛ وكانت بضائع مدن نهر الرين‬
‫تأتيها بعد أن تجتاز جبال ألالب لتنتشر من موانيها في عالم البحر املتوسط؛ وكان‬
‫أكثر ألاماكن حركة في سائر أنحاء أوربا‪ Rialto ،‬مصفق املدينة‬

‫يزدحم بالتجار‪ ،‬واملالحين ورجال املصارف القادمين من مائة قطر‪ ،‬ولم تكن ثروة‬
‫شمالي أوربا تضارع غناء هذه املدينة التي يرتبط كل ش يء فيها بعجلة التجارة‬
‫واملال‪ ،‬والتي كانت السفينة الواحدة من سفنها التي ترسل إلى إلاسكندرية تعود‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫منها بربح يعادل ألفا في املائة من املال املستثمر في بضائعها ‪ -‬إذا لم تالق عدوا ‪،‬‬
‫ً‬
‫أو قرصانا ‪ ،‬أو عاصفة مدمرة( ‪ .) 55‬وقصارى القول أن البندقية كانت أغنى املدن‬
‫ألاوربية في العصور الوسطى‪ ،‬ولعلها لم يكن يضارعها في ثرائها إال املدائن‬
‫ً‬
‫‪.‬الصينية التي وصفها ماركو بولو ابن البندقية وصفا ال نستطيع تصديقه‬

‫إال أن العقيدة تضمحل كلما زادت الثرة‪ .‬ولقد كان البنادقة يكثرون من‬
‫استخدام الدين في الحكم‪ ،‬ويواسون من ال أصوات لهم في إدارة الشؤون العامة‬
‫باملواكب ويمنونهم بجنة النعيم؛ غير أن الطبقات الحاكمة قلما كانت تسمح‬
‫للمسيحية أو للحرمان من حظيرة الكنيسة بأن يعترض سبيل الحرب أو ألاعمال‬
‫‪ Siamo‬املالي ة‪ ،‬فقد كان شعارها "نحن بنادقة‪ ،‬ونحن بعد ذلك مسيحيون‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وتطبيقا لهذا الشعار لم يكن لرجال الدين نصيب )‪Veneziani poi Cristiani"(12‬‬
‫ما في الحكم( ‪ ،) 59‬وكان التجار البنادقة يبيعون السالح والرقيق‪ ،‬ويمدون‬

‫‪278‬‬
‫املسلمين الذين يقاتلون املسيحيين باملعلومات الحربية( ‪ . ) 51‬وكان ش يء من‬
‫التسامح يصحب هذا الحرص على الكسب املتميز بسعة ألافق؛ فقد كان في وسع‬
‫املسلمين أن يأتوا إلى البندقية وهم آمنون ‪ ،‬وكان اليهود ‪ -‬وخاصة في الجيودكا‬
‫يقيمون شعائر دينهم في معابدهم وهم ‪ Spinalunga‬جزيرة أسبنالنجا ‪Giudecca‬‬
‫‪.‬آمنون‬

‫وقد ندد دانتي ب ـ"فجور ا لبنادقة الطليق"( ‪ ،) 51‬ولكن ليس من حقنا أن نصدق ما‬
‫يوجهه من نقد رجل يصب اللعنات ذات اليمين وذات الشمال‪ .‬وأكثر من أقوال‬
‫دانتي داللة على أخالق البنادقة تلك العقوبات الصارمة الواردة‬

‫في الشرائع البندقية لتوقع على آلاباء الذين يحرضون أبناءهم على الفسق‪ ،‬وتلك‬
‫القوانين التي تكرر وضعها بال جدوى ملنع الارتشاء في الانتخابات( ‪ .) 50‬والصورة‬
‫التي تنطبع في أذهاننا منها هي صورة أرستقراطية صارمة ساطعة اعتادت منظر‬
‫بؤس الجماهير فلم تعد تتأثر به؛ وسوقة تخفف من حدة الفقر بمباهج الحب‬
‫الطليق‪ .‬ونحن نسمع منذ عام ‪ 5901‬عن مواكب "الكرنفا ل" وذكرت "املساخر"‬
‫ألول مرة في عام ‪ 5221‬؛ وفي عام ‪ 5200‬جعل مجلس الشيوخ اليوم السابق‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫للصوم الكبير عيدا شعبيا ‪ .‬يزدان فيه السكان ‪ -‬رجاال ونساء ‪ -‬بأغلى أثوابهم وأبهى‬
‫زينتهم‪ ،‬فكانت النساء ذوات الثراء يتوجن أنفسهن‪ ،‬بتيجان أو قالنس أو عمائم‬
‫منسوجة بخيوط الذهب‪ ،‬تت ألأل عيونهن تحت أقنعة من نسيج الذهب أو الفضة‪،‬‬
‫أو ‪ Chamois‬وفي أعناقهن عقود من اللؤلؤ‪ ،‬وفي أيديهن قفاوات من جلد الشموا‬
‫نسج الحرير‪ ،‬وفي أقدامهن أخفاف أو أحذية من الجلد‪ ،‬أو الخشب‪ ،‬أو الفلين‪،‬‬
‫حمراء اللون أو ذهبية؛ وأثوابهن من نسيج التيل الرفيع أو الحرير العادي أو‬
‫املشجر أو املطرز‪ ،‬واملنثورة‪ ،‬عليه الجواهر‪ ،‬يكشف عن أعناقهن وما تحت‬
‫ً‬
‫أعناقهن‪ ،‬فكن بذلك فتنة ألهل زمانهن وشاهدا على ما فيه من فضائح وآثام‪.‬‬

‫‪279‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكن يضعن على رؤوسهن شعرا مستعارا ‪ ،‬ويستعملن ألادهان امللونة واملساحيق‪،‬‬
‫ويصمن لكي تصبح أجسامهن نحيلة رشيقة( ‪ .) 50‬وكن يسرن بكامل حريتهن وسط‬
‫الجماهير في أي وقت يردن‪ ،‬ويشتركن في غواية وخفر في حفالت اللهو والتنزه في‬
‫القوارب‪ ،‬ويستمعن في سرور إلى الشعراء الغزلين الذين أدخلوا أساليب الغناء‬
‫‪.‬البروفنسية في موضوعات الحب ألابدية‬

‫ولم يكن البنادقة يميلون في هذا الوقت إلى الثقافة‪ .‬نع م إنهم كانت لهم مكتبة‬
‫عامة طيبة‪ ،‬ولكن أنهم قلما كانوا يفيدون منها‪ ،‬ولم يسهموا بنصيب في العلوم‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫‪.‬ولم يخلفوا وراءهم شعرا خالدا ظهر في وسط هذا الثراء املنقطع النظير‬

‫وكانت املدارس كثيرة عندهم في القرن الثالث عشر‪ ،‬ولدينا ما يدل على أنهم‬
‫ً‬
‫كانوا يعطون الطالب ال فقراء منحا تمكنهم من مواصلة الدرس‪ ،‬ولكننا نعرف أنه‬
‫كان لديهم في القرن الرابع عشر قضاة ال يعرفون القراءة( ‪ .)51‬وكانوا يقدرون‬
‫املوسيقى أعظم تقدير‪ ،‬أما الفن فلم يكن قد وصل إلى الدرجة العالية التي‬
‫بلغها فيما بعد؛ غير أن الثراء كان يأتي إلى البندقية بالفن من بالد كثيرة‪ ،‬وكان‬
‫ً‬
‫ذوق ألاهلين آخذا في الارتقاء؛ وكانت أسسه توضع في هذه الفترة وبخاصة فن‬
‫‪.‬الزجاج‪ ،‬وقد بقي لهم بعض ما كان للرومان آلاخرين من حذق فيه‬

‫وليس من حقنا أن نصور البندقية في ذلك العصر بتلك الصورة الجميلة التي‬
‫أو نتشه في القرن التاسع عشر‪ .‬فقد كانت بيوتها ‪ Wagner‬وجدها عليها فاجنر‬
‫مقامة من الخشب‪ ،‬وشوارعها من ألارض العادية؛ وإن كان طريق سان ماركو قد‬
‫ً‬
‫رصف باآلجر في عام ‪ 5502‬؛ وكان الحمام موجودا في املدينة منذ عام ‪ . 5210‬وبدأ‬
‫البنادقة يقيمون الجسور على القنوات وكان أصحاب القوارب ينقلون الناس في‬
‫القناة العظمى‪ .‬أما القنوات الجانبية الصغرى فالراجح أنها كانت أقل بهجة مما‬

‫‪280‬‬
‫هي عليه آلان؛ ذلك أن النضوج الكامل في كل ش يء يتطلب بعض الوقت‪ .‬غير أن‬
‫ما في الشوارع والقنوات من عيوب ال يمكن أن يحجب عن العين عظمة مدينة‬
‫ً‬
‫ترتفع جيال بعد جيل من مناقع البحر الضحل وضبابه‪ ،‬أو يحول بين إلانسان‬
‫وبين الدهشة من شعب يدفع هامته من الخراب والعزلة ليغطي سطح البحر‬
‫‪.‬بسفنه ويجبي املال ويستورد الجمال من نصف العالم‬

‫وتخومها تقع بين البندقية وجبال ألالب‪ ،‬ولن نقول ‪ Treviso‬وكانت مدينة ترفيزو‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫عن هذه املدينة إال أن أهلها كانوا يجبون الحياة حبا جما ‪ ،‬ويس مونها بلد الحب‬
‫ويقولون إن املدينة احتفلت في عام ‪ 5251‬بعيد‬

‫قصر الحب‪ ،‬فأقيم قصر من الخشب علقت فيه الطنافس وألاقمشة املزركشة‪،‬‬
‫وتيجان الزهر‪ ،‬وجاءت نساء املدينة فأمسكن بالقصر وهن مسلحات باملاء‬
‫املعطر‪ ،‬والفاكهة‪ ،‬وألازهار‪ ،‬ثم أقبل الفرسان الشبان من أهل البندقية‬
‫ً‬
‫ينافسون شباب بدوا املرح الجريء في حصار السيدات‪ ،‬ويمطرونهن وابال مماثال‬
‫لقذائفهن؛ ويقال إن البنادقة كسبوا املعركة بأن خلطوا ألازهار بقطع النقود‬
‫الذهبية‪ .‬ومهما يكن سبب هذا النصر فقد سقط الحصن وحامياته الحسان في‬
‫‪ ).‬أيديهم( ‪50‬‬

‫‪281‬‬
‫الفصل الرابع‬

‫من منتوا إلى جنوى‬


‫كانت املدائن الشهيرة في ملباردية تحكم السهول الواقعة في غرب فنيتو‬
‫واملحصورة بين نهر البو وجبال ألالب وهي‪ :‬منتوا‪ ،‬وكرمونا‪ ،‬وبريشيا‪ ،‬وبرجامو‪،‬‬
‫‪ Emilia‬وكومو‪ ،‬وميالن‪ ،‬وبافيا‪ .‬وكانت في جنوب نهر البو‪ ،‬في املقاطعة باسم إميليا‬
‫في هذه ألايام‪ ،‬مدائن مودينا‪ ،‬ورجيو‪ ،‬وبارما‪ ،‬وبياسنزا‪ ،‬ولسنا نعتقد أن من‬
‫يحبون إيطاليا سيملون من تكرار هذه ألاسماء على مسامعهم‪ .‬وكانت والية‬
‫وتورين‪ Vercelli ،‬املحصورة بين ملباردية وفرنسا تضم فرسلي ‪ Piedmont‬بيدمونت‬
‫وفي جنوبي هاتين البلدتين كانت تنحني حول خليج جنوى ومدينة جنوى نفسها‪.‬‬
‫وثروة هذا إلاقليم هدية من نهر البو الذي يخترق شبه الجزيرة من الغرب إلى‬
‫الشرق ‪ ،‬يحمل املتاجر‪ ،‬ويمأل القنوات ويروي الحقول ‪ .‬وكان نشاط الصناعة‬
‫والتجارة في هذه املدن هو الذي حباها بالثروة والعزة اللتين جعلتاها تغض‬
‫الطرف في معظم ألاوقات عما كان لإلمبراطور ألاملاني من سيادة اسمية عليها‬
‫‪.‬وأمكناها من أن تخضع ألاشراف شبه إلاقطاعيين املقيمين خلفها‬

‫وكانت كنيسة كبرى تقوم عادة في وسط كل بلدة من هذه البلدان إلايطالية‪ ،‬لكي‬
‫تخلع البهجة والسرور على الحياة بمواكب التقي وقوة ألامل‪ .‬وكان إلى جانبها‬
‫مكان التعميد الدال على تمتع الطفل بمزاي ا املواطنية املسيحية وتبعاتها‪ ،‬وبرج‬
‫ألاجراس التي تدعو الناس إلى العبادة أو الاجتماع أو حمل السالح‪ .‬وفي امليدان‬
‫العام املجاور للكنيسة الكبرى كان الفالحون والصناع يعرضون‬

‫‪282‬‬
‫بضاعتهم‪ ،‬واملمثلون ‪ ،‬والالعبون على الحبال ونحوها‪ ،‬والشعراء الجائلون يمثلون‬
‫أدوارهم‪ ،‬وامل نادون يعلنون ما يريدون ‪ ،‬واملواطنين يثرثرون بعد قداس أيام آلاحاد‪،‬‬
‫والشبان أو الفرسان يتبارون في ألالعاب الرياضية أو البرجاس‪ .‬وكانت قاعة عامة‬
‫للمدينة‪ ،‬وبضعة حوانيت وبيوت ومساكن مشتركة يتكون منها سياج من آلاجر‬
‫حول امليدان‪ .‬ومن هذا املكان الوسط تمتد الشوارع ا ملتعرجة امللتوية التي يبلغ‬
‫من ضيقها أنه إذا سار فيها راكب فر س أو مرت بها عربة اضطر الراجلون إلى‬
‫الانزواء في مدخل بيت أو الالتصاق بجدار‪ .‬وملا تقدم القرن الثالث عشر وازدادت‬
‫ثروة ألاهلين استخدمت قطع القرميد في تسقيف البيوت املطلية جدرانها‬
‫باملصيص فراق منظرها في أعين من يستطيعون نسيان الوحل والروائح الكريهة‪.‬‬
‫وكان امليدان والشوارع الكبرى دون غيرها هي املرصوفة‪ ،‬وكان يحيط باملدينة‬
‫سور ذو أبراج وشرفات ألن الحروب كانت كثيرة في تلك ألايام‪ ،‬وكان من واجب‬
‫ً‬
‫‪.‬إلانسان أن يعرف كيف يقاتل إذا لم يشأ أن يكون راهبا‬

‫وكانت ميالن وجنوى أكبر هذه املدن كلها‪ .‬وكانت جنوى ‪ -‬الفخمة كما كان يسميها‬
‫أحباؤها ‪ -‬ذات موقع ممتاز للعمل واملتعة‪ .‬فقد كانت تقوم على تل مواجه للبحر‬
‫في ‪ Rapallo‬الذي يغري باالتجار‪ ،‬وتستمع بجو الرفييرا الدافئ الذي يمتد إلى رابلو‬
‫ً‬
‫في الغرب‪ .‬وكانت جن وى منذ أيام الرومان ثغرا ‪ San Remo‬الشرق وسان ريمو‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫نشيط الحركة‪ ،‬ولهذا كان سكانها تجارا ‪ ،‬وصناعا ‪ ،‬ورجال املصارف‪ ،‬وصناع‬
‫ً‬
‫السفن‪ ،‬وبحارة‪ ،‬وجنودا ‪ ،‬وساسة‪ .‬ونقل مهندسو جنوى املاء النقي إليها من‬
‫في قناة مسقفة ال تقل عن قنوات روما القديمة‪ Ligurian Alps ،‬ألالب الليجورية‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫وأقاموا حاجزا ضخما في الخليج املسمى باسمها ليجعلوا مرفأها العظيم آمنا في‬
‫أثناء العواصف والحروب‪ .‬وقلما كان أهل جنوى يعنون باآلداب أو الفنون في تلك‬

‫‪283‬‬
‫ألايام؛ شأنهم في هذا شأن البنادقة املعاصرين لهم؛ فقد كانوا يصرفون جهودهم‬
‫كلها في التغلب على منافسيهم وارتياد سبل جديدة‬

‫للكسب‪ .‬وكاد مصرف جنوى يكون هو الدولة‪ ،‬فقد كان يقرض املدينة املال‬
‫بشرط أن يحصل هو إيرادتها‪ ،‬وكان بفضل سلطانه هذا يسيطر على الحكومة‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وكان كل حزب يتولى السلطة يتعهد بأن يكون وفيا مخلصا للمصرف؛ ولكن أهل‬
‫جنوى كان لهم من الشجاعة بقدر ما لهم من حب الكسب‪ ،‬فقد تعاونوا مع أهل‬
‫بيزا على إخراج املسلمين من غربي البحر املتوسط ( ‪ ،) 5559 - 5951‬ثم حاربوا بيزا‬
‫ً‬
‫‪ Meloria‬حروبا منقطعة حتى قضوا على القوة املنافسة لهم في واقعة ملوريا‬
‫البحرية ( ‪ .) 5211‬وجندت بيزا في هذه الحرب ألاخيرة كل من كان فيها من الرجال‬
‫بين العشرين والستين من العمر‪ ،‬كم ا جندت جنوى كل من كان فيها بين الثامنة‬
‫عشرة والسبعين‪ .‬وتلك حقيقة في وسعنا أن نعرف منها روح ذلك العصر وحالته‬
‫في ذلك يقول "بين أهل بيزا وأهل ‪ Salimbene‬النفسية‪ .‬وكتب الراهب سلمبيني‬
‫‪ ،‬الحقد والاشمئزاز الطبيعي بقدر ما ‪ Lucca‬جنوى ‪ ،‬وكذلك بين أهل بيزا وأهل لوكا‬
‫ً‬
‫بين آلادميين وألافاعي"( ‪ .) 25‬وظل الرجال يقتتلون يدا بيد في هذه الواقعة ألاخيرة‬
‫التي حدثت في البحر قرب ساحل قورسقة حتى هلك نصف املحاربين "وارتفعت‬
‫في جنوى وبيزا أصوات الحزن والعويل كما لم ترتفع في هاتين املدينتين من يوم‬
‫أنشئنا إلى أيامنا هذه"( ‪ .) 22‬وملا علم أهل لوكا وفلورنس ألاخبار بالكارثة التي‬
‫حلت ببيزا وفلورنس ظنوا أنهم قد الحت لهم أحسن فرصة إلرسال حملة لقتال‬
‫تلك املدينة البائسة‪ ،‬ولكن البابا الرابع أمرهم أن يكفوا عن القتال‪ ،‬واندفع أهل‬
‫جنوى في هذه ألاثناء نحو الشرق وتضاربت مصالحهم مع مصالح البنادقة‪،‬‬
‫فنشأت بينهم أشد ألاحقاد‪ ،‬وتنازع أهل املدينتين في عام ‪ 5211‬على امتالك عكا‪،‬‬
‫وانحاز فرسان املستشفى في املعركة إلى جانب أهل جنوى ‪ ،‬كما انضم فرسان‬

‫‪284‬‬
‫املعبد إلى البنادقة؛ وسقط في هذه املعركة وحدها عشرون ألف رجل( ‪،) 29‬‬
‫ً‬
‫وكانت سببا في تحطم وحدة املسيحيين في بالد الشام‪ ،‬ولعلها هي التي قررت‬
‫ً‬
‫إخفاق الحروب الصليبية‪ .‬وظل النزاع قائما بين جنوى والبندقية حتى عام‬
‫‪ ، 5900‬حين منيت جنوى بهزيمة ساحقة ال تقل في ذلك عما لحق ببيزا على يديها‬
‫‪.‬قبل ذلك بمائة عام‬

‫وكانت ميالن أغنى مدائن ملباردية وأقواها؛ وكانت من قبل إحدى العواصم‬
‫الرومانية‪ ،‬ولهذا كا نت تفخر بقدم عهدها وتقاليدها‪ .‬ذلك أن قناصل جمهوريتها‬
‫قد تحدوا ألاباطرة‪ ،‬وأساقفتها تحدوا البابوات‪ ،‬وآوى أهل ها امللحدين الذين‬
‫تحدوا املسيحية نفسها أو اشتركوا معهم في إلحادهم‪ .‬وكان فيها في القرن الثالث‬
‫عشر مائة ألف من ألاهلين‪ ،‬وثالثة عشر ألف بيت وألف حانة( ‪ .) 21‬وكانت هي‬
‫مولعة بالحرية حريصة عليها‪ ،‬فلم تتخل عنها راضية إلى غيرها‪ ،‬وكان جنودها‬
‫ً‬
‫يطوفون بالطرق ليرغموا القوافل‪ ،‬أيا كانت وجهتها‪ ،‬على أن تعرج على ميالن‬
‫ً‬
‫‪ ،‬وحاولت أن تخضع بيزا‪ ،‬وكرمونا‪ ،‬وبافيا‪ ،‬ولم ‪ Lodi‬أوال ‪ .‬وقد دمرت كومو ولودي‬
‫تركن إلى السكون حتى سيطرت عل ى جميع تجارة نهر البو( ‪ .) 21‬ووقف رجالن من‬
‫أهل لودي أمام كنستانس عام ‪ 5511‬وتوسلوا إلى فردريك بربروسه أن يحمي‬
‫مدينتهم؛ وبعث إلامبراطور إلى ميالن يحذرها من مواصلة العدوان على لودي؛‬
‫فرفضت املدينة رسالته في سخرية ووطئتها باألقدام‪ .‬واغتنم فردريك هذه‬
‫الفرصة ليحقق رغبته التي طاملا تاقت نفسه إليها وهي تدمير ميالن ( ‪ ،) 5502‬ولم‬
‫تمض خمس سنين على هذا التدمير حتى أعاد الباقون من أهلها هم وأصدقاؤهم‬
‫ً‬
‫بناء املدينة‪ ،‬وابتهجت ملباردية جميعها ببعثها‪ ،‬ورأت فيه رمزا لتصميم إيطاليا‬
‫علة أال يحكمها قط ملك أملاني‪ .‬وخضع فردريك‪ ،‬ولكنه قب ل أن يموت زوج ابنه‬

‫‪285‬‬
‫هنري السادس من كنستانس ابنة روجر الثاني ملك صقلية؛ ووجدت العصبة‬
‫ً‬
‫‪.‬اللمباردية في ابن هنري رجال أشد رهبة من فردريك‬

‫‪286‬‬
‫الفصل الخامس‬

‫فردريك الثاني‬
‫‪1194 - 1250‬‬

‫الصليبي املحروم ‪1-‬‬

‫كانت كنستانس في سن الثالثين حين تزوجت هنري ‪ ،‬وكان ت في الثانية وألاربعين‬


‫حين ولدت ابنها الوحيد‪ .‬وخشيت أن يرتاب الناس في حملها وفي شرعية طفلها‬
‫القريبة من أنكونا)؛ وفيها ( ‪ Iesi‬فأمرت بأن تنصب خيمة في السوق العامة‪ .‬أييزي‬
‫ً‬
‫وعلى مرأى من الحاضرين جميعا ولدت الغالم الذي أصبح فيما بعد أكثر الناس‬
‫فتنة في القرن ألاخ ير من العصور الوسطى‪ .‬وكان يجري في عروق الوليد دم ملوك‬
‫ً‬
‫‪.‬النورمان إلايطاليين ممتزجا بدماء أباطرة هوهنستاوفن ألاملان‬
‫ً‬
‫وكان في الرابعة من عمره حين توج في بالرم ملكا على صقلية ( ‪ ) 5501‬؛ وذلك ألن‬
‫والده مات قبل عام من ذلك الوقت ثم ماتت والدته بعد عام من تتويجه‪.‬‬
‫ً‬
‫وأوصت قبل موتها أن يكون البابا وصيا على ابنها ‪ ،‬وأن يتولى تعليمه وحمايته‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫السياسية ‪ ،‬وعرضت عليه في نظير ذلك راتبا مجزيا ‪ ،‬وأن ينوب عنه في الحكم‪،‬‬
‫ً‬
‫وأن تعاد له السيادة على صقلية‪ .‬وقبل البابا هذا العرض مسرورا ‪ ،‬واستخدم‬
‫مركزه في إنهاء ذلك الاتحاد بين صقلية وأملانيا الذي أقامه والد فردريك؛ ذلك أن‬
‫البابوات كانوا يخشون بحق قيام دولة كبرى تحيط بواليات البابا من جميع‬
‫ً‬
‫الجهات ‪ ،‬وتكون في الواقع سجنا للبابوية وصاحبة السلطان عليها‪ .‬وأعد‬

‫‪287‬‬
‫إنوسنت العدة لتعليم فردريك‪ ،‬ولكنه أيد أتو الرابع في أن يتولى عرش أملانيا‪.‬‬
‫ً‬
‫وشب فردريك محوطا باإلهمال وبالفقر في بعض ألاحيان‪ ،‬حتى كان ذوو القلوب‬

‫الرحيمة من أهل بالرم يأتون الطعام لهذا الغالم امللكي البائس( ‪ .) 20‬وكان يسمح‬
‫له بأن يجري في شوارع العاصمة املتعددة ألاجناس واللغات وفي أسواقها كما‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫يشاء‪ ،‬وأن يختار أصدقاءه كما يشتهي‪ .‬ولم يتلق الغالم تعليما منتظما ‪ ،‬ولكن‬
‫عقله املتعطش للمعرفة كان يتعلم من كل ما يرى ويسمع‪ ،‬حتى لقد دهش العالم‬
‫فيما بعد من اتساع معلوماته ودقتها‪ .‬فقد تعلم في تلك ألايام وبالطريقة السالفة‬
‫الذكر اللغتين العربية واليونانية‪ ،‬وبعض معارف اليهود‪ ،‬وعرف في أيام شبابه‬
‫ً‬
‫خلقا من شعوب مختلفة‪ ،‬ذوي مالبس‪ ،‬وعادات‪ ،‬وعقائد متباينة‪ ،‬ولم يتخل قط‬
‫ً‬
‫عن عادة التسامح التي ألفها في صغر سنه‪ .‬وقرأ كثيرا من كتب التاريخ‪ ،‬وأصبح‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫كاتبا بليغا ومثاقفا ماهرا ‪ ،‬ومغرما بالخيل والصيد‪ .‬وكان قصير القامة‪ ،‬قوي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫البنية‪" ،‬ذا وجه جميل جذاب"( ‪ ،) 20‬وشعر ملو أحمر طويل‪ ،‬نشيطا ‪ ،‬فخورا ‪،‬‬
‫سريع البت في ألامور‪ .‬وملا بلغ الثانية عشرة من عمره‪ ،‬فصل الرجل الذي انتدبه‬
‫البابا لينوب عنه في الوصاية عليه وتولى زمام ألامور بنفسه‪ .‬وبلغ الحلم في‬
‫‪ Constance of‬الرابعة عشرة وتزوج في الخامسة عشرة من كنستانس ألارغونية‬
‫‪ ، .‬وشرع يعمل ليسترد عرش إلامبراطورية ‪Aragon‬‬

‫وواتاه الحظ فنال بغيته‪ ،‬ولكن ذلك لم يكن من غير ثمن‪ .‬وتفصيل ذلك أن أتو‬
‫الرابع نقض العهد الذي قطعه على نفسه بأن يحترم سيادة البابا في الواليات‬
‫البابوية‪ ،‬فحرمه البابا من الكنيسة‪ ،‬وأمر بارونات إلامبراطورية وأساقفتها أن‬
‫يختاروا لعرشها فردريك الشاب الذي تحت وصايته "ألن له حكمة الشيوخ وإن‬
‫كان اليزال في سن الشباب"( ‪ .) 21‬ولكن إنوسنت‪ ،‬وقد مال فجأة إلى فردريك‪ ،‬ولم‬
‫يتحول عن غرضه ألاول وهو حماية البابوية من كل عدوان عليها‪ .‬ولهذا طلب إلى‬

‫‪288‬‬
‫فردريك نظير تأييده إياه ( ‪ ) 5252‬أن يتعهد له أن تظل صقلية إقطاعية ل لبابوات‬
‫تؤدي لهم الجزية‪ ،‬وأن يحمي الواليات البابوية من كل عدوان؛ وأن تظل‬
‫"الصقليتان" ‪ -‬وهما إيطاليا الجنوبية النورمانية والجزيرة ‪ -‬منفصلتين‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬


‫انفصاال دائما عن إلامبراطورية؛ وأن يقيم في أملانيا بوصفه إمبراطورا عليها‪،‬‬
‫ً‬
‫ويترك الصقليتين البنه الطفل هنري ليكون ملكا على صقلية‪ ،‬وأن ينوب عنه في‬
‫ً‬
‫حكمها نائب يعينه إنوسنت؛ وتعهد فردريك فضال عن هذا كله أن يحافظ على‬
‫جميع حقوق رجال الدين وسلطانهم في دولته‪ ،‬وأن يعاقب املارقين‪ ،‬وأن يحمل‬
‫الصليب ويخرج إلى الحرب الصليبية‪ .‬ودخل فردريك أملانيا بعد أن أمده البابا‬
‫باملال الالزم لرحلته ورحلة حاشيته‪ .‬وكانت التزال تحت سلطان جيوش أتو‪ .‬لكن‬
‫هذه الجيوش منيت بالهزيمة في بوفين على يدي فيليب أغسطس؛ فانهارت‬
‫ً‬
‫مقاومة أتو‪ ،‬وتوج فردريك إمبراطورا باحتفال فخم مهيب في آخن ( ‪ .) 5251‬وفيها‬
‫ً‬
‫جدد الوعد الذي قطعه على نفسه من قبل بأن يشن حربا صليبية‪ .‬وتأث ر كثير‬
‫ً‬
‫من ألامراء بحماسة النصر الذي ناله الشاب فأقسموا يمينا مثل يمينه‪ .‬وخيل إلى‬
‫ً‬
‫أملانيا حينا من الدهر أنه داود ثان بعثه هللا لينقذ أورشليم بلد داود من ورثة‬
‫‪.‬صالح الدين‬
‫ً‬
‫لكن ألامور لم تسر بالسرعة املطلوبة‪ ،‬فقد حشد هنري أخو أتو جيشا ليخلع به‬
‫البابا الجديد على أن يدافع ‪ Honorius III‬فردريك‪ ،‬وواف ق هونوريوس الثالث‬
‫إلامبراطور الشاب عن عرشه‪ .‬وانتصر فردريك على هنري ‪ ،‬ولكنه تورط وقتئذ في‬
‫الشؤون السياسية لإلمبراطورية‪ ،‬ويلوح أنه كان يحن إلى موطنه ألاول في إيطاليا‪،‬‬
‫فقد كان دم الجنوب وحرارة الجنوب ممتزجين بطبعه‪ ،‬وكانت أملانيا تضايقه‪ .‬وقد‬

‫‪289‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫أعطى البارونات سلطات إقطاعية واسعة‪ ،‬ومنح عددا من املدن عهودا بالحكم‬
‫الذاتي‪ ،‬وعهد بحكم أملانيا إلى إنجلبرت كبير أساقفة كولوني‪ ،‬وهرمان السالزي‬
‫الرجل الحازم القدير كبير الفرسان التيوتون ‪ .‬وتمتعت أملانيا ‪Herman of Salza‬‬
‫بالسلم والرخاء في السنين الخمس والثالثين التي تولى فيها العرش على الرغم من‬
‫إهماله الظاهري لشؤونها‪ .‬وبلغ من رضاء البارونات‬

‫وألاساقفة عن سيدهم الغائب أن توجوا مرضاه له ابنه هنري البالغ من العمر‬


‫ً‬ ‫ً‬
‫سبع سنين "ملكا على الرومان" ‪ -‬أي وارثا لعرش إلامبراطورية ( ‪ .) 5229‬وعين‬
‫ً‬
‫فردريك ن فسه في الوقت عينه نائبا في صقلية عن هنري الذي بقى وقتئذ في‬
‫ً ً‬
‫أملانيا‪ .‬وبدل هذا العمل خطط إنوسنت تبديال تاما ‪ ،‬ولكن إنوسنت كان قد فارق‬
‫هذا العالم‪ .‬وخضع هونوريوس لألمر الواقع‪ ،‬ولك يكتف بالخضوع له بل توج‬
‫ً‬
‫فردريك إمبراطورا في روما‪ ،‬ألنه كان شديد الرغبة في أن ي رحل فردريك من فوره‬
‫إلنقاذ الصليبيين في مصر‪ .‬لكن بارونات إيطاليا الجنوبية ومسلمي صقلية‬
‫خرجوا عليه وقتئذ‪ ،‬وقال فردريك إنه البد له أن يعيد النظام في مملكته‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إلايطالية قبل أن يخاطر بالغياب عنها زمنا طويال ‪ .‬يضاف إلى هذا أن زوجته‬
‫ماتت في ذلك الوقت ( ‪ .) 5222‬وأراد هونوريوس أن يغريه بأن ّ‬
‫يبر بقسمه فأقنعه‬
‫‪ ،‬وارثة عرش أورشليم الضائعة‪ ،‬ووافق فردريك على ‪ Isabella‬بأن يتزوج إزابال‬
‫هذا الزواج وأضاف لقب "ملك أورشليم" إلى لقبيه آلاخرين وهما ملك صقلية‬
‫وإمبراطور الدولة الرومانية املقدسة‪ .‬ثم أخرت سفره مرة أخرى متاعب قامت في‬
‫املد ن اللمباردية‪ .‬ومات هونوريوس في عام ‪ 5220‬واعتلى عرش البابوية جريجوري‬
‫التاسع الرجل الصارم القوي الشكيمة‪ .‬وأخذ فردريك وقتئذ يعد العدة في جد‪،‬‬
‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬
‫فأنشأ أسطوال عظيما ‪ ،‬وحشد أربعين ألفا من املحاربين الصليبيين في برنديزي ‪،‬‬

‫‪290‬‬
‫مروعا فشا في جيشه‪ ،‬مات منه آالف‪َّ ،‬‬‫ً‬
‫وفرت منه آالف أكثر منها‪.‬‬ ‫لكن وباء‬
‫قواده لويس الثورنجيائي‬ ‫‪ Louis of‬وأصيب بهذا الوباء إلامبراطور نفسه‪ ،‬وكبير َّ‬
‫ومع هذا فقد أصدر فردريك أمره بالرحيل‪ ،‬ومات لويس‪ ،‬وساءت حال ‪Thuringia.‬‬
‫فردريك‪ ،‬وأشار عليه أطباؤه ومن كان معه من كبار رجال الدين بأن يعود إلى‬
‫ونعد صبر ‪ Pozzuoli.‬إيطاليا‪ ،‬فعمل بمشورتهم‪ ،‬وطلب العالج من مرضه في بزيولي‬
‫البابا جريجوري؛ فلم يستمع إلى أقوال رسل فردريك وأعلن في العالم حرمان‬
‫‪.‬إلامبراطور‬

‫وبعد سبعة اشهر من ذلك الوقت أبحر فردريك إلى فلسطين ( ‪ ) 5221‬وهو ال يزال‬
‫ً‬
‫مطرودا من حظيرة الدين‪ .‬فلما سمع جريجوري بوصوله بالد الشام أحل رعايا‬
‫فردريك وابنه هنري من يميني الوالء لهما‪ ،‬وأخذ يعمل لخلع إلامبراطور‪ .‬وعد‬
‫ً‬
‫نائب فردريك في إيطاليا هذه ألاعمال إعالنا للحرب من جانب البابا‪ ،‬فهاجم‬
‫ً‬
‫الواليات البابوية‪ .‬ورد جريجوري على هذا العمل بأن أرسل جيشا لغزو صقلية‪،‬‬
‫وأشاع الرهبان أن ف ردريك قد مات؛ وما لبث جزء كبير من صقلية وإيطاليا‬
‫الجنوبية أن سقط في يدي البابا‪ .‬ووصل مندوبان عن البابا من رهبان‬
‫الفرنسسكان مدينة عكا بعد أن وصلها فردريك بزمن قليل‪ ،‬وحرما على كل رجل‬
‫في صفوف املسيحيين أن يطيع أمر الرجل الطريد‪ .‬ودهش الكامل قائد جيوش‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫املسلمين إذ وجد حاكما أوربيا يعرف اللغة العربية‪ ،‬ويقدر آلاداب والعلوم‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫والفلسفة العربية أعظم التقدير‪ ،‬فعقد صلحا مواتيا مع فردريك‪ ،‬دخل على‬
‫ً‬
‫أثره إلامبراطور بيت املقدس فاتحا دون أن يريق في هذا الفتح قطرة دماء‪ .‬ولم‬
‫ً‬
‫يجد فردريك من رجال الدين من يرض ى بتتويجه ملكا على بيت املقدس فما كان‬
‫منه إال أن توج نفسه كنيسة الضريح املقدس‪ .‬وأعلن أساقفة قيصرية أن وجود‬
‫فردريك في الضريح واملدينة قد دنسهما‪ ،‬فحرما إقامة الخدمات الدينية في بيت‬

‫‪291‬‬
‫املقدس وعكا‪ .‬وترامى إلى بعض فرسان املعبد أن فردريك يعتزم زيارة املكان الذي‬
‫يقال إن املسيح قد عم د فيه في نهر ألاردن؛ فبعث برسالة سرية إلى الكامل يقول‬
‫فيها إن الفرصة قد واتته ألسر فردريك‪ .‬فما كان من القائد املسلم إال أن بعث‬
‫بالرسالة إلى فردريك‪ .‬وأراد إلامبراطور أن ترفع اللعنة عن بيت املقدس فغادرها‬
‫في اليوم الثالث بعد التتويج وسافر إلى عكا‪ ،‬وفيها أخذ ع امة املسيحيين يلقون‬
‫‪ ).‬عليها ألاقذار وهو خارج منها إلى سفينته( ‪20‬‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وملا وصل فردريك برنديزي جيش فيها من فوره جيشا جديدا ‪ .‬وزحف‬

‫به ليسترد املدن التي استسلمت للبابا‪ .‬وفر جيش البابا أمامه وفتحت له املدن‬
‫فضرب عليها الحصار ح تى استولى عليها ‪ Sora‬أبوابها‪ ،‬ولم يقاوم منها إال سورا‬
‫ً‬
‫عنوة وأشعل فيها النار فدمرتها تدميرا ‪ .‬ووقف فردريك عند حدود الواليات‬
‫البابوية‪ ،‬وأرسل إلى البابا يدعوه إلى الصلح‪ ،‬فأجاب البابا دعوته ووقعا معاهدة‬
‫‪ ،‬وألغى قرار الحرمان ورفرف لواء السلم إلى )‪ San Germano (1230‬سان جرمانو‬
‫‪.‬حين‬

‫‪292‬‬
‫أعجوبة ال عالم ‪2 -‬‬

‫‪ Foggia‬ثم وجه فردريك عنايته للشؤون إلادارية‪ ،‬فأخذ يعالج من مقره في فجيا‬
‫مشاكل دولته التي اتسعت فوق ما ينبغي أن تتسع‪ .‬وزار ‪ Apulia‬من أعمال أبوليا‬
‫أملانيا في عام ‪ 5295‬وأيد في "قانون ملصلحة ألامراء" ما كان هو وولده قد منحه‬
‫من سلطان البارونات؛ وذلك بأنه كان يرض ي أن يسلم أملانيا لإلقطاع إذا كان‬
‫تسليمه يتيح له السلم التي تمكنه من أن ينفذ ما يريده إليطاليا‪ ،‬ولعله أدرك أن‬
‫معركة بوفين قد أنهت زعامة أملانيا ألوربا‪ ،‬وأن القرن الثالث عشر هو عصر‬
‫‪.‬فرنسا وإيطاليا؛ وقد جوزي على إهماله شؤون أملانيا بتمرد ابنه وانتحاره‬
‫ً‬
‫واستطاع أن يؤلف بين عواطف الصقليين املتعددة وينش ئ منها صرحا من‬
‫النظام والرخاء يعيد إلى ألاذهان مجدها في أيام روجر الثاني‪ .‬فقد ألقى القبض‬
‫على املسلمين الثائرين املعتصمين بالجبال‪ ،‬ونقلهم إلى إيطاليا‪ ،‬ودربهم ليجعل‬
‫ً‬
‫منهم جنودا مرتزقة‪ ،‬فأصبحوا خير من يعتمد عليهم في جيش فردريك‪ .‬وفي وسعنا‬
‫أن نتصور غضب البابوات حين يرون الجنود املسلمين يقودهم إلامبراطور‬
‫ويحارب بهم جنده‪ .‬وظلت بالرم حتى ذلك الوقت عاصمة الصقليتين من الوجهة‬
‫القانونية‪ ،‬ولكن فجيا كانت هي العاصمة الحقيقية‪ .‬وكان فردريك يحب إيطاليا‬
‫ً‬
‫حبا ال يعادله حب معظ م إلايطاليين‪ ،‬وكان يعجب كيف يقدر يهود فلسطين هذا‬
‫التقدير العظيم وإيطاليا على ظهر ألارض؛ وكان يسمى إيطاليا الجنوبية "قرة‬
‫عينه وملجأ وسط السيول ‪،‬‬

‫‪293‬‬
‫وجنة وسط برية من ألاشواك"( ‪ ،) 99‬وشرع في عام ‪ 5229‬يشيد في فجيا القصر‬
‫الحصين الهائل الذي لم يبق منه اليوم إال مدخل ه؛ وسرعان ما قامت حول بيته‬
‫مدينة من القصور يسكنها أعوانه‪ ،‬ودعا أشراف مملكته إلايطالية ليكونوا‬
‫وصفاء في بالطه‪ ،‬وما زالوا يرقون في خدمته حتى كان منهم عماله الذين تولوا‬
‫ً‬
‫‪ Piero delle‬شؤون الحكومة إلادارية‪ .‬وكان على رأس هؤالء جميعا بيرو دلي فجني‬
‫ً‬
‫خريج مدرس ة الحقوق في بولونيا‪ .‬وقد عينه فردريك أمينا على بيت املال ‪Vigne‬‬
‫وأحبه كحبه أبنه أو أخاه‪ ،‬وحل رجال القانون محل رجال الدين في دوالب الحكم‬
‫ً‬
‫في باريس بعد سبعين عاما من ذلك الوقت؛ فهنا في أقرب الدول إلى كرس ي‬
‫ً ً‬
‫القديس بطرس انتقل الحكم انتقاال تاما من أيدي رجال الدين إ لى أيدي رجال‬
‫‪.‬الدنيا‬

‫وإذ كان فردريك قد نشأ في عصر الفوض ى‪ ،‬وتشبع باآلراء الشرقية‪ ،‬فإنه لم يخطر‬
‫بباله قط أن النظام املعروف باسم الدولة يستطاع املحافظة عليه بغير سلطان‬
‫ً‬
‫امللوك‪ .‬ويبدو أنه كان يعتقد مخلصا أنه إذا انعدمت السلطة املركزية القوية‬
‫أهلك الناس أنفسهم ‪ ،‬أو افتقروا املرة بعد املرة بسبب إلاجرام والجهل‪ ،‬والحرب؛‬
‫وكان مثل بربروسه يرى أن نظام املجتمع أعظم قيمة من حرية الشعب‪ ،‬ويحس‬
‫أن الحاكم الحازم الذي يستطيع املحافظة على النظام يستمتع بكل ما في ملكه‬
‫من نعيم‪ .‬وكان يسمح للشعب بقدر من التمثيل في حكومته‪ :‬فقد أنشأ جمعيات‬
‫تنعقد مرتين كل عام في خمسة مواضع من مملكته‪ ،‬لتعالج املشاكل‪ ،‬والشكاوي‬
‫والجرائم املحلية‪ .‬ولم يدع إلى هذه الجمعيات أشراف إلاقليم ومطارنته فحسب‪،‬‬
‫بل كان يدعو إليها باإلضافة إليهم أربعة مندوبين عن كل مدينة كبيرة‪ ،‬ومندوبين‬
‫ً‬
‫اثنين عن كل بلدة‪ .‬أما فيما عدا ه ذا فقد كان فردريك ملكا مطلق السلطان‪،‬‬

‫‪294‬‬
‫يرى أن القاعدة ألاساسية التي يقوم عليها القانون الروماني ‪ -‬وهي أن ألاهلين قد‬
‫‪-‬عهدوا إلى إلامبراطور دون غيره الحق املطلق في التشريع‬

‫يرى أن هذه القاعدة من البدائة التي ال تقبل الجدل‪ .‬واصدر للدولة من ملفي‬
‫عام ‪ 5295‬الكتاب ألاعظم وهو أول مجموعة منظمة للقوانين بعد ‪Melfi‬‬
‫كتاب في فقه التشريع في تاريخ القانون كله‪ .‬ويرجع أكبر الفضل‬
‫ٍ‬ ‫جستنيان‪ ،‬وأتم‬
‫ً‬
‫في صدوره إلى مهارة بيرودلي فجني وحسن مشورته‪ .‬وكان هذا القانون رجعيا من‬
‫بعض الوجوه؛ فقد أقر ما في النظام إلاقطاعي من فروق بين الطبقات‪ .‬وأيد ما‬
‫كان للسيد إلاقطاعي من حقوق قديمة على أرقاء أرضه‪ ،‬لكنه كان في كثير من‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫النواحي قانونا تقدميا ‪ :‬فقد حرم ألاشراف من سلطانهم التشريعية والقضائية‪،‬‬
‫وحقهم في سك العملة‪ ،‬وركز هذه الحقوق كلها في الدولة؛ وألغى نظام التقاض ي‬
‫بالقتال أو التحكيم إلالهي‪ ،‬وأنشأ ن ظام املدعين العموميين املعينين من قبل‬
‫الدولة لتعقيب الجرائم التي ظلت حتى ذلك الوقت تقلت من العقاب إذا لم‬
‫يتقدم مواطن ما بعرضها على القضاء‪ .‬وندد الكتاب بالتباطؤ في إصدار ألاحكام‪،‬‬
‫ونصح القضاة بتقصير خطب املحامين‪ ،‬وحتم على محاكم الدولة أن تعقد‬
‫‪ .‬جلساتها في كل ي وم ما عدا أيام العطلة الرسمية‬

‫وعني فردريك كما عني معظم الحكام في العصور الوسطى بتنظيم شؤون‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الاقتصاد القومي‪ ،‬فحدد "ثمنا عادال " لعدد من مختلف الخدمات والسلع‪.‬‬
‫وأممت الدولة إنتاج امللح‪ ،‬والحديد‪ ،‬والصلب‪ ،‬والقنب‪ ،‬والقار‪ ،‬واملنسوجات‬
‫املصبوغة‪ ،‬وألاقمشة الحريري ة( ‪) 95‬؛ وأقامت الدولة مصانع للنسيج تعمل فيها‬
‫إماء مسلمات على أعين رؤوساء من الخصيان( ‪) 92‬؛ وكانت تمتلك وتدير مذابح‬

‫‪295‬‬
‫الحيوانات والحمامات العامة؛ وأنشأت مزارع نموذجية‪ ،‬وشجعت زر اعة القطن‬
‫وقصب السكر‪ ،‬وطهوت الغابات والحقول من الحيوانات الضارة‪ ،‬وشقت الطرق‬
‫وأقامت الق ناطر‪ ،‬وحفرت آلابار لتزيد موارد املياه( ‪.) 99‬وكان الجزء ألاكبر من‬
‫التجارة الخارجية في يد الدولة تنقله سفن تمتلكها الحكومة‪ ،‬كان في واحدة منها‬
‫ثالثمائة من املالحين( ‪ .) 91‬وخفضت املكوس املفروضة على التجارة الداخلية إلى‬
‫الحد‬

‫ألادنى‪ ،‬ولكن العوائد املفروضة على الصاد رات والواردات كانت أكبر مورد من‬
‫موارد الدولة‪ .‬وكان ثمة ضرائب أخرى كثيرة‪ ،‬ألن هذه الحكومة كانت تستطيع أن‬
‫تجد على الدوام‪ ،‬كما تجد سائر الحكومات‪ ،‬منافع للمال‪ .‬ومن بين ألاعمال التي‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫تعلي من قدر فردريك أنه وضع نظاما سليما للنقد روعيت فيه واجبات الشرف‬
‫‪.‬وألامانة‬

‫وكان فردريك وحده سيد هذه الدولة واملدير لجميع شؤونها‪ ،‬وأراد أن يجعلها‬
‫ذات جالل وقداسة دون أن يعتمد على املسيحية التي كانت في العادة مغاضبة‬
‫له‪ ،‬فبذل غاية في جهده في أن يخلع على نفسه كل ما كان يحيط باإلمبراطور‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫الروماني من رهبة وجالل‪ .‬فلم يطبع على نقوده الج ميلة الشكل شعارا أو لفظا‬