Você está na página 1de 6

‫كتابات أبو الحق‬

‫ثامن عشر من سادس‬

‫‪2019‬‬

‫غيث التميمي‪ :‬سلمني عمامتك‬

‫من يتذكر األداة اللغوية (ما ّ‬


‫انفك) وأختها األخرى( ما فتئ) من أيام الدراسة‬
‫اإلعدادية؟ لم نتفهم أهميتها للخطاب آنذاك!‬
‫وهكذا‪ ،‬ما انفك علماء الحوزة يفاجئوننا بوقائع و(إبداعات) ال تخطر على‬
‫البال بين الحين والحين! أحكي هنا عن غيث التميمي‪ ،‬المعمم المنسلخ من‬
‫الحوزة ومن التشيع ومن اإلسالم كله‪ ،‬فهناك تسجيل له يدور على اليوتيوب‬
‫منذ مدة عنوانه ( إثبات تحريف القرآن باألدلة)‪ .‬هذه الموجة من محاوالت‬
‫إبطال اإلسالم عبر التشكيك بالقرآن الكريم دائرة على قدم وساق منذ أحداث‬
‫الحادي عشر من أيلول تلك وهي منظمة من قبل األمريكان وبشكل محموم‬
‫وقد تم تجنيد فئات من المتحدثين بالعربية ليخوضوا بهذا المشروع‪ ،‬وهذه‬
‫المرة تطوع غيث التميمي ليكون هو رأس الحربة فصفق له ك ّل دنخا‬
‫وبولص وبيطو ومن ورائهم كل ميري ونجيبه وزينه جورج من بقية‬
‫عاهرات الصليب الالتي يترقبن كل فرصة ليشهرن بغضهن للقرآن‬
‫ولإلسالم كله‪ ،‬الكل ممنون لغيث التميمي طبعا‪ ،‬فهو يمثل دور( وشهد شاه ٌد‬
‫من أهلها) لكن هل هو حقا من أهلها؟!‬
‫جانب مهم وكبير من دراسات الحوزة هي اللغة العربية‪ ،‬ال شك في هذا‪،‬‬
‫ومن يقضي عشرين عاما من عمره بدراسة العلوم الشرعية كما هو شأن‬
‫مر على األساسيات وأساليب البالغة والمجاز وغير‬ ‫غيث التميمي فهو قد ّ‬
‫أن لغة القرآن ليست اللغة العربية التي‬‫ذلك دون أدنى شك‪ ،‬وهو يعرف ّ‬
‫نتكلمها اليوم وال تلك القديمة حتى‪ ،‬إنها لغة سماوية ال تتقيد بقيود القواعد‪،‬‬
‫ي شاعر يمتلك من الحرية ما يقال فيه‬ ‫ليس دائما وليس حتميا فالشاعر أ ّ‬
‫(يحق للشاعر ما ال يحق لغيره) فكيف برب العالمين ولغة كتابه الكريم؟ في‬
‫اآلية الواحدة تجد هناك أكثر من صيغة خطاب تتنقل من المفرد الحاضر‬
‫(وأن هذا صراطي مستقيما‬ ‫ّ‬ ‫المتكلم للمفرد الغائب للجمع الحاضر المتكلم‬
‫صاكم به لعلّكم تتّقون)‬
‫فتفرق بكم عن سبيله ذلكم و ّ‬‫فاتبعوه وال تتبعوا السبل ّ‬
‫واألخرى (يوم يجمع هللا الرس َل فيقول ماذا أجبتم قالوا ال علم لنا إنك أنت‬
‫أن الزمان‬‫عالم الغيوب )‪ ،‬وأزمان متباينة تجمعها آية مفردة في داللة على ّ‬
‫كمفهوم سماوي ليس كما هو لدينا كدالة خطية بسيطة (يقدم قومه يوم القيامة‬
‫النار وبئس الورد الورود) ‪ ،‬والمؤنث يعامل كالمذكر ( ومن يقنت‬ ‫َ‬ ‫فأوردهم‬
‫سم ( ال أقسم بيوم القيامة) ألنه ال يعقل أن‬
‫سم يتخذ صيغة عدم الق َ‬ ‫ّ‬
‫منكن) والق َ‬
‫ي شئ والكل هو من صنع يديه‪ ،‬كيف لغيث التميمي والحالة‬ ‫يقسم الخالق بأ ّ‬
‫هذه أن يبني إتهامه للقرآن بالتحريف على جزئية كالتي سنحكي عنها أال‬
‫وهي الجهل بالمراد والبالغة اللغوية للقرآن ؟‬
‫عندما شاهدت التسجيل إنتبهت لحماسة غيث التميمي المتميزة وهو يطرح‬
‫صوره بالتهويل الخطابي ذاك على أنّه ( الدليل الدامغ والبرهان الساطع‬
‫ما ّ‬
‫أن المسلمين حرفوا القرآن من بعد وفاة النبي‪ ،‬وطبيعي ّ‬
‫أن‬ ‫القاطع) على ّ‬
‫حرفوا القرآن"‪ ..‬ومن‬
‫الهجمة تبتدئ بتدريج كهذا‪( :‬هم المسلمون أنفسهم َمن ّ‬
‫ثم بعد تقبّل الموضوع من قبل جماهير عريضة من مسلمين ضائعين‬
‫وجدانيا وفارغين فكريا (كونهم ال يقرأون‪ ،‬وإن قرأوا ال يفهمون وال‬
‫يتعلمون‪ ،‬مسلمون ليس لهم من اإلسالم إال الهوية)‪ ،‬تأتي مرحلة ( وال حتى‬
‫محمد نفسه كان نبيا وال القرآن أصال كتاب سماوي) كما هو رأي معروف‬
‫الرصافي‪ ،‬وهذا هو غاية ما يرتجيه هؤالء‪ ،‬ستربتيز تدريجي للمعتقدات‬
‫وللثوابت‪.‬‬
‫اآلية التي بنى عليها غيث التميمي رأيه كانت األولى من سورة اإلسراء‬
‫وهي تقول "سبحان الذي أسرى بعبده ليال من المسجد الحرام إلى المسجد‬
‫األقصى ‪ ."...‬مختصر كالمه هو‪:‬‬
‫(طالما لم يكن هناك مسجد أقصى في القدس وعموم الشام وقت نزلت هذه‬
‫اآلية ولعشرات السنين عقبها كذلك باعتبار المسجد األقصى الحالي بناه عبد‬
‫الملك بن مروان عام ‪ 72‬للهجرة‪ ،‬فكيف يمكن أن تكون هذه اآلية صحيحة؟‬
‫ي مسجد‬ ‫وكيف نعقل أنه لم يستفسر كل أولئك المسلمين األوائل من النبي‪ :‬أ ّ‬
‫أقصى هو هذا والقدس ليس بها مسجد واحد؟)‪ ،‬بمعنى‪ :‬هذه اآلية لم تكن‬
‫ضمن القرآن أصال ( ولم ال تكون السورة كلها ؟ ولم ال يكون الجزء كله‬
‫كذلك؟)‪ ...‬بالمناسبة‪:‬هو (التميمي) لم يقل القدس بكالمه‪ ،‬قال "أورشليم"‬
‫و(العاقل يفتهم) كما نقول!‬
‫ليس هناك في الموروث اإلسالمي ما يؤصل المسجد األقصى كمثابة إال‬
‫اللهم الحديث الذي يقول ّ‬
‫أن بناءه أعقب البيت الحرام بأربعين سنة‪ ،‬ال أجد‬
‫أية فائدة من تعقب تاريخ المسجد األقصى وإال أللزمنا وأجهدنا أنفسنا كذلك‬
‫في معرفة إسم العبد الصالح بسورة الكهف وأسماء إخوة يوسف أو كيف تم‬
‫رفع عيسى للسماء أو تفاصيل الفصل األخير من حياة أهل الكهف قبيل‬
‫إغالق الكهف عليهم وأين هو ذلك الكهف‪ ،‬هل هو حقا في شانلي أورفا‬
‫أن البيت الحرام لم يبتدئ وقت محمد وال هو‬ ‫بتركيا أم أنّه في األردن؟ كما ّ‬
‫تأسس وقت إبراهيم وإسماعيل وعلى أيديهما إال بقدر (إعادة بناء) على‬
‫مثابة محددة لها تاريخ قديم لنبوات قديمة لم يطلع هللا تعالى نبيه األخير على‬
‫إن مجرد ذكر هذه‬ ‫أسماء أنبيائها كما تحكي اآلية ‪ 78‬من سورة غافر‪ّ .‬‬
‫التسمية بمطلع سورة اإلسراء ال يخرج برأيي عن أحد هذين الرأيين ‪ :‬إما‬
‫أن المسجد األقصى هو موضع هيكل سليمان نفسه أو أنّه إشارة ل"أقصى"‬ ‫ّ‬
‫موضع سجد فيه الرسول قبيل معراجه للسماء فهو لم يبتعد بجهات األرض‬
‫عقب الرسالة إلى أبعد من تلك البقعة‪ .‬من يؤمن بقلبه وعقله ال يحاول‬
‫التربص وإقتناص التناقضات فهذا يندرج ضمن معاني اآلية السابعة من‬
‫ات ُه َّن أ ُ ُّم‬ ‫ات ُّم ْح َك َم ٌ‬‫اب ِم ْنهُ آ َي ٌ‬ ‫علَي َْك ْال ِكتَ َ‬ ‫سورة آل عمران " ُه َو الَّذِي أَنزَ َل َ‬
‫ات ۖ فَأ َ َّما الَّذِينَ فِي قُلُو ِب ِه ْم زَ ْي ٌغ فَيَتَّبِعُونَ َما تَشَابَهَ ِم ْنهُ‬ ‫ب َوأُخ َُر ُمتَشَابِ َه ٌ‬ ‫ْال ِكتَا ِ‬
‫الرا ِس ُخونَ فِي ْال ِع ْل ِم‬ ‫َّللاُ ۗ َو َّ‬‫ا ْبتِغَا َء ْال ِفتْنَ ِة َوا ْبتِغَا َء تَأ ْ ِوي ِل ِه ۗ َو َما يَ ْعلَ ُم تَأ ْ ِويلَهُ إِ َّال َّ‬
‫ب "‪ ،‬عشرون سنة‬ ‫َيقُولُونَ آ َمنَّا ِب ِه ُك ٌّل ِ ّم ْن ِعن ِد َربِّنَا ۗ َو َما َيذَّ َّك ُر ِإ َّال أُولُو ْاأل َ ْل َبا ِ‬
‫في الحوزة لم تفلح بطبع هذه اآلية بدماغ التميمي فهي إما بسبب قدراته‬
‫العلمية أو بسبب برامج الحوزة وعالم تركز !‬
‫أن النبي محمد قال‬ ‫أما بخصوص الرأي الثاني فهناك قياس معتمد هنا مفاده ّ‬
‫( ‪...‬و ُجعلت لي األرض مسجدا وطهورا)‪ ،‬فهي ليست ( جامعا) أو‬
‫"مسجدا" بمفهوم اليوم كما فهمها غيث التميمي حيث المسجد هو "بناية"‬
‫يؤمها المسلمون ألداء الصلوات بل هي ( مثابة سجود) ال أكثر‪ ،‬كذلك‪،‬‬
‫فقصور فهم التميمي هنا مع هذا التفصيل يشابه قصور فهم البعض ممن‬
‫تعجبوا كيف تورد اآليتان ( ‪ 25‬و ‪ ) 26‬من سورة األحقاف النص التالي‪(:‬‬
‫عذاب ألي ٌم * تدمر ك ّل شئ بأمر ربها فأصبحوا ال يرى إال‬
‫ٌ‬ ‫‪..‬ري ٌح فيها‬
‫مساكنهم) فهم يتساءلون‪ :‬كيف أمكن رؤية " مساكنهم" بعد أن دمرت الريح‬
‫ك ّل شئ؟ والحقيقة هي إن "مساكنهم" هنا تعني ( مواضع سكنهم) ال بيوتهم‬
‫كأبنية فهذه كلمة لها أكثر من معنى‪ .‬ومن يتعجب من هذه ويعجز عن‬
‫إدراكها بذاته فهو محكوم أن يستغرب من عبارة ( فأصبحوا) في اآلية‬
‫الثانية أعاله كذلك‪ ،‬ألن الكفار ماتوا كلهم فكيف يقال فيهم " فأصبحوا" كما‬
‫لو كانوا أحياءا ال زالوا؟ هذا تساؤل آخر متوقع‪ ،‬وطبعا المقصود هنا هو‬
‫أسلوب لغوي ال يعني المشركين أولئك كفاعل إال بقدر قوالب الكالم‬
‫العربية‪ ،‬هو قال (أصبحوا) كي ال يقول ( فأصبحت مساكنهم هي الوحيدة‬
‫التي يمكن رؤيتها هناك) إذ شتان بين هذا النص البديل بهزالته وبين النص‬
‫األصلي ببالغته‪.‬‬
‫لذا‪ ،‬وبغياب كثير التفصيل بشأن مثابة قديمة محتملة شأنها شأن مثابة البيت‬
‫الحرام‪ ،‬فالمسجد األقصى وفق هذه الرؤية هو " أقصى" بقعة وصل إليها‬
‫رسول هللا (ص) وسجد عندها‪ ،‬جاء عبد الملك بن مروان عقبها بسبعين‬
‫سنة تقريبا وأقام المسجد(البناية) هناك معتمدا على تسمية ذلك الموضع في‬
‫سورة اإلسراء بهكذا تسمية‪ ،‬بالضبط كما أقام إبراهيم (ع) وإسماعيل ورفعا‬
‫قواعد البيت‪ ،‬لم يختر إبراهيم أية بقعة كانت بل إعتمد نفس المثابة القديمة‬
‫تلك‪ ،‬وبالضبط كما أقام السلطان محمد الفاتح مسجدا على موضع دفن (أبو‬
‫أيوب األنصاري) عقب فتح القسطنطينية‪ ،‬واألتراك يحكون لنا أنه إستدل‬
‫على ذلك الموضع من خالل رعاة األغنام هناك حيث بينوا له أنهم الحظوا‬
‫شيئا غير مألوف عبر السنين تلك هو ّ‬
‫أن الماشية ال تقرب تلك البقعة‪ ،‬ال‬
‫ترعى من عشبها وال تلقي بفضالتها فوقها‪ .‬اليوم هي ضاحية أيوب سلطان‬
‫في إسطنبول وهي تتمحور حول مسجد أقيم هناك بنفس اإلسم لتمجيد ذكرى‬
‫صحابي قاتل لفتح القسطنطينية منذ زمن األمويين ولم يتحقق له ذلك بل‬
‫إستشهد عند أسوار المدينة وتم دفنه هناك واندرس محل قبره وقت نشأ‬
‫محمد الفاتح لكن معلّمه ومؤدبه في صغره حكى له عن ذلك األمر وبيّن له‬
‫موضع دفن األنصاري فعاد بعد فتح المدينة ليؤسس للصحابي ما يستحقه‬
‫من تخليد‪.‬‬
‫هذه من دون إضاعة ساعة واحدة بالدراسات الدينية سواء في حوزة النجف‬
‫أو أزهر مصر أو جامع اإلمام األعظم أو على يد الشيخ اللوطي أو البوطي‬
‫ذاك‪ ،‬وهذه من دون لقب شيخ أو تكلف وضع عمامة هي ليست إال هدرا‬
‫للقماش بلونيه األسود واألبيض‪ ،‬هدر ال يقل عن الهدر الذي يتسبب به‬
‫شروال الكاكاوات ذي السبعين لفة !‬