Você está na página 1de 24

‫الفسق والنفاق‬

‫الفسق والنفاق‬

‫تأليف‬
‫فضيلة الشيخ الدكتور‬
‫عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬

‫شبكة نور السلم‬


‫‪www.islamlight.net‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬
‫أول ً ‪:‬الفسق‬
‫مقدمة‬
‫إن الحمد لله‪ ،‬نحمده ‪ ،‬ونستعينه ‪ ،‬ونستغفره‪ ،‬ونعوذ بالله من شرور‬
‫ل فل‬ ‫ل له ‪ ،‬ومن ُيضل ِ ْ‬ ‫مض ّ‬ ‫أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ‪ ،‬من يهده الله فل ُ‬
‫هاديَ له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل الله وحده ل شريك له ‪ ،‬وأشهد أن محمدا ً‬
‫عبده ورسوله ‪.‬‬
‫أما بعد ‪:‬‬
‫فتظهر أهمية دراسة موضوع ))الفسق(( عندما نعلم أن أول نزاع ظهر في‬
‫السلم كان في مسألة الفاسق الملي)‪ ،(1‬فقد أحدث الخوارج القول‬
‫حدين وتخليدهم في النار‪ ،‬وزعمت المرجئة أن أولئك‬ ‫عصاة المو ّ‬ ‫بتكفير ُ‬
‫الُعصاة كاملو اليمان‪ ،‬وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين في الدنيا‪ ،‬مع‬
‫الّتخليد في النار في الخرة‪.‬‬
‫وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه‪ ،‬فقالوا عن أولئك‬
‫الُعصاة‪ :‬إنهم مؤمنون‪ ،‬ناقصو اليمان‪ ،‬أو مؤمنون بإيمانهم‪ ،‬فاسقون‬
‫بمعاصيهم‪ ،‬وأنهم تحت مشيئة الله في الخرة‪ ،‬إن شاء عذبهم بعدله‪ ،‬وإن‬
‫شاء غفر لهم برحمته‪.‬‬
‫ن الفسق من الوعيد الذي يترّتب عليه نتائج وتبعات‪ ،‬كما قال ابن‬ ‫كما أ ّ‬
‫تيمية ‪)) :‬اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل ))السماء‬
‫والحكام(( التي يتعّلق بها الوعد والوعيد في الدار الخرة‪ ،‬وتتعلق بها‬
‫ذر النبي ـ صلى الله‬ ‫الموالة والمعاداة ‪ .(2)((...‬إضافة إلى ذلك فقد ح ّ‬
‫جة‪،‬‬
‫عليه وسلم ـ من الحكم بالفسق على شخص ما دون بينة‪ ،‬وإقامة للح ّ‬
‫ل‪َ)) :‬ل‬ ‫فَعن أ َبي ذ َر رضي الل ّه ع َن َ‬
‫قو ُ‬ ‫م يَ ُ‬‫سل ّ َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَ َ‬‫صّلى الل ّ ُ‬ ‫ي َ‬ ‫معَ الن ّب ِ ّ‬
‫س ِ‬‫ه َ‬ ‫ه أن ّ ُ‬‫ُ ْ ُ‬ ‫ّ َ ِ َ‬ ‫َ ْ ِ‬
‫م ي َك ُ ْ‬
‫ن‬ ‫َ‬
‫نل ْ‬ ‫َ‬
‫ت ع َلي ْهِ إ ِ ْ‬ ‫ّ‬
‫فرِ إ ِل اْرت َد ّ ْ‬ ‫ْ‬
‫ميهِ ِبالك ُ ْ‬ ‫َ‬
‫ق وَل ي َْر ِ‬ ‫سو ِ‬
‫ف ُ‬ ‫ْ‬
‫جل ِبال ُ‬‫ً‬ ‫ل َر ُ‬ ‫ج ٌ‬ ‫مي َر ُ‬ ‫ي َْر ِ‬
‫ك(( )‪.(3‬‬ ‫ه ك َذ َل ِ َ‬ ‫حب ُ ُ‬
‫صا ِ‬‫َ‬
‫• يقول الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث ‪ :‬قوله ‪ )) :‬إل ارتدت‬
‫عليه (( ‪ ،‬يعني ‪ :‬رجعت عليه ‪ ،‬وهذا يقتضي أن من قال لخر ‪ :‬أنت‬
‫فاسق ‪ ،‬فإن كان ليس كما قال ‪ ،‬كان هو المستحق للوصف المذكور ‪،‬‬
‫وأنه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء ‪ ،‬لكونه صدق فيما قال ‪:‬‬
‫ولكن ل يلزم من كونه ل يصير بذلك فاسقا ً ‪ ،‬أن ل يكون آثما ً في‬

‫‪ - 1‬انظر ‪ :‬مجموع الفتاوى لبن تيمية )‪. (3/182) (7/479‬‬


‫‪-2‬مجموع الفتاوى )‪.(12/468‬‬
‫‪-3‬أخرجه البخاري‪،‬كتاب الدب ح)‪،(6045‬ولمسلم نحوه‪،‬كتاب اليمان ح)‪(61‬‬
‫‪ - 4‬فتح الباري )‪ (10/466‬باختصار‪.‬‬
‫‪ -5‬مجموع الفتاوى )‪ ، (3/229‬وانظر ‪ :‬الروض الباسم لبن الوزير )‪. (2/112‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫صورة قوله له ‪ :‬أنت فاسق ‪ ،‬بل في هذه الصورة تفصيل ‪ :‬إن قصد‬
‫نصحه ‪ ،‬أو نصح غيره ببيان حاله جاز ‪ ،‬وإن قصد تعييره بذلك ومحض‬
‫أذاه لم يجز ؛ لنه مأمور بالستر عليه ‪ ،‬وتعليمه وعظته بالحسنى ‪،‬‬
‫فمهما أمكنه ذلك بالّرفق ل يجوز له أن يفعله بالعنف ؛ لنه قد يكون‬
‫سببا ً لغرائه وإصراره على ذلك الفعل ‪ ،‬كما في طبع كثير من الناس‬
‫من النفة ‪ ،‬ل سيما إذا كان المر دون المأمور في المنزلة (( )‪. (4‬‬
‫• يقول ابن تيمية ‪ )) :‬إني من أعظم الناس نهيا ً عن أن ُينسب معين إلى‬
‫جة‬‫علم أنه قد قامت عليه الح ّ‬
‫تكفير ‪ ،‬وتفسيق ‪ ،‬ومعصية ‪ ،‬إل إذا ُ‬
‫الرسالّية التي من خالفها كان كافرا ً تارة ‪ ،‬وفاسقا ً أخرى ‪ ،‬وعاصيا ً‬
‫أخرى (( )‪. (5‬‬
‫ومما يؤكد أهمية دراسة هذا الموضوع‪ ،‬أن الفسق اسم عام يشمل الكفر‪،‬‬
‫والكبائر‪ ،‬وبقية المعاصي‪،‬كما سيأتي بيانه –إن شاء الله تعالى‪ -‬ولذا يتعين‬
‫العلم بحد الفسق وإطلقاته‪ ،‬ولعل في الصفحات التالية ما يحقق شيًئا من‬
‫ذلك والله حسبنا ونعم الوكيل ‪.‬‬

‫معنى الفسق‬
‫الفسق لغة‪ :‬الخروج عن الشيء‪ ،‬أو القصد‪ ،‬وهو الخروج عن الطاعة ‪.‬‬
‫والفسق‪ :‬الفجور ‪ ،‬والعرب تقول ‪ :‬إذا خرجت الرطبة من قشرها ‪ :‬قد‬
‫فسقت الرطبة من قشرها ‪.‬‬
‫ون على نفسه ‪ ،‬واتسع‬‫وفسق فلن في الدنيا فسقا ً ‪ :‬إذا اتسع فيها ‪ ،‬وه ّ‬
‫بركونها لها ‪ ،‬لم يضّيقها عليه ‪.‬‬
‫سق ‪.‬‬‫ف ْ‬
‫سق ‪ :‬دائم ال ِ‬ ‫ورجل فاسق ‪ ،‬وفسيق وفُ َ‬
‫والفويسقة الفأرة ‪ :‬تصغر فاسقة ‪ ،‬لخروجها من جحرها على الناس‬
‫وإفسادها ‪ ،‬والتفسيق ضد ّ الّتعديل )‪. (1‬‬
‫حا‪ :‬فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك‪،‬‬ ‫وأما المقصود بالفسق اصطل ً‬
‫فنذكر منها ما يلي ‪:‬‬
‫* يقول ابن عطية‪':‬الفسق في عرف الستعمال الشرعي‪ :‬الخروج من‬
‫طاعة الله ـ عز وجل ـ فقد يقع على من خرج بكفر‪ ،‬وعلى من خرج‬
‫بعصيان ((‪. 2‬‬
‫‪3‬‬
‫وكذا قال القرطبي‬

‫‪ -12‬انظر ‪ :‬اللسان )‪ (10/308‬ومعجم مقاييس اللغة )‪ ، (2/502‬والمصباح المنير‬


‫للفيومي ص )‪ ، (568‬وترتيب القاموس المحيط للزاوي )‪ ، (4/502‬ومفردات الراغب‬
‫ص )‪. (572‬‬
‫‪ - 2‬تفسير ابن عطية)‪.(1/155‬‬
‫‪ - 33‬تفسير القرطبي)‪.(1/245‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫• وقال الشوكاني ‪ :‬عن هذا التعريف ‪ )) :‬وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي‬
‫‪4‬‬
‫‪ ،‬ول وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض ((‬
‫‪5‬‬
‫• وقال البيضاوي ‪ )) :‬الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ((‬
‫عا‪ :‬خروج العقلء عن الطاعة‪ ،‬فيشمل الكفر‬ ‫وقال اللوسي‪)) :‬الفسق شر ً‬
‫ودونه من الكبيرة والصغيرة‪ ،‬واختص في العرف والستعمال بارتكاب‬
‫الكبيرة‪ ،‬فل يطلق على ارتكاب الخرين إل نادًرا بقرينة (( ‪.6‬‬
‫من خلل التعريفات السابقة ‪ :‬ندرك عموم مصطلح الفسق ‪ ،‬فهو في‬
‫م من الكفر ‪ 7 -‬حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي ‪،‬‬ ‫الصل – أع ّ‬
‫صه العرف بمرتكب الكبيرة ‪ ،‬ولذا يقول الراغب الصفهاني ‪:‬‬ ‫ولكن خ ّ‬
‫)) والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير ‪ ،‬ولكن تعورف فيما كان‬
‫‪8‬‬
‫كثيرا ً ((‬
‫أقسام الفسق وإطلقاته‪:‬‬

‫الفسق له عدة أقسام باعتبارات مختلفة ‪.‬‬


‫فهو ينقسم إلى‪:‬‬
‫فسق يخرج عن السلم‪ ،‬وفسق ل يخرج عن السلم‪.‬‬

‫• قال ابن عباس – رضي الله عنهما ‪ )) : -‬كل شيء نسبه الله إلى غير‬
‫أهل السلم من اسم مثل خاسر ‪ ،‬ومسرف ‪ ،‬وظالم ‪ ،‬وفاسق ‪ ،‬فإنما‬
‫‪9‬‬
‫يعني به الكفر ‪ ،‬وما نسبه إلى أهل السلم فإنما يعني به ال ّ‬
‫ذنب ((‬
‫)) وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم ‪،‬‬
‫قالوا ‪ :‬كفر دون كفر ‪ ،‬وفسوق دون فسوق (( ‪.10‬‬
‫قال محمد بن نصر المروزي رحمه الله‪ )) :‬والفسق فسقان‪ :‬فسق ينقل‬
‫قا‪ ،‬والفاسق من‬ ‫عن الملة‪ ،‬وفسق ل ينقل عن الملة‪ ،‬فيسمى الكافر فاس ً‬
‫قا(( ‪.11‬‬
‫المسلمين فاس ً‬

‫‪ -44‬فتح القدير )‪. (1/57‬‬


‫‪ -55‬تفسر البيضاوي )‪(1/41‬وانظر ‪:‬تفسير أبي السعود )‪. (1/131‬‬
‫‪ - 66‬تفسير اللوسي )‪.(1/210‬‬
‫‪ -77‬انظر ‪ :‬تفسير ابن كثير )‪ ، (1/63‬ومفردات الراغب ص )‪ ، (572‬ونزهة العين‬
‫النواظر لبن الجوزي )‪ ، (2/72‬والكلّيات للكفوي ص )‪. (693‬‬
‫‪ -88‬المفردات ص )‪.(572‬‬
‫‪ -99‬انظر ‪ :‬تفسير ابن جرير )‪ ، (1/142‬والدرر المنثور للسيوطي )‪. (1/105‬‬
‫‪ -1010‬أخرجه الترمذي في السنن ‪ ،‬كتاب اليمان ‪.‬‬
‫‪ -1111‬تعظيم قدر الصلة )‪. (2/526‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫م ل بد من التنويه به ‪ ،‬وهو أن اليمان لما كان شعبا ً‬ ‫• وها هنا أمر مه ّ‬
‫صادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديث‬ ‫ددة كما أخبر ال ّ‬ ‫متع ّ‬
‫‪12‬‬
‫شعب اليمان‬
‫فإن ما يقابله ويضاده كذلك ‪ ،‬فالكفر شعب ومراتب ‪ ،‬فمنه ما ُيخرج من‬
‫المّلة ‪ ،‬ومنه كفر دون كفر ‪ ،‬وكذا النفاق ‪ ،‬والشرك ‪ ،‬والفسق ‪ ،‬والظلم ‪،‬‬
‫‪13‬‬
‫وهذا أصل عظيم تمّيز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة‬
‫وفسق الكفر قد يكون اعتقاديا ً ‪ ،‬وقد يكون عملي ّا ً ‪.‬‬
‫ومثال العتقادي ‪ :‬فسق المنافقين زمن النبي صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬
‫وما ً‬ ‫م قَ ْ‬ ‫م ُ‬
‫كنت ُ ْ‬ ‫م إ ِن ّك ُ ْ‬
‫منك ُ ْ‬
‫ل ِ‬ ‫وعا ً أ َوْ ك َْرها ً ّلن ي ُت َ َ‬
‫قب ّ َ‬ ‫ل َأنفِ ُ‬
‫قوا ْ ط َ ْ‬ ‫قال تعالى ‪ )) :‬قُ ْ‬
‫ن (( )التوبة ‪. (53:‬‬ ‫قي َ‬ ‫َفا ِ‬
‫س ِ‬
‫ن ( )التوبة ‪. (53:‬تعليل لعدم قبول نفقاتهم‬ ‫قي َ‬ ‫س ِ‬‫وما ً َفا ِ‬‫م قَ ْ‬ ‫م ُ‬
‫كنت ُ ْ‬ ‫فقوله ‪) :‬إ ِن ّك ُ ْ‬
‫‪14‬‬

‫ن (( )التوبة ‪. (67 :‬‬


‫قو َ‬
‫س ُ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫فا ِ‬ ‫ن هُ ُ‬
‫قي َ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫مَنافِ ِ‬ ‫وقال تعالى ‪ )) :‬إ ِ ّ‬
‫* قال الشوكاني ‪ )) :‬وهذا الترتيب ُيفيد أنهم هم الكاملون في الفسق ((‬
‫‪15‬‬

‫ومثال الفسق العملي المخرج عن الملة ‪ :‬فسق إبليس ‪ ،‬حيث قال الله‬
‫دوا إ ِّل إ ِب ِْلي َ‬
‫س‬ ‫ج ُ‬ ‫م فَ َ‬
‫س َ‬ ‫دوا ِلد َ َ‬ ‫ج ُ‬
‫س ُ‬ ‫مَلئ ِك َةِ ا ْ‬ ‫ل ‪ )) : -‬وَإ ِذ ْ قُل َْنا ل ِل ْ َ‬ ‫تعالى – عّز وج ّ‬
‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫م‬
‫دوِني وَهُ ْ‬ ‫من ُ‬ ‫ه أوْل َِياء ِ‬ ‫ه وَذ ُّري ّت َ ُ‬‫ذون َ ُ‬ ‫مرِ َرب ّهِ أفَت َت ّ ِ‬
‫خ ُ‬ ‫نأ ْ‬ ‫سقَ ع َ ْ‬ ‫ف َ‬ ‫ن فَ َ‬ ‫ن ال ْ ِ‬
‫ج ّ‬ ‫م َ‬ ‫ن ِ‬‫كا َ‬ ‫َ‬
‫ن ب َد َل ً (( ‪ ).‬الكهف ‪. (50:‬‬ ‫مي َ‬ ‫ظال ِ ِ‬‫س ِلل ّ‬ ‫م ع َد ُوّ ب ِئ ْ َ‬ ‫ل َك ُ ْ‬
‫ففسق إبليس إنما كان بتركه للسجود ‪ ،‬وامتناعه عن اتباع أمر ربه – عّز‬
‫‪16‬‬
‫ل – وهذا الّترك يعد ّ فعل ً وعمل ً – كما هو مقّرر في كتب الصول ‪-‬‬ ‫وج ّ‬
‫• وفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم‪ ،‬وكما قال ابن‬
‫الوزير‪ )) :‬قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي‪،‬‬
‫ن‬
‫صلى الله عليه وسلم‪ ،‬يطلق على الكافر كثيًرا‪ ،‬كقوله تعالى‪ )) :‬إ ِ ّ‬
‫ن (( )التوبة ‪. (67 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬ ‫فا ِ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫ن هُ ُ‬ ‫قي َ‬‫مَنافِ ِ‬‫ال ْ ُ‬
‫ن‬
‫قو َ‬ ‫س ُ‬‫فا ِ‬ ‫فُر ب َِها إ ِّل ال ْ َ‬
‫ما ي َك ْ ُ‬ ‫ت وَ َ‬ ‫ت ب َي َّنا ٍ‬‫ك آَيا ٍ‬ ‫قد ْ أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬ ‫• وقوله تعالى‪ )) :‬وَل َ َ‬
‫(( )البقرة ‪. (99 :‬‬
‫‪ -1212‬وهو قوله صلى الله عليه وسلم ‪ :‬اليمان بضع وستون شعبة أعلها قول ل إله إل‬
‫الله وأدناها إماطة الذى عن الطريق ‪ (( ..‬أخرجه البخاري ‪ ،‬كتاب اليمان ح )‪. (9‬‬
‫ومسلم ‪ ،‬كتاب اليمان ح)‪. (35‬‬
‫‪ -1313‬انظر ‪ :‬كتاب الصلة لبن القيم ص )‪. (58-53‬‬
‫‪ -1414‬انظر ‪ :‬فتح القدير للشوكاني ) ‪. (2/369‬‬
‫‪ -1515‬فتح القدير )‪. (2/379‬‬
‫‪ -1616‬انظر ‪ :‬روضة الناظر لبن قدامة ص )‪ ، (54‬وإرشاد الفحول للشوكاني ص )‪(52‬‬
‫‪ .‬والقواعد الصولية لبن اللحام ص )‪ ، (62‬ويقول الشوكاني في تفسيره )‪: (2/158‬‬
‫)) وإطلق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعا ً (( ‪.‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫دوا َأن‬ ‫َ‬ ‫قوا فَ ْ‬ ‫َ‬
‫ما أَرا ُ‬ ‫م الّناُر ك ُل ّ َ‬ ‫مأَواهُ ُ‬ ‫َ‬ ‫س ُ‬ ‫ن فَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ما ال ّ ِ‬ ‫• وقوله تعالى ‪ )) :‬وَأ ّ‬
‫ه‬
‫كنُتم ب ِ ِ‬ ‫ذي ُ‬ ‫ب الّنارِ ال ّ ِ‬ ‫ذا َ‬ ‫ذوُقوا ع َ َ‬ ‫م ُ‬ ‫ل ل َهُ ْ‬ ‫دوا ِفيَها وَِقي َ‬ ‫عي ُ‬ ‫من َْها أ ُ ِ‬ ‫جوا ِ‬ ‫خُر ُ‬ ‫يَ ْ‬
‫ن (( ) السجدة ‪. (20 :‬‬ ‫ت ُك َذ ُّبو َ‬
‫وذكر آيات كثيرة ثم قال‪:‬‬
‫)) فهذه اليات دالة على أن الفاسق في العرف الول يطلق على الكافر‪،‬‬
‫‪17‬‬
‫ويسبق إلى الفهم (( ‪.‬‬
‫وسنورد إضافة إلى ما سبق بعض الدلة كأمثلة على فسق الكفر ‪.‬‬
‫وما ً‬ ‫كاُنوا قَ ْ‬ ‫م َ‬ ‫ل إ ِن ّهُ ْ‬ ‫من قَب ْ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫قال الله تعالى عن قوم نوح ‪ )) :‬وَقَوْ َ‬
‫م ُنو ٍ‬
‫ن (( )الذاريات ‪. (46:‬‬ ‫قي َ‬ ‫س ِ‬ ‫َفا ِ‬
‫ن‬
‫م ْ‬ ‫ضاء ِ‬ ‫ج ب َي ْ َ‬ ‫خُر ْ‬ ‫ك تَ ْ‬ ‫جي ْب ِ َ‬ ‫ك ِفي َ‬ ‫ل ي َد َ َ‬ ‫خ ْ‬ ‫وقال تعالى عن فرعون وقومه ‪ )) :‬وَأ َد ْ ِ‬
‫ن ((‬ ‫قي َ‬ ‫س ِ‬ ‫وما ً َفا ِ‬ ‫كاُنوا قَ ْ‬ ‫م َ‬ ‫مهِ إ ِن ّهُ ْ‬ ‫ن وَقَوْ ِ‬ ‫ت إ َِلى فِْرع َوْ َ‬ ‫سِع آَيا ٍ‬ ‫سوٍء ِفي ت ِ ْ‬ ‫غ َي ْرِ ُ‬
‫)النمل ‪. (12 :‬‬
‫ب إ ِّني‬ ‫ل َر ّ‬ ‫ل عن اليهود على لسان موسى عليه السلم ‪َ)) :‬قا َ‬ ‫وقال عّز وج ّ‬
‫ل فَإ ِن َّها‬ ‫ن * َقا َ‬ ‫قوْم ِ ال ْ َ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫َ‬ ‫ك إ ِل ّ ن َ ْ‬ ‫مل ِ ُ‬ ‫َ‬
‫قي َ‬ ‫س ِ‬ ‫فا ِ‬ ‫َ‬ ‫خي َفافُْرقْ ب َي ْن ََنا وَب َي ْ‬ ‫سي وَأ ِ‬ ‫ف ِ‬ ‫لأ ْ‬
‫قوْم ِ ال ْ َ‬ ‫س ع ََلى ال ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ة ع َل َيه َ‬
‫ن‬
‫قي َ‬ ‫س ِ‬ ‫فا ِ‬ ‫ض فَل َ ت َأ َ‬ ‫ن ِفي الْر ِ‬ ‫ة ي َِتيُهو َ‬ ‫سن َ ً‬ ‫ن َ‬ ‫م أْرب َِعي َ‬ ‫ِْ ْ‬ ‫م ٌ‬ ‫حّر َ‬ ‫م َ‬
‫ُ‬
‫(( ) المائدة ‪. (26-25 :‬‬
‫م إ ِّل اب ْت َِغاء‬ ‫ها ع َل َي ْهِ ْ‬ ‫ما ك َت َب َْنا َ‬ ‫ها َ‬ ‫عو َ‬ ‫ة اب ْت َد َ ُ‬ ‫وقال سبحانه عن النصارى ‪ )) :‬وََرهَْبان ِي ّ ً‬
‫َ‬
‫م وَك َِثيٌر‬ ‫جَرهُ ْ‬ ‫مأ ْ‬ ‫من ْهُ ْ‬ ‫مُنوا ِ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫عاي َت َِها َفآت َي َْنا ال ّ ِ‬ ‫حقّ رِ َ‬ ‫ها َ‬ ‫ما َرع َوْ َ‬ ‫ن الل ّهِ فَ َ‬ ‫وا ِ‬ ‫ض َ‬ ‫رِ ْ‬
‫ن (( ) الحديد ‪. (27 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬‫م َفا ِ‬ ‫من ْهُ ْ‬ ‫ّ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫وجاء في حديث لبن مسعود – رضي الله عنه – مرفوعا تفسيرا لهذه‬
‫ذبوا‬ ‫دقوا بي ‪ ،‬والفاسقون الذين ك ّ‬ ‫الية )) فالمؤمنون الذين آمنوا بي ‪ ،‬وص ّ‬
‫بي وجحدوا بي (( ‪. 18‬‬
‫ف وَِإن ي َظ ْهَُروا‬ ‫ساقا ً ‪ ،‬فقال سبحانه ‪ )) :‬ك َي ْ َ‬ ‫مى الله تعالى المشركين ف ّ‬ ‫وس ّ‬
‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫م‬‫م وَأك ْث َُرهُ ْ‬ ‫م وَت َأَبى قُُلوب ُهُ ْ‬ ‫واه ِهِ ْ‬ ‫كم ب ِأفْ َ‬ ‫ضون َ ُ‬ ‫ة ي ُْر ُ‬ ‫م ً‬‫م إ ِل ّ وَل َ ذ ِ ّ‬ ‫م ل َ ي َْرقُُبوا ْ ِفيك ُ ْ‬ ‫ع َل َي ْك ُ ْ‬
‫ن(( ) التوبة ‪. (8 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬ ‫َفا ِ‬
‫شرك فسقا ً ‪ ،‬فقال سبحانه ‪:‬‬ ‫ص القرآني بتسمية بعض أفراد ال ّ‬ ‫وجاء ْالن ّ‬
‫سقٌ (( ) النعام ‪. (121 :‬‬ ‫ف ْ‬ ‫ه لَ ِ‬ ‫م الل ّهِ ع َل َي ْهِ وَإ ِن ّ ُ‬ ‫س ُ‬ ‫م ي ُذ ْك َرِ ا ْ‬ ‫ما ل َ ْ‬ ‫م ّ‬ ‫))وَل َ ت َأك ُُلوا ْ ِ‬
‫‪19‬‬
‫فقد حمل الشافعي – رحمه الله – ذلك على ما ذبح لغير الله‬
‫ُ‬ ‫م ال ْ ِ‬
‫ما أه ِ ّ‬
‫ل‬ ‫زيرِ وَ َ‬ ‫خن ْ ِ‬ ‫ح ُ‬ ‫م وَل َ ْ‬ ‫ة َوال ْد ّ ُ‬ ‫مي ْت َ ُ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫ت ع َل َي ْك ُ ُ‬ ‫م ْ‬ ‫حّر َ‬ ‫ل ‪ُ )) : -‬‬ ‫وقال – عّز وج ّ‬
‫َ‬
‫ما‬‫سب ُعُ إ ِل ّ َ‬ ‫ل ال ّ‬ ‫ما أك َ َ‬ ‫ة وَ َ‬ ‫ح ُ‬‫طي َ‬ ‫ة َوالن ّ ِ‬ ‫مت ََرد ّي َ ُ‬ ‫موُْقوذ َة ُ َوال ْ ُ‬ ‫ة َوال ْ َ‬ ‫ق ُ‬ ‫خن ِ َ‬‫من ْ َ‬ ‫ل ِغَي ْرِ الل ّهِ ب ِهِ َوال ْ ُ‬

‫‪ -1717‬العواصم والقواصم )‪ (161-2/160‬باختصار ‪ ،‬وانظر إيثار الحق على الخلق لبن‬


‫الوزير ص )‪ ، (451‬وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا )‪. (1/238‬‬
‫‪ -1818‬أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح )‪ ، (71‬والطبراني في الكبير )‪، (10357‬‬
‫وقواه ابن كثير في تفسيره )‪. (4/338‬‬
‫‪ -1919‬انظر ‪ :‬تفسير ابن كثير )‪. (2/161‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫سقٌ (( ) المائدة‬ ‫موا ْ ِبالْزل َم ِ ذ َل ِك ُ ْ‬
‫م فِ ْ‬ ‫س ُ‬
‫ق ِ‬ ‫ست َ ْ‬
‫ب وَأن ت َ ْ‬ ‫ح ع ََلى الن ّ ُ‬
‫ص ِ‬ ‫ما ذ ُب ِ َ‬
‫م وَ َ‬‫ذ َك ّي ْت ُ ْ‬
‫‪. (3 :‬‬
‫ق( إشارة إلى الستسقام بالزلم أو‬ ‫س ٌ‬ ‫م فِ ْ‬ ‫يقول الشوكاني ‪ )) :‬قوله ‪) :‬ذ َل ِك ُ ْ‬
‫إلى جميع المحّرمات المذكورة هنا ‪.‬‬
‫والفسق ‪ :‬الخروج عن الحد ّ ‪ ،‬وفي هذا وعيد شديد ؛ لن الفسق هو أشد ّ‬
‫الكفر ل ما وقع عليه اصطلح قوم من أنه منزلة متوسطة بين اليمان‬
‫‪20‬‬
‫والكفر‬
‫وإذا انتقلنا إلى الفسق الذي ل يخرج من الملة فيمكن تقسيمه إلى فسق‬
‫العتقاد‪ ،‬وفسق العمل‪.‬‬
‫• ومثال فسق العتقاد ها هنا‪ :‬ما قاله ابن القيم ‪ )) :‬فسق أهل البدع‬
‫الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الخر‪ ،‬ويحرمون ما حرم الله‪،‬‬
‫ويوجبون ما أوجب الله‪ ،‬ولكن ينفون كثيًرا مما أثبت الله ورسوله‪ ،‬جهل ً‬
‫دا للشيوخ‪ ،‬ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك ‪.‬‬ ‫ل‪ ،‬وتقلي ً‬ ‫وتأوي ً‬
‫• وهؤلء كالخوارج المارقة ‪ ،‬وكثير من الروافض ‪ ،‬والقدرية ‪ ،‬والمعتزلة‬
‫غلة في التجهم ‪.‬‬ ‫وكثير من الجهمية الذين ليسوا ُ‬
‫• وأما غلة الجهمية فكغلة الرافضة ‪ ،‬ليس للطائفتين في السلم‬
‫نصيب(( ‪. 21‬‬

‫فالفسق أعم من البدعة‪ ،‬حيث ُيطلق الفسق على البدعة وغيرها؛ ولذا‬ ‫•‬
‫عا (( ‪. 22‬‬
‫قال ابن الصلح)) كل مبتدع فاسق‪ ،‬وليس كل فاسق مبتد ً‬
‫ويدل على ذلك ما ورد عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – من‬ ‫•‬
‫تسمية الخوارج فاسقين ‪. 23‬‬
‫وكذا كان شعبة بن الحجاج رحمه الله يسميهم الفاسقين ‪ 24‬لن‬ ‫•‬
‫الخوارج خرجوا عن طريق الحق ‪ ،‬ومرقوا من الدين بشهادة رسول‬
‫الله صلى الله عليه وسلم كما خرجوا على خيار المسلمين ‪.‬‬

‫وأما فسق العمل فأمثلته كثيرة‪ :‬وإطلقاته متعددة‪ ،‬كما جاء ذلك في‬
‫النصوص الشرعية‪ ،‬وآثار أهل العلم‪ ،‬ولعل ما يضبط ذلك ما قاله النووي‬

‫فتح القدير )‪. (2/10‬‬ ‫‪-2020‬‬


‫مدارج السالكين )‪. (1/362‬‬ ‫‪-2121‬‬
‫فتاوى ابن الصلح ص )‪ (28‬ضمن مجموعة الرسائل المنبرية ج )‪. (4‬‬ ‫‪-2222‬‬
‫أخرجه البخاري ‪ ،‬كتاب التفسير ح )‪. (4728‬‬ ‫‪-2323‬‬
‫انظر ‪ :‬العتصام للشاطبي )‪ ، (1/84‬تحقيق ‪ :‬سليم الهللي ‪.‬‬ ‫‪-2424‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫رحمه الله‪ )) :‬وأما الفسق فيحصل بارتكاب الكبيرة‪ ،‬أو الصرار على‬
‫الصغيرة (( ‪. 25‬‬

‫فأما ضابط الكبيرة فقد اختلف في ذلك العلماء اختلفا ً كثيرا ً ‪ 26‬ولعل أصح‬
‫القوال في هذه المسألة أن الكبيرة‪ :‬هي ما فيها حد في الدنيا‪ ،‬أو وعيد‬
‫خاص في الخرة‪ ،‬كالوعيد بالنار‪ ،‬والغضب‪ ،‬واللعنة‪ ،‬وأن الصغيرة ما ليس‬
‫له حد في الدنيا ول وعيد في الخرة‪.‬‬
‫وهذا المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما ‪ ،‬وابن عيينة‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪،‬‬
‫‪27‬‬
‫وأبي عبيد القاسم بن سلم‬
‫ً‬
‫قال ابن الصلح ‪ ) :‬الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظما يصح مع أن ُيطلق‬
‫عليه اسم الكبيرة ‪ ،‬ووصف بكونه عظيما ً على الطلق ‪ ،‬فهذا فاصل لها عن‬
‫الصغيرة التي وإن كانت كبيرة بالضافة إلى ما دونها فليست كبيرة يطلق‬
‫عليها الوصف بالكبر والعظم إطلقا ً ‪ ،‬ثم إن لكبر الكبيرة وعظمها أمارات‬
‫معّرفة بها ‪ ،‬منها إيجاب الحد ‪ ،‬ومنها اليعد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في‬
‫صا ً ‪ ،‬ومنها اللعن كما في‬‫الكتاب والسنة ‪ ،‬ومنها وصف فاعلها بالفسق ن ّ‬
‫‪28‬‬
‫قوله صلى الله عليه وسلم ‪ )) :‬لعن الله من غّير منار الرض (( في‬
‫‪29‬‬
‫أشباه لذلك ل نحصيها ((‬
‫• وقال العز بن عبد السلم ‪ )) :‬إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر‬
‫والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها ‪،‬‬
‫ل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر ‪ ،‬وإن ساوت‬ ‫فإذا نقصت عن أق ّ‬
‫‪30‬‬
‫أدنى مفاسد الكبائر وأربت عليها فهي من الكبائر ((‬
‫• ويقول في موضوع آخر ‪ )) :‬والولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر‬
‫بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك ((‬
‫‪31‬‬

‫‪ -2525‬فتاوى النووي ص )‪. (261‬‬


‫‪ -2626‬انظر ‪ :‬صحيح مسلم بالنووي )‪ ، (87-2/84‬ومجموع فتاوى ابن تيمية )‪-11/650‬‬
‫‪ (660‬وشرح الطحاوية )‪ ، (527-2/525‬ومدارج السالكين )‪ ، (327-1/320‬والجواب‬
‫الكافي ص )‪ (171-168‬وشرح رسالة الصغائر والكبائر لبن نجيم ‪ ،‬وفتح الباري )‬
‫‪ ، (412-10/409‬والزواجر للهيتمي )‪. (10-1/5‬‬
‫‪ -2727‬انظر مجموع فتاوى ابن تيمية )‪ ،( 650/ 11‬وشرح الطحاوية )‪،( 2/526‬‬
‫وأضواء البيان للشنقيطي )‪.(7/199‬‬

‫أخرجه مسلم ‪ ،‬كتاب الضاحي ‪ ،‬ح )‪. (1978‬‬ ‫‪-2828‬‬


‫فتاوى ابن الصلح ص )‪ (8‬ضمن مجموعة الرسائل المنبرية ج )‪. (4‬‬ ‫‪-2929‬‬
‫قواعد الحكام )‪. (1/19‬‬ ‫‪-3030‬‬
‫قواعد الحكام )‪. (1/22‬‬ ‫‪-3131‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫‪32‬‬
‫• قال ابن حجر ) )هو ضابط جّيد ((‬
‫طن له ‪ ،‬وهو أن الكبيرة قد‬ ‫وإذا تقرر ضابط الكبيرة ‪ ،‬فهاهنا أمر ينبغي التف ّ‬
‫يقترن بها من الحياء ‪ ،‬والخوف ‪ ،‬والستعظام لها – ما يلحقها بالصغائر ‪،‬‬
‫وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالة وترك الخوف والستهانة‬
‫بها ما يلحقها بالكبائر ‪ ،‬بل يجعلها في أعلى رتبها ‪.‬‬
‫وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب ‪ ،‬وهو قدر زائد على مجرد‬
‫‪33‬‬
‫الفعل ‪(( ...‬‬
‫وأما ضابط الصرار على الصغيرة ‪ ،‬فكما قال العّز بن عبد السلم ‪ )) :‬إذا‬
‫تكّررت منه الصغيرة تكررا ً يشعر بقلة مبالت بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة‬
‫بذلك ‪ ،‬وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة النواع بحيث يشعر مجموعها بما‬
‫يشعر أصغر الكبائر (( ‪. 34‬‬
‫ومن خلل استقراء جملة من النصوص والثار ‪ ،‬فإننا نسوق طرفا ً من‬
‫الطلقات على هذا الفسق العملي ‪ ،‬كما يلي ‪:‬‬
‫ن‬
‫مو َ‬ ‫ن ي َْر ُ‬ ‫قا‪ ،‬كما جاء في قوله تعالى‪َ )) :‬وال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫فيسمى القاذف فس ً‬
‫قب َُلوا ل َهُ ْ‬
‫م‬ ‫جل ْد َة ً َول ت َ ْ‬ ‫ن َ‬ ‫ماِني َ‬ ‫م ثَ َ‬‫دوهُ ْ‬‫جل ِ ُ‬ ‫داَء َفا ْ‬
‫شه َ َ‬ ‫م ي َأ ُْتوا ب ِأْرب َعَةِ ُ‬
‫َ‬
‫م لَ ْ‬ ‫ت ثُ ّ‬ ‫صَنا ِ‬
‫ح َ‬ ‫م ْ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫ن (( ) النور ‪. (4 :‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬‫فا ِ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫شَهاد َة ً أ ََبدا ً وَُأول َئ ِ َ‬
‫ك هُ ُ‬ ‫َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مُنوا إ ِ ْ‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫قا ‪ ،‬كما في قوله تعالى‪َ )) :‬يا أي َّها ال ّ ِ‬ ‫‪35‬‬
‫ويطلق على الكاذب فاس ً‬
‫َ‬
‫م‬‫ما فَعَل ْت ُ ْ‬ ‫حوا ع ََلى َ‬ ‫جَهال َةٍ فَت ُ ْ‬
‫صب ِ ُ‬ ‫وما ً ب ِ َ‬‫صيُبوا قَ ْ‬ ‫ن تُ ِ‬ ‫سقٌ ب ِن َب َأ ٍ فَت َب َي ُّنوا أ ْ‬ ‫م َفا ِ‬ ‫جاَءك ُ ْ‬ ‫َ‬
‫ن (( ) الحجرات ‪. (6 :‬‬ ‫مي َ‬ ‫َناد ِ ِ‬
‫• ويقول الللكائي ‪ :‬عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪:‬‬
‫‪36‬‬
‫)) سباب المسلم فسوق ((‬
‫ب المسلم وقذفه فقد كذب ‪ ،‬والكذاب فاسق ‪،‬‬ ‫• إن المسلم إذا س ّ‬
‫‪37‬‬
‫فيزول عنه اسم اليمان‬
‫َ‬
‫شهٌُر‬ ‫جأ ْ‬ ‫ح ّ‬ ‫* وتسمى محظورات الحرام فسوًقا‪ ،‬حيث يقول تعالى‪)) :‬ال ْ َ‬
‫ل ِفي‬ ‫دا َ‬‫ج َ‬‫سوقَ َول ِ‬ ‫ث َول فُ ُ‬ ‫ج َفل َرفَ َ‬ ‫ح ّ‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫ض ِفيهِ ّ‬ ‫ن فََر َ‬ ‫م ْ‬ ‫ت فَ َ‬ ‫ما ٌ‬ ‫معُْلو َ‬ ‫َ‬
‫ج‪ ) (( ..‬البقرة ‪ . (197 :‬فالفسوق ها هنا محظورات الحرام كما‬ ‫ح ّ‬ ‫ال َ‬ ‫ْ‬
‫اختاره ابن جرير وغيره‪.‬‬
‫ب‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬
‫* ويعد التنابز باللقاب فسوًقا‪ ،‬كما في قوله تعالى‪ )) :‬وَل ت ََناب َُزوا ِبالل َ‬
‫قا ِ‬
‫ن ( ) الحجرات ‪. (11 :‬‬ ‫ما ِ‬ ‫سوقُ ب َعْد َ ا ْ ِ‬
‫لي َ‬ ‫ف ُ‬ ‫م ال ْ ُ‬ ‫س ُ‬‫س اِل ْ‬ ‫ب ِئ ْ َ‬
‫فتح الباري )‪. (10/411‬‬ ‫‪-3232‬‬
‫مدارج السالكين )‪. (1/328‬‬ ‫‪-3333‬‬
‫قواعد الحكام )‪. (23 ،1/22‬‬ ‫‪-3434‬‬
‫انظر ‪ :‬نزهة العين النواظر لبن الجوزي ‪. (02/72‬‬ ‫‪-3535‬‬
‫أخرجه البخاري ‪ ،‬كتاب اليمان ‪ ، (48) ،‬ومسلم ‪ ،‬كتاب اليمان ‪ ،‬ح )‪. (116‬‬ ‫‪-3636‬‬
‫أصول الللكائي )‪. (6/1023‬‬ ‫‪-3737‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫* وكما في الحديث السابق حيث قال صلى الله عليه وسلم ‪ ) :‬سباب‬
‫المسلم فسوق (( ‪.‬‬
‫مى النبي صلى الله عليه وسلم كافر النعمة فاسقا ً ‪ ،‬كما جاء في قوله‬ ‫وس ّ‬
‫ساق هم أهل النار (( قيل ‪ :‬يا رسول‬ ‫صلى الله عليه وسلم ‪ )) :‬إن الف ّ‬
‫ساق ؟ قال ‪ )) :‬النساء (( قال رجل ‪ :‬يا رسول الله أولسن‬ ‫من الف ّ‬‫الله ! و َ‬
‫أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا ؟ قال ‪ )) :‬بلى ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن ‪،‬‬
‫‪38‬‬
‫وإذا ابتلين لم يصبرن ((‬
‫‪39‬‬
‫فيجوز أن يسمى الفاسق كافر نعمة ‪ ،‬حيث أطلقته الشريعة‬
‫*ويسمى السارق فاسقا ً ‪ ،‬حيث سئل حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه –‬
‫فقيل له ‪ :‬ما بال هؤلء الذين يبقرون ‪ 40‬بيوتنا ‪ ،‬ويسرقون أعلقنا ‪ 41‬؟‬
‫قال ‪ :‬حذيفة ‪ ) :‬أولئك الفساق( ‪. 42‬‬
‫ً ‪43‬‬
‫* ويعد ّ صاحب النفاق الصغر فاسقا‬
‫* يقول ابن تيمية ‪ )) :‬يسمى الفاسق منافقا ً النفاق الصغر ‪ ،‬ل النفاق‬
‫الكبر ‪ ،‬والنفاق ُيطلق على النفاق الكبر الذي هو إضمار الكفر ‪ ،‬وعلى‬
‫‪44‬‬
‫النفاق الصغره ‪ ،‬الذي هو اختلف السر والعلنية في الواجبات ((‬
‫* ويقول _أيضًا_ ‪ )) :‬وإن أظهر أنه صادق‪ ،‬أو موف‪،‬أوأمين‪،‬وأبطن الكذب‬
‫والغدر والخيانة ونحو ذلك‪ ،‬فهذا هو النفاق الصغر الذي يكون صاحبه فاسقا ً‬
‫((‬
‫ويدل على ذلك جملة من الثار ‪ :‬منها )) أن هرم بن حيان قال ‪ :‬إياكم‬
‫والعالم الفاسق ‪ ،‬فبلغ عمر بن الخطاب ‪ ،‬فكتب إليه وأشفق منها ! ما‬
‫العالم الفاسق ؟ قال ‪ :‬فكتب إليه هرم ‪ :‬يا أمير المؤمنين ! والله ما أدرت‬
‫به إل الخير ‪ ،‬يكون إمام يتكلم بالعلم ‪ ،‬ويعمل بالفسق ‪ ،‬فيشبه على الناس‬
‫‪45‬‬
‫فيضلون ((‬

‫‪ -3838‬أخرجه أحمد )‪ ، (444-3/428‬وقال الهيثمي في المجمع )‪ ، (4/73‬و)) ورجاله‬


‫ثقات (( ‪ :‬وصححه اللباني في )) الصحيحة (( ح ) ‪. (260‬‬
‫‪ -3939‬كتاب اليمان لبن تيمية ص )‪. (235‬‬
‫‪ -4040‬ينقبون ‪.‬‬
‫‪ -4141‬أعلقنا ‪ :‬نفائس أموالنا ‪.‬‬
‫‪ -4242‬أخرجه البخاري ‪ ،‬كتاب التفسير ‪ ،‬ح )‪. (4658‬‬
‫‪ -4343‬رد ابن حزم في الفصل )‪ (28 ،3/287‬على من سمى صاحب الكبيرة منافقا‪،‬‬
‫وكذا القاضي أبو يعلى نفى ذلك في كتابه ‪ )) :‬مسائل اليمان (( ص )‪(364 -355‬‬
‫وانظر ‪ :‬الللكائي )‪. (6/1025‬‬
‫‪ -4444‬مجموع الفتاوى )‪ ، (11/140‬يقول الحسن البصري – رحمه الله ‪ )) : -‬من‬
‫النفاق اختلف اللسان والقلب واختلف السر والعلنية (( ‪ .‬أخرجه الفريابي في صفة‬
‫المنافق ص )‪. (61‬‬
‫‪ -4545‬أخرجه الدارمي في سننه )‪. (1/90‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫مى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – هذا الفاسق منافقا ً ‪ ،‬فقال ‪:‬‬ ‫وس ّ‬
‫)) إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم ؟ قالوا ‪ :‬وكيف يكون المنافق‬
‫‪46‬‬
‫عليما ً ‪ ،‬قال ‪ :‬يتكّلم بالحكمة ‪ ،‬ويعمل بالجور ‪ ،‬أو قال المنكر ((‬
‫ن المنافق؟ قال ‪ :‬الذي يصف السلم ول يعمل‬ ‫م ِ‬ ‫وسئل حذيفة بن اليمان ‪َ :‬‬
‫‪47‬‬
‫به‬
‫قا‪ ،‬فقال عليه الصلة‬ ‫وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الرويبضة فويس ً‬
‫والسلم‪ )) :‬إ َ‬
‫صد ّقُ ِفيَها‬ ‫صاد ِقُ وَي ُ َ‬ ‫ب ِفيَها ال ّ‬ ‫ة ي ُك َذ ّ ُ‬ ‫داع َ ً‬ ‫خ ّ‬ ‫ن َ‬ ‫سِني َ‬ ‫ل ِ‬ ‫جا ِ‬ ‫م الد ّ ّ‬ ‫ما َ‬ ‫نأ َ‬ ‫ِ ّ‬
‫ة (( ِقي َ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ل‬ ‫ض ُ‬ ‫م ِفيَها الّروَي ْب ِ َ‬ ‫ن وَي َت َكل ُ‬ ‫خائ ِ ُ‬ ‫ن ِفيَها ال َ‬ ‫م ُ‬ ‫ن وَي ُؤ ْت َ َ‬ ‫مي ُ‬ ‫ن ِفيَها ال ِ‬ ‫خو ّ ُ‬ ‫ب وَي ُ َ‬ ‫كاذ ِ ُ‬
‫َ‬
‫مرِ ال َْعا ّ‬ ‫سقُ ي َت َك َل ّ ُ‬ ‫ل‪)) :‬ال ْ ُ‬ ‫ة َقا َ‬
‫‪48‬‬
‫مةِ ((‬ ‫م ِفي أ ْ‬ ‫فوَي ْ ِ‬ ‫ض ُ‬‫ما الّروَي ْب ِ َ‬ ‫وَ َ‬
‫والرويبضة تصغير الرابضة‪ ،‬وهو العاجز الذي ربض عن معالي المور‪ ،‬وقعد‬
‫عن طلبها‪.49‬‬
‫قا عملًيا أعظم‬ ‫وفي الجملة‪ ،‬فقد يقال‪ :‬إن هذه المعاصي التي سميت فس ً‬
‫قا‪ ،‬وكما قال البيضاوي‪ )) :‬والفسق إذا‬ ‫ص لم تسم فس ً‬ ‫ممن دونها من معا ٍ‬
‫استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمته كأنه متجاوز عن حده ((‬
‫‪. 50‬‬
‫‪51‬‬
‫وقال اللوسي ‪ :‬الفاسق ‪ 0 :‬المتمّرد من معصية ما ((‬
‫• وإضافة إلى ما سبق ‪ ،‬فإن فسق العمل نوعان ‪ 0‬باعتبار آخر – كما‬
‫بّينه ابن القّيم بقوله ‪ ) :‬فسق العمل نوعان ‪ :‬مقرون بالعصيان ‪،‬‬
‫ومفرد ‪ ،‬فالمقرون بالعصيان ‪ :‬هو ارتكاب ما نهى الله عنه ‪،‬‬
‫م‬ ‫ب إ ِل َي ْك ُ ُ‬ ‫حب ّ َ‬ ‫ه َ‬‫ن الل ّ َ‬ ‫والعصيان ‪ :‬هو عصيان أمره ‪ ،‬قال تعالى ‪ )) :‬وَل َك ِ ّ‬
‫ك‬‫ن أ ُوْل َئ ِ َ‬ ‫صَيا َ‬ ‫سوقَ َوال ْعِ ْ‬ ‫ف ُ‬ ‫فَر َوال ْ ُ‬ ‫م ال ْك ُ ْ‬ ‫م وَك َّره َ إ ِل َي ْك ُ ُ‬ ‫ه ِفي قُُلوب ِك ُ ْ‬ ‫ن وََزي ّن َ ُ‬ ‫ما َ‬ ‫لي َ‬‫اِْ‬
‫ن (( ))الحجرات ‪. ((7 :‬‬ ‫دو َ‬ ‫ش ُ‬ ‫م الّرا ِ‬ ‫هُ ُ‬
‫َ‬
‫ن ((‬ ‫مُرو َ‬ ‫ما ي ُؤ ْ َ‬
‫ن َ‬ ‫فعَُلو َ‬ ‫م وَي َ ْ‬ ‫مَرهُ ْ‬ ‫ما أ َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ّ َ‬ ‫صو َ‬ ‫وكما قال تعالى ‪َ)) :‬ل ي َعْ ُ‬
‫)التحريم ‪.(6:‬‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫من َعَ َ‬
‫ضلوا‬ ‫م َ‬ ‫ك إ ِذ ْ َرأي ْت َهُ ْ‬ ‫ما َ‬ ‫وقال موسى لخيه هارون – عليهما السلم ‪َ )) : -‬‬
‫َ‬ ‫* أ َّل تتبع َ‬
‫ري (( ) طه ‪. (93-92 :‬‬ ‫م ِ‬ ‫تأ ْ‬ ‫صي ْ َ‬ ‫ن أفَعَ َ‬ ‫ََِّ ِ‬
‫ص بارتكاب النهي ‪ ،‬ولهذا يطلق عليه كثيرا ً ‪ ،‬كقوله تعالى ‪)) :‬‬ ‫فالفسق أخ ّ‬
‫م (( ) البقرة ‪. (282 :‬‬ ‫سوقٌ ب ِك ُ ْ‬ ‫ه فُ ُ‬ ‫فعَُلوا ْ فَإ ِن ّ ُ‬ ‫وَِإن ت َ ْ‬
‫‪ -4646‬أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلة )‪. (2/633‬‬
‫‪ -4747‬أخرجه الفريابي في صفة المنافق ص )‪ ، (67-66‬ومحمد بن نصر في تعظيم‬
‫قدر الصلة )‪ ، (2/631‬وابن بطة في البانة الكبرى )‪. (696 ،2/691‬‬
‫‪ -4848‬أخرجه أحمد )‪ ، (3/220‬وقال ابن كثير في النهاية )‪ (1/57‬عن هذا الحديث‬
‫)) وهذا إسناد جيد تفّرد به أحمد من هذا الوجه (( ‪.‬‬
‫‪ -4949‬انظر ‪ :‬النهاية في غريب الحديث )‪. (2/185‬‬
‫‪ -5050‬تفسير البيضاوي ‪.(72/)1‬‬
‫‪ -5151‬روح المعاني )‪. (1/335‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫ص بمخالفة المر ‪ ،‬ويطلق كل منهما على صاحبه ‪ ،‬كقوله‬ ‫والمعصية أخ ّ‬
‫َ‬
‫ه(( ) الكهف ‪. (50 :‬‬ ‫مرِ َرب ّ ِ‬ ‫نأ ْ‬ ‫سقَ ع َ ْ‬ ‫ف َ‬ ‫ن فَ َ‬ ‫ج ّ‬ ‫ن ال ْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫ن ِ‬ ‫س َ‬
‫كا َ‬ ‫تعالى ‪ )) :‬إ ِّل إ ِب ِْلي َ‬
‫وى (( )طه ‪:‬‬ ‫ه فَغَ َ‬ ‫م َرب ّ ُ‬ ‫صى آد َ ُ‬ ‫فسمى مخالفته للمر فسقا ً ‪ ،‬وقال ‪ )) :‬وَع َ َ‬
‫‪. (121‬‬
‫فسمى ارتكابه للنهي معصية ‪ ،‬فهذا عند الفراد ‪ ،‬فإذا اقترنا كان أحدهما‬
‫‪52‬‬
‫لمخالفة المر ‪ ،‬والخر لمخالفة النهي‬
‫وفي ختام هذه الوريقات ننبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق‬
‫عند أهل السنة ‪ ،‬ومخالفيهم ‪.‬‬
‫فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته‪ ،‬إل أنه ل يخرج من‬
‫اليمان بالكلية‪ ،‬فيمكن اجتماع اليمان مع هذا الفسق الصغر ـ كما هو‬
‫مقرر عند أهل السنة ـ‪ ،‬ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته)‪،(53‬‬
‫وأمره إلى الله تعالى‪ ،‬إن شاء غفر له برحمته‪ ،‬وإن شاء عذبه بعدله‪ ،‬ومآله‬
‫إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن‬
‫دخلوا النار‪ ،‬أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لبد أن يدخلوا الجنة)‪.(54‬‬
‫• يقول ابن تيمية ـ مقرًرا هذه المسألة ـ )) ومن أصول أهل السنة‬
‫والجماعة‪ :‬أن الدين واليمان قول وعمل‪ ،‬قول القلب واللسان‪،‬وعمل‬
‫القلب والجوارح‪ ،‬وأن اليمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية‪ ،‬وهم مع‬
‫ذلك ل يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله‬
‫الخوارج‪ ،‬بل الخوة اليمانية ثابتة مع المعاصي‪ ،‬كما قال سبحانه‪:‬‬
‫ف‪ ) (( .‬البقرة ‪(178 :‬‬ ‫معُْرو ِ‬ ‫يٌء َفات َّباع ٌ ِبال ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫ش‬ ‫خيهِ َ‬ ‫ن أَ ِ‬‫ْ‬ ‫م‬
‫ه ِ‬ ‫ي لَ ُ‬ ‫ف َ‬ ‫ن عُ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫))فَ َ‬
‫َ‬
‫ما فَإ ِ ْ‬
‫ن‬ ‫حوا ب َي ْن َهُ َ‬ ‫صل ِ ُ‬‫ن اقْت َت َُلوا فَأ ْ‬ ‫مِني َ‬ ‫مؤ ْ ِ‬‫ن ال ْ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ن ِ‬ ‫فَتا ِ‬ ‫ن َ‬
‫طائ ِ َ‬ ‫وقال سبحانه ‪ )) :‬وَإ ِ ْ‬
‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ما ع ََلى اْل ُ ْ‬
‫مرِ اللهِ فَإ ِ ْ‬
‫ن‬ ‫فيَء إ ِلى أ ْ‬ ‫حّتى ت َ ِ‬ ‫قات ِلوا الِتي ت َب ِْغي َ‬ ‫خَرى فَ َ‬ ‫داهُ َ‬ ‫ح َ‬ ‫ت إِ ْ‬ ‫ب َغَ ْ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ما‬
‫ن]‪[9‬إ ِن ّ َ‬ ‫طي َ‬ ‫س ِ‬ ‫ق ِ‬ ‫م ْ‬ ‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه يُ ِ‬ ‫ن الل ّ َ‬ ‫طوا إ ِ ّ‬ ‫س ُ‬ ‫ل وَأقْ ِ‬ ‫ما ِبال ْعَد ْ ِ‬ ‫حوا ب َي ْن َهُ َ‬ ‫ت فَأ ْ‬
‫صل ِ ُ‬ ‫َفاَء ْ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫م‪ ) ((..‬الحجرات ‪. (9،10 :‬‬ ‫خوَي ْك ُ ْ‬ ‫نأ َ‬ ‫حوا ب َي ْ َ‬ ‫صل ِ ُ‬‫خوَة ٌ فَأ ْ‬ ‫ن إِ ْ‬‫مُنو َ‬ ‫مؤ ْ ِ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫ول يسلبون الفاسق المّلي السلم بالكلية‪ ،‬ول يخلدونه في النار‪ ،‬كما تقول‬
‫المعتزلة‪ ،‬بل الفاسق يدخل في اسم اليمان المطلق كما في قوله‪:‬‬
‫ة‪ ) ((.‬النساء ‪. (92 :‬‬ ‫من َ ٍ‬‫مؤ ْ ِ‬ ‫ريُر َرقَب َةٍ ُ‬ ‫ح ِ‬‫)) فَت َ ْ‬
‫ما‬‫وقد ل يدخل في اسم اليمان المطلق كما في قوله تعالى‪ )) :‬إ ِن ّ َ‬
‫م‬‫ه َزاد َت ْهُ ْ‬ ‫م آَيات ُ ُ‬ ‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬ ‫ذا ت ُل ِي َ ْ‬ ‫م وَإ ِ َ‬ ‫ت قُُلوب ُهُ ْ‬ ‫جل َ ْ‬ ‫ه وَ ِ‬ ‫ذا ذ ُك َِر الل ّ ُ‬ ‫ن إِ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال ّ ِ‬ ‫مُنو َ‬ ‫مؤ ْ ِ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫مانًا‪ ) ((.‬النفال ‪. (2 :‬‬ ‫ِإي َ‬

‫‪ -5252‬مدارج السالكين )‪ . (362 ،1/361‬بتصرف ‪.‬‬


‫‪-53‬هذا بالنسبة للحكم العام المطلق‪،‬فنطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير‬
‫والتفسيق ‪ ،‬ول نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي ل‬
‫معارض له‪ .‬انظر‪:‬مجموع فتاوى ابن تيمية)‪.(28/499)،(4/484)،(10/332‬‬
‫‪ -54‬انظر‪:‬مجموع الفتاوى لبن تيمية )‪.(4/486‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫ن‪ ،‬وََل‬ ‫م ٌ‬ ‫مؤ ْ ِ‬
‫ن ي َْزِني وَهُوَ ُ‬ ‫حي َ‬‫وقوله صلى الله عليه وسلم‪َ )) :‬ل ي َْزِني الّزاِني ِ‬
‫ن وََل‬ ‫م ٌ‬‫مؤ ْ ِ‬ ‫ب وَهُوَ ُ‬ ‫شَر ُ‬ ‫ن يَ ْ‬
‫حي َ‬ ‫مَر ِ‬‫خ ْ‬ ‫ب ال ْ َ‬ ‫ن‪ ،‬وََل ي َ ْ‬
‫شَر ُ‬ ‫م ٌ‬‫مؤ ْ ِ‬
‫سرِقُ وَهُوَ ُ‬ ‫ن يَ ْ‬
‫حي َ‬ ‫سرِقُ ِ‬ ‫يَ ْ‬
‫َ‬
‫و‬
‫ن ي َن ْت َهِب َُها وَهُ َ‬
‫حي َ‬ ‫م ِ‬ ‫صاَرهُ ْ‬‫س إ ِل َي ْهِ ِفيَها أب ْ َ‬
‫ة ذات شرف ي َْرفَعُ الّنا ُ‬ ‫ب ن ُهْب َ ً‬‫ي َن ْت َهِ ُ‬
‫‪53‬‬
‫ن ((‬ ‫م ٌ‬‫مؤ ْ ِ‬ ‫ُ‬
‫ونقول‪ :‬هو مؤمن ناقص اليمان‪ ،‬أو مؤمن بإيمانه‪ ،‬فاسق بكبيرته‪ ،‬فل‬
‫‪54‬‬
‫يعطي السم المطلق‪ ،‬ول يسلب مطلق السم‬
‫فارتكاب الكبير يعد ّ فسقا ً ينافي كمال اليمان الواجب ‪ ،‬وهذا الفسق يمكن‬
‫اجتماعه مع اليمان ‪ ،‬وصاحبه متعّرض للوعيد ‪ ،‬فأهل السنة يقولون بجواز‬
‫التبعض في السم والحكم ‪ ،‬بمعنى أن يكون مع الرجل بعض اليمان ل‬
‫كله ‪ ،‬ويثبت له من حكم أهل اليمان وثوابهم بحسب ما معه ‪ ،‬كما يثبت له‬
‫‪55‬‬
‫من العقاب بحسب ما عليه‬
‫وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة‪ ،‬فإننا نورد مفهومه عند المخالفين‪:‬‬
‫فأما الشاعرة‪ :‬فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمًنا بإطلق‪،‬‬
‫قا‪.‬‬
‫ويعتبرونه مؤمًنا ح ً‬
‫• كما قال أحدهم – وهو المدي ‪ )) : -‬فعلى هذا مهما كان مصدقا ً‬
‫قا ً ‪ ،‬وانتفاء الكفر‬ ‫ل بشيء من الركان ‪ ،‬فهو مؤمن ح ّ‬ ‫بالجنان وإن أخ ّ‬
‫ل به من‬ ‫عنه واجب ‪ ،‬وإن صح تسميته فاسقا ً بالنسبة إلى ما أخ ّ‬
‫‪56‬‬
‫الطاعات ‪ ،‬وارتكب من المنهّيات ((‬
‫‪57‬‬
‫وسمى اليجي مرتكب الكبيرة مؤمنا ً بإطلق‬
‫وقد سبق أن ذكرنا أن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ ل يعطي اليمان‬
‫المطلق‪ ،‬فل يقال عن الزاني‪ ،‬أو شارب الخمر ـ مثًل ـ‪ :‬إنه مؤمن بإطلق‪،‬‬
‫ولكن نقيده‪ ،‬فنقول‪ :‬مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته‪ ،‬أو مؤمن ناقص اليمان‪.‬‬
‫* وقد عاب إبراهيم النخعي – رحمه الله – تلك المقولة ‪ ،‬فقال ‪ )) :‬ما‬
‫ل‪،‬‬ ‫أعلم قوما ً أحمق في رأيهم من هذه المرجئة ؛ لنهم يقولون ‪ :‬مؤمن ضا ّ‬
‫ومؤمن فاسق (( ‪.58‬‬
‫ل فإن مقالة أولئك الشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن‬ ‫وعلى ك ّ‬
‫اليمان هو التصديق‪ ،‬حيث أخرجوا العمال عن مسمى اليمان‪.‬‬
‫أما المعتزلة‪ :‬فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة‪،‬‬
‫فالفاسق عندهم ليس مؤمًنا‪ ،‬كما أنه ليس كافًرا‪ ،‬بل هو في منزلة بين‬
‫‪ -5353‬أخرجه البخاري ومسلم ‪ ،‬كتاب المظالم ح )‪ (2475‬ومسلم ‪ ،‬كتاب اليمان ‪ ،‬ح )‬
‫‪. (76‬‬
‫‪ -5454‬العقيدة الواسطية بشرح محمد خليل هراس ص )‪. (156-152‬‬
‫‪ -5555‬انظر ‪ :‬شرح الصفهانية ‪ :‬مخلوف ص )‪. (144‬‬
‫‪ -5656‬غاية المرام في علم الكلم ص )‪. (312‬‬
‫‪ -5757‬انظر ‪ :‬المواقف في علم ِ الكلم ص )‪. (389‬‬
‫‪ -5858‬السنة للمام عبد الله بن المام أحمد حنبل )‪. (1/341‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫المنزلتين‪ ،‬ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الصم‬
‫‪.59‬‬
‫• يقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي ‪:‬‬
‫)) صاحب الكبيرة له اسم بين السمين ‪ ،‬وحكم بين الحكمين ‪ ،‬ل يكون‬
‫اسمه اسم الكافر ‪ ،‬ول اسمه اسم المؤمن ‪ ،‬وإنما يسمى فاسقا ً ‪ ،‬وكذلك‬
‫فل يكون حكمه حكم الكافر ‪ ،‬ول حكم المؤمن ‪ ،‬بل يفرد له حكم ثالث ‪،‬‬
‫وهو المنزلة بين المنزليتن (( ‪ 60‬ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاس ً‬
‫قا‬
‫غير مؤمن‪ ،‬لذا حكموا عليه بالخلود في النار‪.‬‬
‫• وكما قال عبد الجبار المعتزلي ‪ )) :‬والذي يدل على أن الفاسق ُيخّلد‬
‫ذب فيها أبدا ً ما ذكرناه من عمومات الوعيد ‪ ،‬فإنها كما‬
‫في النار ‪ ،‬وُيع ّ‬
‫تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة ‪ ،‬تدل على أنه‬
‫‪61‬‬
‫ُيخّلد ((‬
‫ة المعتزلة في مفهوم الفسق ‪ ،‬ووافقهوهم على ما سبق‬ ‫وقد تبع الزيدي ُ‬
‫‪62‬‬
‫ذكره‬
‫هذا ما تيسر جمعه في هذا المبحث‪ ،‬وبالله تعالى التوفيق‪ ،‬وصلى الله‬
‫وسلم على نبينا محمد‪ ،‬وعلى آله وصحبه أجمعين‪.‬‬

‫‪ -5959‬انظر ‪ :‬مقالت السلميين )‪. (1/333‬‬


‫‪ -6060‬شرح الصول الخمسة ص )‪. (697‬‬
‫‪ -6161‬شرح الصول الخمسة ص )‪. (666‬‬
‫‪ -6262‬انظر ‪ :‬مثل ً العقد الثمين في معرفة رب العالمين للحسين بن بدر الدين ص )‬
‫ي القيوم للرصاص ‪ ،‬ص )‪. (20‬‬ ‫‪ (57‬ومصباح العلوم في معرفة الح ّ‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫الرسالة الثانية‬
‫النفاق والمنافقون تنبيهات وأخطار‬
‫إن بلية السلم بالمنافقين شديدة جد ًّا؛ لنـهـم منسوبون إليه‪ ،‬وهم أعداؤه‬
‫في الحقيقة‪ ،‬يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علـم وصلح‪،‬‬
‫وهو غاية الجهل والفساد‪.‬‬
‫فلله كم من معقل للسلم قد هدموه؟‪ ،‬وكم من حصن له قد قلعوا أساسه‬
‫وخربوه؟‪ ،‬وكم من ع ََلم له قد طمسوه؟‪،‬وكم لواء مرفوع قد وضعوه‪ ،‬وكم‬
‫شبه في أصول غراسه ليقلعوها‪ ،‬فل يزال السلم وأهله‬ ‫ضربوا بمعاول ال ّ‬
‫منهم في محنة وبلية‪ ،‬ول يزال يطرقه من شـبـهـهـم سرّية بعد سرّية‪،‬‬
‫َ‬
‫ن((‬‫شعُُرو َ‬ ‫كن ل ّ ي َ ْ‬ ‫ن وَل َ ِ‬
‫دو َ‬‫س ُ‬ ‫ف ِ‬
‫م ْ‬
‫م ال ُ‬ ‫م هُ ُ‬ ‫يزعمون أنهم بذلك مصلحون‪ )) ،‬أل إن ّهُ ْ‬
‫]البقرة‪.[12:‬‬
‫طره ابن القيم )رحمه الله( في التحذير من النفاق‬ ‫هذا بعض ما س ّ‬
‫والمنافقين‪،63‬والذي هو موضوع هذه الرسالة‪ ،‬وسيكون الحديث عن خطر‬
‫النفاق والـمنافقين من خلل ما يلي‪:‬‬
‫‪ -1‬خطر المنافقين داهم ‪:‬‬
‫فالمنافقون أعظم خطرا ً وضررا من الكفار المجاهرين‪ ،‬كما أن المنافقين‬ ‫ً‬
‫أغلظ كفرا ً وأشد عذابًا‪.‬‬
‫قال ابن القيم عنهم‪) :‬طبقة الزنادقة‪ ،‬وهم قوم أظهروا السلم ومتابعة‬
‫الرسل‪ ،‬وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسـلـه‪ ،‬وهؤلء المنافقون‪ ،‬وهم في‬
‫ل‬ ‫قين ِفي الد ّر ِ َ‬
‫ف ِ‬
‫سـ َ‬
‫ك ال ْ‬ ‫ْ‬ ‫مَنافِ ِ َ‬ ‫ن ال ُ‬ ‫الدرك السفل من النار‪ ،‬قال تعالى ‪)) :‬إ ّ‬
‫صيرًا(( ]النساء‪.[145 :‬‬ ‫م نَ ِ‬ ‫جد َ ل َهُ ْ‬‫ن الّنارِ وََلن ت َ ِ‬
‫م َ‬
‫ِ‬
‫فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف‪ ،‬وهم فوقهم في دركات النار؛ لن‬
‫الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله‪ ،‬وزاد المنافقون عليهم‬
‫ة المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين‪،‬‬ ‫بالكذب والنفاق‪ ،‬وبلي ُ‬
‫َ‬
‫ه أّنى ي ُؤ ْفَ ُ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬
‫ن((‬ ‫كو َ‬ ‫م الل ُ‬ ‫م َقات َلهُ ُ‬ ‫حذ َْرهُ ْ‬‫م العَد ُوّ َفا ْ‬‫ولهذا قال تعالـى ‪ )) :‬هُ ُ‬
‫]المنافقون‪. [4 :‬‬
‫ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر‪ ،‬والمراد‪ :‬إثبات الولوية والحقية لهم في‬
‫هذا الوصف‪ ،‬ل على معنى أنه ل عدو لكم سواهم‪ ،‬بل على معنى أنهم أحق‬
‫بأن يكونوا لكم عدوّا ً من الكفار المجاهرين‪ ،‬فإن الحرب مع أولئك ساعة أو‬
‫أيامًا‪ ،‬ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر‪ ،‬وهؤلء معهم في الديار والمنازل‪،‬‬
‫صباحا ً ومساًء‪ ،‬يدلون العدو على عوراتهم‪ ،‬ويتربصون بهم الدوائر‪ ،‬ول‬
‫يمكنهم مناجزتهم ‪..‬‬
‫وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك السفل من النار لغلظ كفرهم‪ ،‬فإنهم‬
‫خالطوا المسلمين وعاشروهم‪ ،‬ووصل إليهم من معرفة اليمان ما لم يصل‬
‫‪ (63)63‬انظر ‪ :‬مدارج السالكين ‪1/347 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫إلى المنابذين بالعدواة‪ ،‬فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ‬
‫كفرًا‪ ،‬وأخبث قلوبًا‪ ،‬وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء‬
‫فُروا فَط ُب ِعَ ع ََلى‬
‫م كَ َ‬ ‫عـنهـم‪ ،‬قال تعالى عـن المنافقين‪)) :‬ذ َل َ َ‬
‫مُنوا ث ُ ّ‬
‫مآ َ‬‫ك ب ِأن ّهُ ْ‬‫ِ‬
‫قُُلوب ِهِ ْ‬
‫م فَهُ ْ‬
‫‪64‬‬
‫ن(( ]المنافقون‪. ([3 :‬‬ ‫قُهو َ‬
‫ف َ‬
‫م ل يَ ْ‬
‫‪ -2‬تحذير القرآن منهم‪:‬‬
‫ذر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في آيات كثيرة‪ ،‬فكان‬ ‫ح ّ‬
‫الحديث عن النفاق والمنافقين في القرآن في سـبع عشرة سورة مدنية‬
‫من ثلثين سورة‪ ،‬واستغرق ذلك قرابة ثلثمائة وأربعين آية‪ ،‬حتى قال ابن‬
‫القيم رحمه الله ‪) :‬كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم(‪.65‬‬
‫‪ -3‬تحذير الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬من النفاق‬
‫خاف النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬على أمته من النفاق والمنافقين‪ ،‬وح ّ‬
‫ذر‬
‫شَعب النفاق في أحاديث‬ ‫وأنذر من سلوك المنافقين‪ ،‬وحذر من الوقوع في ُ‬
‫كثيرة‪.‬‬
‫فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما مرفوعا ً ‪)) :‬إن أخوف ما أخاف‬
‫عليكم بعدي‪ :‬منافق عليم اللسان((‪.66‬‬
‫قال المناوي في التيسير ]‪ ) :[1/52‬كل منافق عليم اللسان‪ :‬أي‪ :‬عالم‬
‫للعلم‪ ،‬منطلق اللسان به‪ ،‬لكنه جاهل القلب والعمل‪ ،‬فاسد العقيدة‪ ،‬مغر‬
‫للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلم(‪.67‬‬
‫‪.‬‬
‫وقال المناوي ـ أيضا ً ـ ‪ ) :‬أي ‪ :‬كثير علم اللسان ‪ ،‬جاهل القلب والعمل‪،‬‬
‫اتخذ العلم حرفة يتأكل بها‪ ،‬وأبهة يتعزز بها‪ ،‬يدعو الناس إلى الله‪ ،‬ويفّر هو‬
‫منه(‪.68‬‬
‫‪ -4‬خوف السلف الصالح على أنفسهم من النفاق ‪:‬‬
‫كان سلفنا الصالح )رحمهم الله( ‪ -‬مع عمق إيمانهم وكمال علمهم ـ يخافون‬
‫النفاق أيما خوف ‪ ،‬فقد أخرج البخاري ‪ -‬تعليقا ً ‪ -‬أن ابن أبي مليكة رحمه‬
‫الله قال ‪) :‬أدركت ثلثين من أصحاب النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬كلهم‬
‫يخاف النفاق على نفسه(‪.‬‬
‫قال الحافط ابن حجر‪) :‬والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة‪ ،‬مـن‬
‫أجّلهـم‪ :‬عائشـة‪ ،‬وأختها أسمـاء‪ ،‬وأم سلمـة ‪ ،‬والعبادلة الربعـة‪ ،‬وأبو‬
‫ل من هؤلء‪،‬‬ ‫هريرة‪ ...،‬فهؤلء ممن سمع منهم‪ ،‬وقد أدرك بالسن جماعة أج ّ‬

‫‪ (64)64‬طريق الهجرتين ‪ ،‬ص ‪ ، 404 402‬باختصار يسير ‪.‬‬


‫‪ (65)65‬مدارج السالكين ‪. 1/347 ،‬‬
‫‪ (66)66‬أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪ ، 23‬والطبراني في الكبير ‪، 18/237 ،‬‬
‫عب ‪ ، 2/161 ،‬وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ‪) : (187 /1) ،‬رجاله رجال‬ ‫والبيهقي في ال ّ‬
‫ش َ‬
‫الصحيح( ‪ ،‬وصححه اللباني في الجامع الصغير ‪.‬‬
‫‪ (67)67‬التيسير‪(1/52):‬‬
‫‪ (68)68‬التيسير)‪(1/309‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫ي‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص‪ ،‬وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في‬ ‫كعل ّ‬
‫العمال‪ ،‬ولم ينقل عن غيرهم خلف ذلك‪ ،‬فكأنه إجماع‪ ،‬وذلك لن المؤمن‬
‫قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الخلص‪ ،‬ول يلزم من‬
‫‪69‬‬
‫خوفهم من ذلك وقوعه منهم‪(..‬‬
‫وكان أبو الدرداء )رضي الله عنه( إذا فرغ من التشهد ـ في الصلة ـ يتعوذ‬
‫بالله من النفاق‪ ،‬ويكثر التعوذ منه‪ ،‬فقال له أحدهم‪ :‬ومالك ـ يا أبا الدرداء ـ‬
‫أنت والنفاق؟‪ ،‬فقال دعنا عنك‪ ،‬فو الله إن الرجل ليقلب عن دينه في‬
‫‪70‬‬
‫الساعة الواحدة فُيخلع منه ‪.‬‬
‫وكان الحسن البصري رحمه الله يقول ‪) :‬ما خافه ‪-‬النفاق‪ -‬إل مؤمن‪ ،‬ول‬
‫أمنه إل منافق(‪.71‬‬
‫وسئل المام أحمد ‪ :‬ما تقول فيمن ل يخاف على نفسه النفاق؟ قال‪) :‬ومن‬
‫يأمن على نفسه النفاق( ؟!‪.72‬‬
‫يقول ابن القيم ‪) :‬وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من‬
‫أهل هذه الطبقة‪ ،‬ولهذا اشتد خوف سادة المة وسابقيها على أنفسهم أن‬
‫يكونوا منهم‪ ،‬فكان عمر يقول لحذيفة‪ :‬ناشدتك الله‪ ،‬هل سماني رسول‬
‫ً ‪73‬‬
‫ي هذا‬
‫الله مع القوم؟ فيقول‪ :‬ل‪ ،‬ول أزكي بعدك أحدا ‪ ،‬يعني ل أفتح عل ّ‬
‫الباب في تزكية الناس‪ ،‬وليس معناه أنه لم َيبرأ من النفاق غيرك(‪.74‬‬
‫فتأمل رحمك الله ما عليه أولئك السلف البرار من خوف شديد من‬
‫النفاق ودواعيه‪ ،‬ثم انظر إلى حال الكثرين منا في هذا الزمان‪ ،‬فمع ضعف‬
‫اليمان وغلبة الجهل تجد المن من النفاق والغفلة عنه!‪ ..‬فالله المستعان‪.‬‬
‫‪-5‬ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين‪ :‬أنهم كثيرون‪،‬‬
‫منتشرون في بقاع الرض‪.‬‬
‫كما قال الحسن البصري )رحمه الله(‪) :‬لول المنافقون لستوحشتم في‬
‫الطرقات(‪.75‬‬
‫وقال ابن القيم‪) :‬كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم‪ ،‬لكثرتهم على ظهر‬
‫الرض‪ ،‬وفي أجواف القبور‪ ،‬فل خلت بقاع الرض منهم لئل يستوحش‬
‫ب المعايش‪ ،‬وتخطفهم الوحوش‬ ‫المؤمنون في الطرقات‪ ،‬وتتعطل بهم أسبا ُ‬
‫والسباع في الفلوات‪ ،‬سمع حذيفة رضي الله عنه رجل ً يقول ‪ :‬اللهم‬
‫‪(69)69‬الفتح )‪(1/111‬‬
‫‪ (70)70‬أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪ ، 69‬وقال الذهبي في السير )‪: (382/ 6‬‬
‫إسناده صحيح‪.‬‬
‫‪(71)71‬أخرجه البخاري تعليقا ً وأخرجه الخلل في السنة )‪(5/68‬‬
‫‪ (72)72‬انظر ‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪ ،‬لبن رجب ‪. 2/493 ،‬‬
‫‪ (73)73‬كان عمر الفاروق )رضي الله عنه( يخاف من نفاق العمل ل نفاق الكفر ‪ ،‬كما أن عمر‬
‫يخاف هذا النفاق الصغر على نفسه في الحال وليس عند الموت فحسب ‪ ،‬انظر تفصيل‬
‫ذلك في جامع العلوم ‪ ، 2/492 ،‬وفتح الباري ‪. 1/90 ،‬‬
‫‪ (74)74‬طريق الهجرتين ‪ ،‬ص ‪. 409‬‬
‫‪ (75)75‬أخرجه ابن بطة في )البانة الكبرى( ‪. 2/698 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫أهلك المنافقين ‪ ،‬فقال‪ :‬يا ابن أخي‪ ،‬لو هلك المنافقون لستوحشتم في‬
‫طرقاتكم من قلة السالك(‪.76‬‬
‫ول يعني ذلك تعميم الحكم بالنفاق على الكثرية والغلبية‪ ،‬فإن النفاق‬
‫شَعب وأنواع‪ ،‬كما أن الكفر شعب وأنواع‪ ،‬والمعاصي بريد الكفر‪ ،‬فكذا من‬ ‫ُ‬
‫كان متهما ً بنفاق فهم على أنواع متعددة‪ ،‬كما وضحه شيخ السلم ابن تيمية‬
‫بقوله‪) :‬ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا ً واحدًا‪ ،‬بل فيهم المنافق‬
‫من إيمانه غالب وفيه شعبة‬ ‫من فيه إيمان ونفاق‪ ،‬وفيهم َ‬ ‫المحض‪ ،‬وفيهم َ‬
‫من النفاق‪ ،‬ولما قوي اليمان وظهر اليمان وقوته عام تبوك‪ :‬صاروا‬
‫يعاتبون من النفاق على ما لم يكن يعاتبون عليه قبل ذلك‪.77(..‬‬
‫‪ -6‬سهولة النخداع بهم ‪:‬‬
‫فالمنافقون أصحاب تذبذب وتقلب‪ ،‬وأرباب خداع وتلبيس‪ ،‬فيتكلمون‬
‫بمعسول الكلم‪ ،‬وفصيح الخطاب‪ ،‬ويظهرون للناس في هيئة حسنة‪،‬‬
‫ومظهر جذاب‪ ،‬فربما انخدع لهم الفئام من المسلمين‪ ،‬فمالوا إليهم وأصغوا‬
‫م(( ]التوبة‪،[47 :‬‬ ‫ن ل َهُ ْ‬
‫عو َ‬ ‫ما ُ‬‫س ّ‬
‫م َ‬ ‫إلى قولهم وتدليسهم‪ ،‬قال تعالى ‪)) :‬وَِفيك ُ ْ‬
‫م(( ]المنافقون‪.[4 :‬‬ ‫قوْل ِهِ ْ‬
‫معْ ل ِ َ‬ ‫قوُلوا ت َ ْ‬
‫س َ‬ ‫وقال سبحانه ‪َ )) :‬وإن ي َ ُ‬
‫ً‬ ‫ً‬
‫إن هذا التلون والتذبذب يجعل خطرهم كبيرا‪ ،‬وشرهم مستطيرا‪ ،‬حيث‬
‫يخفون كفرهم وضللهم‪ ،‬ويتظاهرون باليمان والهتداء‪.‬‬
‫ولذا‪ :‬خفي على كثير من المسلمين حال بعض الزنادقة )المنافقين( في‬
‫القديم والحديث‪ ،‬وكما قال الذهبي رحمه الله في شأن الحلج‪ ) :‬فهو‬
‫صوفي الزي والظاهر‪ ،‬متستر بالنسب إلى العارفين‪ ،‬وفي الباطن‪ :‬فهو من‬
‫صوفية الفلسفة أعداء الرسل‪ ،‬كما كان جماعة في أيام النبي ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬منتسبون إلى صحبته وإلى ملته‪ ،‬وهم في الباطن من مردة‬
‫المنافقين‪ ،‬قد ل يعرفهم النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬ول يعلم بهم‪ ،‬قال‬
‫تعالى ‪)) :‬وم َ‬
‫م(( ]التوبة‪.[101 :‬‬ ‫مه ُ ْ‬‫ق ل ت َعْل َ ُ‬ ‫فا ِ‬ ‫دوا ع ََلى الن ّ َ‬ ‫مَر ُ‬‫دين َةِ َ‬‫م ِ‬‫ل ال َ‬
‫ن أهْ ِ‬
‫َ ِ ْ‬
‫فإذا جاز على سيد البشر أن ل يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة‬
‫سنوات‪ ،‬فبالولى‪ :‬أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين‬
‫السلم بعده عليه الصلة والسلم على العلماء من أمته(‪.78‬‬
‫‪ -7‬انتشار النفاق الصغر في مجتمعاتنا‪:‬‬
‫ومما يؤكد خطر النفاق‪ :‬أن الكثير من شعب النفاق الصغر ـ الذي ل ُيخرج‬
‫عن الملة ـ قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين‪ ،‬كالكذب‪ ،‬وخلف‬

‫‪ (76)76‬مدارج السالكين ‪. 1/358 ،‬‬


‫)‪ (77‬مجموع الفتاوي ‪. 7/523 ،‬‬
‫)‪(78‬السير ‪. 14/343 ،‬‬
‫‪77‬‬
‫‪78‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫الوعد‪ ،‬والرياء‪ ،‬والخيانة‪ ،‬والجبن‪ ،‬وترك الجهاد في سبيل الله تعالى ‪ ،‬وعدم‬
‫تحديث النفس بذلك‪.‬‬
‫ومع أن هذه الخصال من النفاق الصغر‪ ،‬لكنها قد تؤول إلى النفاق الكبر‬
‫المخرج من الملة ‪.‬وفي هذا يقول ابن رجب ‪) :‬والنفاق الصغر وسيلة‬
‫وذريعة إلى النفاق الكبر‪ ،‬كما أن المعاصي بريد الكفر‪ ،‬فكما ُيخشى على‬
‫من أصّر على المعصية أن ُيسلب اليمان عند الموت‪ ،‬كذلك يخشى على‬
‫من أصر على خصال النفاق أن يسلب اليمان‪ ،‬فيصير منافقا ً خالصًا(‪.79‬‬
‫بل استفحل المر‪ ،‬وعظم النفاق حتى صرنا نشاهد صورا ً أو أنواعا ً من‬
‫النفاق الكبر في بلد المسلمين‪ ،‬ومن ذلك‪ :‬الستهزاء بدين الله تعالى ‪،‬‬
‫والفرح والسرور بانخفاض دين السلم وهزيمة المسلمين‪ ،‬والعراض التام‬
‫عن حكم الله تعالى‪ ،‬ومظاهرة الكفار ضد المسلمين‪...‬‬
‫حذروا مكايد المنافقين ومسالكهم‪ ،‬فل‬ ‫إن على الدعاة إلى الله أن ي َ ْ‬
‫ينخدعوا بهم‪ ،‬أو يتساهلوا معهم‪ ،‬وأن يعنى الدعاة بمعرفة النفاق وخطره‬
‫وشعبه؛ مخافة أن يصيبهم‪ ،‬وأن يتعرفوا على مكايد المنافقين ومخططاتهم‬
‫في الماضي والحاضر لكي ل يقعوا في شراكهم‪ ،‬وأن يجتهد المصلحون في‬
‫تحقيق تزكية النفوس وتربية الجيال على اليمان الصحيح‪ ،‬والقيام بالعبادة‬
‫ظاهرا ً وباطنًا‪،‬‬
‫فالمنافقون أرباب ظواهر ل بواطن‪ ،‬وسيدرك الصادقون في إيمانهم أولئك‬
‫َ‬ ‫المنافقين من خلل لحن القول‪ ،‬كما قال سبحانه‪)) :‬وَل َوْ ن َ َ‬
‫م‬‫شاُء لَري َْناك َهُ ْ‬
‫ل(( ]محمد‪.[30 :‬‬ ‫قو ْ ِ‬
‫ن ال َ‬ ‫م ِفي ل َ ْ‬
‫ح ِ‬ ‫م وَل َت َعْرِفَن ّهُ ْ‬
‫ماهُ ْ‬
‫سي َ‬‫فَل َعََرفْت َُهم ب ِ ِ‬
‫سم عليها‪ ،‬لكن هذا يكون‬ ‫ق َ‬
‫م ْ‬
‫قال شيخ السلم ‪) :‬فمعرفة المنافقين ثابتة ُ‬
‫‪80‬‬
‫إذا تكلموا‪ ،‬وأما معرفتهم بالسيما فهو موقوف على مشيئة الله( ‪.‬‬
‫وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ‪ :‬ما أسّر أحد سريرة‬
‫إل أظهرها الله على وجهه وفلتات لسانه‪.‬‬
‫ً‬
‫وأشير إلى مسألة مهمة‪ ،‬وهي‪ :‬أن النفاق موجود وواقع‪ ،‬خلفا لمن أنكره‬
‫من طوائف المرجئة‪ ،‬فقد زعم صنف من المرجئة أنه ليس في هذه المة‬
‫نفاق‪.81‬‬

‫‪79‬‬

‫‪80‬‬
‫)‪ (79‬جامع العلوم ‪. 2/492 ،‬‬
‫)‪ (80‬مجموع الفتاوي ‪. 17/118 ،‬‬
‫انظر ‪) :‬التنبيه والرد( للملطي ‪ ،‬ص ‪164‬‬ ‫)‪(81‬‬
‫أخرجه الخلل في السنة )‪ ، (5/72‬والفريابي في صفة المنافق )‪. (85 ، 72‬‬ ‫)‪(82‬‬
‫أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪. 93‬‬ ‫)‪(83‬‬
‫انظر ‪ :‬جامع العلوم والحكم ‪ ،‬لبن رجب ‪. 2/480 ،‬‬ ‫)‪(84‬‬
‫‪81‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫قيل للحسن البصري‪ :‬إن قوما ً يزعمون أن ل نفاق‪ ،‬ول يخافون النفاق‪،‬‬
‫ي من‬ ‫ب إل ّ‬ ‫فقال الحسن‪ :‬والله لن أكون أعلم أني بريء من النفاق أح ّ‬
‫طلع )ملء( الرض ذهبا ً‪.82‬‬
‫وقال سفيان الثوري‪ :‬خلف ما بيننا وبين المرجئة ثلثة‪ ..،‬وذكر منها‪ :‬نحن‬
‫نقول‪ :‬النفاق‪ ،‬وهم يقولون‪ :‬ل نفاق‪.83‬‬
‫وحمل أولئك المرجئة حديث عبد الله بن عمرو‪ )) :‬أربع من كن فيه كان‬
‫منافقًا‪ ((...‬على المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ ،-‬حيث تلبسوا بهذه الخصال الربع‪.84‬‬
‫وليس لهم أن يحتجوا بما أخرجه البخاري عن حذيفة )رضي الله عنه(‪ ،‬حيث‬
‫قال‪) :‬إنما كان النفاق على عهد النبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬فأما اليوم‬
‫فإنما هو الكفر بعد اليمان(‪.‬‬
‫حيث قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ‪) :‬والذي يظهر‪ :‬أن حذيفة لم يرد‬
‫نفي الوقوع‪ ،‬وإنما أراد نفي اتفاق الحكم؛ لن النفاق إظهار اليمان وإخفاء‬
‫الكفر‪ ،‬ووجود ذلك ممكن في كل عصر‪ ،‬وإنما اختلف الحكم؛ لن النبي‬
‫‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من السلم ولو ظهر‬
‫منهم احتمال خلفه‪ ،‬وأما بعده‪ :‬فمن أظهر شيئا ً فإنه يؤاخذ به ول يترك‬
‫لمصلحة التآلف لعدم الحتياج إلى ذلك(‪.85‬‬
‫ص حذيفة على وقوع النفاق بعد عهد النبوة في‬ ‫وبالضافة إلى ذلك‪ :‬فقد ن ّ‬
‫عدة أقوال‪ ،‬ومن ذلك قوله رضي الله عنه ‪) :‬المنافقون الذين فيكم شّر‬
‫من المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪،-‬‬
‫فقيل له‪ :‬وكيف ذاك ؟‪ ،‬فقال ‪ :‬إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم ‪ ،‬وإن هؤلء‬
‫يعلنون(‪.86‬‬
‫وجاء رجل من المرجئة ليوب السختياني‪ ،‬فقال‪ :‬إنما هو الكفر واليمان‪،‬‬
‫جو َ َ‬
‫ب‬‫ما ي َُتو ُ‬
‫م َوإ ّ‬ ‫مرِ الل ّهِ إ ّ‬
‫ما ي ُعَذ ّب ُهُ ْ‬ ‫نل ْ‬ ‫مْر َ ْ‬‫ن ُ‬
‫خُرو َ‬
‫فقال أيوب‪ :‬أرأيت قوله‪َ)) :‬وآ َ‬
‫م(( ]التوبة‪ ،[106 :‬أمؤمنون هم أم كفار؟ فسكت الرجل‪ ،‬فقال أيوب‪:‬‬ ‫ع َل َي ْهِ ْ‬
‫اذهب فاقرأ القرآن‪ ،‬فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على‬
‫نفسي!‪.87‬‬

‫‪82‬‬
‫‪83‬‬

‫‪84‬‬

‫‪ (85)85‬فتح الباري ‪.13/74 ،‬‬


‫‪ (86)86‬أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪. 53‬‬
‫‪ (87)87‬أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪. 92‬‬
‫)‪ (88‬أخرجه الفريابي في )صفة المنافق( ‪ ،‬ص ‪ ، 4‬وقال الذهبي في السير )‪: (11/362‬‬
‫)هذا حديث حسن السناد( ‪.‬‬
‫)‪ (89‬سير أعلم النبلء ‪. 11/362 ،‬‬
‫)‪ (90‬مجموع الفتاوى ‪. 28/433 ،‬‬
‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫ولعل هذا الثر يكشف سبب إنكار أولئك المرجئة للنفاق‪ ،‬فهذا المرجئ‬
‫يقول‪ :‬إنما هو الكفر واليمان‪ ،‬ومقصوده‪ :‬أن اليمان شيء واحد إذا ثبت‬
‫بعضه ثبت جميعه‪ ،‬وإذا زال بعضه زال جميعه‪ ،‬فل يجتمع ـ عندهم ـ في‬
‫العبد إيمان وكفر أو نفاق أصغر‪ ،‬ولذا‪ :‬احتج عليه أيوب بالية الكريمة‬
‫مرِ الل ّ ِ‬
‫ه(( ‪.‬‬ ‫جو َ َ‬
‫نل ْ‬ ‫مْر َ ْ‬ ‫ن ُ‬ ‫خُرو َ‬ ‫))َوآ َ‬
‫ص‪ ،‬وخلطوا عمل ً صالحا ً وآخر سيئًا‪،‬‬ ‫فهذا صنف جمعوا بين إيمان ومعا ٍ‬
‫مرهم إلى الله )تعالى(‪ ،‬فليسوا من أهل اليمان المطلق التام‪ ،‬كما أنهم‬ ‫فأ ْ‬
‫ليسوا كفارا ً مطلقًا‪.‬‬
‫وقد غلط المرجئة في ذلك‪ ،‬فليس اليمان شيئا ً أو شعبة واحدة‪ ،‬بل إن‬
‫اليمان شعب متعددة ـ كما في حديث شعب اليمان ـ وكذلك الكفر‬
‫والنفاق شعب متعددة‪.‬‬
‫ويدل على ذلك‪ :‬ما رواه أبو هريرة مرفوعًا‪ )) :‬ثلث من كن فيه فهو‬
‫منافق‪ :‬إذا حدث كذب‪ ،‬وإذا وعد أخلف‪ ،‬وإذا أؤتمن خان‪ ،‬فقال رجل‪ :‬يا‬
‫رسول الله‪ ،‬ذهبت اثنتان وبقيت واحدة ؟ قال‪ :‬فإن عليه شعبة من نفاق ما‬
‫بقي منهن شيء((‪.88‬‬
‫قال الذهبي‪) :‬وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب‪ ،‬كما أن اليمان ذو‬
‫شعب ويزيد وينقص‪ 89(..‬وقال شيخ السلم ‪) :‬وكل واحد من اليمان‬
‫والكفر والنفاق له دعائم وشعب‪ ،‬كما دلت عليه دلئل الكتاب والسنة‪.90(..‬‬
‫وأمر آخر‪ ،‬وهو‪ :‬أن مقالة الكرامية‪ ،‬وهم من طوائف المرجئة‪ ،‬بأن اليمان‪:‬‬
‫قول باللسان‪ ،‬قد تكون سببا ً في إنكارهم النفاق ونفيه‪ ،‬فالمنافق ‪ -‬عندهم‬
‫– مؤمن بالنسبة إلى أحكام الدنيا‪ ،‬مع أن الله )تعالى( قد نفى اليمان عن‬
‫ر‬ ‫مّنا ِبالل ّهِ وَِبال ْي َوْم ِ ال ِ‬
‫خ ِ‬ ‫قو ُ‬
‫لآ َ‬ ‫من ي َ ُ‬
‫س َ‬
‫ن الّنا ِ‬
‫م َ‬
‫المنافقين بقوله )سبحانه(‪)) :‬وَ ِ‬
‫ن(( ]البقرة‪.[8 :‬‬ ‫مؤ ْ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫هم ب ِ ُ‬
‫ما ُ‬ ‫وَ َ‬
‫كما أن غلة المرجئة ‪ -‬الجهمية ومن تبعهم ‪ -‬ينكرون العمال القلبية‪،‬‬
‫فيخرجونها عن مسمى اليمان‪ ،‬فاليمان ـ عندهم ـ معرفة أو تصديق بل‬
‫عمل قلبي‪.‬‬

‫ل‪ ،‬فالتصديق بل نية أو عمل قلبي نفاق ‪،91‬‬ ‫وهذا ل يعد ّ إيمانا ً صحيحا ً ول مقبو ً‬
‫فجعلوا اليمان مجرد ومن ثم سينكرون النفاق‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬
‫أما عن الموقف والواجب تجاه المنافقين‪ ،‬فيتمثل في جملة أمور‪ ،‬منها‪:‬‬

‫‪88‬‬

‫‪89‬‬
‫‪90‬‬

‫‪ (91)91‬انظر ‪ :‬مجموع الفتاوى لبن تيمية ‪. 7/171 ،‬‬


‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫َ‬
‫مُنوا‬ ‫نآ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫‪ -1‬النهي عن موالتهم والركون إليهم‪ ،‬كما قال تعالى ‪َ )) :‬يا أي َّها ال َ ِ‬
‫ضاُء‬ ‫ت الب َغْ َ‬ ‫م قَد ْ ب َد َ ِ‬ ‫ما ع َن ِت ّ ْ‬ ‫دوا َ‬ ‫خَبال ً وَ ّ‬ ‫م َ‬ ‫م ل ي َا ًُلون َك ُ ْ‬ ‫دون ِك ُ ْ‬ ‫من ُ‬ ‫ة ّ‬ ‫طان َ ً‬ ‫ذوا ب ِ َ‬ ‫خ ُ‬ ‫ل ت َت ّ ِ‬
‫َ‬ ‫م َ‬
‫ها‬
‫ن* َ‬ ‫قُلو َ‬ ‫م ت َعْ ِ‬ ‫كنت ُ ْ‬ ‫ت إن ُ‬ ‫م الَيا ِ‬ ‫م أك ْب َُر قَد ْ ب َي ّّنا ل َك ُ ُ‬ ‫دوُرهُ ْ‬ ‫ص ُ‬ ‫في ُ‬ ‫خ ِ‬ ‫ما ت ُ ْ‬ ‫م وَ َ‬ ‫واه ِهِ ْ‬ ‫ن أفْ َ‬ ‫ِ ْ‬
‫ُ‬ ‫َ‬
‫مّنا‬ ‫م َقاُلوا آ َ‬ ‫قوك ُ ْ‬ ‫ذا ل َ ُ‬ ‫ب ك ُل ّهِ َوإ َ‬ ‫ن ِبال ْك َِتا ِ‬ ‫مُنو َ‬ ‫م وَت ُؤ ْ ِ‬ ‫حّبون َك ُ ْ‬ ‫م َول ي ُ ِ‬ ‫حّبون َهُ ْ‬ ‫م أْولِء ت ُ ِ‬ ‫أنت ُ ْ‬
‫م‬
‫ه ع َِلي ٌ‬ ‫ن الل ّ َ‬ ‫مإ ّ‬ ‫موُتوا ب ِغَي ْظ ِك ُ ْ‬ ‫ل ُ‬ ‫ظ قُ ْ‬ ‫ن الغَي ْ ِ‬ ‫م َ‬ ‫ل ِ‬ ‫م َ‬ ‫م ال ََنا ِ‬ ‫ضوا ع َل َي ْك ُ ُ‬ ‫وا ع َ ّ‬ ‫خل َ ْ‬ ‫ذا َ‬ ‫َوإ َ‬
‫دوِر(( ]آل عمران‪.[119 ،118 :‬‬ ‫ص ُ‬ ‫ت ال ّ‬ ‫ذا ِ‬ ‫بِ َ‬
‫ُ‬
‫ما ِفي قُُلوب ِهِ ْ‬
‫م‬ ‫ه َ‬ ‫م الل ّ ُ‬ ‫ن ي َعْل َ ُ‬ ‫ذي َ‬ ‫ك ال َ ِ‬ ‫‪ -2‬زجرهم ووعظهم‪ :‬لقوله تعالى ‪ )) :‬أوْل َئ ِ َ‬
‫م قَوْل ً ب َِليغًا(( ]النساء‪.[63 :‬‬ ‫م ِفي َأن ُ‬ ‫َ‬
‫سه ِ ْ‬ ‫ف ِ‬ ‫م وَُقل ل ّهُ ْ‬ ‫عظ ْهُ ْ‬ ‫م وَ ِ‬ ‫ض ع َن ْهُ ْ‬ ‫فَأع ْرِ ْ‬
‫ب‬ ‫ك الك َِتا َ‬ ‫‪ -3‬عدم المجادلة أو الدفاع عنهم‪ ،‬حيث قال تعالى‪ )) :‬إّنا أنَزل َْنا إل َي ْ َ‬
‫ر‬
‫ف ِ‬ ‫ست َغْ ِ‬ ‫صيما ً * َوا ْ‬ ‫خ ِ‬ ‫ن َ‬ ‫خائ ِِني َ‬ ‫كن ل ّل ْ َ‬ ‫ه َول ت َ ُ‬ ‫ك الل ّ ُ‬ ‫ما أ ََرا َ‬ ‫س بِ َ‬ ‫ن الّنا ِ‬ ‫م ب َي ْ َ‬ ‫حك ُ َ‬ ‫حقّ ل ِت َ ْ‬ ‫ِبال َ‬
‫َ‬
‫ن‬
‫مإ ّ‬ ‫سه ُ ْ‬ ‫ف َ‬ ‫ن أن ُ‬ ‫خَتاُنو َ‬ ‫ن يَ ْ‬ ‫ذي َ‬ ‫ن ال َ ِ‬ ‫ل عَ ِ‬ ‫جاد ِ ْ‬ ‫حيما ً * َول ت ُ َ‬ ‫فورا ً ّر ِ‬ ‫ن غَ ُ‬ ‫كا َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ّ َ‬ ‫هإ ّ‬ ‫الل ّ َ‬
‫وانا ً أ َِثيمًا(( ]النساء‪.[107 -105 :‬‬ ‫خ ّ‬‫ن َ‬ ‫كا َ‬ ‫من َ‬ ‫ب َ‬ ‫ح ّ‬ ‫ه ل يُ ِ‬ ‫الل ّ َ‬
‫فاَر‬ ‫جاه ِد ِ الك ُ ّ‬ ‫َ‬
‫ي َ‬ ‫‪ -4‬جهادهم والغلظة عليهم‪ :‬لقوله تعالى ‪َ)) :‬يا أي َّها الن ّب ِ ّ‬
‫صيُر(( ]التوبة‪.[73 :‬‬ ‫م ِ‬ ‫س ال َ‬ ‫م وَب ِئ ْ َ‬ ‫جهَن ّ ُ‬ ‫م َ‬ ‫ما ًَواهُ ْ‬‫م وَ َ‬ ‫ظ ع َل َي ْهِ ْ‬ ‫ن َواغ ْل ُ ْ‬ ‫قي َ‬ ‫مَنافِ ِ‬ ‫َوال ْ ُ‬
‫‪ -5‬تحقيرهم وعدم تسويدهم‪ :‬فعن بريدة بن الحصيب مرفوعًا‪) :‬ل تقولوا‬
‫ن يك سيدا ً فقد أسخطتم ربكم عز وجل(‪.92‬‬ ‫للمنافق )سّيد(‪ ،‬فإنه إ ّ‬
‫‪93‬‬
‫وكان حذيفة يؤيس )يحتقر( المنافقين ‪.‬‬
‫َ‬
‫ت‬ ‫ما َ‬ ‫من ُْهم ّ‬ ‫حد ٍ ّ‬ ‫ل ع ََلى أ َ‬ ‫ص ّ‬ ‫‪ -6‬عدم الصلة عليهم‪ ،‬امتثال ً لقوله تعالى ‪َ)) :‬ول ت ُ َ‬
‫ه(( ]التوبة‪.[84 :‬‬ ‫م ع ََلى قَب ْرِ ِ‬ ‫ق ْ‬ ‫أ ََبدا ً َول ت َ ُ‬

‫ونذكر في نهاية هذه المقالة جملة من التنبيهات‪:‬‬


‫ل‪ :‬علينا أن نفرق بين المداهنة ‪ -‬وهي من خصال المنافقين وشعب‬ ‫أو ً‬
‫النفاق – و بين المداراة‪ ،‬فالمداهنة‪ :‬مجاراة أهل الكفر والفسق في‬
‫باطلهم‪ ،‬وأما المداراة فهي‪ :‬مداراة أهل الكفر والفسق اتقاء شرهم‪ ،‬أو‬
‫تأليفا ً لقلوبهم‪.‬‬
‫فالمداهن صاحب تلون وتذبذب‪ ،‬وي َْلقى كل طائفة بما تهوى‪ ،‬كما في حديث‬
‫أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬قال ‪)) :‬تجدون‬
‫شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين‪ ،‬الذي يأتي هؤلء بوجه‪ ،‬وهؤلء‬
‫بوجه((‪.94‬‬

‫‪ (92)92‬أخرجه أبو داود والنسائي ‪.‬‬


‫)‪ (93‬أخرجه الخلل في السنة ‪. 5/70 ،‬‬
‫)‪ (94‬أخرجه البخاري ومسلم ‪.‬‬
‫)‪ (95‬فتح الباري ‪. 10/454 ،‬‬
‫‪93‬‬
‫‪94‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫قال القرطبي‪) :‬إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لن حاله حال المنافق‪ ،‬إذ‬
‫هو متعلق بالباطل وبالكذب‪ ،‬مدخل للفساد بين الناس‪ ،‬وقال النووي‪ :‬هو‬
‫الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها‪ ،‬فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها‪،‬‬
‫وصنيعه نفاق ومحض كذب(‪.95‬‬
‫فالمداهنة محرمة ومذمومة‪ ،‬بخلف المداراة؛ فقد سلكها رسول الله ‪-‬صلى‬
‫الله عليه وسلم‪ ،-‬كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها‬
‫عندما ‪ )) :‬استأذن رجل في الدخول على النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪،-‬‬
‫فقال‪ :‬بئس أخو العشيرة فلما جلس َتطّلق له النبي ‪ -‬صلى الله عليه‬
‫وسلم‪ -‬في وجهه‪ ،‬وانبسط له‪ ،‬فسألته عائشة‪ ،‬فقال‪ :‬يا عائشة متى‬
‫عهدتيني فاحشا ً ؟ إن شر الناس عند الله ‪ :‬من ت ََركه الناس مخافة‬
‫فحشه ((‪.96‬‬
‫وقد بّين أهل العلم الفرق بين المداراة والمداهنة‪ ،‬ومراد النبي ‪-‬صلى الله‬
‫عليه وسلم‪ -‬في مسلكه تجاه ذلك الرجل‪ ) ..‬قال القاضي عياض‪ :‬الفرق‬
‫بين المداراة والمداهنة‪ :‬أن المداراة‪ :‬بذل الدنيا لصلح الدين‪ ،‬أو الدنيا‪ ،‬أو‬
‫هما معًا‪ ،‬وهي مباحة‪ ،‬وربما استحبت‪ ،‬والمداهنة‪ :‬ترك الدين لصلح الدنيا‪،‬‬
‫والنبي ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق‬
‫في مكالمته‪ ،‬ومع ذلك فلم يمدحه بقول ‪ ،‬فلم يناقض قوله فيه فعله‪ ،‬فإن‬
‫قوله فيه قول حق‪ ،‬وفعله معه حسن عشرة(‪.97‬‬
‫قاه بالبشر‬ ‫وقال ابن بطال‪) :‬حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله‪ ،‬وحيث ت َل َ ّ‬
‫كان لتأليفه‪ ،‬أو لتقاء شره‪ ،‬فما قصد بالحالتين إل نفع المسلمين‪ ،‬ويؤيده‬
‫أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ول صالح(‪.98‬‬
‫إذا تقرر ذلك فليتق الله قوم يداهنون أنظمة طاغوتية ‪ ،‬وحكاما ً مضلين‪ ،‬ثم‬
‫يسمون صنيعهم مدارة وحكمة وسياسة ‪،‬فإن العبرة بالحقائق ‪ ،‬والله عّز‬
‫ل مطلع على السرائر وما تخفى الصدور‪.‬‬‫وج ّ‬
‫ثانيًا‪ :‬ينبغي أن نفّرق بين النفاق وبين ما يعرض للقلب من الغفلة والتغير‬
‫بعد الخشوع والخبات‪.‬‬
‫يقول ابن رجب ‪ ) :‬لما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو‬
‫اختلف السر والعلنية‪ ،‬خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه‬
‫حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والشتغال‬
‫بالهل والولد والموال‪ ..‬أن يكون ذلك منه نفاقًا‪ ،‬كما في صحيح مسلم‬
‫‪95‬‬

‫)‪ (96‬أخرجه البخاري ومسلم ‪.‬‬ ‫‪96‬‬

‫‪ (97)97‬فتح الباري ‪. 10/454 ،‬‬


‫‪ (98)98‬فتح الباري ‪. 13/171 ،‬‬
‫)‪ (99‬جامع العلوم والحكم ‪. 2/94 ،‬‬
‫)‪ (100‬صحيح مسلم بالنووي ‪. 17/67 ،‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬
‫الفسق والنفاق‬
‫لسْيديّ أنه مّر بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ) فقال ‪ :‬كيف‬ ‫عن حنظلة ا ُ‬
‫أنت يا حنظلة‪ ،‬قلت‪ :‬نافق حنظلة‪ ،‬قال‪ :‬سبحان الله! ما تقول‪ ،‬قال‪ :‬نكون‬
‫عند رسول الله ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي‬
‫العين‪ ،‬فإذا خرجنا من عند رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬عافسنا‬
‫] اشتغلنا بـ [ الزواج والولد والضيعات‪ ،‬فنسينا كثيرًا‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬فوالله‬
‫إنا لنلقى مثل هذا‪ ،‬فانطلقا إلى رسول الله ‪-‬صلى الله عليه وسلم‪ ،-‬وأخبره‬
‫حنظلة بحاله‪ ،‬فقال عليه الصلة‬
‫والسلم ‪)) :‬والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي‬
‫لصافحتكم الملئكة على فرشكم وفي طرقكم‪ ،‬ولكن يا حنظلة ساعة‬
‫وساعة((‪.99‬‬
‫وقال النووي ‪) :‬وأصل النفاق‪ :‬إظهار ما يكتم خلفه من الـشـــر‪ ،‬فخـاف‬
‫أن يكــون ذلك منافقًا‪ ،‬فأعلمهم النبي ‪ -‬صلى الله عليه وسلم‪ -‬أنه ليس‬
‫بنـفــاق‪ ،‬وأنهم ل يكلفون الدوام على ذلك(‪.100‬‬
‫والمقصود ‪ :‬أن أمر النفاق شيء‪ ،‬وأما الغفلة والذهول شـيء آخــــر‪ ،‬حيث‬
‫يرد هذا التغير على القلب‪ ،‬لكنه أمر عارض يصيب القلب ساعة‪ ،‬فيستغفر‬
‫العبد ربه وينيب‪.‬‬
‫ثالثا ً ‪ :‬أن نفّرق بين قبول الحق من كل شخص ســواًء أكان مؤمنا ً أو كافرا ً‬
‫أو منافقًا‪ ،‬وبين موالة ذلك الشخص ومودته‪ ،‬فالمنافق إذا قال صوابــًا‪،‬‬
‫فإنه يقبل هذا الصواب منه‪ ،‬ومع ذلك فله حق العداوة والبغضاء بحسب‬
‫نفاقه‪ ،‬وفي المقابل‪ :‬فإن العالم الفاضل أو الداعية الصادق‪ ،‬وإن وقع في‬
‫واَفق على زلته وعثرته‪ ،‬لكن يبقى له حق الولء والنصرة‬ ‫زلة أو عثرة‪ ،‬فل ي ُ َ‬
‫حسب إيمانه وتقواه‪.‬‬
‫كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه‪)) :‬واحذروا زيغة الحكيم ‪ ،‬وقد يقول‬
‫المنافق كلمة الحق‪ ،‬فاقبلوا الحق؛ فإن على الحق نورًا((‪. 101‬‬
‫فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من النفاق‪ ،‬وأن يختم لنا باليمان‬
‫وبالله التوفيق ‪,‬‬

‫‪99‬‬
‫‪100‬‬

‫‪101‬‬
‫)‪ (101‬أخرجه أبو نعيم في الحلية ‪. 233 ، 1/232 ،‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة لموقع فضيلة الشيخ د‪.‬عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف‬
‫‪www.islamlight.net/alabdullatif‬‬